الدرس : 4 - سورة النجم - تفسير الآيات 24-28 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 4 - سورة النجم - تفسير الآيات 24-28


1995-09-22

 الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً وأرنا الحق حقاً وارزقنا أتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الأخوة الكرام: مع الدرس الرابع من سورة النجم، ومع الآية الرابعة والعشرين:

 بسم الله الرحمن الرحيم

﴿أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى (24) فَلِلَّهِ الْآَخِرَةُ وَالْأُولَى (25)﴾

( سورة النجم )

 عدم نجاة الإنسان من عذاب الله إلا بطاعته:

 الإنسان يتمنى، يخطط، يرسم ملامح المستقبل، يستخدم طاقاته، إمكاناته، علمه، خبرته، لبلوغ هدفٍ معين، فلو أنه ظن أن قدراته الذاتية كافيةٌ لتحقيق أهدافه فقد أشرك.

﴿أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى﴾

 الأمر كله بيد الله، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فالإنسان إذا تصور أنه قادرٌ على أن يفعل ما يريد، أو يحقق ما يتمنى، أو أن يصل إلى ما يصبو إليه فقد أشرك نفسه مع الله وهو واهمٌ، وهذا عين الجهل، القضية ليست بتمنيات الإنسان، ولا بتخطيطه، ولا بنزواته، ولا بسعيه، ولكن بفعل الله ومشيئته، أضرب لكم مثلاً:
 هناك قوانين قننها الله عزَّ وجل، فأنت إن لم تتأدب معها فهذه القوانين من شأنها أن تسحق الإنسان، من هذه القوانين قانون السقوط، سقوط الأجسام سقوطاً حراً، أنت إن لم تتأدب مع هذا القانون وتستخدم مظلةً تجعل للهواء مقاومة تهبط رويداً رويداً، إن لم تعبأ بهذا القانون وألقيت نفسك من الطائرة هلكت، هذا مثل، السقوط له قانون، من أجل أن تصل سالماً تحتاج إلى مظلة، هذه المظلة تقاوم الهواء، هذه المقاومة تجعل السرعة معتدلة، ثابتة، إلى أن تصل بها إلى الأرض، فالله عزَّ وجل سَنَّ سنناً، وقنن قوانينَ، فأنت لا تنجو من عذاب الله إلا بطاعته، لا تنجو من عذاب الله إلا بإتباع سنة نبيه، الأمر ليس بتمنياتك، ولكن الأمر بقانونٍ قننه الله، مثلاً:

 

﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾

 

(سورة يونس )

 قانون..

 الجاهل من لم يتبع القوانين التي سنها الله عز وجل:

﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾

(سورة القصص: آية " 50 " )

 قانون، لو أنك تتبعت القوانين التي قننها الله في القرآن الكريم لوجدت أنك إن لم تتبعها فأنت جاهل.
 إخوانا الكرام: الإنسان إذا تمنى، وخطط، ورسم هدفاً، واستخدم طاقاته، وقدراته، وخبراته، وإمكاناته لتحقيق هذا الهدف ولم يكن مطيعاً لله عزَّ وجل، ولم يكن متبعاً لمنهجه، فهذا الهدف لا يتحقق، وإذا تحقق يكون هذا مُناقضاً لوجود الله عزَّ وجل، النبي عليه الصلاة والسلام كان يقول:

(( ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً سهلا ))

 الآية الكريمة تؤكِّد أن شيئاً لا يحدث في الكون إلا بتوفيق الله، وما توفيقي إلا بالله، هذه الحقيقة حينما تغيب عن الإنسان يؤلِّه الأسباب، ويعبدها من دون الله، ويتوهمها كافيةً لتحقيق النتائج والأمر ليس كذلك.

 السعادة، التوفيق، النجاح أشياء مرتبطة بطاعة الله:

 بعض العارفين يقول: " عرفت الله من نقض العزائم "، تخطط، وتدبر، وتهيِّئ، وتتخذ الأسباب، وتجعل الطاقات كلها مركزةً في هدفٍ معين، ثم لسببٍ تافهٍ تافه يُحْبَطُ عملك، ويخيب ظنك، ويفشل مسعاك.

﴿أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى﴾

 فكم من إنسان، وكم من فئة، وكم من جهة، وكم من شعب، وكم من أمة تمنَّت فلم تحقق أمنياتها، الأمر ليس بتمنياتك، الإنسان أحياناً يخطط، سأفعل كذا، سأكون كذا، بعد كذا سأكون كذا، يفاجأ أن الموت قضى على كل آماله، أو أن مرضاً عُضالاً أذهب كل تمنياته، أو أن خطاً آخر جرَّه إليه ففقد كل آماله، فأنت إذا أردت السعادة في الدنيا، أو أردت التوفيق، أو أردت النجاح، فالأمر ليس بتمنياتك، ولكن بتوفيق الله لك، وتوفيق الله لك منوطٌ بطاعتك له، القضية دقيقة.

﴿أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى﴾

 أيُّ شيء تتمناه يكون ؟ فهذا شأن الخالق.

 مشيئة الله فوق كل شيء في الكون:

 الله عزَّ وجل يصف نفسه فيقول:

﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾

( سورة البروج)

 هذا شأن الخال لا شأن المخلوق، المخلوق لا يفعل ما يريد، كم يريد ولكن ما أكثر ما ألاّ يتحقق ما يريد.

(( أنت تريد وأنا أريد والله يفعل ما يريد، إن سلمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد، وإن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد ثم لا يكون إلا ما أريد ))

 فالآية دقيق جداً معناها: اعتقد اعتقاداً جازماً أن شيئاً في الكون لا يقع إلا بمشيئة الله، وأنت لا تستطيع أن تحقق أمنياتك إلا بتوفيق الله، وتوفيق الله ثمنه طاعته، فإن أردت أمراً بمعصيةٍ كان هذا الأمر أبعد مما ترجو وأقرب مما تحذر، من ابتغى أمراً بمعصيةٍ كان أبعد مما رجا وأقرب مما اتقى.

 الجاهل من لا يدخل في حساباته توفيق الله عز وجل:

 لذلك فالإنسان الجاهل يخطط لتحقيق أمنياته ولا يدخل في حساباته توفيق الله عزَّ وجل، ولا يعبأ بوحدانية الله، وأنَّ الله يفعل ما يريد، وأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، كم من حدث، آلاف الأحداث التي تجري تحت سمعنا وبصرنا مفادها أن الإنسان إذا أراد تحقيق ما يريد بمعزلٍ عن مشيئة الله فهذا الشيء لا يتحقق، ولحكمةٍ بالغةٍ بالغة يحبط بسببٍ تافهٍ تافه، إذا أراد الله عزَّ وجل إظهار آياته نصر المؤمنين بسببٍ صغير، فرياحٌ عاتية هبت على الأحزاب في موقعة الأحزاب فأطفأت نيرانهم، واقتلعت خيامهم، وقلبت قدورهم، فحملوا أمتعتهم وغادروا.

﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً﴾

( سورة الأحزاب )

﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾

(سورة الأحزاب: آية " 25 " )

 هم ماذا أرادوا ؟ أراد كفار قريش ومن لف لفهم ومن ناصرهم ومن حالفهم أرادوا أن يَسْتأصِلوا شأفة المسلمين، أرادوا أن يبيدوهم عن آخرهم، فجاءهم جيش مؤلفٌ من عشرة آلاف مقاتل، ولم يجتمع جيشٌ في الجزيرة من قلُ بهذا العدد، ثم إن اليهود كعادتهم نقضوا عهدهم معهم، فالمسلمون كُشفوا، وأصبح القضاء عليهم قضية وقت، أصبح استئصالهم لسويعاتٍ قليلة..

﴿ هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً (11) وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً (12) ﴾

(سورة الأحزاب )

نصر الله عز وجل للمؤمنين الصادقين:

 ثم يقول الله عزَّ وجل:

﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾

(سورة الأحزاب )

 الله عزَّ وجل ساق لهم الرياح قلبت قدورهم واقتلعت خيامهم وأطفأت نيرانهم، وجعل النصر المؤزَّر على يدِ صحابيٍ جليل هو نعيم بن مسعود أسلم حديثاً ولم يعلم بإسلامه أحد فقال للنبي عليه الصلاة والسلام: " مرني ماذا أصنع ؟ " قال: " خذل عنا ما استطعت "، فذهب إلى جموع المشركين وحَّدثهم بحديث، وذهب إلى اليهود وحدثهم بحديث، أوقع بينهم، وهبت الرياح، معركةٌ كان القصد منها استئصال شأفة المسلمين، لكنهم لم يفلحوا، و ردَّهم بغيظهم لم ينالوا خيراً.
 فالذي أريده من هذه الآية أن كل ما يتمناه الإنسان لا يقع إلا إذا شاء الله له أن يقع.

 أعظم الشرك من يعتقد أنه سينتصر دون مشيئة الله:

 بمعنى آخر أن خطة الله عزَّ وجل تستوعب خطة الإنسان، لا يقع من خطة الإنسان إلا ما شاء الله منها أن يقع، أما أن تظن أن في الأرض جهةً مستقلةً بمشيئتها عن الله، أما أن تظن أن جهةً في الأرض مهما قويت شوكتها ومهما عظم شأنها تستطيع أن تفعل ما تريد، فهذا هو عين الشرك، لذلك:

﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾

( سورة يونس )

 الأخذ بالأسباب من تمام التوكل:

 حينما كان النبي عليه الصلاة والسلام وصاحبه الصديق في غار ثور، فالنبي عليه الصلاة والسلام أخذ بالأسباب كلها، اتجه بمن معه مساحلاً، وهيَّأ من يمحو آثار سيرهم، وهيَّأ من يأتيه بالأخبار، ومن يأتيه بالزاد، واستأجر خبيراً متمكناً من خبايا الطريق، وآثر الخبرة على الولاء، ومع كل هذه الاحتياطات، ومع كل هذه الأسباب، ومع كل هذه الأساليب وصل المشركون إلى غار ثور، فقال الصديق: "يا رسول الله لو أن أحداً نظر إلى موطئ قدمه لرآنا "، فقال عليه الصلاة والسلام:

(( يَا أَبا بَكْرٍ مَا ظَنّكَ بِاثْنَيْنِ الله ثَالِثُهُمَا ))

( متفق عليه )

 أي إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟ ثم تروي كتب السيرة أن سيدنا الصديق قال للنبي عليه الصلاة والسلام: " يا رسول الله لقد رأونا "، فقال عليه الصلاة والسلام: يا أبا بكر ألم تقرأ قوله تعالى:

﴿ وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾

( سورة الأعراف )

 الله تعالى فعّال لما يريد:

 و في طريق الهجرة ألم يأتِ سراقة وهو من كبار الفرسان ليأخذ النبي، وليأتي به حياً أو ميتاً لينال مئتي ناقة جائزة خصِّصت لكل من يأتي به حياً أو ميتاً ؟ ماذا قال عليه الصلاة والسلام لسراقة ؟:

(( يا سراقة كيف بك إذا لبست سواري كسرى))

 كلكم قرأتم هذه الفقرة لكن قلما يقف عندها، النبي ملاحق وقد هدر دمه، ووضعت مئتا ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً ويقول لسراقة:

(( يا سراقة كيف بك إذا لبست سواري كسرى ))

 أي أنا سأصل إلى المدينة، وسأنشئ مجتمعاً إسلامياً، وسنحارب الكفار، وسننتصر عليهم، وسنأتي بتاج كسرى وسواريه من غنائمنا، ويا سراقة أنت سوف تلبس سواري كسرى، هذه ثقة النبي بالله عزَّ وجل، يجب أن نؤمن أنه لا فعال إلا الله، وأن كل الذين ترى أعينكم أدواتٌ بيد الله يحركها كيف يشاء، لذلك لخص هذه الحقيقة أحد الأنبياء الكرام فقال:

 

﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (55) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (56) ﴾

 

( سورة هود )

(( قلوب العباد بين أُصبعي الرحمن إنه إذا أراد أن يقلِّب قلب عبد قلبه ))

( أخرجه أحمد عن عائشة )

 أساس الدين التوحيد:

 أنت الآن تقف أمام إنسان أقوى منك، ما الذي يدور في خلده ؟ الله يعلم، من الذي ألقى في رُوعه أن يسامحك ؟ الله، من الذي ألقى في روعه أن يحاسبك ؟ الله، من الذي عَطَّفَهُ عليك ؟ الله، من الذي قسّا قلبه عليك ؟ الله، فأنت علاقتك مع الله، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، بيده الخلق، بيده الأمر، بيده مرجع كل شيء، بيده ملكوت كل شيء، إليه يرجع الأمر كله فاعبده وتوكل عليه.

﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾

(سورة فاطر: آية " 2 " )

﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾

(سورة الزخرف: آية " 84 " )

﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾

( سورة الفتح: آية " 10 ")

 هكذا الدين، الدين توحيد، الدين أَلاّ ترى مع الله أحداً.

 تعلق إرادة الله المطلقة بحكمته المطلقة:

﴿أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى﴾

 فالكافر يظن نفسه أنه يسبق الله عزَّ وجل، يتوهَّمُ ذلك حينما يظنُّ أن بإمكانه أن يفعل ما يريد، لا والله، الله وحده الفعال لما يريد، أما أنت لا تستطيع أن تفعل إلا ما أراده الله لك أن تفعل، اختر ما شئت وافعل ما شئت لكنه لا يقع إلا ما أراده الله، يجب أن نعلم علم اليقين أن كل شيءٍ وقع أراده الله، وأن كل شيءٍ أراده الله وقع، وأن إرادة الله متعلقةٌ بالحكمة المطلقة، وحكمته المطلقة متعلقة بالخير المطلق.

﴿أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى﴾

 المؤمن الحقيقي من يثق بأمر الله و وجوده:

 لو أن إنساناً قوياً تمنى شيئاً لا يرضي الله، وسخَّر كل طاقاته و إمكاناته لتحقيقه وتحقق، هذا يتناقض مع وجود الله، لذلك الإنسان لا ينبغي أن يضفي على الكفرة الفجار القوى الأسطورية، لا يستطيعون أن يفعلوا شيئاً إلا أن يأذن الله، الأمر بيده، بيده وحده.

﴿مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً﴾

(سورة الكهف)

﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾

(سورة الزمر )

﴿ لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾

(سورة الأعراف: آية " 54 " )

 هكذا الإيمان..

 عين الشرك من يعتقد أن جهة ما مستقلة عن الله في أفعالها:

﴿أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى﴾

 أي إذا توهَّمتَ أن جهةً في الأرض مهما قويت، ومهما علا شأنها أنها مستقلةٌ في إرادتها وفي أفعالها عن الله، فهذا هو عين الشرك، وهذا هو الشرك الذي لا يقبله الله عزَّ وجل، شأنك مع الله، علاقتك بالله، فمثلاً: لو أن أحداً عاش في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت له قضيةٌ مع إنسانٍ آخر، ورُفِعَت القضية إلى النبي صلى الله عليه وسلم، كلٌ أدلى بدلوه، واحدٌ منهم بحجةٍ ناصعة وبيانٍ طليق، ولسانٍ ذرب استطاع أن ينتزع من فم النبي حكماً لصالحه ولم يكن محقاً لا ينجو من عذاب الله.

(( وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا بِقَوْلِهِ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ))

( البخاري عن أم سلمة)

 علاقتك مع الله وحده وهو يراك حين تقوم، يرى تقلُّبك في الساجدين، يرى نواياك، يرى مبتغاك، يرى ما تصبو إليه، يرى ما يعتلج في صدرك، يرى كل دقائق حياتك، يرى كل ثنيات شخصيتك، أنت مكشوفٌ أمامه، لذلك تعامل مع الله وحده، ولا تبالِ بأحد، فإذا كان الله معك فمن عليك، وإذا كان الله عليك فمن معك، ما معك أحد، أقرب الناس إليك يتنكر لك، وإذا كان الله معك عدوك اللدود يخدمك، شاءت حكمة الله أن يسخِّر لك عدواً يخدمك إن توكَّلت عليه، وأن يتنكر أقرب الناس إليك إن اعتززت بنفسك.

 من يشرك نفسه مع الله يتخلى الله عنه:

 يا أيها الأخوة الكرام: هذا الموضوع متصل بهذه الآية، أنت في حياتك الدنيا، أنت في كل يومٍ بين حالين، حال التولَّي، وحال التخلِّي، إما أن يتولاك الله فيكفيك كل مؤْنَة، وإما أن يتخلَّى عنك فيقوى عليك كل صغير، إذا كنت معه موحداً، منيباً إليه، مفتقراً لعونه، يتولاك، عندئذٍ أنت أقوى الناس، وأنت أغنى الناس، وأنت أكرم الناس، أما إذا قلت: أنا، واعتدَدت بنفسك، وأشركت نفسك مع الله، يتخلَّى عنك، وإذا تخلَّى عنك لا ينفعك أحد، وليس هذا بدعاً من القول، الصحابة الكرام، ومعهم سيد الأنام في معركة حنين هزمهم الله عزَّ وجل..

﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾

( سورة التوبة )

 الإنسان المفتقر إلى الله يتولاه الله برحمته و رعايته:

 لكن في معركة بدر قال تعالى:

﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾

( سورة آل عمران: آية " 123 " )

 أي مفتقرون، فأنت على علمك، واختصاصك، وخبرتك، ومالك، وموقعك، وشأنك في المجتمع، مهما علا شأنك إذا قلت: أنا، تخلَّى الله عنك، إذا قلت: الله، تولاَّك، فأنت بين التخلِّي والتولِّي، إن شئت أن يتولاَّك الله وهو خير ولي فكن مفتقراً إليه، وإن شئت أن يتخلّى عنك كان لك ذلك، وإذا تخلّى عنك وَكَلَكَ إلى نفسك وأنت ضعيفٌ صغير، عندها يتجرَّأ عليك أضعف الخلق وأحقر الخلق.
 أيها الأخوة: كما في الدعاء الشريف:

(( اللهم صُنْ وجوهنا باليسار ولا تبذلها بالإقتار فنسأل شر خلقك ونبتلى بحمد من أعطى وذم من منع، وأنت من فوقهم ولي العطاء وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء ))

 ليس للإنسان ما يتمنى إنما ما يقدره الله له:

﴿أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى﴾

 هذا استفهام إنكاري، ليس له ما يتمنى، الآية الكريمة:

﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾

(سورة النساء: آية " 123 " )

﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾

(سورة البقرة )

 القضية بالسَعْي، القضية بالعمل، القضية بإتباع منهج الله، القضية بطاعة الله.

 طاعة الله عز وجل أصل كل خير يقدره للإنسان:

﴿أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى﴾

 استفهام إنكاري، أي ليس له ما يتمنَّى، ليس له إلا ما يقدِّرُهُ الله له، والله يقدر كل خير بناءً على طاعتك له، الأصل أن تطيعه:

﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾

(سورة الحجرات: آية " 13 " )

﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾

(سورة الأحزاب )

 لا منجى منه إلا إليه:

أطع أمرنا نرفع لأجـلك  حجبنا  فإنا منحنا بالرضا من  أحـبنـــا
و لذ بحمانا واحـتــم  بجنابنا  لنحميك مما فيه أشرار خلقــنــا
و عن ذكرنا لا يشغلنك شاغـل  و أخلص لنا تلقى المسرة و الــهنا
       و سلم إلينا الأمر في كل ما يكن  فما القرب والإبعاد إلا بأمرنــــا

***

 سعادة الدنيا والآخرة مرتبطة بطاعة أمر الله:

 أيها الأخوة: طاعة الله عزَّ وجل هي سبيل الفوز العظيم، طاعة الله عزَّ وجل هي سبيل النجاح، سبيل التوفيق، سبيل الطمأنينة، سبيل سعادة الدنيا والآخرة، سبيل استحقاق نصر الله، سبيل استحقاق تأييده، سبيل استحقاق حفظه، سبيل استحقاق عفوه، سبيل استحقاق سعادة الدنيا والآخرة.

﴿أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى﴾

 الجواب: ليس له ما تمنى..

 الآخرة بيد الله لا بيد الأصنام:

﴿ فَلِلَّهِ الْآَخِرَةُ وَالْأُولَى﴾

﴿ لله الآخرة ﴾

 فالأبدية بيد الله، فإن ظننتم يا كفار قريش أنكم تعبدون اللاَّت والعُزَّى كي تتقربوا بها إلى الله زلفى، الآخرة بيد الله لا بيد اللات والعزى، هذا معنى الآية:

 

﴿ فَلِلَّهِ الْآَخِرَةُ وَالْأُولَى﴾

 

 حينما قالوا:

﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ﴾

(سورة الزمر: آية " 3 " )

 قال الله لهم:

﴿ فَلِلَّهِ الْآَخِرَةُ وَالْأُولَى﴾

 الأمر ليس بيد هذه الأصنام، ولا بيد الملائكة الذين اعتقدتم أنهم أناسٌ وهم بنات الله بزعمكم. 

تقديم الآخرة على الأولى لأنها الحياة الحقيقية للإنسان:

﴿ فَلِلَّهِ الْآَخِرَةُ وَالْأُولَى﴾

 وقد قُدِّمَتْ الآخرة على الأولى تقديم أهمية، لأن الآخرة هي الحياة الحقيقية، ألم يقل الإنسان إذا جاءه الموت:

﴿يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾

( سورة الفجر )

 أيَّةُ حياةٍ كان يحياها، هذه حياةٌ دنيا، حياةٌ كلها متاعب، حياةٌ قصيرة، حياةٌ متعبة..

﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ﴾

(سورة الانشقاق )

 حياةٌ أساسها بذل الجهد، حياةٌ مشحونةٌ بالمتاعب، لا تصفو لأحد، مصممةٌ على ألاّ تصفو لأحد، " إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء، ومنزل ترحٍ لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء، ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى، وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضاً، فيأخذ ليعطي، ويبتلي ليجزي ".

 الدنيا دار تكليف والآخرة دار تشريف:

 الدنيا مصممة على أنها لا تصفو لإنسان، لا راحة لمؤمنٍ إلا بلقاء وجه ربه، ولحكمةٍ بالغةٍ بالغة جعلها الله عزَّ وجل مشحونةً بالمتاعب لئلا نركن إليها، إنها مدرسة وليست نزهة، الإنسان في المدرسة لا ينبغي أن يكون المقعد مريحاً جداً، إذاً ينام، إذا شاء لمدرسةٍ أن تكون المقاعد فيها وثيرةً ومريحةً، والغرفة مكيفة تكييفًا رائعاً، والطعام أمامه، والشراب أمامه، والمجلاَّت أمامه، فأين المحاضرة ؟ فهذه ليست مدرسة، إننا في مدرسة، إننا في مزرعةٍ للآخرة، إننا في دار عمل لا في دار جزاء، في دار سعيٍ لا في دار نعيم، في دار تكليفٍ لا دار تشريف، الدنيا دار تكليف والآخرة دار تشريف، الدنيا دار عمل والآخرة دار جزاء، فإذا فهمنا الدنيا دار جزاء أو دار راحة وقعنا في مطبٍ كبير، وقعنا في خطأٍ قاتل.
 إنك هنا في الدنيا من أجل أن تعرف الله، ومن أجل أن تطيعه، ومن أجل أن تعمل العمل الصالح الذي تستحق به دخول الجنة، قد تتنعم إذا شاء الله لك أن تتنعم، أما أن تجعل النعيم هدفاً، أما أن تجعل الراحة هدفاً فقد أخطأت سواء السبيل:

(( إِيَّاكَ وَالتَّنَعُّمَ فَإِنَّ عِبَادَ اللَّهِ لَيْسُوا بِالْمُتَنَعِّمِينَ ))

(مسند الإمام أحمد عن معاذ بن جبل )

﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً﴾

( سورة الفرقان: آية " 63 " ) 

مهمة الإنسان الأساسية في الدنيا معرفة الله:

 سيدنا عمر كان إذا سار أسرع، وإذا ضرب أوجع، وإذا أطعم أشبع، وإذا قال أسمع، لا يمشي هوناً، والنبي عليه الصلاة والسلام كان إذا سار كأنه يَنْحَطُّ من صَبَبْ، أي يسرع، ما معنى الآية إذاً ؟ معنى الآية أن المؤمن لا يسمح لشيءٍ أن يلغي وجوده، ولا يسمح لعملٍ أن يلغي معرفته بربه، لا يسمح لشيء أن يستهلكه، يمشي هوناً، يقتطع من وقته وقتاً لمعرفة الله، يقتطع من وقته وقتاً لمعرفة منهجه، يقتطع من وقته وقتاً للعمل الصالح، يقتطع من وقته وقتاً للأمر بالمعروف، وهو مخلوقٌ لمعرفة الله، فإذا غابت عنك مهمتك الأساسية فهذا ضياع شديد.
 شاب سافر إلى بلد لينال الدكتوراه، فلما وصل إلى هذا البلد، نسي مهمته، فكان ينتقل من مسرحٍ إلى مسرح، ومن نادٍ إلى نادٍ، ومن متحفٍ إلى متحف، حتى انقضت المدة وعاد إلى بلده صفر اليدين، نقول: هذا ما عرف الهدف الذي من أجله سافر إلى ذاك البلد، لو عرف الهدف لَجَمَّعَ طاقاته كلها في الدراسة.

﴿ أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى (24) فَلِلَّهِ الْآَخِرَةُ وَالْأُولَى (25) وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (26) ﴾

 يأذن الله لمن يشاء أن يشفع، ويرضى لمن شُفِعَ له أن يُشْفَعُ له. 

على الإنسان الاتكال على الله لا على أحد من خلقه:

 لذلك:

﴿ أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ﴾

( سورة الزمر: آية " 19 " )

 يا محمد..

 

﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ﴾

﴿تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (19) ﴾

(( يا فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم اعملي لله خيراً فإني لا أغني عنك من الله شيئاً، يا عباس بن عبد المطلب يا عم رسول الله صلى الله عليه وسلم اعمل لله خيراً فإني لا أغني عنك يوم القيامة من الله شيئاً ))

( رواه البزار عن حذيفة )

(( وَمَنْ يُبْطِئْ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ ))

( أخرجه أحمد عن أبي هريرة )

 لا تتكل على أحدٍ من خلق الله، النبي عليه الصلاة والسلام حينما يرى أمته يوم القيامة تُساق إلى العذاب يقول:

(( أَصْحَابِي، أَصْحَابِي، فَقِيلَ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، قَالَ: فَأَقُولُ: بُعْدًا، بُعْدًا، أَوْ قَالَ: سُحْقًا، سُحْقًا لِمَنْ بَدَّلَ بَعْدِي ))

(أحمد عن أبي سعيد الخدري )

 تقسيم أمة سيدنا محمد إلى:

 لذلك فالعلماء قَسَّموا أمة محمدٍ صلى الله عليه وسلم إلى أمتين، أمة التبليغ، وأمة الاستجابة:

 1 ـ أمة التبليغ:

 أي كل إنسان ولد من أبوين مسلمين وسمع من خُطب الجمعة مبادئ الإسلام فهو من أمة التبليغ، وليس لهذا الإنسان أية مَيِّزةٍ على الإطلاق..

﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾

(سورة المائدة: آية " 18 " )

 أيْ إذا قال المسلمون قياساً على هذه الآية: نحن أمة محمدٍ، يقال لهم:

﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾

 هذه أمة التبليغ.

 2 ـ أمة الاستجابة:

 أما الذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأتوا الزكاة، وأمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر، وطبقوا منهج الله في بيوتهم وفي أعمالهم، واستلهموا هَدْيَ القرآن الكريم، ولم تأخذهم في الله لومة لائم، هذه أمة الاستجابة، هؤلاء أمة محمدٍ المرحومة، هؤلاء الذين لهم عند الله مكانةٌ كبيرة، هؤلاء الذي ينطبق عليهم قوله تعالى:

﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾

(سورة آل عمران: آية " 110 " )

 كنتم ببعثة النبي عليه الصلاة والسلام وبإتباعكم لمنهجه خير أمةٍ أخرجت للناس، بهذا: والعِلَّة..

﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾

(سورة آل عمران: آية " 110 " )

 ظن المشركين أن الملائكة إناث و هن بنات الله عز وجل:

 إذاً:

﴿ وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (26) إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى (27) ﴾

 توهَّموا وظنّوا وجهلوا أن الملائكة إناثٌ وأنهن بنات الله، قال:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى (27) وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً (28) ﴾

 لذلك قد تعشعش في ذهن الإنسان أوهامٌ ما أنزل الله بها من سلطان، ضعْ لأعمالك جرداً، فهذا وَهْمٌ دعه، وهذا حقٌّ فاتَّبعه واجعل الحقيقة هي التي تصبو إليها نفسُك.

 

﴿ إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى (27) وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً (28) ﴾

 

 الطاعة لا تكون إلا بمعروف:

 أيها الأخوة الكرام: احرصوا حرصاً بالغاً على ألاّ تعتقدوا إلا العقيدة الصحيحة التي توافق الكتاب والسنة، أما أن يمتلئ عقل الإنسان بالضلالات، وبالخرافات، وبالتُرُّهات، فهذا من شقاء الإنسان في الدنيا والآخرة، فالإنسان مكرمٌ عند الله عزَّ وجل، وهو أعظم وأجل من أن يكون ضحية خرافةٍ أو فِرْيَةٍ أو إفكٍ أو قضيةٍ مبنيةٍ على الوهم والظن، فالإنسان عليه أن يتحرَّى، ولا يقبل شيئًا إلاّ بدليل، وبتعليل وعلى بصيرة، والله سبحانه وتعالى علَّمنا من خلال سنة النبي أشياء كثيرة، هؤلاء الذين بعثهم النبي في سريةٍ وأمَّر عليهم أنصارياً وقال هذا الأنصاري: " أضرموا ناراً واقتحموها، فقال بعض أصحاب النبي: كيف نقتحمها وقد آمنا بالله فراراً منها ؟ ". فلما رُفِعَ الأمر للنبي قال عليه الصلاة والسلام:

(( لو دخلوها ما خرجوا منها أبداً، إنما الطاعة في معروف ))

( أخرجه البخاري عن علي ) 

علامة المُتبع للنبي الكريم أنه يدعو على بصيرة:

﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾

(سورة يوسف )

 فنحن على بصيرةٍ ؛ أنا ومن اتبعني، فعلامة المُتبع للنبي أنه يدعو على بصيرة، يدعو بالدليل، يدعو بالبرهان، يدعو بالحجة، ولا يأتي بشيء من عنده، أنما أنا متبع ولست بمبتدع فلذلك:

﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾

 اطلب الدليل، لا تقبل أية فكرة، لا تكن ضحيةً لفكرةٍ غير صحيحة، لا تكن تابعاً لوهمٍ لا أساس له..

 

﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾

 ولو استخرجنا ما في عقولنا وعرضناه على مِحَكِّ الواقع، ومحك الكتاب والسنة، ومحك العلم، لوجدنا أربعة أخماس ما نعتقده وهمٌ بوهمٍ وخرافةٌ بخرافة، فيجب أن تحرر العقول من كل الأوهام، وما أكثر الأوهام في حياتنا.

 الحق ما وافق العقل والنقل والفطرة والواقع:

 لذلك:

﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً﴾

 نحرص حرصاً بالغاً على أن نعتقد الحقيقة، على أن نعتقد ما جاء به القرآن الكريم، ما جاءت به السنة النبوية، على أن نعتقد ما وافق الواقع الإسلامي، على أن نعتقد ما وافق الفطرة، على أن نعتقد ما وافق العقل، على أن نعتقد ما وافق النقل، هذا هو الحق، يوافق النقل الذي هو وحي السماء، يوافق العقل الذي هو مقياسٌ أودعه الله فينا، يوافق الفطرة التي هي مقياسٌ نفسيٌ لا يخطئ، يوافق الواقع، وكل ما خالف الواقع، أو خالف الفطرة، أو خالف العقل، أو خالف النقل، فهو ليس من الحق، مقياس الحق دائرةٌ يمرُّ فيها أربعة خطوط، خط العقل والنقل والفطرة والواقع، فيجب على كل منا أن يستخرج ما عشعش في ذهنه، من اعتقادات لا أصل لها، من خرافات لا يقبلها العقل السليم، من ظنون لا أساس لها، أن ننبذها وأن نعتقد ما جاء به القرآن والسنة الصحيحة.

 كلام الله لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه:

 إذا قلنا مثلاً: لا يعلم الغيب إلا الله، كم قصةٍ يمكن أن تركلها بقدمك وفق هذه الآية ؟ كم ادعاء يَّدعيه الشُذَّاذ والأفّاكون ؟ كم ادعاء يدّعيه المنحرفون ؟ فقد يدعون أنهم يعلمون الغيب مثلاً، آية واحدة يمكن أن تجعلك تركل ألف قصةٍ بقدمك، يجب أن تعتقد ما في القرآن الكريم، الآن العالم كله يتوهَّم أن الإنسان أصله قرد، هكذا قال داروين، فالقرآن ماذا يقول ؟

﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾

(سورة السجدة )

 فلو اعتقدت أن هذا كلام الله وأنه كلامٌ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، لا تعبأ بأية نظريةٍ من صنع أناسٍ حقدوا على الدين وأرادوا أن يصدموا الدين في جذوره وفي أصوله.

 الحقيقة علاقةٌ مقطوعٌ بصحتها توافق الواقع:

 لذلك:

﴿إ إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى (27) وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾

 هنا الظن بمعنى الوهم، وطبعاً كما تعلمون مقياس الحقيقة علاقةٌ مقطوعٌ بصحَّتها، فإنْ لم تكن مقطوعاً بصحتها كان الوهم، أو كان الشك، أو كان الظن، فنسبة الوهم ثلاثون بالمئة، الشك خمسون، الظن ثمانون أو سبعون، أما الحقيقة فمقطوعٌ بصحتها مئة بالمئة، علاقةٌ مقطوعٌ بصحتها توافق الواقع وعليها دليل، لو ألغينا الدليل لكان التقليد، لو ألغينا الواقع لكان الجهل، لو ألغينا القطع لكان الوهم والظن والشك، فالحقيقة ليست وهماً ولا شكاً ولا ظناً ولا تقليداً ولا جهلاً، الجهل هو مخالفة الواقع، فمن دون دليل تقليد، ومن دون قطع مئة بالمئة شكٌ أو وهمٌ أو ظن.

 معرفة الحقيقة توصل إلى الله:

﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾

 أي الوهم، لذلك فالدعاء في مثل هذه المناسبة:
 " اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القُربات ".

 

﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً﴾

 

 إخوانا الكرام: ما من شيء أهم في حياة الإنسان من معرفة الحقيقة، إنك إن عرفتها سعدت بها في الدنيا والآخرة، إن عرفت الحقيقة عرفت سر وجودك، عرفت غاية وجودك، إن عرفت الحقيقة تتبعت منهجها، إن عرفت الحقيقة وصلت إلى الله لأنه هو الحق لذلك لا نشاط في الحياة الدنيا يعلو على أن تعرف الحقيقة، لا نشاط في الحياة الدنيا يعلو في أهميته على أن تعرف الحقيقة..

 تطبيق آيات القرآن الكريم سبب سعادة الإنسان في الدنيا و الآخرة:

﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾

(سورة العنكبوت )

 أيها الأخوة: هذا كتاب الله، هذا وحي السماء للأرض، هذه تعليمات الصانع، هذا الكتاب يهدي للتي هي أقوم، من أمسك به فقد أمسك حبل الله، ومن أمسك حبل الله نجا من عذاب الدنيا ومن عذاب الآخرة.
 فلذلك يا أيها الأخوة: هذا الكتاب علينا أن نقرأه، أن نتلوه حق تلاوته، ومن تلاوته حق تلاوته أن نتلوه وفق أحكام التجويد، وأن نتلوه فنفهم آياته، وأن نتلوه فنتدبَّرها، وأن نتلوه فنطبِّقها، إن تلوته حق تلاوته، وإن فهمت آياته، وإن تدبرتها، وإن طبقتها سعدت به في الدنيا والآخرة، هذا كتابنا المقرر، وهذا الكتاب الذي نحاسب عليه.

﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾

( سورة القمر )

 تريده مسموعاً فهو متوفر، أو مطبوعاً فهو في متناول يدك، أو مقروءاً فما أكثره، وكذلك مفسراً، فالملاحظ أن هذا الكتاب الكريم قد تولّى الله جلَّ جلاله في عليائه حفظه، وتولى تيسيرَهُ للناس، تسمعه صباحاً ومساءً، فلا تجد بيتاً إلا وفيه أكثر من نسخة للمصحف وتفاسير، ودروس علم، والأبواب مُفَتَّحَةٌ على مصاريعها، من غير رسم دخول، ولا ضريبة، ولا أيّة عقبة، تعالَ واستمع وطبِّق واسعد في الدنيا والآخرة.

 القرآن الكريم ربيع القلوب:

 فيا أيها الأخوة الكرام: القرآن ربيع القلوب وهو روح الروح، ما معنى روح الروح ؟ أي جسمك يحتاج إلى غذاء، وروحك تحتاج إلى غذاء، غذاء روحك هذا القرآن، إذاً هو روح روحك.
 أيها الأخوة: إذا قرأته وتدبَّرته وجدت حلاً لكل مشكلاتك، ما من سؤال عويص إلا وترى فيه حلاً في القرآن الكريم، لذلك لا يحزن قارئ القرآن، وهذه بشارة: من تعلَّم القرآن متعه الله بعقله حتى يموت، اقرأه صباحاً ومساءً، أناء الليل وأطراف النهار، احضر دروس التفسير، اعمل به، طبِّقه يكن لك ذخراً وسعادةً في الدنيا والآخرة.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018