الدرس : 3 - سورة المجادلة - تفسير الآيات11-13 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 3 - سورة المجادلة - تفسير الآيات11-13


1996-05-31

 آداب المجلس في القرآن والسنة

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الأخوة المؤمنون... مع الدرس الثالث من سورة المجادلة ومع الآية الحادية عشرة، وهي قوله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾

 الله سبحانه وتعالى يخاطب عامة الناس بأصول الدين، و يخاطب المؤمنين بفروع الدين، وهذه الآية تتحدث عن أدب المجلس، فالمؤمن لا بدّ له من أن يحضر خطبة جمعة أو مجلس علم، ولهذا المجلس آداب، وتعد هذه الآية مع الأحاديث الشريفة الصحيحة بمجملها من آداب مجالس العلم التي أقرها القرآن الكريم.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا ﴾

 حرص أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم على مجالسه:
 لقد كان أصحاب النبي رضوان الله عليهم شديدي التعلق به، كما أنهم كانوا حريصين على مجالسه أشدّ الحرص، فكانوا يجلسون في مقدمة الصفوف حول النبي صلى الله عليه وسلم طلباً للقرب من الله عز وجل، لكن هذا الحرص الشديد من أصحاب النبي على أن يكونوا مع النبي في الصفوف الأولى نشأت منه مشكلة الازدحام.
 سبب نزول الآية:
 يروي بعض المفسرين أن سبب نزول هذه الآية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان جالساً بين أصحابه، فجاء قوم من أهل بدر من الأنصار والمهاجرين، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعرف للناس مكانتهم وينزلهم منازلهم، فهؤلاء الأصحاب الذين سبقوا بقية المؤمنين كانوا قد عاونوا النبي صلى الله عليه وسلم وخاضوا غمار الحرب في موقعة بدر مع النبي عليه الصلاة والسلام، لذلك كان النبي عليه الصلاة والسلام حريصاً على مكانتهم، فجاء هؤلاء وسلموا ولم يتزحزح أحد لهم، ولم يكن هذا الفعل انتقاصاً لأصحاب رسول الله، ولكن الصحابة كانوا يحرصون حرصاً شديداً على مكانهم إلى جنب النبي في الصف الأول، فسلّم هؤلاء فلم يستجب أحد لهم، فتألم النبي عليه السلام، وعُرف ذلك من وجهه فنزلت هذه الآية:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا ﴾

 آداب المجالس:
 قال العلماء: إن هذه الآية متعلقة بمجالس العلم، كما أنها متعلقة بمقاعد القتال أيضاً، فقد كان بذل النفس عند أصحاب النبي رضوان الله عليهم من أحبّ الأشياء إليهم، وقد كانوا يتزاحمون على الصف الأول من القتال، ولا يسمحون لأحد أن يزاحمهم هذا المكان، و سبب ذلك إنما هو تنافس الصحابة على القرب من الخير الذي جعله رسول الله هدفاً لهم، وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة إلى بعض هذه الآداب، فقال عليه الصلاة والسلام:

((من سبق إلى ما لم يُسبق إليه فهو أحق به ))

 وهذا الحديث يمثل نظام مجلس العلم في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما أن هناك توجيهاً نبوياً في حديث آخر يقول: " لَا يُقِيمُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ يَجْلِسُ فِيهِ"، فلا يجوز للمؤمن أن يومئ إلى إنسان ليقوم من مجلسه ويجلس فيه، لأن المؤمنين عند الله سواسية، و مقامك ليس في مكانك بل في مكانتك، وقد نهى النبي في أحاديث كثيرة جداً بلغت درجة التواتر إلى عدم جواز قيام الرجل للرجل من مجلسه ليجلس فيه، فلا ينبغي للقادم الجديد أن يقيم أحد من مجلسه ليجلس فيه، لكن هذا الشأن مختلف مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلو أن النبي عليه الصلاة والسلام طلب من أحد أصحابه _لمصلحة راجحة وحكمة بالغة_ أن يقوم من مجلسه، لوجب على هذا الصحابي أن يبادر إلى طاعة رسول الله.
 و إذا قام الإنسان طواعية من نفسه كان ذلك جائزاً، فقد كان سيدنا علي كرم الله وجهه يجلس إلى جنب النبي عليه الصلاة والسلام، فيدخل سيدنا الصديق وهو صاحب رسول الله و سيد أصحابه، فما كان من سيدنا علي كرم الله وجهه إلا أن يقوم من مجلسه إكراماً لسيدنا الصديق ثم يجلسه مكانه، فإذا بادرت بالقيام لأخ كريم كبير في السن أو لإنسان يتفوق عليك بالعلم تكريماً له لما يحمل من علم، أو لحافظ كتاب الله، أو لمن له فضل عليك، كان هذا من أدبك وعلمك و فقهك و كمالك، أما أن تقيم أحداً من مكانه لتجلس فيه، فهذا مما نهى عنه النبي أشد النهي، فهناك فرق كبير بين أن يقوم أحدهم لك إكراماً لعلمك أو مكانتك أو سنك، وبين أن تقيم أحداً لتجلس مكانه، فهذا مما نهى عنه النبي أشد النهي.
 أيها الأخوة الكرام... لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم سيدنا علياً كرم الله وجهه يقوم طواعية لسيدنا الصديق تأثر أشد التأثر و قال: " لا يعرف الفضل لأهل الفضل إلا أهل الفضل "، فإذا قمت من مجلسك لإنسان كبير في السن، أو إنسان يحمل كتاب الله عز وجل، فهذا العمل من مقتضيات أدبك مع الله و معرفتك بسنة رسول الله، أما أن تقيم أحداً لتجلس مكانه، فهذا لا يجوز أبداً لأنه

(( من سبق إلى مكان فهو أحق به ))

 كما قال عليه الصلاة والسلام، لكنك لو قمت لإنسان من مكان، ثم خرجت من المجلس إكراماً له لكان فعلك هذا منهياً عنه، لأنه لا إيثار في الخير، فلك أن تقوم من مكان إلى مكان أقل منه، أما أن تلغي مجلس العلم من أجل أن تكرم أخاً فهذا ليس وارداً إطلاقاً، لأن الخير كله في الإيثار، ولا إيثار في الخير، فلا ينبغي لك أن تؤثر أحداً كائناً من كان على نصيبك من الله.
 إن للنبي عليه الصلاة والسلام حديثين: يقول في الأول لأصحابه الأنصار:

(( قوموا لسيدكم سعد ))

 وفي حديث آخر يقول:

(( من أحب أن يتمثل الناس له قياماً فليتبوأ مقعده من النار ))

 فإن من أراد السيادة والاستعلاء وإخضاع الناس وقيامهم له تعظيماً لذاته، فليتبوأ مقعده من النار، أما إذا قام الأصحاب لسيدهم فهذا جائز. قال تعالى:

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا ﴾

 فقد أمرك الله عز وجل أن تفسح للناس في المجلس لا أن تقوم له، من هنا جاء قولهم: تزاحموا تراحموا، لأن التفسّح غير القيام.

 

 

﴿إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ﴾

 أي وسع فرجة لأخيك ليجلس فيها، و هذا هو معنى تفسحوا.
 معاني ( يفسح الله لكم ):

 

 

﴿ يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ ﴾

 وإن من بلاغة القرآن أن يكون الجزاء من جنس العمل، قال بعض العلماء في تفسير هذه الآية: يفسح الله لكم في قبوركم ويصبح القبر مدّ البصر، وقال بعضهم: يفسح الله لكم في مكانتكم يوم القيامة، وقال بعضهم: يفسح لكم في قلوبكم فيتجلى الله على هذا القلب ؛ فإذا أنت أفسحت لأخيك كافأك الله عز وجل بما يتجلى به على قلبك من طمأنينة وسكينة، و هذا أعظم عطاء إلهي، ولكنه لا يعرفه إلا من ذاقه، فهناك فرق كبير بين أن يكون قلبك ممتلئاً بالسكينة التي أنزلها الله عليه، وبين أن يكون منقلباً كئيباً، وإن العالم الآن يعاني من كآبة ما بعدها كآبة، فحين آثر الناس أنفسهم ومصالحهم وذواتهم على إرضاء الله عز وجل ابتلاهم الله بالكآبة، أما إذا آثرت أخاك فسح الله لك قلبك وملأه نوراً وسكينة ً وتجلياً.
 1- المعنى الأول: أن الله يفسح لكم في قبوركم حيث يغدو القبر روضة من رياض الجنة.
 2- المعنى الثاني: يفسح الله لكم في قلوبكم فتغدو مهبطاً لنور الله وتجلياته وسكينته، وإن في القلب شيئاً ثميناً جداً لا يعرفه إلا المؤمن، فقد تملك المال الوفير، والبيت الجميل والمركبة الفارهة، لكن الانقباض يعصر قلبك، وهذا ما قال عنه الله عز وجل:

 

 

﴿َو مَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا ﴾

 

(سورة طه 124)

 وقد يقول قائل: فما بال الملوك والأغنياء؟ أية معيشة ضنك يعيشونها ؟ إن المال كله بأيديهم، فلهم أن يأكلوا ما يشاؤون، وأن يسكنوا في أي مكان يشاؤون، وقد فسر العلماء المعيشة الضنك التي يبتلي الله بها الأغنياء والملوك بضيق القلب، فالمعرضون عن الله لهم في قلوبهم من الضيق ما لو وزع على أهل بلدة لكفاهم، هذا معنى قول الله تعالى:

 

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى(124)قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا(125)قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى(126) ﴾

 3- المعنى الثالث: أن الله سبحانه وتعالى يوسع عليكم في الدنيا والآخرة.
 فليس من المقبول إذن أن تزاحم وتدفع بيدك وتكون فظاً غليظ القلب، وذلك غير جائز لا في مجلس العلم ولا في غيره، كالطواف في الحج أو العمرة مثلاً،لأنك تكون بهذا قد تخليت عن هوية المؤمن، فالمؤمن لطيف يحب الآخرين.

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا ﴾

 فإذا كلفكم النبي صلى الله عليه وسلم بعمل كالجهاد أو التعاون مثلاً فقوموا إلى هذا العمل سريعاً، و يجب عليكم أن تقوموا أيضاً إذا هو أنهى المجلس.

 

﴿وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا ﴾

 أي: اذهبوا أو ارتفعوا، و الشيء النشاز هو العالي من الأرض، يقول الله عز وجل:

 

﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾

 أيها الأخوة الكرام... إن الآية في مطلعها تبين أدب المجلس وأدب الانصراف، وقد كان كل صحابي يحرص أن يكون آخر رجل يبقى مع رسول الله، فكان يأتي الأمر بالانصراف فيبقى هو ليختلي برسول الله، وذلك ليحظى بما يعتقد أنه مغنم كبير، لكن هذا كان يؤذي النبي فيستحيي من أصحابه، فوقت النبي صلى الله عليه وسلم لكل المؤمنين و ليس لواحد فقط، والله سبحانه وتعالى يعلمنا في هذه الآية أدب الجلوس في المجلس والانصراف منه، ولكنه يبين لنا في مقطعها الأخير حقيقة خطيرة جداً: وهي أن مكانة الإنسان عند الله لا تأتي من مكانه في المجلس، وإنما تأتي من استقامته وورعه و علمه و عمله.
 معاني ( يرفع ):
 يقول الله سبحانه وتعالى:

 

﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾

 

 1- يرفع الله الذين آمنوا عن الذين لم يؤمنوا درجات، فشتان بين المؤمن وغير المؤمن.
 2- والمعنى الثاني يرفع الله الذين أوتوا العلم عن الذين لم يؤتوا العلم درجات.
 3- وهناك معنى آخر يقول: يرفع الله الذين آمنوا وأوتُوا العلم عن الذين آمنوا ولم يُؤتَوا العلم.
 فضل العالم على العابد:
 قال عليه الصلاة والسلام:

(( فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ ))

(سنن الترمذي 2609)

 وقال:

 

(( فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الكواكب ))

 

(سنن أبي داود 3157)

 فالمسافة بين العابد وبين العالم كبيرة جداً، فهي كالمسافة بين النبي صلى الله عليه وسلم - وهو سيد الخلق وحبيب الحق - وبين آخر مؤمن في الأرض، إنها مسافة بعيدة !! وذلك لأن العالم ينفع الأمة، أما العابد فلا يستطيع أن ينفع إلا نفسه، فالعالم معه سلاح خطير وهو العلم، بينما لا يملك العابد هذا السلاح، فأدنى شبهة تزحزحه، و أدنى ضغط يخرجه عن الاستقامة، و أدنى إغراء يحول بينه وبين طاعة الله عز وجل، ومقاومة العابد مقاومة هشة سريع الفتنة، فامرأة جميلة أو صفقة رابحة مثلاً تغير مجرى حياته وتقلبه رأساً على عقب، لقد رأى النبي عليه الصلاة والسلام رجلاً يصلي في أوقات العمل، ولم يكن الوقت وقت صلاة، فقال له:

(( من يطعمك ؟ ))

 قال: أخي، قال:

(( أخوك أعبد منك ))

 وقد أثنى الصحابة مرة على رجل عابد فقال عليه الصلاة والسلام:

((من يعيله ؟ ))

 قالوا: كلنا نعيله، فقال:

(( كلكم خير منه ))

 ولكن نجد أن الأمر يختلف مع طالب العلم، فحينما شكا شريكٌ شريكَه طالبَ العلم إلى رسول الله قال عليه الصلاة والسلام:

(( لعلك ترزق به ))

 لأن طالب العلم يتعلم لغيره، بينما يعبد العابد لنفسه، و طالب العلم معه سلاح خطير وهو العلم، أما العابد فلا يملك السلاح، فيدخل عليه الشيطان من ألف باب وباب، فهو يُفْتََن لأي إغراء و يَفسد لأي ضغط، ويُصرف عن الطريق لأي شبهة تعترضه، فهناك فرق كبير إذا بين العابد والعالم.
 وقال بعض المفسرين: في هذه الآية فيها توجيه لطيف، لأنها جاءت تتمة لأدب المجلس وهذا التوجيه يقول: أيها المؤمن إذا رأيت من يفوقك في العلم فأكرمته كان هذا من أدبك مع الله، و من أكرم أخاه فكأنما أكرم الله، فإذا أكرمت أولي العلم و الفضل و الإيمان كنت بهذا من أهل الفضل لأنك عرفت أهل الفضل.
 قيمة الإنسان بمكانته لا بمكانه:
 و أريد هنا أن ألفت النظر إلى مثل يوضح حقيقة:
 إذا كان هناك حاجب عند أستاذ من أساتذة الجامعة، وكان لهذا الأستاذ مكتب وكرسي، فهذا الحاجب يستطيع في غيبة الأستاذ أن يجلس على كرسيه وراء المكتب، فجلوس هذا الحاجب على كرسي سيده وراء المكتب لا يرفع قدره في العلم درجة واحدة، أما لو تلقى هذا الحاجب العلم، فأخذ شهادة إعدادية، ثم ارتقى فنال الشهادة الثانوية، ثم ارتقى أكثر فدخل الجامعة، لرفعه علمه هذا، فالذي يرفع هذا الحاجب ليس أن يجلس مكان أستاذه وراء المكتب، فالإنسان قيمته ليست بمكانه بل بمكانته، وهناك فرق كبير بين المكان والمكانة، فبإمكانك مثلاً أن تذهب إلى العمرة وأن تصلي في المكان الذي صلى به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن تقبّل الحجر الذي قبّله النبي عليه الصلاة والسلام، لكن..  هل هذا يرفع من مقامك عند الله ؟ لا، بل إن الذي يرفع مكانك عند الله هو أن تتبع رسول الله وتطبق سنته وتقتفي أثره، فحينما قال ربنا سبحانه وتعالى: تفسَّحوا يفسح الله لكم، أراد من طرْف خفي أن يذكر أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام أن مكانتهم عند الله لا علاقة لها بمكانهم عند رسول الله، فهل تصدقون أن رئيس المنافقين في عهد النبي كان يجلس إلى جانب النبي عليه الصلاة والسلام، فلما مات أعطاه النبي قميصه ليُكَفَّن به، وقال:

(( ما يغني عنه من الله شيئاً الآن استقر في جهنم حجر كان يهوي به سبعين خريفا ))

 فالمنافق إذاً يمكنه أن يجلس في مكان قريب من رسول الله، قال تعالى:

 

﴿ فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا ﴾

 

(سورة التوبة 81)

 فقيمتك ليس بمكانتك بل هي في إيمانك وعملك، لذلك قال الله عز وجل:

 

﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾

 

 فهو عليم بأعمالكم خبير بها، والخبرة أبلغ من العلم، خبير بأعمالكم ؛ أي: يعلم خلفية أعمالكم، من نوايا ومقاصد، وملابسات الحياة، وحجم العمل والتضحية.
 فمكانتك إذاً متعلقة بإيمانك وعلمك وعملك، و هذه الأشياء الثلاثة تحدد مكانتك عند الله، فليس هناك مانع من أن تكون في الصفوف الأخيرة، مع أن السبْق إلى الصفوف الأولى مندوب إليه في الإسلام، أما إذا تخلفت عن الصف الأول لسبب قاهر، فليس معنى ذلك أنك تراجعت، لأن العبرة في أن تكون قريباً من الله عز وجل.
 أيها الأخوة الكرام... إن سيدنا عمر بن الخطاب قدّم مرة سيدنا ابن عباس رضي الله عنهم، وكان فتىً صغيراً، فتضايق بعض أصحاب النبي من هذا التصرف وظهر ذلك في وجوههم، فسأله أمامهم عن معنى الآية:

﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ(1)وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا(2)فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا(3) ﴾

(سورة النصر)

 وكان قد سأل بعض أصحاب رسول الله فأجابوه إجابة عادية، فقال ابن عباس رضي الله عنه: هذه السورة فيها نعي النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا يعني أن إدراكه لكتاب الله كان عميقاً جداً، لذلك كان عمر بن الخطاب يقدمه في المجلس على من هو أكبر منه، وقد ورد في التاريخ أيضاً أن سيدنا عمر ولّى إنساناً من الموالي على بعض المناطق، فلما تضجر بعض الناس من ولايته قال عمر بن الخطاب القول الشهير: (إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين ).
 و تروي الكتب أن أبا سفيان وقف مرة بباب عمر بن الخطاب ساعات طويلة فلم يؤذن له، وقد كان بلال وصهيب يدخلان عليه بلا استئذان، فلما دخل عاتب عمرَ بن الخطاب فقال: شيخ قريش (سيد قريش) يقف ببابك ساعات طويلة دون أن تأذن له، وصهيب وبلال يدخلان بلا استئذان ؟ فقال عمر:هل أنت مثلهما ؟؟

 

﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ﴾

 

 فقيمة الإنسان في صدق إسلامه.. وكثرة تضحياته.. وعلو إيمانه.. وأعماله الطيبة التي قدمها في سبيل مرضاة الله عز وجل.
 أيها الأخوة الكرام... هذه الآية أصل في أدب المجلس.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾

 آداب المجلس في السنة المطهرة:
 ننتقل الآن إلى بعض الأحاديث الشريفة الصحيحة المتعلقة بهذه الآية:
 عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن يُقام الرجل من مجلسه وأن يجلس فيه آخر ولكن تفسحوا وتوسعوا.
 وجاء في حديث آخر:
 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( إِذَا قَامَ الرَّجُلُ مِنْ مَجْلِسٍ ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ ))

(سنن أبي داود 4212)

 و هذا أدب ثانٍ من أصول السنة في آداب المجلس.
 ومنه أيضاً ما رواه عبد الله ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

 

(( لا يحل للرجل أن يفرق بين اثنين إلا بإذنهما ))

 و يروي كتّاب السيرة أن نفراً ثلاثة قدموا مجلس النبي عليه الصلاة والسلام، فأقبل اثنان منهم إلى النبي عليه الصلاة والسلام وذهب واحد، فلما وقفا على مجلس النبي عليه الصلاة والسلام سلما، فأما أحدهما فوجد فرجة في المجلس فجلس فيها وأما الآخر فاستحيى، فجلس خلف الصفوف، وأما الثالث فأدبر ذاهباً، فلما فرغ النبي صلى الله عليه وسلم قال:

 

 

(( ألا أخبركم عن النفر الثلاثة، أما أحدهم فآوى إلى الله فآواه الله، وأما الآخر فاستحيى فَاستحيى الله منه، وأما الآخر فأعرضَ فأعرض الله عنه ))

  وعلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أننا إذا فرغنا من مجلس أو لقاء أو سهرة وأردنا القيام، أن ندعوَ بهذا الدعاء:

 

 

(( سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت أستغفرك وأتـوب إليك ))

 فيجب أن نُنهي كل مجلس بهذا الدعاء لأنه من تعليم النبي صلى الله عليه وسلم لنا.
 وقد علمنا النبي عليه الصلاة والسلام أيضاً أن ندعو بالدعاء بهذا الدعاء عند انفضاض مجلس، وهو:

 

 

(( اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها الجنة، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، ومتعنا اللهم بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منّا واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ))

 وهناك الكثير من الآداب النبوية في الجلوس مع الأصحاب في مجالس العلم أو خطب الجمعة أو اللقاءات الودّية، ومنها ما قاله عليه الصلاة والسلام:

 

 

(( إذا لقي الرجلُ الرجلَ فكلمه لم يصرف وجهه عنه حتى يكون هو الذي ينصرف، وصافحه لم ينزع يده من يده حتى يكون هو الذي ينزعها ولم ير متقدماً بركبتيه جليساً له قط))

 وما رُئي عليه الصلاة والسلام ماداًّ رجليه قط أدباً مع الله عز وجل وأدباً مع أصحابه , – و من آداب المجلس ما قاله عليه الصلاة والسلام:

 

 

(( إذا جلس أحدكم أو استلقى، لا يضع رجليه إحداهما على الأخرى ))

 لأن هذا الجلوس فيه كبر اجلس في أدب، ومن أدب المؤمن لا يضع رجلاً على رجل إذا جلس في مكان.
 ومن أدب المجلس قوله:

 

 

(( إذا نعس أحدكم فليتحول عن مجلسه ليقم وليغسل وجهه ))

 لأن الإنسان إذا اقترب من النوم فإنه يعدي بنومه هذا بعض من في المجلس، وهذا مما لا يليق بمجلس العلم.
 الصدقة بين يدي نجوى رسول الله صلى الله عليه وسلم:
 ثم يقول تعالى:

 

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (11) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ﴾

 لقد كثر طلب الصحابة الكرام من أجل لقاء رسول الله، كما أن معظم المنافقين كانوا يتمنون أن يلتقي بهم رسول الله لغاية في نفس يعقوب، و وقت النبي عليه الصلاة والسلام ثمين جداً، فأراد الله سبحانه وتعالى أن يميز بين المؤمنين والمنافقين، فجعل لهذا اللقاء ثمناً، وهذا الثمن صدقة، وهي ليست لرسول الله إطلاقاً، فهناك من يفهم هذه الآية على غير ما أرادها الله عز وجل، فالمعنى: قدم صدقة بين يدي لقائك مع رسول الله، لأن هذه الصدقة التي أمرنا الله بها تفرز الناس قسمين: المنافق لا يدفع، أما المؤمن فيدفع ويلتقي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ﴾

 أهداف هذا الصدقة:
 1- إن الفقراء سينتفعون بهذه الصدقة.
 2- هي دليل يظهر صدق المؤمنين ونفاق المنافقين.
 3- من خلالها يصبح اللقاء معقولاً، فلا يمكن أن يكون لقاء رسول الله لكل من أراد من المسلمين بلا ثمن مبذول، فبهذه الطريقة قد يخرج اللقاء عن غرضه الأساسي، فإذا استأثر مثلاً أحدهم بهذا اللقاء وأطال الجلوس، ثم طلب الآخر لقاءً ليفوز على الأول، لخرج الموضوع عن هدفه.
 وسأضرب على ذلك مثلاً _ولله المثل الأعلى_: إن أي إنسان يقدِّم طلباً يدفع رسم هذا الطلب قبل تقديمه، فلو كانت طلبات الشهادة العامة مثلاً بلا رصيد لتقدم خمسمائة ألف طلب، وكل هؤلاء ليسوا جادّين في تقديم الشهادة، و بعد تقدم الطلبات يجب أن تُعَد لهؤلاء المتقدمين المراكز والمقاعد والأسئلة وما إلى ذلك، ثم تُفاجأ الوزارة أن معظم الذين تقدموا للامتحان لم يأتوا إلى الامتحان، فما الحل ؟ الحل أن تضع الوزارة رسماً مع الطلب، فالجاد في تقديم الامتحان يدفع الرسم، فالرسم له فائدة وفائدته أنه يفرز الجاد عن الهازل، فإذا كانت النجوى بلا ثمن لالتقى أي إنسان مع النبي عليه الصلاة والسلام، وقد يكون هذا الشخص منافقاً أو عدواً للرسول عليه الصلاة والسلام، فجاء هذا التوجيه:

 

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ﴾

 

 فالصدقة تُظهر إيمان المؤمنين و حرصهم على هذا اللقاء، كما أنها ينتفع بها الفقراء بهذا، فالمنافق لن يدفع صدقة للفقراء، فهذا فرز دقيق، والشيء الثالث والأهم هو أن الصدقة ليست للنبي لأن الأنبياء لا يأخذون الصدقة، فقد قرأت قصة لا أدري مدى صحتها أن النبي عليه الصلاة والسلام قطع عنه الوحي أسبوعين أو أكثر فقال: يا عائشة لعلها تمرة أكلتُها من تمر الصدقة خطأً، و كان قد رأى تمرة على السرير فأكلها، فقد كان عليه الصلاة والسلام يتعفف عن مال الصدقة، فهذه الصدقة ليست له، إنما هي للفقراء.
 فإذا أردت أن تحضر درس علم مثلاً، فمن المستحب أن تقدم هدية لله، ليجعل جلوسَك في هذا المجلس متألقاً، فما هذه الهدية ؟ الهدية مثلاً أن تكرم أخاً لك، فهناك طلبة العلم وهناك الكثير من المحتاجين، وربما يكون المسجد بحاجة إلى أشياء، فإذا قدمت شيئاً ثم حضرت مجلس علم تكون قد قدمت هدية لله، فلا يوجد شيء بلا ثمن، و إذا أردنا أن نتوسع في مفهوم هذه الآية نقول: إن عملك الصالح الذي تعمله قبل أن تأتي إلى مجلس العلم يجعلك أكثر فائدة واستفادة من هذا المجلس..

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ﴾

 فالنجوى هنا هي اللقاء الخاص، أما اللقاء العام فهو شيء آخر.

 

﴿ ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ ﴾

 فالعمل الطيب يعود عليك بالخير،و طهارة النفس.

 

 

﴿ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

 

 قال العلماء: هذا الأمر على مستوى الندب لا الفرض، فأنت بإمكانك أن تخدم إنساناً فقيراً بأن تساعده وتؤمن له بعض الحاجات، أو أن تقدم شيئاً للمسجد، فهذا العمل الطيب ربما أعانك على الطهارة النفسية وجلب لك الخير العميم، و هذا هو فحوى الآية وعلاقتها بواقعنا، قال:

﴿ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (12) أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ ﴾

 أأشفقت أن تقدم جزءاً من مالك إلى إخوانك الفقراء المحتاجين المساكين ؟؟ إن حياتك الدنيا كلها يجب أن تكون من أجل العمل الصالح.

﴿ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾

 فالمقصود هو أن لا تأتي إلى مجلس العلم مستمعاً فقط، بل متفاعلاً مع هذا الدين، فهناك إخوان كثيرون يطرحون عليّ هذا السؤال: ما بالنا ننكر قلوبنا ؟ والإجابة: أن الإنسان إذا قل عمله الصالح أنكر قلبه وشعر بسآمة في صلاته، فهو يقرأ القرآن لا يتأثر ولا يخشع قلبه لا يقشعر جلده، يصلي فلا يشعر بالقرب من الله عز وجل، و لا تذوب نفسه في الصلاة، فما الحل إذاً ؟ الحل هو العمل الصالح ولو كان قليلاً، والدليل، قوله تعالى:

 

﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا(110) ﴾

 

(سورة الكهف)

 الاستقامة تمهد الطريق إلى الله:
 إن الأمر ثمين جداً والحقائق واضحة وناصعة أمام الإنسان، وإنك إذا استقمت على أمر الله زللتّ كل العقبات التي تكون في طريقك إليه، فالمعصية و المخالفة والتقصير حجاب بينك وبين الله، فإذا حجبت عن الله عز وجل فماذا بقي من الدين ؟ يبقى أفكار.. ثقافة.. طقوس مملة.. عادات وتقاليد، وهذا هو سبب انصراف الناس عن العبادات، فالعبادات عندهم حركات جوفاء لا معنى لها، لأنهم لما قصروا ولم يفعلوا الخيرات، وفعلوا بعض المنكرات حجبوا عن الله عز وجل، ولما حجبوا عن الله أصبحت العبادات عندهم جوفاء لا تقدم ولا تؤخر، وسأضع الآن يدي على شيء دقيق في حياة كل مؤمن...
 إنك إن استقمت على أمر الله تماماً كان كل شيء تقوم به عملاً صالحاً تبتغي به وجه الله، وكل إنسان عنده من إمكانيات ما يمكن أن يكون عملاً صالحاً، فالطبيب إذا عالج المرضى الفقراء كان هذا عملاً صالحاً، و المحامي إذا دافع عن إنسان مظلوم كان هذا عملاً صالحاً أيضاً، كذلك المدرس إذا درس طالباً ضعيفاً وفقيراً.... فكل شيء تقدمه من علمك أو من خبرتك من مالك من جاهك هو عمل صالح إن ابتغيت به وجه الله:

 

﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا(9) ﴾

 

(سورة الإنسان)

 فإذا أضيف هذا العمل إلى طاعتك لله فإنه يجعلك تتألق، فإذا لم يمتلك الإنسان حاسة يشعر من خلالها بانقطاعه عن الله وقربه منه فهذه مشكلة كبيرة جداً، فالإنسان الموصول يعرف أنه موصول بطاعته لله واستقامته على أمره وتأديته لواجباتك الدينية وعمله الصالح الذي يصله بالله عز وجل، فإذا اتصلت بالله وصلت إلى كل شيء وما فاتك شيء من الدنيا.
 والشيء الذي أريد أن أقوله هو أن الاستقامة تمهد الطريق، لكن العمل الصالح هو الذي يدفعك على هذا الطريق، فمهما ارتقت ثقافة الإنسان الإسلامية، ومهما كثر حضوره لمجالس العلم، ومهما تزين بزينة الإسلام، فإن لم تكن مستقيماً وله عمل صالح يبتغي به وجه الله فإنه لن يتألق ولن يتصل ولن يسمح الله لقلبه أن يتشبع بالسكينة والتجلي.
 فيا أيها الأخوة الكرام... هذه آيات دقيقة أرجو من الله أن تكون نبراساً لنا في طريقنا إلى الله، والإسلام منهج متكامل، يتطرق إلى كل شيء في حياة المؤمن، فشرب الماء و تناول لطعام مثلاً ينبغي أن يكونا وفقاً لسنة النبي صلى الله عليه وسلم، كذلك الحال مع كل ما يتعلق بحياة الإنسان من بيع وشراء و أداء للحرفة، فهناك مشكلة يعاني منها المسلمون وهي أن المسلم قد يكون ملتزماً من رواد المسجد،لكنك إذا بعته أو اشتريت منه، أو احتككت معه بالدرهم والدينار وجدت بوناً شاسعاً بين تمسكه و تعامله، فهو لا يتقي الله في صنعته، والدين الحقيقي إنما يكون في دكانك و مصنعك ومكتبك، و بيعك وفي شرائك، و خلوتك و جلوتك وفي كل نشاطاتك.
 أيها الأخوة... إننا إن لم نستقم على أمر الله كان طريقنا إلى الله غير سالك، و عندئذ يغدو الإيمان ثقافة، ويغدو الإسلام عادات وتقاليد، كما تغدو العبادات طقوساً لا تقدم ولا تؤخر، فالوصول إلى الله شيء ثمين جداً، ولكن الله عز وجل إذا نظر إلى قلبك وألقى فيه السكينة فإن الدنيا كلها لا تعدل شيئاً أمام هذا الشعور، و هذا هو الذي ينبغي أن نحرص عليه، فقد وصل أصحاب النبي -على قلتهم- إلى أقاصي الأرض، وفُتحت أمامهم المشارق والمغارب، و حينما ترك المسلمون دقائق دينهم وتخلوا عن استقامتهم وأعمالهم الطيبة، أصبح الدين عنده انتماءات تاريخية ليس غير، وهذا الانتماء التاريخي سبب لهم مشاكل لا حصر لها.
 آداب أخرى من آداب المجلس:
 أيها الأخوة... هناك بعض من آداب المجلس أضعه بين أيديكم:
 من أدب المجلس: (أنه إذا سئل أحدكم عما يعلم فليقل به)، ونريد هنا أن نوسع الدائرة قليلاً، فلو جلست في مجلس مع إخوانك، فإن من الأدب فيه أنه إذا سئل أحدكم عما يعلم فليقل به، وإذا سئل عما لا يعلم فليقل: الله أعلم، و أنت أحياناً قد تتورط في مجلس فتتكلم عما لا تعلم، وإذا تكلمت فيما لا تعلم وقعت في إثم كبير، يقال: (فإن من علم الرجل إذا سئل عما لا يعلم قال لا أعلم والله أعلم )، وذلك كأن أن تقول على الله بغير علم، فتفسر آية بغير علم مثلاً، وهذا مما يتناقض مع أدب المجلس، فاحفظ أمانة العلم، فإن سئلت عما تعلم فقل، فإن لم تكن تعلم فقل: لا أعلم، فهذا من نَصَف العلم، واقتدِ في ذلك بـ(مالك) إمام دار الهجرة، الذي جاءه وفد من أقاصي المغرب من الأندلس، وكان سفرهم قد استغرق أشهر، و كان معهم ثلاثون سؤالاً، فأجاب عن سبعة عشر سؤالاً، فلما قيل: أين إجابات الأسئلة الباقية ؟ قال: لا أعلم، فقالوا: الإمام مالك لا يعلم، فقال: "قولوا لمن أرسلكم إن الإمام مالك ابن أنس لا يعلم " و هذا من أدب المجلس.
 هناك أدب آخر، فعن أبي عبيدة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( إن بني إسرائيل لما وقع فيهم النقص،كان الرجل فيهم يرى أخاه على الذنب فينهاه، فإذا كان الغد لم يمنعه ما رآه منه أن يكون أكيله وشريبه وخليطه، فضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ونزل فيهم قرآناً ))

 فقد يجلس أحياناً بعضنا مع بعض، ويجامل بعضنا الآخر، وقد نرى منكرات كثيرة فنسكت، فنكون بذلك قد استحيينا من أن نجهر بأمر الله، فسكتنا عن منكرات المجلس فقال الله عز وجل:

 

﴿ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ(78)كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ(79)تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ(80)وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ(81)﴾

 

(سورة المائدة)

 فإذا كنت في مجلس علم أو في لقاء خاص فسُئلت، فإن كنت تعلم فقل ما تعلم، وإن كنت لا تعلم فقل: لا أعلم، وإن رأيت منكراً فأنكره بيدك كأن يكون الفاعل ابنك مثلاً، أو أنكره بلسانك إن كان فاعله صديقك، أو أنكره بقلبك إن كنت لا تستطيع أن تجهر بالإنكار وذلك أضعف الإيمان.
 أيها الأخوة... لا بدّ لنا من أن نتناصح، لأن التناصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الفريضة السادسة بعد الفرائض الخمسة، والله سبحانه وتعالى جعل التواصي بالحق أحد أركان النجاة فقال:

 

﴿ وَالْعَصْرِ(1)إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ(2)إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ(3) ﴾

 

(سورة العصر)

 وقال تعالى:

 

﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ(104) ﴾

 

(سورة آل عمران)

 أما إذا تركت أمةُ النبي صلى الله عليه وسلم الأمرَ بالمعروف والنهي عن المنكر انتقلت من أمة الاستجابة إلى أمة التبليغ، وأمة التبليغ ليس لها عند الله أي ميزة.

 

﴿ وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَاتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ(80) ﴾

 

(سورة البقرة)

﴿ وَقَالَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ ﴾

(سورة المائدة 18)

 وإذا قال المسلمون: نحن أولياء الله فالجواب: فلم يعذبنا الله بذنوبنا ؟ فعندئذ نكون بشراً ممن خلق الله عز وجل ليس لنا ميزة واحدة، أما إذا أمرنا بالمعروف ونهينا عن المنكر كانت لنا الميزات.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018