الدرس : 5 - سورة النجم - تفسير الآيات 29-31 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 5 - سورة النجم - تفسير الآيات 29-31


1995-09-29

 الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً وأرنا الحق حقاً وارزقنا أتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الأخوة المؤمنون: مع الدرس الخامس من سورة النجم، ومع الآية الكريمة الآيةِ التاسعةِ والعشرين، وهي قوله تعالى:

﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (29) ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى (30)﴾

 أمر الله عز وجل للنبي الكريم بأن يُعرِض عمن تولى عن ذكره:

أيها الأخوة الكرام: النبي صلى الله عليه وسلَّم يتلقَّى أمراً من الله عزَّ وجل بأن يعرض عمّن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا، هناك نموذج: إنسانٌ أعرض عن ذكر الله، أدار ظهره للحق، لم يعبأ بكل الآيات الكونية والتكوينية والقرآنية، لم يعبأ بكل العِبَر، ولا بكل المواعظ، ولا بكل ما يُتْلى عليه.

﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى﴾

 تولَّى أدار ظهره لذكرنا.

 

﴿وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾

 

 لم يرد إلا و(إلاَّ) هنا تفيد القصر، أي لا يعرف من الدنيا إلا مالها، لا يعرف من الدنيا إلا نساءها، لا يريد إلا الدنيا، فإرادته محصورةٌ في الدنيا، قَصَر طلبَه، ورغبَته، واتجاهَه، وإقبالَه على الدنيا.

 الإقبال على الدنيا فقط ضرر بالآخرة:

 طبعاً لو كانت نقطتان وأنت واقف بينهما، كلَّما اقتربت من إحدى النقطتين ابتعدت حكماً عن الثانية، لذلك من أحبَّ دنياه أضرَّ بآخرته، ومن أحبَّ آخرته أضرَّ بدنياه، فالله عزَّ وجل يبيِّن للنبي عليه الصلاة والسلام وهو السيد الكريم، وهو الرحيم الحريص على هداية أمَّته، قال: هؤلاء الذين أداروا ظهورهم لذكرنا، لآياتنا، لوعدنا، لوعيدنا، لأمرنا، لنهينا، لآياتنا الكونية، والتكوينية، والقرآنية، هؤلاء الذين لم يعبئوا، ولم يهتمُّوا، ولم يخافوا، ولم يصغوا، ولم يلقوا السمع ما أرادوا إلا الدنيا، إلا المال، إلا اللذَّة، إلا الشهوة، إلا العلو، هذا النموذج الذي أعرض عن ذكر الله وأقبل على الدنيا، أعرض فأقبل، أقبل فأعرض، كما قلت قبل قليل: نقطتان وأنت بينهما، إذا اتجهت إلى إحدى النقطتين ابتعدت حكماً عن الثانية، قال العلماء: هذا النموذج الذي يُقْبِلُ على الدنيا بكلّيتِه، بطاقاته، بإمكاناته، بتصوّراته، بخواطره، بنومه، بيقظته، بحضره، بسفره، هذا الذي يُقبِل على الدنيا وحدها لو أن الله عزَّ وجل قال: وأراد الحياة الدنيا هذا لا ينفي أن يريد شيئاً آخر، لكن:

﴿وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾

 فرقٌ كبيرٌ بين المعنيين، أي أعرض عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا:

﴿تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾

 الإعراض عن الإنسان الذي لا يعبأ بالوعد و الوعيد:

 قال العلماء: إنَّ هذا النموذج لا خير فيه، فأنت في وادٍ يا محمد وهو في واد، أنت في طريق وهو في طريق، تصوُّراته لا تتفق مع إيمان المؤمن، أهدافه لا تنطلق من إيمان مؤمن بل تنطلق من شهوة منحرف، من شهوة معرض.

﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾

 فإذا كان عليه الصلاة والسلام أُمِرَ أن يعرِض عن هذا النموذج، وأبناء أمَّته أيضاً مأمورون بالتبعية أن يعرضوا عن مثل هؤلاء الأشخاص، فإنسان لا يُدخِل الآخرة في حساباته إطلاقاً، لا يدخل عقاب الله في كل حساباته أبداً، لا يعبأ بكل الوعد والوعيد الذي ورد في كتاب الله، لا يعبأ بكل الآيات الدالَّة على عظمة الله، هذا الذي أعرض عن ذكر الله ولم يرد إلا الحياة الدنيا، يريد المال بأية طريقة، بأية وسيلة، من أي مصدر، بأي صفة، من طريقٍ حرام، من طريقٍ حلال، بشكلٍ مشروع، غير مشروع، معقول، غير معقول، بشكل مقبول، غير مقبول..

 

﴿وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾

 

 هذا النموذج لا خير فيه، لا تضع وقتك معه لأنك أنت في وادٍ وهو في واد، أنت في طريق وهو في طريق.

 الإنسان المعرض عن الآخرة إنسان ميت لا خير فيه:

 إنسان ينطلق باتجاه الشرق وإنسان باتجاه الغرب فإنهما لا يلتقيان، ولا يجتمعان، ولا يترافقان، ولا يتناصحان، هذا في طريق والآخر في طريق معاكس، فالذي ينطلق من حبِّ الدنيا، وينطلق من إهمال الحق والإعراض عنه، هذا لا يمكن أن يصغي لأهل الحق، ولا أن يؤمن بما يؤمنون، ولا أن يخاف ما يخافون، ولا أن يرجو ما يرجون، ولا أن ينضبط كما ينضبطون، ولا أن يسمو كما يسمون إطلاقاً، فالإنسان كي يوفِّر وقته، كي يكون عمله مع أهل الحق، مع أهل الخير، مع أهل الصلاح، مع من يُظَنُّ فيه الخير، عليه بكتاب الله وسنة نبيِّه، قال تعالى يخاطب النبي عليه الصلاة والسلام مبيّناً أن هؤلاء الأشخاص الذين أعرضوا، والذين انكبّوا على الدنيا حتى انغمسوا فيها إلى قمَّة رؤوسهم، هؤلاء مقبورون بشهواتهم، هؤلاء موتى وليسوا أحياء.

﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾

(سورة فاطر )

 من لا يخاف الله لا خير فيه:

 هؤلاء في آذانهم وقرٌ، وعلى عيونهم غشاوة، هؤلاء:

﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾

(سورة البقرة)

 هؤلاء لا يعرفون الحق، ولا يألفونه، ولا يحبّونه.

 

﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾

 

 لذلك من تكلَّم بالحكمة لغير أهلها فقد ظلمها، ومن منعها أهلها فقد ظلمهم، فالمؤمن يتوسّم الخير فيمن يدعوهم إلى الله، يستشف ما ينطوون عليه من خوف، من إيمان، من حياء، من خجل، لكن: إذا لم تستحِ فاصنع ما تشاء الذي لا يستحي لا خير فيه، الذي لا يخاف الله لا خير فيه، الذي لا يرجو ما عند الله لا خير فيه، الذي لا يسأل عن الحلال والحرام لا خير فيه، الذي لا يخاف من وعيد الله لا خير فيه، الذي لا يرجو جنَّة الله لا خير فيه. 

ابتعاد الإنسان عمن يفضّل المتع الرخيصة:

﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا﴾

 أي أنه مستعد أن يحدِّثك لفترة خمس ساعات واقفاً في الطريق، وليس مستعداً أن يستمع إلى حقيقة دينية ولا لخمس دقائق، ويمكن أن يمضي وقتاً طويلاً في كلامٍ فارغ، وفي متعةٍ رخيصة، وفي عملٍ فنيٍّ ساقط، وليس مستعدَّاً أن يجلس في بيتٍ من بيوت الله ليستمع إلى الحكمة والموعظة الحسنة أبداً، قال العلماء: هذا النموذج لا خير فيه، فأنت في وادٍ وهو في واد، أنت في طريقٍ وهو في طريق معاكس، أنت في السماء وهو في الوحل، أنت تحت الضياء وهو في الظلام، أنت مبصر وهو أعمى.

 

﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾

 

 أيها الأخوة الكرام: هذا النموذج كثير، وهو في كل مكان، وفي كل زمان، إنسان أراد الدنيا، أراد المال من أي طريق، وبأي أسلوب، لا يعنيه حلالاً أو حراماً، مشروعاً أو غير مشروع، معقولاً أو غير معقول.

صمم آذان أهل الدنيا عن الحق:

﴿وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾

 يريد اللذَّة الرخيصة المحرَّمة، لا يؤْتمَنُ على امرأة ولا حتى فضيلة، لا بدَّ من أن يكون مثل هذا الإنسان قد أصمَّ أذنيه عن الحق، فالنبي عليه الصلاة والسلام يأتيه توجيهٌ إلهيٌ لطيف: أن يا محمد هذه النماذج لا تتعِب نفسك معهم، هؤلاء لا خير فيهم، هؤلاء يتناقضون معك، هؤلاء لا ينطلقون مما تنطلق، ولا يخافون ما تخاف، ولا يرجون ما ترجو، ولا يحبون ما تحبّ، هؤلاء بعيدون كل البعد عن الحق، هؤلاء في الوحول وأنت في العلياء..

 

﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾

 

 هذا كل علمهم، قال سبحانه:

﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾

 وصف أهل الدنيا:

 الله عزَّ وجل وصف أهل الدنيا بآيةٍ كريمة فقال:

﴿ يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾

(سورة الروم: آية " 7 " )

 الله جلَّ جلاله ما أثبت لهم من العلم شيئاً ولا بحقيقة الدنيا، علموا ظاهرها، فلو تعلَّموا، لو كان لهم اختصاص، ولو تمرَّسوا بشيء، ولو تراكمت خبراتهم، هذا العلم لا قيمة له عند الله لأنه علمٌ للدنيا، والدنيا زائلة وفانية ولا قيمة لها، هناك علمٌ لا يُنَجّي صاحبه كما قال عليه الصلاة والسلام:

 

(( اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ، وَمِنْ دَعْوَةٍ لَا يُسْتَجَابُ لَهَا ))

 

(مسلم عن زيد بن أرقم)

 أيها الأخوة: العلم في الدنيا حرفةٌ من الحرف، إنسان يرتزق من يده، من مهنةٍ، من حرفةٍ، إنسان يرتزق من اختصاصٍ فكري.

 أنواع العلم ثلاثة:

 وبعدُ، ها نحن ندخل في موضوع صغير لكنَّه خطير، هناك علمٌ لله، وعلمٌ بخلقه، وعلمٌ بأمره.

 1 ـ العلم بخلقه:

 العلم بخلقه أن تدرس الفلك، أو الرياضيات، أو الفيزياء، أو الكيمياء، أو أن تدرس علم النفس، أو علم النفس الاجتماعي، أو علم الاجتماع، أو التاريخ والجغرافيا، أو أن تدرس بعض التطبيقات العملية، كأن تكون مهندسَ ميكانيك، هذا اختصاص ترتزق منه ولا يسمو بنفسك، هذا علمٌ بخلق الله.

 2 ـ العلم بأمره:

 وهناك علمٌ بأمره ؛ معلومات دقيقة، علاقات، أدلَّة، براهين، مقدِّمات، نتائج، كتب، هذه ينبغي أن تُحفَظ، وأن تُدرس، وأن تُراجَع، وأن تفهم، وأن يُذاكر بها، وأن يؤدّى بها امتحان، و أن تنال الشهادات، العلم بخلق الله والعلم بأمره علمان يحتاجان إلى مُدارسة، إلى قراءة، إلى فكر، إلى مراجعة، إلى السؤال، إلى جواب، إلى كتابة، إلى تدريب، هذه العلوم علومٌ مادّية، العلم بخلقة والعلم بأمره، وتحتاج هذه العلوم إلى مدارسة، هي عمل فكري محض، ولا علاقة لها بسمّو النفس إطلاقاً، وهذه العلوم حِرْفَةٌ من الحرَف، وحينما ينتهي أجل الإنسان تنتهي قيمة هذه العلوم، وليس لها أثر بعد الموت.

 3 ـ العلم بالله:

 لكن العلم بالله أن تتعرَّف إلى الله من خلال آياته الكونية، أو من خلال آياته التكوينية، أو من خلال آياته القرآنية، وأن تجاهد نفسك وهواك، هذا العلم أساسه المجاهدة لا المدارسة، العلم بخلق الله والعلم بأمره أساسه المدارسة، بينما العلم بذاته، العلم بالله أساسه المجاهدة، هذا العلم ثمنه باهظ لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلَّك، لن تنال منه شيئاً إلا إذا جاهدت نفسك وهواك، إلا إذا حملتها على طاعة الله عندئذٍ هذا العلم يسمو بك.
 فحينما ترد كلمة العلم في الكتاب والسنَّة فهي تحمل مدلولاً معيَّناً، فالإمام الغزالي رحمه الله تعالى يرجِّح أن كلمة العلم إذا وردت في الكتاب والسنَّة فإنما تعني العلم بالله، العلم الذي يحملك على طاعة الله، العلم الذي يسمو بك إلى الله، العلم الذي يهذِّب جوارحك، العلم الذي يثقل وجدانك، هذا هو العلم.

 هناك علم هو عين الجهل وهو عدم تحكيم منهج الله في حياتنا:

 لذلك:

﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (29) ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾

 أنَّ هناك علماً هو عين الجهل، مثلاً: بلدةٌ فيها نهرٌ ملّوث، أُصيب سكَّانها بأمراضٍ وبيلة، بلدية هذه البلدة أرسلت الأطبَّاء ليتخصَّصوا، واستقدمت الأجهزة، والمخابر، وأنشأت المستشفيات، وهي تعمل ليل نهار لتكافح هذه الأمراض، لكنها لو منعت هذه المياه الملوَّثة أولاً لامتنعت كل هذه الأمراض، لذلك يبيحون للإنسان المعاصر كل شيء، نبيح له المحرَّمات، فالمدنية المعاصرة في بلاد الغرب تبيح له كل الرذائل و الموبقات، وبعد ذلك يئنون من وطأة الأمراض الوبيلة، يقول لك: الإيدز أدّى إلى عشرين مليون إصابة في العالم، وما قرأت مقالةً حول هذا الموضوع تنطلق من ضبط الشهوات، ولا من تحكيم منهج الله أبداً، ما قرأت عن هذا المرض إلا رغبةً ملَّحةً في البحث عن مصلٍ لهذا الفيروس فقط.

 انحراف الناس سببه إطلاق العنان للشهوات:

 الخلاصة لو أننا ضبطنا أنفسنا لما وقعنا في شرِّ أعمالنا، نثير الشهوات إلى أقصى درجة ثم نضع أيدينا على رؤوسنا من كثرة الجرائم، وكثرة حالات الزنا، وكثرة دور الدعارة، حينما نطلِق للشهوات العنان فالنتيجة الطبيعية أن ينحرف الناس، فأي علمٍ هذا ؟ فدرهم وقاية خيرٌ من قنطار علاج، هناك علمٌ هو عين الجهل.
 لو أن الإنسان أدمن على شرب الخمر وتشمَّع كبده، وقال: أنا سوف أذهب إلى فرنسا لأزرع كبداً جديدة وقد تكلِفني سبعة ملايين، فبدورنا نقول له: لو لم تشرب الخمر لما كان ما كان، فهذه المخالفة الصريحة لمنهج الله أعطبت الكبد، عندئذٍ نحتاج إلى عمل جراحي، وإلى زرع كبد، وإلى دراسات، وإلى تحليل، وإلى زُمَر نسيجية، وإلى انتظار إنسان كبده سليمة، فالمرء يشعر أن هناك علماً متفوقاً جداً، لكن هذا العلم احتجنا إليه لانحرافنا عن طريق الحق. 

أصل المرض خروجٌ عن منهج الله عزَّ وجل:

 أيها الأخوة: ما أردت أن أقلِّل من قيمة العلوم الحديثة، ولا من قيمة علم الطب، ولكن إذا أطلقنا للشهوات العنان وخرجنا عن منهج الله، فطبيعيٌّ جداً أن تنشأ أمراضٌ لا حصر لها، فالعلوم المتقدِّمة في مكافحة هذه الأمراض نحن في غنًى عنها لو تتبَّعنا منهج الله عزَّ وجل، واللهُ عزَّ وجل يقول على لسان سيدنا إبراهيم:

﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾

( سورة الشعراء )

 خلقني، هو الخالق..

 

﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾

 ثم يقول:

 

 

﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾

 

 فلم يقل: والذي إذا أمرضني هو يشفين، المرض عُزِيَ إلى الإنسان لأن أصل المرض خروجٌ عن منهج الله عزَّ وجل، فحينما لا نتقيّد بفطرة الله عزَّ وجل ولا بمنهجه ونخرج عن هذا المنهج فهناك طبعاً مشكلات لا حصر لها، لها أول وليس لها آخر، هذه تحتاج إلى حلول، نحتاج إلى تقدُّم علمي، وإلى تقدُّم في الصناعة، وإلى تقدم في صناعة الأدوية، كل هذا بسبب خروجنا عن منهج الله عزَّ وجل.

 الإنسان فريسة الخروج عن منهج الخالق:

 الإنسان حينما لا يعبأ بمنهج الله، لا يعبأ بالأمر والنهي، لا يعبأ بأن تُحكَّم في حياتنا الشريعة الغرَّاء، فعندئذ لا بدّ من انحرافات تقتضي المعالجات، تقتضي الدراسات، كل هذا كان من الممكن أن نستغني عنه لو سرنا على منهج الله عزَّ وجل.
 فعن طريق الربا مثلاً ينمو المال نمواً سريعاً، في الربا المال يلد المال، فإذا ولد المالُ المالَ أصبحت الكتلة النقدية بأيدٍ قليلة حُرِمت منها الكثرة الكثيرة، وصار هناك فجوة كبيرة بين الناس، أناسٌ يملكون كل شيء وأناسٌ لا يملكون شيئاً.
 عُقِد مؤتمر وأعتقد أنه في أوروبا حول دول الشمال والجنوب، فمن نتائج هذا المؤتمر أن خمس سكَّان العالم يملكون أربعة أخماس ثروة الأرض، الخمس يملكون أربعة أخماس، طبعاً هذا وقع عندما سمحنا بكسب المال غير المشروع، وعندما سمحنا أن يلد المالُ المال فماذا نشأ ؟ نشأت فجوة بين الناس، والله عزَّ وجل أراد أن يكون المال متداولاً بين الناس جميعاً.

﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾

(سورة الحشر: آية "7 ")

 فإنْ خرجنا عن منهج الله في كسب الأموال، وسمحنا أن ينمو المال نمواً ربوياً، وأن يلد المالُ المال، وإذا خرجنا في علاقاتنا بالمرأة عن منهج الله وسمحنا لها أن تتبذَّل، وأن ترتاد الأماكن غير المقبولة، وأن تكون سلعةً من السلع، وأقبل الشباب منحرفين، وأُصيبوا بأمراضٍ وبيلة، فهذه مشكلة عضوضة فريستها الإنسان.

 الوقاية أرقى من العلاج:

 أيها الأخوة الأكارم: الله عزَّ وجل يقول:

﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾

 درهم وقاية خيرٌ من قنطار علاج، لو أن الناس اتبعوا منهج الله لكانوا في غنىً عن نفقاتٍ لا يعلمها إلا الله، إنَّ كل ما تربحه شركات التبغ في العالم، في العالم كلِّه، هذه إحصائية دقيقة قبل سنة، أقل مما تنفقه هذه الدول على معالجة الأمراض الناتجة عن التدخين، إن كل ما تربحه شركات الدخَّان في العالم أقل من المبلغ الذي تنفقه الدول على الأمراض الناتجة عن التدخين، فهذه البحوث المتعلِّقة بسرطان الرئة مثلاً، وبموات الأعضاء، وبأمراض الأوعية هذه كلها نتيجة مرة للتدخين.
 أخ طبيب في أمراض القلب جرَّاح حدَّثني فقال لي: والله منذ ست سنوات وأنا أجري كل يومٍ أو كل يومين عملية قلب مفتوح، قال لي بالحرف الواحد: الشيء الثابت عندي أنه ما من مريضٍ أجريت له عمليةٍ في قلبه إلا وهو يدخِّن. نحتاج إلى جراحة قلب مفتوح، ونحتاج إلى أجهزة، وإلى وإلى، وكان من الممكن أن نتلافى كل هذا إذا تركنا ما يؤذينا.
 ذكرت هذه الأمثلة: إنْ في كسب المال، أو في العلاقة بالنساء، أو في العادات الصحية الضارّة من أجل أن نعلم أن الوقاية أرقى من العلاج، وأنك إذا توقيّت أن تقع في المعاصي فأنت في غنىً عن علومٍ لا حصر لها.

 الإنسان المعرض هو الإنسان البعيد عن رحمة الله:

 قال تعالى:

﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (29) ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾

 علمهم محدود، متعلِّقٌ بالمادة، متعلقٌ بالمال، متعلقٌ بالملذَّات، أما أن يتعرَّفوا إلى الله، أن يتعرَّفوا إلى منهج الله، أن يتعرَّفوا إلى طريقة الاتصال بالله عزَّ وجل والإقبال عليه، والتقلُّب برحمته، فإنهم بعيدون جداً عن هذا، قال سبحانه:

 

﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (29) ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ 

 

الإعراض له عدة معان منها: 

1 ـ عدم تعليق الأهمية على هؤلاء الناس:

 وبعد فنحن الآن بصدد معنى آخر، فالإعراض هنا له معنىً ذو دلالة أخرى هي أن هؤلاء يا محمد لا شأن لهم، ولا قيمة لهم، وفي ميزان الحياة الإنسانية ليسوا بشيء، والعاقبة للمؤمنين، وهم سوف يَهْلِكون، وسوف يقبعون في مزابل التاريخ، ولا أحد يلتفت إليهم، أعرض عنهم، ففي المعنى الأول: أي لا تعلِّق أهميةً عليهم، لا تعلِّق آمالك بهم، أنت في وادٍ وهم في واد، أنت في طريقٍ وهم في طريق.

 2 ـ ليس لهؤلاء الناس شأن في المجتمع:

 المعنى الثاني: هؤلاء لا تلقِ لهم بالاً، فليس لهم شأنٌ في ميزان المجتمع، لا يقدِّمون ولا يؤخِّرون، أسقطهم من حساباتك اليومية..

﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (29) ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾

 شعور المؤمن بفضل الله عليه عند جلوسه مع إنسان من أهل الدنيا:

 أيها الأخُ الكريم: ألم تجلس يوماً إلى شخصٍ جاهل بعيدٍ عن الدين، بعيدٍ عن الآخرة، بعيدٍ عن معرفة الله، بعيدٍ عن طاعته ؟ ألم تشعر أن بينك وبينه مسافةً كبيرة ؟ وأنك في وادٍ وهو في واد ؟ أنت في طريقٍ وهو في طريق ؟ أنت في العلياء وهو في الوحول ؟ أنت في الطاعات وهو في الحماقات ؟ شيء واضح جداً، فالإنسان إذا جلس إلى أهل الدنيا المُعْرضين الغافلين وعرف قيمة إيمانه، وقيمة معرفته، وقيمة إقباله، وقيمة اتصاله بالله عزَّ وجل، والله جلَّ جلاله من هذا اللقاء العابر يشعرك بفضله عليك، وإذا قرأت قوله تعالى:

﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيما﴾

(سورة النساء )

 يقشعرُّ جلدك..

 

﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً ﴾

 

( سورة النور: آية " 21 " )

 العلم هو الخطوة الأولى لارتقاء الإنسان:

 الإنسان حينما يعرف سرَّ وجوده، وغاية وجوده، ويعرف الله عزَّ وجل وهو على أمره ملتزمٌ ولجنَّته طالبٌ، ومن جهنَّم خائفٌ، هذا إنسان قطع أربعة أخماس الطريق، أما الذي وهو في الستين لا يصلي، وهو في السبعين يبحث عن الشهوة المحرَّمة، وهو في خريف العمر لا يعنيه إلا كسب المال، أين هو ؟ وماذا ينتظره ؟ الإنسان إذا مات وكان غافلاً وجاهلاً رفرفت روحه فوق النعش تقول: "يا أهلي يا ولدي، لا تلعبنّ بكم الدنيا كما لعبت بي، جمعت المال مما حَلَّ وحرُم، فأنفقته في حِلِّه وفي غير حلِّه، فالهناء لكم والتبعة علي ".
 أيها الأخوة: ورد في الأثر:

 

(( إن أندم الناس رجلٌ دخل ورثته بماله الجنَّة ودخل هو بماله النار ))

 فلذلك:

 

﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾

 

 العلم أساس الحياة، إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، العلم هو الخطوة الأولى إلى كل ارتقاء، العلم هو طريق النجاح وطريق الفلاح.

 أعظم عمل على الإطلاق طلب العلم:

 ألا يكفينا قوله تعالى:

﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾

(سورة الزمر: آية " 9 " )

﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾

(سورة المجادلة: آية " 11 " )

﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾

( سورة الأنعام: آية " 132 " )

 لذلك طلبك للعلم أعظم عمل على الإطلاق، لك فطرة سليمة، أنت مفطور على حب وجودك، وعلى سلامة وجودك، وعلى كمال وجودك، وعلى استمرار وجودك، هذه الفطرة الراقية لو عرفت الحقيقة لاتَّبعتها، لو عرفت الخير لأقبلت عليه، لو عرفت الخطر لابتعدت عنه، إذًا هي أزمةُ معرفةٍ فقط.

 الجهل هو أعدى أعداء الإنسان:

 أقول لكم دائماً: الجاهل يفعل في نفسه ما لا يستطيع عدوه أن يفعله به، هذا مثل أضربه: مزارع اشترى سماداً من أغلى أنواع السماد، أُعطي تعليمات دقيقة أن ضع في البرميل كيلو من هذا السماد، وأذبه واسقِ به الحقل، عنده محصول ثمنه مئتا ألف ليرة، فوضع ضعف الكمّية من أجل أن ينمو الزرع أكثر، فهذه الكمية المُضاعفة من السماد أتلفت محصوله كله وأحرقته، ما الذي أضرَّه ؟ عدوه ؟ لا، خصمه ؟ لا، ما الذي أتلف كل هذا المحصول ؟ جهله، يجب أن تؤمن أن أعدى أعدائك هو الجهل في كل شيء.
 فالإنسان لو أراد أن يتاجر ولم يتبع منهج الله قد يفلِّس، أو قد يكسب مالاً حراماً يستحقًُّ الإفلاس، وقد لا يفلِح، أما إذا اتبع منهج الله في كسب المال نما المال، إذا اتبع منهج الله في زواجه سَعِد بزوجته، إذا اتبع منهج الله في أي شيء قطف كل الثمار اليانعة، فلذلك العلمَ العلمَ، هؤلاء الذين أعرضوا عن ذكر الله وأقبلوا على الدنيا لماذا كانوا كذلك ؟ لأنهم لم يتعلَّموا، ظنّوا أن الدنيا هي كل شيء، قال الشاعر الجاهلي.

فإن كنت لا تستطيعُ دفع منيَّتي  فدعني أبادرها بما ملكت يدي

***

 العلم أساس معرفة الله و الانضباط بمنهجه:

 المؤمن ينكبُّ على الحق ويبذل من أجله الغالي والرخيص والنفس والنفيس، والجاهل ينكبُّ على الدنيا، لكن مع هذا الانكباب مفاجأة، مفاجأة صاعقة، حينما يقترب أجله وهو صفر اليدين، فأول ليلة في القبر من أصعب الليالي، يقول الله عزَّ وجل:

((عبدي رجعوا وتركوك، وفي التراب دفنوك، ولو بقوا معك ما نفعوك، ولم يبق لك إلا أنا وأنا الحي الذي لا يموت ))

 هذا المنغمس في الشهوات، في الموبقات، في المعاصي، في كسب الأموال، في الانغماس في الملذَّات، هذا حينما يصحو على مرضٍ عُضال وقد شارف على ترك الحياة، والله يصيبه من الآلام ما ينسيه الحليب الذي رضعه من ثدي أمّه، فالعلم، لابدَّ من طلب العلم، لابدَّ من معرفة الله، لابدَّ من معرفة منهج الله.

 

﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾

 

 معنى ذلك أنهم لو علموا لما كانوا كذلك، لو عرفوا كما عرفتم لما كانوا كما كانوا بل كانوا كما كنتم..

 الحياة الدنيا من دون أمل في الآخرة مغامرة ومقامرة:

﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى﴾

 إذاً المعنيان، الأول: هؤلاء لا خير فيهم، المعنى الثاني: هؤلاء ليس لهم وزنٌ إطلاقاً في ميزان الحياة، هؤلاء سقطوا، هؤلاء ينساهم الناس، هؤلاء الذين أعرضوا عن ذكر الله وأرادوا الحياة الدنيا حينما تذوي دنياهم يسقطون معها، فإذا كان الإنسان (والفكرة دقيقة) كلُّ مكتسباته هي الدنيا، هذه الدنيا تنصرف عنه في ثانيةٍ واحدة حينما يقف قلبه، فهناك حادث مفاجئ أحياناً ينهي حياة الإنسان، أو موت مفاجئ، أو مرض مفاجئ، أو موت طبيعي ولكن مبكِّر، فأين مكتسباته ؟ فالمال تركه، المكانة تخلَّى عنها، اللذَّائذ فاتته، بيته سُلِبه، ثم أُودِعَ في القبر، فلذلك الحياة الدنيا من دون أمل في الآخرة مغامرة ومقامرة، كل مكتسباتك ما دام القلب ينبض، لو توقَّف لم يبق هناك شيء، وصار نعوةً في ورقة على الجدران، والأموال كلِّها انتقلت إلى الورثة، إذاً العلم هو الذي يجعلك تعمل للآخرة، العلم هو الذي يجعل الدنيا مَطِيَّة وليست غاية، يجعلها ممرَّاً وليست مقرَّاً، يجعلها دار تكليف لا دار تشريف: " إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء، ومنزل ترحٍ لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عِوضا، فيأخذ ليعطي ويبتلي ليجزي ". 

العلم أساس السعادة في الدنيا و الآخرة:

 أنا عند قوله تعالى:

﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾

 سرُّ شقائهم، سرُّ تولِّيهم عن الحق، سر انكبابهم على الملذَّات أنهم لا يعرفون، ولو عرفوا لما فعلوا، إذاً طلب العلم فريضةٌ على كل مسلم، طلب الفقه حتمٌ واجبٌ على كل مسلم، الدنيا أساسها العلم، والآخرة أساسها العلم، وهما معاً أساسهما العلم، والعلم أساس النجاح، وأساس التفوُّق، وأساس السعادة في الدارين، وكما قال عليه الصلاة والسلام:

(( لفقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد ))

( رواه البيهقي عن أبي هريرة )

(( فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر سائر الكواكب ))

( أخرجه أبو نعيم في الحلية عن معاذ )

(( فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم ))

( أخرجه الترمذي عن أبي أمامة )

 تقييم العباد من شأن ربِّ العباد:

﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى﴾

 أي كلٌ يدَّعي وصلاً بليلى، كلٌ يقول: أنا على حقّ، أنا منطقي، أنا أفعل الشيء الصحيح، هذا ادِّعاء، لكن الله وحده يعلم من هو على الحق ومن هو على الباطل، وأنت كمؤمن إن رأيت هذا الإنسان يتحرَّك وفق منهج الله فإنك تحكم عليه حكماً أولياً أنه على حق، وإن رأيته يعصي الله تحكم عليه حكماً أولياً أنه يعصي، أما الخاتمة لا يعلمها إلا الله، لعلَّه يتوب، أو لعلّهَ يبقى على انحرافه، إذاً:

﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى﴾

 هذه الآية يُستنبط منها أن تقييم العباد من شأن ربِّ العباد، إيَّاك أن تتورَّط وأن تقييم الناس، ليس هذا من شأن البشر إن هذا من شأن خالق البشر، أنت قل: هذا العمل معصية أرجو الله أن يتوب على صاحب هذه المعصية، وهذا العمل طاعة أرجو الله أن يقبله.

 العمل لا يقبل إلا بشرطين خالصاً و صواباً:

 الله سبحانه وتعالى ذكَّرنا من خلال الكتاب والسنَّة كما بيَّن بعض العلماء كالفضيل ابن عياض أن العمل لا يقبل إلا بشرطين: إلا إذا كان خالصاً وكان صواباً، خالصاً ما ابتغي به وجه الله، وصواباً ما وافق السُنَّة، فكن كما قال الفُضيل وقد أُخِذ هذا من قوله تعالى:

﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ﴾

(سورة النمل: آية " 19 " )

 وفِّقني ل

﴿أن أعمل صالحاً﴾

 أي أعمل وفق منهجك يا رب،

﴿ترضاه﴾

 أي أكون مخلصاً بهذا العمل، وأكرِّر للفائدة: فيجب أن تعلم علم اليقين أن العمل لا يُقبَل إلا بشرطين: أن يكون خالصاً لله، وأن يكون وفق سنة رسول الله، فنحن كما قال الله عزَّ وجل:

 

﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى﴾

 

 الله يعلم ما إذا كان عملك مطابقاً أو غير مطابق، وإذا كان مطابقاً فالله يعلم ما إذا كنت مخلصاً أو غير مخلص، من أجل أن يُقبَل العمل لابدَّ من أن يطابق السنَّة، ولابدَّ من أن يكون خالصاً لله عزَّ وجل، فمدى مطابقته للسنَّة يعلمه الله، وقد يعلمه بعض الناس، لكن مدى إخلاص صاحبه به، فهذا مما يعلمه الله وحده، لذلك فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( نحن نحكم بالظاهر والله يتولَّى السرائ))

 الله سبحانه وتعالى يملك كل شيء خلقاً وتصرُّفاً ومصيراً:

﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى (30) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾

 طبعاً لله هذه لام المُلْك، والله سبحانه وتعالى يملك كل شيء، يملكها خلقاً، وتصرُّفاً، ومصيراً، والإنسان أحياناً يملك ولا ينتفع كمن يملك بيتاً مؤجَّراً ولا يسكنه، وأحياناً ينتفع ولا يملك كالمستأجر، وأحياناً يملك وينتفع لكن المصير ليس له، أي يصدر قرار استملاك يأخذ منه البيت، فهذه أمثلة: يملك ولا ينتفع، ينتفع ولا يملك، يملك وينتفع وليس له المصير، لكن الله سبحانه وتعالى يملك خلقاً وتصرُّفاً ومصيراً. 

الجزاء من لوازم أن الله خلق للسماء و الأرض:

﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾

 فمن لوازم أن الله خلق السماوات والأرض أنه لابدَّ من الجزاء، ألا تقرؤوا في الفاتحة كل يوم، وفي كل صلاةٍ وفي كل ركعةٍ:

﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾

 ما يوم الدين ؟ أي يوم الدينونة، يوم الجزاء، يوم أن يُجْزَى كل إنسانٍ بما يسعى، لذلك كل شيءٍ نعمله سوف نُحاسب عليه، كل حركةٍ وكل سكنةٍ، وكل صلةٍ وكل قطيعةٍ، وكل غضبٍ وكل رضاً، وكل ابتسامةٍ، وكل كسبٍ، وكل إنفاقٍ، كل هذه الأعمال سوف نحاسب عنها، فالإنسان المؤمن قبل أن يتحرَّك يدقق، يتأمَّل، يتفحَّص النية، يتفحَّص العمل.

 عين الجهل من يظن أنه تفلت من عقاب الله:

﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾

 أيها الأخوة الكرام: الإنسان إذا ظنَّ أن إنساناً عمل عملاً سيئاً وتفلَّت من عقاب الله عزَّ وجل فهو لا يعرف الله، طبعاً إلا أن يتوب ويستغفر ويُصلِح، أما إذا ظنَّ أن الأمور سائبة، وأن الإنسان يُترَك سُدَى، وأن للإنسان ما تمنى، وأن الإنسان خُلِق عبثاً فهو في بوار وخسار.

﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً﴾

( سورة المؤمنون: آية " 115 " )

﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾

( سورة القيامة )

﴿أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى﴾

(سورة النجم )

 إذا ظنَّ الكافر أنه سبق الله عزَّ وجل أي تفلَّت من عقابه، أو فعل شيئاً ما أراده، فهذا هو عين الجهل، لذلك الله عزَّ وجل قال:

 

﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا﴾

 

 العلم: أنْ تعلم أنَّ كل شيء تفعله تُحاسَبُ عليه:

 يجب أن نوقن جميعاً أن لكل حسنةٍ ثواباً وأن لكل سيئةٍ عقاباً، الإنسان لا ينجو إلا أن يتوب، أما إذا فعل السيئات ولم يتب فإن لكل سيئةٍ عقاباً، هذه هي عدالة الله في الأرض، فالإنسان يكون أحمقَ إذا فعل السيئات وظنَّ أنه مفلحٌ بهذا العمل، يكون أحمقَ إذا أكل أموال الناس بالباطل وظنَّ أن هذا ذكاء، يكون أحمقَ إذا اعتدى على أعراض الناس وظنَّ أن هذا من شطارته، يكون غافلاً إذا قَصَّر فيما عليه من حقوق وظنَّ أن الأمور مسيَّبة وليس هناك محاسبة، الإله العظيم يقول:

﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾

 هذا هو العلم، العلم أنْ تعلم أنَّ كل شيء تفعله تُحاسَبُ عليه، الإنسان إذا أدرك أنه محاسب لا يفعل سوءاً، فبحكم فطرتك، وبحكم بُنْيَتِكَ إذا أيقنت أنك محاسب فلن تعصيَه، وأنت بهذا تتعامل مع إنسان مثلك، مع إنسان قوي إذا علٍمت أنك لن تفلت من عقابه، ولن تنجوَ من هيمنته فإنك لا تعصيه أبداً، فهذا إنسان قد لا تحبّه لكنه أقوى منك، فكيف بالواحد الديَّان ؟ يقول الله عزَّ وجل:

﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾

 إدراك الإنسان حقيقة اليوم الآخر سبب نجاته من النار:

 فيا إخواننا الكرام: إذا الإنسان لم يدرك حقيقة اليوم الآخر، ولم يؤمن إيماناً حقيقياً كإيمانه بوجوده أن هناك يوماً يحاسب فيه الإنسان عن كل صغيرةٍ وكبيرة، عن كل موقف، وعن كل عطاء وكل منع، وعن كل صلة وكل قطع، وعن كل غضب وكل رضا..

﴿ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا﴾

 أقول مرَّة ثانية: أنت مع إنسان لا يمكن أن تخالف أمره إذا أيقنت أن علمه يطولك وأن قدرته تطولك، والله يخبِّرنا أنَّ أعمالكم كلُّها محصاةٌ عليكم، أعمالكم كلها سوف تحاسبون عنها، سوف تقفون موقفاً صعباً يوم القيامة، لماذا فعلت كذا ؟ سوف تُعْرَضُ أعمالنا علينا عملاً عملاً في الوقت المناسب، والزمان المناسب.. 

آيات القرآن الكريم دليل على محاسبة الإنسان الدقيقة:

 فيا أيها الأخوة الكرام: هذه الآية وحدها تكفي عظة و عبرة، ألم يقل ذاك الأعرابي، وقد قال للنبِيِّ الكريم: " عظني ولا تُطِل "، فقال عليه الصلاة والسلام:

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ (8) ﴾

(سورة الزلزلة )

 ذاك الأعرابي البسيط، غير المثقَّف، لم يقرأ ولم يطلع، ولم يحضر محاضرات، وليس عنده مكتبة ضخمة تملأ أربعة جدران، وليست عنده مكتبة أشرطة، ولا هو مشترك في المجلات والدوريات، هذا الأعرابي البسيط أدرك معنى الآية..

 

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ (8) ﴾

 

 قال: "كُفِيت "، فقد اكتفى بآية واحدة، القرآن الكريم ستمئة صفحة، وكل صفحة فيها ثلاثون أو عشرون آية، القرآن الكريم فيه آيات كثيرة جداً، أعرابي بسيط اكتفى بآية واحدة

 التفكير هو الأساس قبل الإقدام على أي عمل:

 واللهِ هناك عشرات الآيات وكل واحدة تكفي، قوله تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾

( سورة النساء )

 ألا تكفي ؟..

 

﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾

 

( سورة فصلت: آية " 46 " )

 ألا تكفي ؟..

﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾

( سورة الفجر )

 ألا تكفي ؟..

﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً﴾

( سورة الزخرف: آية " 79 " )

 هكذا انتهت إليه مفاهيمكم ؟..

﴿فَإِنَّا مُبْرِمُونَ﴾

 فهذا ردٌّ له، هناك آلاف الآيات وكل آيةٍ تكفي، فلذلك هذه الآية:

﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾

 أي قبل أنْ تعمل أيَّ عمل سيئ عُدَّ للمليون، فكِّر إذا كنت في القبر وسألك الله عزَّ وجل: لماذا فعلت كذا ؟ فكِّر إذا كنت يوم القيامة وعُرِض عملك على الله عزَّ وجل لماذا فعلت كذا ؟

 الإنسان البطل من يهيئ جواباً لكل سؤال يوم القيامة:

 شخص قال للنبي عليه الصلاة والسلام: يا رسول الله إني نؤوم، فقال عمر: "ويحك فضحت نفسك "، فقال عليه الصلاة والسلام:

(( دعه يا عمر، فضوح الدنيا خيرٌ من فضوح الآخرة ))

 حينما تقف أمام الناس جميعاً من آدم إلى يوم القيامة وتسأل عن أعمالك كلِّها: لماذا فعلت كذا ؟ لماذا منعت ؟ لماذا أعطيت ؟ لماذا أسأت ؟ لماذا اعتديت ؟ ما جوابك ؟
لذلك أيها الأخوة: الإنسان البطل الذي يهيئ لله جواباً عن كل تصرُّف، الإنسان أحياناً يعبد الله ستين عاماً ثم يضرُّ بالوصية فتجب له النار، يصلي، يصوم، وحاجج ثلاث حجج، وثلاث عشرة عمرة، وحَرَمَ البنات قبل أنْ يموت، تجب له النار، فأين تذهبون ؟ الناس يتحركون بأهوائهم لا بمنهج ربّهم، فلا يقيمون قيمة لمنهج الله، الله يقول لك: افعل ولا تفعل، فيكون جوابه: فلان يحزن، أبي يلومني و يعنِّفني، أين معرفة الله عزَّ وجل ؟ هذه الآية دقيقة جداً وأرجو الله سبحانه وتعالى أن تترجم إلى سلوك، فالعمل الصالح، والعمل السيئ محاسب عليهما محاسبةً دقيقة..

﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ 

المؤمن الصادق هو من لا ينسى اليوم الآخر أبداً:

 إخواننا الكرام: هذه نقطة هامة جداً: قد يعاقب الله بعض المسيئين في الدنيا عقاباً ردعياً تنبيهًا لبقية المسيئين، فلا تقولوا: فلان ماله حرام ولم يحدث له شيء، وقد يُكافِئ بعض المحسنين مكافأةً تشجيعيةً تعليماً لبقية المحسنين، ولكن يوم القيامة هو اليوم الفصل الذي لابدَّ من أن يُحاسَب الإنسان فيه على كل أعماله..

﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾

(سورة آل عمران: آية " 185 " )

 إخواننا الكرام: المؤمن الصادق هو الذي لا يغيب عن ذهنه اليوم الآخر أبداً، أبداً أبداً، اليوم الآخر، أن نقف بين يدي الله عزَّ وجل، لماذا تكلَّمت ؟ لماذا ابتسمت ابتسامةً ساخرة ؟ لماذا فعلت ؟ لماذا لم تفعل ؟ هكذا.. لماذا، لماذا، لماذا، مصداقاً لقوله تعالى:

﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ ﴾

﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾

 وفي درسٍ قادمٍ إن شاء الله نتابع تفسير الآيات:

 

﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018