مختلفة - الجزائر - المحاضرة : 02 - أهمية الاستقامة والعمل الصالح - نتائج الدعوة إلى الله - ثواب الصبر. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠24ندوات مختلفة - الجزائر
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

مختلفة - الجزائر - المحاضرة : 02 - أهمية الاستقامة والعمل الصالح - نتائج الدعوة إلى الله - ثواب الصبر.


2011-09-07

مقدمة :

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وعلى صحابته الغر الميامين، وأُمناء دعوته، وقادة ألويته، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
 أيها الأخوة الكرام، أنا أستنبط من كلام قاله النبي لأحد الصحابة، وقد مرّ رجل قال: إني أحبك، فقال النبي الكريم: هل أعلمته ذلك؟ فكأن من توجيهات النبي أنك إن أحببت أحداً، أو شعباً، أو بلداً ينبغي أن تعلمهم بذلك، وأنا والله أحبّ الجزائر، وكنت أقول دائماً: لو خيّرت أن أسكن في بلد آخر غير بلدي لاخترت الجزائر.
 هذا الشعب الذي عانى ما عانى من الاحتلال، وقد وفقه الله في جهاد دام مئة و ثلاثين عاماً انتهى بالاستقلال، أنا أشعر أن كل مواطن في هذا البلد الطيب يشعر بهذا الجهاد الذي قدمه هذا الشعب من أجل الاستقلال، هذا وسام شرف لكم هنيئاً لكم على هذا الوسام.

الدين الإسلامي لا تقطف ثماره إلا إذا طُبق :

 أيها الأخوة الأكارم، بادئ ذي بدء: هذا الدين العظيم الذي شرفنا الله به، قد نطبقه تطبيقاً تاماً لنقطف ثماره، أما إذا اعتززنا به فقط، وإذا أعلنّا انتماءنا إلى هذا الدين فقط، أما في حياتنا اليومية عشنا حياةً كحياة بقية الشعوب فهذا الاعتزاز وهذا الانتماء لا ينفعنا ما لم نطبق.
 النقطة الدقيقة الأولى في هذا اللقاء الطيب - وأنا من أسعد الناس بهذا اللقاء- أن هذا الدين لا تقطف ثماره إلا إذا طُبق، أنت حينما تطبق هذا الدين تمسك بيديك ثماراً يانعة، عندئذٍ تكون حريصاً على متابعة هذا التمسك، لكن حينما لا يكون البيت إسلامياً، ولا العمل إسلامياً، وهناك تفلت، وتهاون بالعبادات، لكن يوجد انتماء، واعتزاز، هذا الانتماء، وذاك الاعتزاز لا يكفي، لذلك الشيء الدقيق جداً أن الاستقامة طريق العطاء، الإنسان إذا استقام على أمر الله قطف ثمار الدين، والآية الكريمة:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا ﴾

[ سورة فصلت الآية: 30]

 الحقيقة الأولى التي أتمنى أن تكون واضحة: ما لم تلتزم بمبادئ الدين، ما لم تطبق هذا المنهج القويم، ما لم تتحرك وفق مسار هذا الدين، لن تقطف ثمار الدين.

 

ما لم نطبق المنهج الإسلامي فالاعتزاز بالدين والانتماء له لا يقدم ولا يؤخر :

 ما قولكم إن ذكرت لكم حديثاً صحيحاً، يقول عليه الصلاة والسلام:

((ولن يُغْلَبَ اثنا عَشَرَ ألفا مِنْ قِلَّةٍ))

[أخرجه أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عباس]

 لن نفي التأبيد:

((يُغْلَبَ اثنا عَشَرَ ألفا مِنْ قِلَّةٍ))

 ما قولكم إذا قلت لكم إن عدد المسلمين اليوم يزيد عن مليار وثمانمئة مليون؟ لكن شعوب الأرض بمجملها لا تزيد عن ستة مليارات، مليار وثمانمئة مليون، وليست كلمتهم هي العليا على مستوى مجموع المسلمين، وليس أمرهم بيدهم، وللطرف الآخر عليهم ألف سبيل وسبيل، هذا سؤال كبير، ليست كلمتهم هي العليا، وليس أمرهم بيدهم، وللطرف الآخر عليهم ألف سبيل وسبيل، أين الخلل؟ عندنا، والكرة في ملعبنا، أي إذا اصطلحنا مع الله، وطبقنا هذا المنهج في بيوتنا، وفي أعمالنا، وفي أنفسنا، عندئذٍ نمسك بيدينا ثمار هذا الدين العظيم.
 لذلك أول حقيقة أريد أن تكون واضحة عندكم ما لم تطبق مفردات هذا المنهج، ما لم يكن بيتك إسلامياً، ما لم يكن خروج بناتك وفق منهج الله، ما لم تكن الحركة والنشاط وفق منهج الله، ما لم يكن عملك الذي ترتزق منه وفق منهج الله، فالاعتزاز بالدين وحده، والانتماء له وحده، لا يقدم ولا يؤخر، لذلك قيل:

((ركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلط))

[الجامع الصغير عن أنس]

 من هو المخلط؟ الذي خلط عملاً صلحاً وآخر سيئاً.

((ركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلط))

[الجامع الصغير عن أنس]

 والآية الدقيقة:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا ﴾

[ سورة فصلت الآية: 30]

الإنسان خاسر لأن مضي الزمن يستهلكه :

 أنت من أيها الإنسان؟ ما من تعريف جامع مانع رائع للإنسان كتعريف العاشقة لربها رابعة العدوية قالت: "الإنسان بضعة أيام كلما انقضى يوم انقضى بضع منه"، لذلك السورة القصيرة التي نقرأها جميعاً في الصلاة لسهولتها وقصرها أخطر سورة في القرآن الكريم، الله عز وجل يقول:

﴿ وَالْعَصْرِ ﴾

[ سورة العصر]

 يقسم الله بمطلق الزمن، لمن؟ يقسم لهذا الإنسان الذي هو في حقيقته زمن، قال له: أيها الزمن بمطلق الزمن إنك خاسر، كيف؟ لِمَ الخسارة يا رب؟ قالوا: لأن مضي الزمن وحده يستهلكك، مضي الزمن وحده، سبت، أحد، اثنين، ثلاثاء، أربعاء، خميس، انتهى أول أسبوع، الأسبوع الثاني، الثالث، الرابع انتهى أول شهر، شهر، اثنان انتهى الفصل، أربعة فصول انتهت السنة، أنا أذكر قبل فترة كنا بالستينات، بالسبعينات، بالثمانينات، بالتسعينات، ألفين، ألفين وعشرة، ألفين وأحد عشر، الزمن يمضي، ولأنك زمن، هذا الزمن إما أن تستهلكه كما يفعل معظم البشر، وإما أن تستثمره، والفرق كبير جداً بين استهلاك الزمن، وبين استثمار الزمن، مستهلك، أكلنا، وشربنا، وسهرنا، وآوينا إلى الفراش، وفي صبيحة اليوم الثاني تابعنا الأخبار كلها، واستوعبناها، وذهبنا إلى عملنا، وكسبنا رزقنا، وأكلنا، وشربنا، ونمنا، إلى أن يفاجأ الإنسان بعرض صحي لم يكن من قبل، قد يكون هذا بوابة الخروج.
 الآن بالمطارات يقول لك على البطاقة: البوابة الخامسة عشرة، وبالأرض هناك بوابات للخروج، هناك بوابة مرض، بوابة حادث سير، بوابة خروج.
 أنت حينما تؤمن أنه لابد من الخروج من الدنيا، إلى أين؟.

 

أخطر حدث في المستقبل مغادرة الدنيا

 أخواننا الكرام، مع الأسف الشديد، معظم الناس يعيشون ماضيهم، كنت، فعلت، درست، جمعت، سافرت، تاجرت، ويعيشون حاضرهم، و ليس هناك بالألف واحد يعيش مستقبله، أخطر حدث في المستقبل مغادرة الدنيا، من بيت إلى قبر، ماذا في القبر؟.
 والله مرة شيعت أحد أخوتنا الكرام لما وضع في القبر، ثم وضعت البلاطة على القبر، ثم أهيل التراب عليه، وعدنا إلى بيوتنا، والله الذي لا إله إلا هو ما وجدت على ظهر الأرض إنساناً أعقل ولا أذكى ممن يعد لهذه الساعة التي لابد منها.

كل مخلوق يموت ولا يبقـــى  إلا ذو العزة والــجبروت
* * *
والليل مهما طــــــــال  فلابد من طلوع الـــفجر
والعمر مهما طـــــــال  فلابد من نزول الـــقبر
* * *
وكل ابن أنثى وإن طالت سلامته  يوماً على آلة حدباء محمول
فإذا حــملت إلى القبور جنازة  فــاعلم بأنك بعدها محمول
* * *

 من السنة أنه بين سنة الفجر و فرضه أن تتفكر بالموت، البيت مؤقت، والدليل في كل النعوات يكتب: وسيشع إلى مثواه الأخير، بيتك الذي تعيش فيه الآن ما اسمه إذاً؟ مثوى مؤقت، المثوى الأخير في القبر.

 

الذكاء كل الذكاء من عاش المستقبل :

 لذلك العقل كل العقل، والذكاء كل الذكاء، والحكمة كل الحكمة، والتوفيق كل التوفيق، أن تعيش المستقبل، لذلك قال تعالى:

﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ ﴾

[ سورة الملك الآية: 2]

 لِمَ قدم الموت على الحياة؟ الإنسان إذا ولد أمامه آلاف الخيارات، أما عند الموت فأمامه خيارين لا ثالث لهما.

(( فو الذي نفس محمد بيده ما بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار ))

[الجامع الصغير عَنْ حَمْزَةَ بْنِ حُمْرَانَ]

 فلذلك أيها الأخوة، الحقيقة الأولى في هذا اللقاء الطيب، التدين له مظاهر كثيرة، قد نذهب ونعتمر، العمرة واجبة، سنة مؤكدة، قد نحج بيت الله الحرام، هذا فرض، قد، وقد، وقد، لكن في الحياة اليومية، في كسب المال، في إنفاق المال، في اللقاءات، في العلاقات، في النشاطات، في السفر، هل أنت مطبق لمنهج الله؟ في اللحظة التي تريد بإصرار أن تطبق منهج الله تشعر بسعادة ما بعدها سعادة، ذلك بعض العارفين بالله يقول:

فلو شاهدت عيناك من حسننا الذي  رأوه لما وليت عنا لــــغيرنا
ولـو سمعت أذناك حسن خطابنا  خلعت عنك ثياب العجب و جئتنـا
ولــو ذقت من طعم المحبة ذرة  عذرت الذي أضحى قتيلاً بحبنـا
* * *
ولو نسمت من قربنا لك نسمـة  لمت غريباً واشتياقاً لقربنــــا
ولـو لاح من أنوارنا لك لائـح  تركت جميع الكائنات لأجلنـــا
فما حبنا سهل وكل من ادعـى  سهولته قلنا له قد جهلتنــــا
فأيسر ما في الحب للصب قتله  وأصعب من قتل الفتى يوم هجرنا
* * *

من أقام الإسلام في نفسه و عمله و بيته فقد نجا :

 أخواننا الكرم، أتمنى أن أضع هذه الحقيقة بين أيديكم، هذا الدين للمرة الثالثة لا تقطف ثماره إلا إذا أحكمت الاستقامة مبدئياً، لذلك طلب العلم فريضة، كيف أستقيم؟ ينبغي أن تحضر مجالس العلم، يا ترى كسب المال فيه شبهة؟ الإنسان له فطرة، والفطرة تعذبه أحياناً، بفطرته يكتشف دون أن يشعر أن كسبه غير حلال، دائماً هناك حجاب عن الله، هذا الحجاب ناتج من كسب مال غير حلال، أما حينما تطلب العلم فتدقق في كسب المال، يا ترى الحرفة التي أحترفها هل ترضي الله أم لا ترضي الله؟ فيها مخالفة شرعية؟ يجب أن تقيم الإسلام في نفسك أولاً، وفي بيتك ثانياً، وفي عملك ثالثاً، وأنت إذا فعلت هذا نجوت.
 طبعاً مطلوب منك أن تدعو إلى الله، مطلوب منك أن تأمر بالمعروف، وأن تنهى عن المنكر، لكن بالنهاية أنت تحاسب عن نفسك، وعن بيتك، وعن عملك، هذه الدوائر أنت فيها آمر أي أنت دائرة كبيرة جداً، فيها قوى مخيفة، لكن في دائرة بيتك أنت الآمر، في دائرة أسرتك وبيتك وعملك أنت الآمر، وأنت عن هاتين الدائرتين مسؤول، فالبدء أن أكتشف أنني أطبق منهج الله في بيتي وعملي وفي نفسي وأسرتي أيضاً، إنك مسؤول عنها، فلذلك:

(( مَنْ كانَتِ الآخرةُ هَمَّهُ، جعل الله غِناه في قلبه، وجمع عليه شَمْلَهُ، وأتَتْهُ الدنيا وهي راغِمَة، وَمَنْ كانت الدنيا هَمَّه، جعل الله فَقْرَه بين عينيه، وفَرَّق عليه شَمْلَهُ، ولم يأتهِ من الدنيا إلا ما قُدِّر له))

[ أخرجه البخاري عن أنس بن مالك]

الإسلام منهج تفصيلي يبدأ من أخصّ خصوصيات الإنسان وينتهي بالعلاقات الدولية :

 أيها الأخوة، لا بديل عن الاستقامة أبداً، هناك مظاهر دينية صارخة، يمكن أن ترتدي زياً إسلامياً رائعاً، ممكن أن يكون في البيت آية الكرسي، في صدر غرفة الضيوف، شيء رائع جداً، ممكن أن تضع مصحفاً في مركبتك شيء رائع، هذه مظاهر، أما هل أنت مطبق لمفردات المنهج؟ هل متأكد أن عملك وفق منهج الله؟ بأن كسب مالك وفق منهج الله؟ وأن إنفاقك لمالك وفق منهج الله؟ وأن تربية أولادك وفق منهج الله؟ وأن خروج بناتك في الطريق وفق منهج الله؟ وأن زوجتك وفق منهج الله؟ فالإسلام منهج تفصيلي.
 بكل دقة أقول لكم: يبدأ منهج الإسلامي من أخصّ خصوصيات الإنسان، فراش الزوجية، وينتهي بالعلاقات الدولية، منهج الله يبدأ بالفراش الزوجية وينتهي بالعلاقات الدولية، لماذا يتوهم بعض الناس أن الإسلام صلاة وصيام وحج وزكاة ونطق بالشهادة؟ لماذا؟ والله لا أبالغ الإسلام يتألف من خمسمئة ألف بند، كل نشاطاتك، تناول طعامك، شراء طعامك، اختيار حرفتك، تربية أولادك، خروج بناتك، حينما تفهم الإسلام منهجاً تفصيلياً واسعاً، عندئذٍ تطلب العلم، كيف أعلم بناتي؟ ماذا أعلمهن؟ كيف ينبغي أن تخرج بناتي في الطريق؟ كيف أعامل زوجتي؟ كيف ينبغي أن تكون زوجتي؟ حينما تفهم الإسلام منهج تفصيلياً شمولياً، يغطي كل حركاتك، وسكناتك، ونشاطاتك، عندئذٍ تكون قد وضعت رجلك على بداية الطريق، أنا لا أريد إسلاماً فولكلورياً، أي مظاهر، رائع جداً أن نقيم الزينات في الأعياد، رائع جداً أن نقيم الاحتفالات، لكن هذا لا يغني عن تطبيق منهج الله في بيوتنا، فالذي أتمناه عليكم بادئ ذي بدء ألا تقطفوا ثمار الدين إلا بتطبيق تفاصيل هذا الدين، وتفاصيل هذا الدين تحتاج إلى طلب العلم.
 كلكم فيما أعتقد لديه جهاز خلوي، هذا إلى ماذا يحتاج؟ إلى شحن، إن لم تشحنه يصمت، وبكل بساطة أقول لك: إنك تشبه هذا الجهاز، أنت بحاجة إلى شحن، وإن لم تشحن نفسك شحناً روحياً، وشحناً علمياً تنتهي، فكما أنك حريص على شحن هاتفك ينبغي أن تكون أحرص على شحن نفسك، فالإنسان إن حضر مجلس علم، قرأ كتاباً إسلامياً، تابع موضوعاًَ إسلامياً، حاول أن يلتقي مع أشخاص لهم دعوة بالله، يقتبس منهم، يكون على طريق طلب العلم، أما من دون طلب علم فالمشكلة كبيرة، لماذا؟ كل ما نعمل به من مهن وحرف من أجل أن نؤمن قوت يومنا، ومسكننا، وحاجاتنا الأساسية، الجسم يحتاج إلى غذاء، العقل ألا يحتاج إلى غذاء؟ الإنسان بالتعريف الدقيق: عقل يدرك، وقلب يحب، وجسم يتحرك، غذاء العقل العلم، وغذاء القلب الحب، وغذاء الجسم الطعام والشراب، والإنسان متى يتفوق؟ إذا لبى حاجات عقله، وقلبه، وجسمه، حاجة العقل العلم، وحاجة القلب الحب، أن تحب الله.

المحبوبية أساس العلاقة بين العبيد وبين ربهم :

 الله عز وجل ما أراد أن تكون علاقتنا به علاقة جبر أو إكراه، قال:

﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ﴾

[سورة البقرة الآية:256]

 الإله العظيم الذي خلقنا بيده حياتنا، بيده موتنا، بيده رزقنا، بيده كل مظاهرنا، ما أراد أن تكون علاقته بك علاقة إكراه،

﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ﴾

 أراد أن تكون علاقته بك علاقة حب، لذلك أساس العلاقة بين العبيد وبين ربهم المحبوبية، لأنه أراد أن نحبه وأن يحبنا، بل:

﴿ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾

[ سورة المائدة الآية: 54]

 بدأ بحبه لنا.

﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾

[سورة البقرة الآية: 165]

 فما لم يمتلئ قلبك حباً لله لن تكون على الطريق الصحيح.
 الحقيقة عبادة العقل العلم، وعبادة القلب الحب، وعبادة الجسم أداء الفرائض والسنن، فسؤال كبير: أين أنا من هذا الدين؟ هل أنا مطبق له؟ السؤال الثاني: بيتي إسلامي؟ زوجتي منهجها إسلامي؟ بناتي ربيتهم تربية إسلامية؟ تجد مسلماً، يؤدي الصلوات الخمسة، ويأتي إلى المسجد، بناته سافرات، بيته غير إسلامي، هناك ملهيات، هناك أعمال فنية لا ترضي الله عز وجل، هذا النموذج الإسلامي المقصر في تطبيق العبادات، وتطبيق المنهج التفصيلي، وقد يؤدي بعض الواجبات، هذا النموذج لا يكفي لانتصار هذه الأمة، هذه واحدة، إذاً لن نقطف ثمار الدين إلا بالاستقامة، لكن الاستقامة طابعها سلبي، يقول لك: أنا ما كذبت، ما أكلت مالاً حراماً، ما اغتبت، الاستقامة بمجملها طابعها سلبي، لكن لا تكفي.
 أي إذا قال طالب لوالده: أنا ما أخطأت بحق طالب من طلاب المدرسة، ما تكلمت كلمة غلطاً، لكن لا يدرس، هذه السلبيات لا بد منها، لكن الإيجابيات، الإيجابيات العمل الصالح.

 

حجم الإنسان عند الله بحجم عمله الصالح :

 أخواننا الكرام، حجمك عند الله بحجم عملك الصالح، كلام دقيق، هنا الدليل، هذا الذي شارف على الموت يقول:

﴿ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ ﴾

 لِمَ؟ قال:

﴿ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً ﴾

[سورة المؤمنون الآية : 100]

 معنى علة وجودك في الدنيا بعد الإيمان بالله تعالى العمل الصالح، أنت جئت إلى الدنيا من أجل أن تعمل عملاً صالحاً، هذا العمل يؤهلك لدخول الجنة، فثمن الجنة العمل الصالح، لكن الأعمال الصالحة - والفضل لله عز وجل - بأي مجال موجودة، الطرق إلى الله موجودة بأي مكان بدءاً من بيتك، لذلك قالوا: الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق، أن تكون زوجاً صالحاً هذا عمل صالح، أن تكون أباً صالحاً عمل صالح، أن تكون جاراً صالحاً عمل صالح، أن تكون عاملاً متقناً عمل صالح، إتقان عملك عمل صالح، أن تكون زوجاً رحيماً بزوجتك عمل صالح، أن تكون أباً قدوة لأولادك عمل صالح، مرة ثانية: الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق.
 إذاً بدأنا بموضوع الاستقامة، لكن طابعها سلبي، الآن انتقلنا إلى الطابع الايجابي، لابد من أن تقدم لهذا الدين، صدقة، دعوة، خدمة، صلة رحم، تأليف بين متخاصمين، ومرة ثانية: ما أكثر الأعمال الصالحة، الأعمال الصالحة لا تعد ولا تحصى.

(( مَنْ كانَتِ الآخرةُ هَمَّهُ، جعل الله غِناه في قلبه، وجمع عليه شَمْلَهُ، وأتَتْهُ الدنيا وهي راغِمَة))

[ أخرجه البخاري عن أنس بن مالك]

العمل الصالح واسع جداً إلى درجة غير متناهية :

 النقطة الدقيقة: أنت في صلاة الفجر من الأدعية المأثورة في الركعة الثانية بعد الركوع: "اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك"، الإنسان عندما يستيقظ و عنده دوام بعمله أول شيء يخطر على باله الدوام، يهيئ نفسه لدائرته إذا كان موظفاً، لمحله التجاري إذا كان تاجراً، فالدوام في العمل إن كان تجارياً أو وظيفياً شيء أساسي، والمؤمن الصادق حينما يستيقظ أول شيء يخطر في باله العمل الصالح، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك، وموضوع العمل الصالح واسع جداً، إلى درجة غير متناهية، أنت عامل بمعمل، إتقان عملك، أداء الدوام كامل، عمل صالح، أنت تاجر، أن تختار بضاعة جيدة بسعر معتدل، عمل صالح، أنت صانع، أنت موظف تخدم المواطنين، ممكن أن تدير حديثاً ممتعاً مع زميل، جاء مراجع تقول له: تعال غداً، جاء من بلد بعيد معنى تعال غداً أي هناك فندق، ودفع مال، أنت حتى لا تكلف نفسك وتخدمه حين دخوله إليك أجلته إلى الغد، الله كبير.
 لذلك أخواننا الكرام، مرة ثانية: لا تظن الدين أن تؤدي الصلوات الخمسة، وأن تصوم، وأن تحج، الدين مئات ألوف البنود، تدخل في بيتك، في عملك، في طريقك، في غض بصرك، في تذكيرك بالحق، في دعوتك إلى الله، في ابتعادك عن الله، في مجلس بعيد عن الله، كيف تعرف هذا بالتفاصيل؟ لابد من حضور مجلس علم، أو لا بد من طلب علم بطريقة أو بأخرى، الآن العلم من فضل الله أنا العبد الفقير لي موقع بالانترنيت، الإحصاء الدقيق جداً يدخله في اليوم مليون زائر، يسحب منه في اليوم ثمانمئة ألف، بين يديك كبسة زر أمام موقع، هناك دروس دين، تفسير، حديث، سيرة، اطلب العلم، أنا لا أعتقد أنه في عصر من عصور البشر العلم بين أيديكم كهذا العصر، ممكن أن تستمع لأي عالم في العالم الإسلامي عن طريق الشاشة أحياناً، عن طريق الانترنيت، عن طريق المؤلفات، الكتب، فالعلم بين أيديكم.
 كان الواحد ينتقل من المدينة إلى البصرة من أجل حديث شريف واحد، الآن اكتب حديثاً شريفاً يظهر معك مئات ألوف المواقع فيها كل الأحاديث الشريفة، الأمور ميسرة جداً، العلم ميسر، بقي العمل.
 لذلك أيها الأخوة، أتمنى أن أضع بين أيديكم هذه الحقيقة الأولى: لابد من الاستقامة أولاً، ولابد من تقديم عمل صالح يكون سبباً لدخول الجنة، وعندما يكون هذا في ذهنك تماماً حينما تستيقظ في صلاة الفجر تقول: "اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك".

من ازدادت معرفته بالله عز وجل ارتقى عنده :

 أخواننا الكرام، الآن استقمت وعملت عملاً صالحاً، لكن لابد من أن ترقى، كيف ترقى؟ ترقى إذا ازدادت معرفتك بالله، كيف تزداد؟ الله عز وجل قال:

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾

[ سورة آل عمران الآية: 190-191]

 ممكن أن تتفكر مباشرة، ممكن أن تبحث بحثاً علمياً عن ظاهرة علمية يقشعر منها جلدك.
 بين الأرض وبين أقرب نجم ملتهب عدا الشمس أربع سنوات ضوئية، ما معنى سنة ضوئية؟ الضوء يقطع في الثانية الواحدة ثلاثمئة ألف كيلو متر بالثانية، بالدقيقة: ثلاثمئة ألف ضرب ستين، بالساعة ضرب ستين، باليوم ضرب أربع و عشرين، بالسنة ضرب ثلاثمئة و خمسة و ستين، بين الأرض وأقرب نجم ملتهب أربع سنوات ضوئية، ضرب أربع، ابنك الصغير مع آلة حاسبة خلال دقائق يحسب لك المسافة بين الأرض وبين أقرب نجم ملتهب إليها عدا الشمس طبعاً، بين الأرض وبين أقرب نجم ملتهب عدا الشمس أربع سنوات ضوئية، هذا افتراض علمي، لو كان هناك طريقاً معبداً لهذا النجم و معنا سيارة مرسيدس، تحتاج إلى خمسين مليون عام كي تصل إلى هذا النجم الله ماذا قال؟ قال:

﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ﴾

[ سورة الواقعة الآية: 75-76]

 مواقع النجوم.

 

من أراد الدنيا و الآخرة فعليه بالعلم :

 أخواننا الكرام، الشمس تبعد عنا مئة و ستة و خمسين مليون كيلو متر، يقطعها الضوء في ثماني دقائق، نحن مع الشمس هناك نجوم تبعد عنا أربعة وعشرين ألف مليون سنة ضوئية، بيننا وبين الشمس ثماني سنوات ضوئية، بيننا وبين القمر دقيقة وربع ضوئية، القمر دقيقة وربع، الشمس ثماني دقائق، بعض النجوم بعدها عنا أربعة وعشرين ألف مليون سنة ضوئية، الله عز وجل يقول:

﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ﴾

[ سورة الواقعة]

﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾

[ سورة فطر الآية: 28]

 إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم، حتى إذا ظن أنه قد علم فقد جهل، وكل علم وبال على صاحبه ما لم يعمل به.

 

الارتقاء عند الله يكون بالعمل الصالح :

 الله عز وجل خلق لك عقلاً غذاءه لعلم، وخلق لك قلباً غذاءه الحب، وخلق لك جسماً غذاءه الطعام والشراب، متى تتفوق؟ إذا تلبي حاجت العقل، والقلب، والجسم معاً، أن تأتي إلى مسجد لتستمع إلى مجلس علم أنت بهذا تلبي حاجة العقل، فأنت حينما تقف لتصلي تلبي حاجة القلب، وحينما تذهب إلى عملك تلبي حاجة الجسم، فالبطولة أن تلبي حاجات عقلك، وقلبك وجسمك معاً.
 إذاً الاستقامة عين الكرامة، الخطوة الأولى في هذا الدين لن تقطف من ثمار الدين شيئاً إلا إذا استقمت على أمر الله، ولن ترتقي عند الله إلا بالعمل الصالح، والدليل:

﴿ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾

[ سورة فاطر الآية: 10]

 قرآن، أنا أقدم لكم آيات قرآنية،

﴿ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾

من ازداد تفكراً في خلق السموات والأرض ازداد معرفة بالله :

 الآن من أجل أن يزداد علمك بالله ينبغي أن تتفكر في خلق السموات والأرض، هل هناك أحقر من بعوضة؟ إذا إنسان وقفت على يده بعوضة فقتلها هل يحس أنه قاتل؟ مجرم؟ إرهابي؟ بعوضة، هذه البعوضة التي قتلتها برأسها مئة عين، كيف عرفنا ذلك؟ كان عندنا ميكروسكوب، مجهر تقليدي يكبر ثماني مرات، ثماني أضعاف، الآن مجهر إلكتروني يكبر خمسمئة ألف مرة، وضعت البعوضة تحت هذا المجهر، وأنا عندي الصور، وعرضتها بالفضائية السورية، برأس البعوضة مئة عين، بفمها ثمانية وأربعون سناً، في صدرها ثلاثة قلوب، قلب مركزي، وقلب لكل جناح، البعوضة تملك جهازاً لا تملكه الطائرات، تملك جهاز استقبال حراري، معنى ذلك أنها ترى الأشياء لا بأحجامها، ولا بألوانها، ولكن تراها بالحرارة، معها جهاز استقبال حراري، حينما تقترب من شيء حار تشعر به، حساسية هذا الجهاز واحد على ألف من الدرجة المئوية، تملك البعوضة جهاز تحليل للدم، ينام أخوان على سرير واحد، الأول يستيقظ وقد ملئ بلسع البعوض والثاني لا يوجد به شيء، فحصت الدم، دم الثاني لم يناسبها، الأول ناسبها، معها جهاز تحليل دم، دم الإنسان سمج أي لزج، لا يسري في خرطومها، معها جهاز تمييع للدم، معها جهاز تحليل، جهاز تمييع، لكن حتى الإنسان إذا لدغ بالبعوضة لا يقتلها تخدره أولاً، معها جهاز تخدير، متى تشعر بلسع البعوضة؟ بعد أن ينتهي مفعول التخدير، وهي في سقف الغرفة تضحك عليك، الشعور بالألم بعد انتهاء مفعول التخدير، معها جهاز تحليل دم، جهاز تمييع، جهاز تخدير، والله عز وجل قال:

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً ﴾

[سورة البقرة الآية: 26]

 مئة عين، ثلاثة قلوب، ثمانية وأربعون سناً، جهاز استقبال حراري، جهاز تحليل، جهاز تمييع، جهاز مص، ما هذا! بعوضة.
 لذلك أيها الأخوة، كلما ازددت تفكراً في خلق السموات والأرض ازددت معرفة به.
 بين الأرض والشمس مئة و ستة و خمسون مليون كيلو متر، بين الأرض وأقرب نجم ملتهب أربع سنوات ضوئية، وذلك النجم الذي يبعد عنا أربعة و عشرين مليون سنة ضوئية، من خلقه؟ من يسيره؟.
 لذلك أيها الأخوة، مرة ثانية: إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، إذاً لا بد من أن نستقيم، ولا بد من عمل صالح، ومن أجل أن نرقى عند الله لا بد من أن نتفكر في خلق السموات والأرض.

 

الدعوة إلى الله دعوتان فرض عين و فرض كفاية :

 النقطة الأخيرة: قد يتوهم المتوهم أن الدعوة إلى الله لها اختصاصيون، من قال لك ذلك؟ كل مسلم من دون استثناء مكلف بالدعوة إلى الله، الأدلة:

﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ﴾

[سورة يوسف الآية: 108]

 فإن لم تدعُ إلى الله على بصيرة لست متبعاً برسول الله، ولكن الدعوة إلى الله دعوتان فرض عين على كل مسلم، وفرض كفاية.
 بالمناسبة التبحر في العلم فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الكل، معرفة الأدلة التفصيلية فرض كفاية، المعرفة الشمولية فرض كفاية، أما أن تدعو إلى الله في حدود ما تعلم فهذا فرض عين، سمعت درساً تأثرت به كثيراً، إذا كان عندك ذاكرة قوية وكتبت عدداً من الكلمات، تكلم بهم عند أصدقائك، عند أخواتك، عند أقربائك، عندك سهرة، عندك وليمة، احكِ الموضوعات، إن لم يكن عندك إمكانية خذ شريطاً وقدمه لإخوانك، أعره لجارك، اي لا بد من أن تدعو إلى الله.
 والله عندي قصة بالشام، شاب ليس متعلماً، أمي، يعمل في مصلحة، تأثر بالدعوة كثيراً، و لا يستطيع أن يتكلم لأنه إنسان أمي، فكان يشتري مئة شريط و يوزعهم على أقربائه، يأخذ شريطاً يكتب: فلان أخذ هذا الشريط، يسمع فلان الشريط ثم يحضره له بعد أسبوع ليعطيه للثاني، والله أحضر للجامع خمسين أو ستين شخصاً بهذه الطريقة، وهو أمي.
 أي الدعوة إلى الله فرض عين على كل مسلم، كلمة، سمعت درساً احكِه، قرأت موضوعاً احكِه، ما معك إمكانية أعطِ شريطاً، لا بد من دعوة إلى الله، والدليل:

﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ﴾

 هذا الكلام.

 

التواصي بالحق أحد أركان النجاة  :

 هناك آية ثانية الله عز وجل قال:

﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴾

 خاسر لا محال.

﴿ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾

[سورة العصر]

 أحد أركان النجاة التواصي بالحق أي الدعوة إلى الله، فهيئ نفسك، أنت مسلم فقط، مواطن عادي، أنت ينبغي أن تكون داعية في حدود ما تعلم، يوم الجمعة سمعت خطبة أعجبتك، كتبت عدداً من الآيات، أو أخذت شريطها، أعطِها لغيرك، ممكن أن تكون بهذا العمل داعية إلى الله عز وجل بطريقة أو بأخرى.
 أريد أن أؤكد لكم أن الدعوة إلى الله فرض عين على كل مسلم، ودائماً وأبداً ما الذي ينمي المجتمع الإسلامي؟ الدعوة إلى الله، إنسان شارد ذكره، إنسان مقصر ذكره، إنسان دخله فيه شبهة ذكره، إنسان بيته غير إسلامي ذكره، الله قال:

﴿ وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة الذاريات الآية: 55]

الصبر :

 أخواننا الكرام بدأنا بالاستقامة، بعدها العمل الصالح، بعدها الدعوة إلى الله، الآن الصبر، الآن قال تعالى:

﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾

 لحكمة بالغة الله عز وجل يسوق بعض الشدائد، بكل عصر هناك مصائب، و مرض، وقلة دخل، و بطالة أحياناً، و ابن متعب، و زوجة متعبة، هذه كلها مصائب تعد، البطولة أن أصبر.

﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾

[ سورة الزمر الآية: 10]

 أنت حينما تصبر، هذه معالجة إلهية، الطفل الصغير حينما يعالج عند طبيب الأسنان قد يبكي ويتحرك، وقد يتكلم كلاماً غير معقول، لأنه لا يعلم أن هذه العملية لصالحه، لكن الإنسان الراشد ساكت و قد يكون الألم مؤلماً جداً ولا يتحمل قلبه المخدر، يقول له: هناك ألم شديد، فيجيب: ماذا نفعل؟ الألم لا يحتمل وساكت، وعنده وعي، فكلما كبر وعي المؤمن وجاءته من الله مصيبة يرى حكمتها.
 لذلك قيل: الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين.

 

الإنسان بضعة أيام :

 إذاً:

﴿ وَالْعَصْرِ ﴾

 أقسم الله بمطلق الزمن لهذا المخلوق الأول الذي هو في حقيقته زمن أنه خاسر، كيف الخسارة يا رب؟ مضي الزمن وحده يستهلكه، وأنت في بضعة أيام تعيش، كلما انقضى يوم انقضى بضع منك، وكم إنسان نال الشهادة وما درّس ولا تعين لأن أجله كان قريباً؟ من يضمن أن يعيش لبعد ساعة وأنا واحد منكم؟ بلمحة الإنسان يموت.

كل مخلوق يموت ولا يبقـــى  إلا ذو العزة والــجبروت
* * *
والليل مهما طــــــــال  فلابد من طلوع الـــفجر
والعمر مهما طـــــــال  فلابد من نزول الـــقبر
* * *
وكل ابن أنثى وإن طالت سلامت ه يوماً على آلة حدباء محمول
فإذا حــملت إلى القبور جنازة  فــاعلم بأنك بعدها محمول
* * *

ما من عمل إلا ويوظف بالحق :

 أخواننا الكرام، الآن ممكن أن نتوسع بموضوع العمل، عملك يمكن أن تدقق في مشروعيته أولاً، ويمكن أن تدقق في إمكان توظيفه في الحق، ما من عمل إلا وسيوظف بالحق، إتقان العمل دعوة إلى الله عز وجل، الناس عندما يرون المؤمن إنساناً آخر، يتوهم الناس أن المؤمن يصلي، لا ليس فقط أن يصلي، والله لا أبالغ عنده مئة ألف خاصة يتميز بها، المؤمن متقن لعمله، المؤمن رب أسرة ناجح، المؤمن أب رحيم، زوج وفي، هذه صفات المؤمن، لا يكفي أن تصلي، الصلاة طريق إلى هذه الكمالات، لذلك لابد من أن نكون على يقين بأن العمل الصالح يأتي بعد الاستقامة، وبعد الإيمان بالله، والدعوة إلى الله كما قلت توسع الحيز الإسلامي، وكل مؤمن مطالب أن يدعو إلى الله في حدود ما يعلم، ومع من يثق بقبوله بهذه الدعوة.

من صفات المؤمنين التعاون بينهم :

 بقي شيء واحد أن التعاون بين المؤمنين هذا من صفاتهم، قال الله عز وجل:

﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ﴾

[ سورة المائدة الآية: 2]

 لذلك نحن بين حالتين، حالة تعاون، وحالة تنافس، من صفات المؤمنين التعاون، ومن صفات غير المؤمنين التنافس، فأنت عندما تتعاون مع أخيك المؤمن الله يرضى عنكما معاً، وإذا كان هناك تنافس في مشكلة، فالإيمان يغير طبيعة الإنسان، يغير أخلاقه، يغير طموحاته، أناس كثيرون عندهم صانع بالعمل يعلمونه المصلحة فيرقون عند الله.
 مرة قال لي إنسان أخذه والده لمحل إصلاح المركبات نظير أن يتعلم هذه المصلحة بلا مقابل، فالمعلم كان يشغله أشغالاً عادية، تنظيف المحل، عند فك المحرك يخرجه إلى الخارج، من ضيق أفقه خاف أن يتعلم المصلحة وينافسه.
تجد فرقاً كبيراً بين المؤمن، وبين غير المؤمن.
 عندنا محل بالشام متفوق جداً، عنده موظف قال له: سيدي إذا أحببت أن أخرج من العمل من عندك هل علي مأخذ؟ قال له: لا أبداً، قال له: أحببت أن أعمل بالمصلحة نفسها، قال له: لا يوجد مانع، قال له: هناك محل إلى جانبك رأيته، قال له: لا يوجد مانع، قال له: لا أملك دفع فروغه، قال له: خذ فروغه مني.
 هذا المؤمن، المؤمن يرى الرزق من الله عز وجل، لا يوجد عنده حسد، و لا ضيق أفق، و لا أنانية، عنده حب للآخرين، وسبحان الله المؤمن يتألق بالمجتمع من أخلاقه العالية، أنت ترى المؤمن له مكانة كبيرة، سببها أنه طبق الإسلام فقط.
 أعرف شخصاً عنده موظف انتهت فترة عمله صار يبكي، لأنه ما أحب أن يفارق العمل هذا بسبب المحبة التي في قلبه إلى من يعمل عنده.
 فإذا كنت مؤمناً صادقاً الناس كلها معك وتحبك، فأرجو الله سبحانه وتعالى أن نكون عند حسن ظن الله بنا، وأن يكون هذا اللقاء لقاء مثمراً، وأنا والله الذي لا إله إلا هو حينما آتي إلى هذا البلد الطيب أشعر بفرح كبير، لأنني أعرف أن هذا البلد مجاهد، وقدم أعمالاً بطولية سابقاً، والآن يعتز بها، وإن شاء الله عز وجل يزاح الغمام عن هذه البلاد الإسلامية، وأرجو الله لي ولكم السعادة والتوفيق.
 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018