الدرس : 6 - سورة النجم - تفسير الآيات 31-38 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 6 - سورة النجم - تفسير الآيات 31-38


1995-10-06

 الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً وأرنا الحق حقاً وارزقنا أتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الأخوة المؤمنون: مع الدرس السادس من سورة النجم، ومع الآية الواحدة والثلاثين وهي قوله تعالى:

﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾

(سورة النجم )

 الجزاء أساس الاستقامة:

 أيها الأخوة الكِرام: مما تقتضيه ألوهية الله عزَّ وجل الذي يملك السماوات والأرض، وشؤون السماوات والأرض، وملكوت السماوات والأرض، أن يجزي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، والإنسان أيها الأخوة حينما يوقِن أن لكل حسنةٍ ثواباً ولكل سيئةٍ عقاباً يستقيم، ففكرة الجزاء هي أساس الاستقامة، أمّا حينما تؤمن بعبثية الخلق فالأمر ضلال و ضياع، وإنّ عندنا حالتين هما: إما أن تؤمن بعبثية الخلق.

﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً﴾

(سورة الؤمنون: آية " 115 " )

﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾

( سورة القيامة )

 وإما أن تؤمن بالجزاء.

 الإنسان العاصي ينطلق من عبثية الخلق:

 فكرةٌ أساسيةٌ في الدين، أساسيةٌ في العقيدة، أساسيةٌ في فلسفة الحياة، أن تؤمن بالجزاء، فإنسانٌ يسيء لن يفلت من يد الله عزَّ وجل وعقابه.

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93) ﴾

(سورة الحجر )

﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾

( سورة الأنبياء )

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ (8) ﴾

(سورة الزلزلة )

 أيها الأخوة الأكارم: الإنسان الذي يعصي والذي يسيء والذي يعتدي، والذي يأخذ ما ليس له، والذي يطغى، والذي يبغي، إنسان حتماً ينطلق من عبثية الخلق، هكذا، بلا ضابط، بلا حساب، بلا مسؤولية، بلا جزاء، بلا جنة، بلا نار، بلا ثواب، بلا عقاب.

 عدم استواء المحسن و المسيء يوم القيامة:

 أنت إذًا أمام خيارين ؛ إن آمنت بالجزاء استقمت على أمر الله، وإن لم تؤمن بالجزاء وتوهَّمت العبثية، فعندئذٍ تنحرف، وعندئذٍ تعد الذكاءَ أن تأخذ ما ليس لك، وعندئذٍ تعد الذكاءَ أن تبغي على حقوق الآخرين، وأن تظلم، وأن تستغل، وأن تحتكر، وأن تسيء، كل أنواع التفلُّت، كل أنواع المعاصي أساسها توهُّم العبثية، توهُّمُ أن الإنسان سيترك بلا حساب.

﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾

( سورة القيامة )

 فهل يستوي مسيءٌ ومحسنٌ في النهاية ؟! وهل يستوي كافر ومؤمن في النهاية ؟! وهل يستوي مسلم ومجرم في النهاية ؟!

﴿ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36) ﴾

(سورة القلم )

﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ﴾

(سورة السجدة )

﴿أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾

(سورة ص )

 هذا مستحيل.

 عدم نجاة أي مخلوق من قبضة الله يوم القيامة:

 فأين تذهبون ؟

﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾

(سورة المؤمنون )

﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾

(سورة الجاثية: آية " 21 " )

﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾

(سورة القصص: آية " 61 " )

 أنت بين إيمانين إما أن تؤمن بالجزاء، وإما أن تؤمن بالعبثية، إن توهَّمت العبثية عندئذٍ لن تستقيم، قد تعدُّ نفسك عاقلاً وشاطراً بالتعبير الدارج إذا أخذت ما ليس لك، أما إذا آمنت بالجزاء فلن يفلت مخلوقٌ من قبضة الله، لن يفلت مخلوقٌ من عقاب الله في الدنيا والآخرة، هنا مَحَطُّ الشاهد، هنا بيت القصيد، هنا محط الرِحال، لن يفلت من عقاب الله.

 من أبرز العقائد الصحيحة الإيمان بالجزاء:

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93)﴾

(سورة الحجر )

 " لو أن شاةً في الفرات تعثَّرت لحاسبني الله عنها، لمَ لمْ تصلح لها الطريق يا عمر " ؟ عمرُ آمن بالجزاء، فكلامه نتيجة طبيعية لإيمانه، وهذا أعرابي راعي غنم، قال له عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: "بعني هذه الشاة وخذ ثمنها قال: ليست لي، قال له: قل لصاحبها إنها ماتت، قال له: ليست لي، قل له: أكلها الذئب، قال: ليست لي، خذ ثمنها، قال له: والله إنني لفي أشد الحاجة إلى ثمنها، ولو قلت لصاحبها ماتت أو أكلها الذئب لصدقني فإني عنده صادقٌ أمين، ولكن أين الله ؟ ".
 الموضوع يتلخّص في فكرة واحدة: إن آمنت بالجزاء استقمت على أمر الله، ووقفت عند الحد الذي حدّه الله، تقنع بمالك ولا تأخذ ما ليس لك، العقيدة مهمة جداً، فالإنسان حينما يعتقد خطأً يرتكب آلاف الأخطاء ولا يتوب منها، أما حينما يعتقد اعتقاداً صحيحاً فالخطأ يقع و لكن لا يتكرر، سريعاً ما يتوب منه، فأهمّ شيء في حياتك أن تعتقد اعتقاداً صحيحاً، من أبرز العقائد الصحيحة الإيمان بالجزاء، لن يفلت مسيءٌ من قبضة الله، لن يفلت ظالمٌ من قبضة الله ومن عقاب الله، لن يفلت منحرفٌ من سؤال الله، والجزاء على ما قدمت يداه.

 صعوبة الاستقامة إذا توهم الإنسان الفوضوية في الخلق:

 الآية الكريمة ربطت..

﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ﴾

 أي أن علة ملك السماوات والأرض لله أنه:

 

﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾

 

 إنه يؤمن بالجزاء تجد نفسك مستقيماً وأنت لا تشعر، عندئذٍ تغدو الاستقامة سهلةً، متى تغدو صعبةً ؟ إذا توهَّمت العبثية، إذا توهَّمت الفوضوية، إذا توهمت أنك خُلِقْتَ سُدى، هكذا بلا سبب، بلا هدف، أما إذا أيقنت أن الذي خلقك سيسألك، وأن الذي أبدعك سيحاسبك، وأن الذي أوجدك سيجازيك على عملك إنْ خيراً فخير وشراً فشر، عندئذٍ تستقيم على أمر الله سبحانه.

 العلم أساس النجاح في الدنيا و الآخرة:

 لذلك أيها الأخوة: دائماً دقِّق الفكر و النظر، فلما الإنسان يأخذ ما ليس له فإنه يفتخر أحياناً، وحينما يفتخر فهو يؤمن بالعبثية وهو لا يشعر، إذا افتخر بإساءةٍ أو بعدوانٍ أو بظلمٍ أو بطغيانٍ أو ببغيٍ ينطلق من توهُّمِهِ العبثية وهو لا يشعر، أما إذا أيقنت بالجزاء، فمثل ذلك شخص بضاعة يستورد بضاعة فتذهب صورة من مستورداته إلى المالية، فإذا لم يصرح عن هذا المستورَد يعاقب بتضْعيف الضريبة، فتجد كل من يستورد يقدِّم بيانات صحيحة. لماذا ؟ لأنه موقن بمضاعفة الجزاء لو قدم بياناً فيه خطأٌ، أنت مع إنسان، إنسان من جلدتك من بني جنسك لأنه يطولك علمه وتطولك قدرته فتستقيم على أمره، فكيف بالواحد الديان ؟
 إخواننا الكرام: إنّ الإنسان إذا لم يستقم فهناك خلل في بعقيدته، لذلك فالعلم ضروري.

(( طلب العلم فريضةٌ على كل مسلم ))

(أخرجه ابن ماجه عن أنس بن مالك )


 إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، إذا أردت النجاح في عملك فعليك بالعلم، والعلم يعطيك المنهج، يبيِّن الحصن الذي تجد الأمن فيه.

 

 المفهوم الدقيق و المفهوم الساذج للشفاعة:

 هذه الآية دقيقة الدلالة جداً، وطبعاً الآن عُرِضَتْ من زاويةٍ أخرى، فالإنسان حينما يؤمن بالجزاء يستقيم على أمر الله، وحينما يتوهَّم العبثية والفوضوية، وأنه يترك سدى فعندئذٍ ينحرف حتماً، فالإنسان العاقل حكيم نفسه، ويفسر دائماً ما يفعله بأسلوبٍ علمي، فمتىُ َتِّقصر ؟ متى تعصي ؟ متى تأكل ما ليس لك ؟ متى تطغى ؟ متى تبغي ؟ إذا أيقنت أو توهَّمت أنك لن تحاسب، فكل ذلك تمارسه بلا مبالاة.
 فمثلاً لو توهم واحدٌ منا أن أمة النبي صلى الله عليه وسلم سوف تدخل الجنة بغير حساب، والنبي عليه الصلاة والسلام سوف يشفع لها:

(( شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي ))

( أخرجه الترمذي عن أنس )

 لكن هذا الفهم الساذج للشفاعة التي هي حق، ولها مفهومٌ دقيق في الكتاب والسنة، فإذا فهم إنسان الشفاعة هذا الفهم السقيم الساذج فلا يمكن أن يستقيم، ماذا نفعل بقول الله عزّ وجل:

 

﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ﴾

 يا محمد..

 

 

﴿تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾

 

( سورة الزمر )

 ماذا نفعل بقول النبي عليه الصلاة والسلام حينما يقول يوم القيامة:

 

(( أَصْحَابِي، أَصْحَابِي، فَقِيلَ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، قَالَ: فَأَقُولُ: بُعْدًا، بُعْدًا، أَوْ قَالَ: سُحْقًا، سُحْقًا لِمَنْ بَدَّلَ بَعْدِي ))

 

(أحمد عن أبي سعيد الخدري )

 ماذا نفعل بقول النبي صلى الله عليه وسلم ؟

 

(( يا فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم اعملي لله خيراً فإني لا أغني عنك من الله شيئاً، يا عباس بن عبد المطلب يا عم رسول الله صلى الله عليه وسلم اعمل لله خيراً فإني لا أغني عنك يوم القيامة من الله شيئاً ))

 

( رواه البزار عن حذيفة )

(( وَمَنْ يُبْطِئْ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ ))

( أخرجه أحمد عن أبي هريرة )

 الاعتقاد الخاطئ أخطر شيء في حياة الإنسان:

 لو فرضنا أنك آمنت بالله، وآمنت مع إيمانك بالله بمفهومٍ ساذجٍ غير صحيح للشفاعة فلن تستقيم على أمر الله أبداً، وإذا آمنت أن الإنسان مجبورٌ على فعل السوء، مقهور..

ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له:  إياك إياك أن تبتل بالماء.

***

 وأن أعمالنا الصالحة والسيئة مكتوبةٌ علينا قبل أن نُخْلَق، ولا سبيل إلى تغييرها، وأن الله سبحانه وتعالى خلق الكافر كافراً ووضعه في النار ولا ذنب له، إن اعتقدت عقيدة الجبر التي هي مخالفةٌ لعقيدة أهل السنة والجماعة فلن تستقيم على أمر الله، وهاأنذا أضرب لكم أمثلة: أية عقيدة فاسدةٍ من نتائجها التفلُّت من منهج الله، أية عقيدةٍ فاسدة سواءً توهَّمت العبثية في أصل الخلق، أو توهَّمت شفاعة النبي بمفهومها الساذج، أو توهَّمت مفهوم الجبر في العقيدة، إن توهمت الجبر أو الشفاعة بمفهومها الساذج أو توهمت عبثية الخلق فلن تستقيم على أمر الله، والإنسان كلما انحرفت عقيدته كلما انحرف سلوكه، وكلما استقامت عقيدته استقام سلوكه، ولأن السلوك انعكاسٌ طبيعيٌ جداً لما تعتقد، ولأنه كذلك أصبحت العقيدة خطيرةً جداً، لو توهمنا أنه يمكن أن تعتقد عقيدةً فاسدة من دون أن تتأثر بها سلوكياً، عندئذٍ اعتقد ما شئت، لو كان هناك فصلٌ بين العقيدة والسلوك، لو لم يكن السلوك انعكاساً للعقيدة لقلنا لك: اعتقد ما شئت ولا تثريب عليك، لا، لأن كل سلوك الإنسان صورةٌ لعقيدته، منعكسٌ لعقيدته، تجسيدٌ لعقيدته، لذلك نقول: أخطر شيءٍ في حياة الإنسان أن يعتقد اعتقاداً خاطئاً.

 سلوك الإنسان ما هو إلا انعكاس لما يعتقد:

 تصور ميزاناً دقيقًا جداً وضعنا تحت كفته اليمنى مئة غرام، واستخدمناه طويلاً وزنَّا به ألف وزنةً، الألف وزنة كلُّها غلط، لأن هناك مئة غرام في أسفل كفته اليمنى، فالخطأ في الميزان خطأ مدمِّر، خطأ في كل الوزنات من دون استثناء، أما لو كان الميزان دقيقاً و حساساً وصحيحاً وقرأنا الكيلو كيليين مرة من المرات، فهذا الخطأ لن يتكرر، وقع مرة واحدة، لذلك قالوا: هناك خطأٌ في الوزن وخطأٌ في الميزان، الخطأ في الوزن سهل جداً قد لا يتكرر، لكن الخطأ في الميزان نتائجه فاحشة، فالخطأ بالعقيدة خطأ في الميزان لا في الوزن، الإنسان قد يرتكب بعض الأخطاء، وإذا عرفها يتوب منها فوراً، أما الذي يخطئ في الميزان، فإذا كان في ميزانه خطأً فهذا لن يستقيم على أمر الله أبداً.
 يا أيها الأخوة: اعتقدوا اعتقاداً جازماً أن كل أنواع السلوك إن هي إلا انعكاساتٌ لما تعتقد، وأن أخطر شيءٌ في حياة الإنسان عقيدته إن صحَّت صح عمله، وإن فسدت فسد عمله، لذلك كما قال عليه الصلاة والسلام:

(( ابن عمر، دينك، دينك، إنه لحمك ودمك، خذا عن الذين استقاموا، ولا تأخذ عن الذين مالوا ))

( العلل لابن أبي حاتم)

 خذ عن الذي استقاموا في عقيدتهم وفي سلوكهم، ولا تأخذ عن الذي مالوا.

 نتائج عقيدة الجزاء و وهم العبثية:

 نحن اليوم بين عقيدةٍ ووهمٍ، عقيدة الجزاء ووهم العبثية، عقيدة الجزاء نتائجها الاستقامة، وعقيدة العبثية نتائجها التفلُّت، لكن أريد أن أؤكِّد لكم حقيقةً خطيرة، قانون السقوط، هذا قانون نافذ، في كل مكانٍ وزمان، أنت إن آمنت به أو إن لم تؤمن، تأدبت معه أو لم تتأدب، اعتقدت به أو لم تعتقد، نافذٌ فيك، فعدم إيمانك بحتمية هذا القانون لا يُعَطِّله دقِّقوا، والدليل: لو أن إنساناً ألقى بنفسه من طائرة، ولم يعبأ بهذا القانون ولا بحيثياته ولا بتفاصيله لتحطَّم فوراً أمّا لو نزل بمظلة يكون قد تأدَّب مع هذا القانون، وقد درس هذا القانون، وصمم هذه المظلة وفق هذا القانون، بحسب وزنه وبحسب مقاومة الهواء، وبحسب اتساع المظلة، وبحسب نوع القماش الذي صنعت منه المظلة، نوع القماش ومساحة القماش مدروستان دراسةً دقيقةً مع قانون السقوط، فهذا القانون نافذ، شئت أم أبيت، أعجبك أم لم يعجبك، آمنت به أم كفرت، تأدبت معه أم لم تتأدب، أيقنت به أم كفرت به، سيَّان، القانون نافذ، وقانون الجزاء نافذ في الدنيا والآخرة، آمنت أم لم تؤمن، صدقت أم لم تصدق، اعتقدت أو لو تعتقد، نافذ.

﴿ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾

 خيار الإنسان خيار وقت فقط:

 لكن المشكلة أنّ الكافر المتفلِّت العاصي بعد أن يدفع الثمن باهظاً يقول: إِي واللهِ لقد كنت مخطئاً، إذً فالقضية أنّ الخيار خيار وقت، خيار وقت يا إخواننا، أيْ أنّهُ لابد من أن تؤمن بحتمية هذا القانون، لكن بدل أن تؤمن بحتميته وقد كنت أنت الضحية، وقد دفعت الثمن باهظاً لتؤمن من دون تبعة عليك، فمثلاً الله عزًّ وجل قال:

﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾

( سورة البقرة: آية " 276 " )

 جملة محدودة من ثلاث كلمات في كتاب الله، الذي يحتوي على ستمئة صفحة قال لك:

 

﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾

 

( سورة البقرة: آية " 276 " )

 فيأتي إنسان نما ماله بالربا، يشتري أجمل البيوت، وأجمل المركبات، ويرى أن الربا هو أفضل طريقة لنمو المال، بلا تعب، بلا نَصَبْ، بلا مسؤولية، بلا كَد، بلا قلق، بلا خوف، إذاً هو الآن آمن. لا. إنّ هذا الشعور آنِيٌّ، وإنّ هذا الكلام غير واقعي، وحينما يُتْلِفُ الله ماله كله يؤمن، فمتى آمن ؟ بعد أن كان هو الضحية، بعد أن دفع الثمن باهظاً.

 الله تعالى سيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته:

 إخواننا الكرام: إيماننا بحتمية الجزاء لا بد كائن، وهذا الإيمان أنت مخير فيه. خيار وقت لا خيار قبول أو رفض، النقطة دقيقة، أعجبك أم لم يعجبك، آمنت به أم لم تؤمن، تأدَّبت معه أم لم تتأدب، نافذٌ فيك، رغم أنف كل الناس، كقانون السقوط، فلو أنّ إنسانًا أنكر هذا القانون ولم يعبأ به وألقى بنفسه من الطائرة لنزل ميتاً، عدم إيمانه بهذا القانون لا يلغي فعل القانون، فأثره نافذ فيه، فالجزاء نافذ، أما إذا آمنا بالجزاء منذ البدء فإننا نستقيم على أمر الله، فنسعد في الدنيا والآخرة، وإن لم نؤمن بالجزاء وآمنا بالعبثية انحرفنا، وإذا انحرفنا طُبِّق علينا قانون الجزاء الذي لم نؤمن به، ونفذت الأحكامُ فينا.
 وهذا مثل أوضح، أنت مع قانون السير، فإذا صدرت تعليمات بحجز المركبة، وإيداع السائق السجنَ شهراً، وأنت لم تبال، ولم تقرأ القانون ولا اتعظت به، فإذا خالفت وقعت في قبضة القانون شئت أم أبيت، فالقضية كلها وما فيها: إما أن تؤمن بالجزاء وإما أن تؤمن بالعبثية، الذي لا يستقيم على أمر الله يتوهَّم العبثية، والمستقيم على أمر الله يؤمن بالجزاء، الآية الكريمة:

﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾

 الذي يملك السماوات والأرض هو الذي سيجازي، الذي يملك السماوات والأرض، الكون كله، هو الذي سيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته.

 

﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾

 

 التائب من الذنب كمن لا ذنب له:

 من هم الذي أحسنوا ؟ قال سبحانه:

﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ﴾

 قال بعض العلماء: الفاحشةُ فرعٌ من الإثم، الإثم الكبير، المعصية الكبيرة التي تحجب عن الله وتبعد عن الله، الإثم الكبير الذي ورد فيه لعنٌ لمن يفعله، أو وعيدٌ في النار لمن يقترفه، الإثم الكبير هو الذنب الذي يحجب عن الله عزَّ وجل، والفواحش ؛ الإثم المتعلِّق بالعلاقات الاجتماعية، الذي يفشو بين الناس بأقبح الصور، وأقبح السُمَع.

﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾

 وكذلك قال العلماء:

﴿ اللمم ﴾

 مَن فعل إثماً وتاب منه توبةً نصوحاً، هذا صار لممًا، ألمَّ به وتاب منه، فكل شيءٍ فعله الإنسان قبل أن يتوب، فعله في جاهليته، فعله قبل أن يصطلح مع الله، فعله من قبل وتاب منه فهو لمم، وبعضهم قال: اللمم كل شيءٍ حدَّثتك نفسك بفعله ولم تفعله فهو من اللمم، وكرم الله سبحانه وتعالى يقتضي ألاّ يحاسب المرء إلا على العمل، فمن حدَّث نفسه بمعصيةٍ ولم يفعلها خوفاً من الله عزَّ وجل لا يحاسب عليها، لكن ننصحه أن يوقف هذه الخواطر، لأنه إذا تابعها واستمرأها ربما انقلبت إلى أعمال، فاللمم هو الذنب الذي اقترفه الإنسان وتاب منه، أو حديث النفس بالمعصية دون أن يفعلها.

 مغفرة الله عز وجل وسعت كل الذنوب:

﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾

﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾

 أيْ أنّ مغفرته وسعت كل الذنوب.

 

﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾

 

(سورة الزمر: آية " 53 " )

 كل الذنوب، أما قوله تعالى:

 

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾

 

(سورة النساء: آية " 48 " )

 فهذه الآية حملها كل المفسِّرين على أنه إذا مات دون أن يتوب مما اقترفت يداه، فإن تاب غفر له، وحتى إذا كان مشركاً وتاب غفر الله له هذا الذنب، لقوله تعالى:

 

﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾

 

(سورة الزمر: آية " 53 " )

 بعد التوبة.

 باب التوبة مفتوح على مصراعيه:

﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾

 وسعت رحمته كل شيء وأنت شيء، وسعت مغفرته كل الذنوب، مهما عظم الذنب تتسع له مغفرة الله عزَّ وجل، تصوَّروا العكس لو أن الله سبحانه وتعالى لا يتوب على عباده المؤمنين ماذا يفعلون ؟ إلى أين يلتجئون ؟ أصغر ذنبٍ يتفاقم إلى أكبر ذنب، يقول لك: لا توجد مغفرة، فأفعل إذاً ما أشاء، فالإنسان عندئذ يسترسل في المعصية، لكن رحمة الله واسعة، ومغفرته مرتجاة، مما يدفعه إلى التوبة وإلى أن يقلع عن كل سيِّئة.

 

(( لو جئتني يا عبدي بملء السماوات والأرض خطايا غفرتها لك ولا أبالي ))

 والصُلْحَة بلمحة:

 

 

((إذا رجع العبد إلى الله نادى منادٍ في السماوات والأرض أن هنئوا فقد اصطلح مع الله ))

 

( ورد في الأثر )

 سبحان الله أشد العجب أن باب التوبة مفتوحٌ على مصراعيه، وأن الناس يترددون في التوبة، الإسلام يجب ما كان قبله، الإسلام يهدم ما كان قبله:

 

(( إذا تاب العبد توبةً نصوحًا، أنسى الله حافظيه والملائكة وبقاع الأرض كلها خطاياه وذنوبه ))

 

(ورد في الأثر )

 والله سبحانه وتعالى يريد أن يتوب عليكم، وما أمركم بالتوبة إلا ليتوب عليكم، وما أمركم بالاستغفار إلا ليغفر لكم، وما أمركم بالصلح معه إلا ليكرمكم.

 إكرام الله للعبد بالتوبة إذا رجع عن ذنبه:

﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً﴾

(سورة النساء )

 أهل الدنيا يريدون أن تميلوا مع الشهوات، وأهل الدين يريدون لكم أن تتوبوا، لذلك:

 

﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (31) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمََ﴾

 

(سورة النجم )

 قال تعالى:

 

﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً﴾

 

(سورة النساء )

 الإنسان إذا ترك الكبائر غفر الله له الصغائر، فالصلاة إلى الصلاة، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، والعمرة إلى العمرة تكفِّر ما بينها، صليت الظهر، ثم ندَّت منك كلمة أزعجتك وأوقعتك في الإثم، فعند العصر يغفرها الله لك، ما بين الصلاتين، وبين الجمعتين، وبين رمضانين، وبين العمرتين..

 

﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً﴾

 

(سورة النساء)

 الفرق بين النبي و الولي:

 السيئات التي يمكن أن تصدر من المؤمن عن غير قصدٍ، وقد تصدر عنه صغائر كثيرة، ولكنه يستغفر ويسعى إلى طاعة الله، والفرق بين النبي والولي هو أن النبي لا يعصي الله أبداً، فهو معصومٌ من أن يعصي الله، بينما الولي لا تضره معصية بمعنى بأنه يتوب منها سريعاً، ويستغفر ويتوب ويؤمن، والمؤمن مذنبٌ توَّاب، شديد التوبة، يُحْدِثُ عند كل ذنبٍ توبةً، فالآية الكريمة..

﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾

 ذنبٌ ارتكبه ثم تاب منه، أو نفسه حدَّثته بعملٍ ولم يفعله هذا هو اللمم، شيءٌ وقع وتاب منه، أو شيءٌ لم يقع لكن جرى بينه و بين نفسه حديث ملامة بسببه.

 اتهام النفس من علامات الإيمان:

﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾

 فالتوجيه الإلهي هنا لا تقل: أنا، امرأةٌ قالت لصحابيٍ جليل توفاه الله عزَّ وجل وكان النبي يزوره، يزوره بعد وفاته، قالت: رحمة الله عليك أبا السائب، فشهادتي عليك: لقد أكرمك الله. فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-:

(( وما يدريك أن الله أكرمَهُ ؟ فقلت: بأبي أنت وأُمِّي يا رسول الله، فمن يكرمه الله ؟ فقال: أمّا هو فقد جاءه اليقين. والله إِني لأرجو له الخير. والله ما أدري - وأنا رسول الله - ما يُفعَلُ بي ؟))

( أخرجه البخاري عن خارجة بن زيد )

 فالمؤمن لا يزكي نفسه، سيدنا عمر قال ": ليت أم عمر لم تلد عمر، ليتها كانت عقيماً "، سيدنا حذيفة كانت معه قائمةٌ بأسماء المنافقين، قال له عمر: "بربك اسمي بينهم ؟ " وهو عملاق الإسلام، المؤمن لشدة ورعه وشدة خوفه من الله يتهم نفسه دائماً، وقد روى بعض التابعين أنه التقى بأربعين صحابياً، ما منهم واحدٌ إلا وهو يظن نفسه منافقاً، فاتهام النفس من علامات الإيمان، لكن الطمأنينة لخطرات النفس، وتزكيتها، ومدحها من علامات النفاق.

 تقييم الإنسان من شأن الله وحده:

﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾

 أيضاً ولا تُزكِّ على الله أحداً، لا تقل: فلان تقي، نقي، ورع، قل: أظنه كذلك ولا أزكي على الله أحداً، زكِّه وقل: والله أعلم، زكِّه وقل: ولا أزكي على الله أحداً، سيدنا الصديق حينما استخلف سيدنا عمر، بعض من حوله قالوا له: " كيف تولي عمر وهو شديدٌ جداً ألا تخشى أن يعاتبك الله ؟ قال: أتخوفونني بالله، أقول: يا رب لقد ولَّيت عليهم أرحمهم (معنى ذلك أنه زكَّاه) ثم قال: هذا علمي به، فإن بدّل وغيَّر فلا علم لي بالغيب". لا تتورط بتزكية إنسان تزكيةً مطلقة، قل: أحسبه مؤمناً ولا أزكي على الله أحداً، قل: أحسبه صادقاً ولا أزكي على الله أحداً، قل: أحسبه أميناً ولا أزكي على الله أحداً، قل: أحسبه صالحاً فإن بدّل وغيّر فلا علم لي بالغيب، هذا موقف علمي، موقف فيه تحفُّظ، موقف فيه أدب مع الله عزَّ وجل، لأن الله وحده يعلم حقيقة الإنسان، لأن تقييم الإنسان من شأن الله وحده، وتزكية الإنسان من شأن الله وحده.

 

﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً﴾

 

(سورة الإسراء )

 وحده يعلم، لذلك لا تزكِّ على الله أحداً، إن زكيت تحفَّظ، قل: هذا علمي به، ولا علم لي بالغيب، أحسبه أميناً ولا أزكي على الله أحداً، تنفيذاً لهذه الآية الكريمة..

 

﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾

 

 على الإنسان ألا يتورط في مديح إنسان لا يعرفه:

 سيدنا الصديق مرةً مدحه المادحون فبكى وقال: " يا رب أنت أعلم بي من نفسي، وأنا أعلم بنفسي منهم، اللهم اجعلني خيراً مما يقولون، واغفر لي ما لا يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون ".

﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾

 فأحياناً يعدُّ المدح كالذبح، لا تمدح أخاك فقد ذبحته، أحياناً يصدق الممدوح أنه كذلك، سيدنا عمر مرةً كان مع أصحابه قال بعضهم: "والله ما رأينا خيراً منك بعد رسول الله". أحدَّ فيهم النظر، و قسا في نظرته إليهم إلى أن قال أحدهم: " لا والله لقد رأينا من هو خيرٌ منك، قال: ومن هو ؟ قال: الصِدِّيق، فقال لهذا الذي قال: رأينا من هو خيرٌ منك. قال:  "لقد كذبتم جميعاً وصدق هذا "، ماذا فعل عمر ؟ عدّ سكوتهم كذباً، قال: " لقد كذبتم جميعاً وصدق، والله كنت أضل من بعيري وكان أبو بكرٍ أطيب من ريح المسك ". هذا الإيمان.

﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾

 أحياناً تجد أن المديح يكال جزافاً، في حفلات عقد القران يصفون الأسرتين المتصاهرتين بالتقى والورع إلى درجة، وليس من هذا شيء، الإنسان إذا كثر مديحه اتهم بعقله، اتهم بورعه، لا تزكو أنفسكم، حدثنا عن الله فقط، ولا تحدثنا عن عباد الله لأن عباد الله تقييمهم من شأن الله لا من شأن العباد، الإنسان لا يتورط في مديح إنسان لا يعرفه، وليس متأكداً من دينه، ولا من استقامته، ولا من ورعه، دائماً يُكال المدح جزافاً في كل عقود القِران بشكل غير مقبول، هذا مرض اجتماعي، نحن بحاجة إلى عمل لا إلى المدح.

 الإنسان الذي يبحث عن المدح والثناء ليس مخلصاً:

 قال الصديق للسيدة عائشة ابنته بعد أن برَّأها الله من حديث الإفك: " قومي إلى رسول الله فاشكريه، قالت: والله لا أقوم إلا لله "، فتبسم النبي عليه الصلاة والسلام وقال:

(( عرفت الحق لأهله))

 النبي عليه الصلاة والسلام لعلو مقامه عند الله ما كان يعنيه أن يمدحه المادحون، دخل عليه رجل، أصابته رِعْدَة قال:

 

(( هون عليك فإني لست بملك إنما أنا ابن امرأةٍ تأكل القديد ))

 

( أخرجه ابن ماجه عن أبي مسعود )

 عَرَّف نفسه بأنه ابن امرأةٍ من قريش كانت تأكل القديد، وانتهى الأمر، كان الأعرابي إذا دخل على النبي يقول: "أَيُّكُم محمد ؟ " لا يعرفه، لا توجد له أي ميزة، أيكم محمد ؟ يقول: "قد أصبت " أنا، وأحياناً يقول له أحد الصحابة: " هذا الوضئ الذي أمامك، هو محمد ". فالذي يبحث عن المدح ورفعة القدر والثناء هذا ليس مخلصاً بما فيه الكفاية.

 الإنسان الذي تولَّى عن الحق لا يستحق أن تصغي له:

﴿ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (32) أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (33) ﴾

 تولَّى عن الحق، هذا الذي تولى دقق نظرك في عمله، دقق وتأمّل في أمانته، دقق في صدقه، ثم دقق في عفافه، فلا صدق ولا أمانة ولا عفاف، ماذا قال سيدنا جعفر ؟ قال:"كنا قوماً أهل جاهلية ؛ نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونسيء الجوار، ونقطع الرحم، ويأكل القوي منا الضعيف، حتى بعث الله فينا رجلاً نعرف أمانته وصدقه وعفافه ونسبه".

 

﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى﴾

 

﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (9) عَبْداً إِذَا صَلَّى (10) ﴾

(سورة العلق)

 في الآية توجيه دقيق جداً، فأنت قبل أن تصغي إلى كلامه دقق في أعماله، فهو قد يكون غير مستقيم، غير أمين، غير صادق، غير عفيف، لا استقامة، ولا أمانة، ولا صدق، ولا عفاف، إذاً لا تلقِ إلى كلامه بالاً إطلاقاً، لا يستحق أن تصغي له، كلامه مهدور، كلامه كذب، كلامه نفاق.

 الإنسان الذي يمنع مصيره بيد خالقه لا بيده:

﴿ أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (33) وَأَعْطَى قَلِيلاً وَأَكْدَى (34) ﴾

 أي منع:

 

﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى﴾

 هذا الذي تولَّى عن الحق، وأدار ظهره للدين، وقال: الدين أفيون الشعوب، غيبيَّات، أوهام، شعور الإنسان الضعيف أمام قوى الطبيعة القاهرة، هذا الدين، الدين سحر، الدين خرافات، الدين تُرُّهات، الدين لا يعتنقه إلا الضِعاف، ومرضى النفُوس، هذا كلام أعداء الدين.

 

 

﴿ أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (33) وَأَعْطَى قَلِيلاً وَأَكْدَى (34) أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى (35) ﴾

 

 فهذا الذي يمنع هل يعلم أنه سيسعد في دنياه وأخراه أم يشقى ؟ وهل يرى أن مصيره بيد نفسه ؟

 الإنسان يؤخذ بذنبه لا بذنب غيره:

﴿ أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (36) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (37) ﴾

 وفىَّ ما عليه، وفىَّ شكر النعمة.

﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾

 هذا مبدأ أساسي، مبدأ خطير..

﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾

 الإنسان يؤخذ بذنبه لا بذنب غيره، امرأة فرعون زوجة إنسان ادَّعى الإلوهية وقال:أنا ربكم الأعلى، قال الله تعالى على لسانها:

 

﴿قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾

 

(سورة التحريم)

 هذا المبدأ الأساسي..

 

﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾

 

 كل إنسان مسؤول عن عمله يوم القيامة:

 قد ينجب الأب ابناً ضالاً، منحرفاً، فاسقاً، رَبَّاهُ أعلى تربية لكنه آثر الانحراف.

﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾

 قد يأتي الابن صالحاً من أبٍ فاسق..

﴿ أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾

 قد تأتي ابنةٌ متدينةٌ من امرأةٍ فاسقة..

﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾

 الوازرة الحاملة، الوزر الحمل، لا تحمل نفسٌ ذنب نفسٍ أخرى.

﴿ وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (40) ﴾

 عدم محاسبة إنسان عن آخر إن آثر هو الانحراف:

 أيها الأخوة الكرام:

﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾

 مبدأٌ في الحياة، كل إنسانٍ محاسبٌ على فعله فقط، ولا يؤخذ بجريرة غيره، مثلاً: سيدنا نوح نبيٌ كريم أنجب ابناً عاصياً لا يحاسب عليه، إذا ربَّاه التربية المُثلى، ثم إذا آثر هذا الابن الانحراف لا يحاسب الأب عنه، امرأة لوطٍ لم تؤمن بلوط..

﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئاً﴾

(سورة التحريم: آية " 10 " )

﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آَمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾

(سورة التحريم )

 أب كافر وابنه نبي، سيدنا إبراهيم، أب مؤمن وابنه كافر، سيدنا نوح، زوج كافر وزوجته صديقة، فرعون، زوجة صالحة وزوجها كافر، آسية امرأة فرعون، فكل الحالات موجودة على صعيد الواقع، وسيدنا رسول الله عمُّه أبو لهب.

 

﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (2) سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ (3) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (4) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (5) ﴾

 

(سورة المسد )

 عدم محاسبة الإنسان على بيئته بل على عمله:

﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾

 كل إنسان محاسب بفعله، فقد يسعى لهداية نفسه وقد يسعى لهداية أقربائه أيضاً، أما أنْ يقول: أنا هكذا نشأت، هكذا أبي ربانا، هكذا علمنا، ظروفي صعبة، بيئتي صعبة، كلام غير مقبول عند الله عزَّ وجل، يمكن أن تستقيم وفق بيئةٍ فاسدة، وأن تطلب العلم وفق بيئةٍ جاهلة، وأن تصبح مؤمناً وفق بيئةٍ كافرة.

﴿ أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾

 لا تحاسب على بيئتك التي لا تعجبك، تحاسب على عملك وحدك، هذه الآية مبدأ أساسي في الحياة، وإلا كان ذاك الحساب ظلماً.

 حُرْمَة المال لا تأتي من عين المال بل من طريقة كسبه:

 بائع جاءته امرأةٌ تشتري منه ثوباً فأعطاها الثوب المناسب بالسعر المناسب، ولا يدري أن هذا الثمن أخذته المرأةٌ من الفاحشة، نجيبه إذا سأل:

﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾

 حُرْمَة المال لا تأتي من عين المال بل تأتي من طريقة كسبه، فهذا المبدأ مريح جداً يَبُثُّ الطمأنينة في النفوس.

﴿ أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾

 الابن الراشد محاسب عن نفسه، والأب محاسب، والزوجة محاسبة، والجار محاسب، أما أنْ يدَّعي إنسان أن بيئتي كذا، ونشأت في هذه الأسرة، هكذا تربينا، هكذا علّمنا والدنا، هذا الكلام مرفوضٌ من أصله.

 أحكام الشريعة كلها ضمن طاقة الإنسان:

 الله منحنا عقلاً، وأعطانا فطرة، وأنزل لنا شرعاً، فكل إنسان يعزو أخطاءه إلى البيئة والعادات والتقاليد وفساد الزمان، يقول لك: أخي لا أستطيع أن أستقيم، لماذا ؟ يقول لك:  الاستقامة فوق طاقتي، معنى ذلك أنك تكذِّب كلام الله، ألم يقل الله عزَّ وجل:

﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾

( سورة البقرة: آية " 286 " )

 أنت إذا قلت: لا أستطيع الاستقامة، تؤكد أن الله كلفنا ما لا نطيق، حينما تقول: الاستقامة صعبة ومستحيلة وهذه فوق طاقة البشر أنت لا تدري أنّك تكذِّب آيةً في كتاب الله، حينما قال الله عزَّ وجل:

 

﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾

 

 وُسعُ النفس يعلمه الله وحده ولا تعلمه أنت، ولولا أن أحكام الشريعة كلها ضمن وُسع النفس لما كُلِّفنا بها، فالإنسان قبل أن يتكلَّم ينبغي أن يعلم، وينبغي أن يدقق، ويحقق، فما كل كلمةٍ تُلْقَى على عواهنها ينجو بها صاحبُها من عذاب الله.

﴿ أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (38) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (40) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (41) ﴾

 هذه الآيات إن شاء الله لنا عودةٌ إليها في الدرس القادم.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018