الدرس : 40 - سورة التوبة - تفسير الآية 55 ، شقاء الآباء من شقاء أبنائهم ـ للمؤمن جنتان جنة في الدنيا وجنة في الآخرة . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 40 - سورة التوبة - تفسير الآية 55 ، شقاء الآباء من شقاء أبنائهم ـ للمؤمن جنتان جنة في الدنيا وجنة في الآخرة .


2011-02-18

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارضَ عنا.

عطاء الله عطاء أبدي :

 أيها الأخوة الكرام، مع الدرس الأربعين من دروس سورة التوبة، ومع الآية الخامسة والخمسين وهي قوله تعالى:

﴿ فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ ﴾

 أخواننا الكرام: أي شيء ينتهي عند الموت هذا لا يليق أن يكون عطاءً إلهياً، هذا الشيء الذي ينتهي بالموت لا يتناسب مع كرم الله، عطاء الله أبدي إلى أبد الآبدين:

﴿ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ﴾

[ سورة النساء الآية: 57]

 أما الدنيا فبضعة أيام، قد يؤتي الله الإنسان مالاً، قد يؤتيه صحة، قد يؤتيه منصباً، قد يؤتيه مكانة، تنتهي عند الموت، لأن الموت ينهي كل شيء، الموت ينهي قوة القوي، وينهي ضعف الضعيف، ينهي غنى الغني، وينهي فقر الفقير، ينهي ذكاء الذكي، ومحدودية المحدود، ينهي وسامة الوسيم، ودمامة الدميم، الموت ينهي كل شيء، الموت تنتهي به الأمراض، ورم خبيث مات انتهى المرض، لكن ما بعد الموت إما لجنة يدوم نعيمها، أو إلى نار لا ينفد عذابها.

 

من وضع كلّ همه و جهده و تخطيطه للدنيا فقط فهو أحمق غبي :

 والله أيها الأخوة، لا أعجب ممن يعيش وليس له هدف في الآخرة، بضع سنوات مشحونة بالمتاعب، والهموم، والضغوط، والحيرة، والحوادث، والآخرة خُلقنا من أجلها، لذلك لو أن الإنسان أعرض عن الله عز وجل وأتاه الله مالاً، هذا ليس نِعمة، إنما هو نَعمة.

﴿ وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ ﴾

[سورة الدخان الآية: 27]

 آتاه الله صحة سيموت، آتاه الله بيتاً فخماً سيتركه، كل شيء يترك ليس عطاء، الموت ينتهي به كل شيء، مهما كنت كبيراً، مهما كنت عظيماً، مهما كنت غنياً، مهما كنت مستمتعاً، مهما كنت بصحة جيدة، الموت ينهي كل شيء.
 لذلك من وضع كل همه، وكل جهده، وكل تخطيطه للدنيا فقط فهو أحمق غبي، أنت خُلقت للانهاية، خُلقت لجنة عرضها السماوات والأرض، خُلقت للأبد، فأنت اخترت سنوات معدودة، فإذا مضت ولم تكن مؤمناً، فإذا مضت ولم تكن مستقيماً، فإذا مضت ولم تكن محسناً، فهناك مشكلة كبيرة جداً.
 لذلك لو أن إنساناً فقيراً موظفاً، دخله محدود، بيته صغير يقدر بستين متراً، لا يوجد عنده شيء يلفت النظر، لو زار غنياً مترفاً؛ بيت فخم، مركبات متعددة، دخل فلكي، أذواق رفيعة جداً، ولم يكن هذا الغني مؤمناً، وقال: ليتني كنت مكانه، لا قيمة لكل إيمانه، من آتاه القرآن فظن أن أحداً أوتي خيراً منه فقد حقر ما عظمه الله، إذا الله عز وجل سمح لك أن تعرفه، وسمح لك أن تعبده، وسمح له أن تطيعه، وسمح له أن تكون في مسجد تتعلم، هذه نعم لا تقدر بثمن، هذه النعم تعد أكبر نعم في حياتك، لأن هذه النعم مؤداها إلى الجنة.

 

كلمة مؤمن كلمة واسعة جداً :

 ما معنى أنك مؤمن؟ أي أنك مستقيم، ما معنى أنك مؤمن؟ أي لك عمل صالح، ما معنى أنك مؤمن؟ أي أب صالح، ما معنى أنك مؤمنة؟ أي أم صالحة، ما معنى أنك مؤمن؟ أي لك أولاد صالحون، ما معنى أنك مؤمن؟ أي مستقيم، صادق، أمين، تنفق من مالك في سبيل الله، كلمة مؤمن كلمة واسعة جداً.
 إذا إنسان كتب إلى جانب اسمه بالبطاقة د. فلان، ما معنى د.؟ أي دكتور، معه ابتدائي؟ حتماً، معه إعدادي؟ حتماً، معه ثانوي؟ حتماً، معه لسانس؟ حتماً، معه دبلوم تربية؟ حتماً، معه ماجستير؟ حتماً، هذه الدال تعني، ابتدائي، إعدادي، ثانوي، جامعة، ماجستير، هذا معنى الدال.
 معنى مؤمن أي مستقيم، معنى مؤمن دخله حلال، معنى مؤمن إنفاقه حلال، معنى مؤمن يغض البصر، معنى مؤمن أي صادق، معنى مؤمن أي مخلص، معنى مؤمن أي متقن لعمله، معنى مؤمن أي لا ينافق، لا يكذب، لا يحتال، معنى المؤمن أي علاقاته بالنساء مضبوطة، محارمه فقط؛ زوجته، ومحارمه، أكثر لا يوجد عنده، معنى مؤمن أي لا يوجد عنده جلسات فيها مشروب، جلسات فيها اختلاط، كلمة مؤمن تعني كل ذلك.
 لذلك إذا أكرمك الله عرفك بذاته العلية، أعانك على طاعته، أعانك على التقرب إليه، ألحقك بمنبع علمي تتلقى منه، رعاك، رباك، شجعك إذا أحسنت، خوفك إذا أسأت، معناها أنت بالعناية المشددة، كلمة عناية مشددة يبغضها الناس، يتوهموا معه أزمة قلبية وضعوه بالعناية المشددة، لها معنى آخر، المؤمن بالعناية المشددة من الله عز وجل أي يرعاه، يتابعه، ينبهه، يحذره، يكافئه، يشجعه، ينصره، يوفقه.

المؤمن يتمتع بنعمة لا يعرفها إلا من ذاقها :

 لذلك الإنسان إذا ترك الله ولم يعبأ بمنهجه قد يكون غنياً، ومعنى غني أي بيته فخم جداً، مركبته فخمة جداً، إنفاقه كبير، طعامه نفيس، سهراته ممتعة، سفرياته فيها إنفاق كبير، هذا معنى غني، لكن معنى مؤمن معك مال تشتري به طعاماً طيباً، معك مال تذهب به إلى مكان جميل، لكن هذا المكان الجميل بحر مثلاً، جبل أخضر، أخذ من جمال الله مسحة، والطعام الطيب أخذ من جمال الله مسحة، والوجه الجميل أخذ من جمال الله مسحة، لكن المؤمن مع خالق الجمال، مع أصل الجمال:

فلو شاهدت عيناك من حسننا الذي  رأوه لما وليت عنا لغيرنــــا
ولو سمعت أذناك حسن خطابنـا  خلعت عنك ثياب العجب وجئتنـا
ولــو ذقت من طعم المحبة ذرة  عذرت الذي أضحى قتيلاً بحبنـا
ولــو نسمت من قربنا لك نسمة  لمت غريباً واشتياقاً لقربنـــا
* * *

 إذاً أنت كمؤمن عرفت الله، عرفت منهجه، أكرمك الله بطاعته، وبالاستقامة على أمره، دخلك حلال، علاقتك بالنساء شرعية، زوجتك فقط، محارمك فقط، لا يوجد عندك علاقة شائنة، لا يوجد دخل حرام، ولا احتيال، أنت مؤمن، أنت ملك، صدق ولا أبالغ ملك، البطولة أن تمشي رافع الرأس لا تحنيه لأحد، ألا تستحي بشيء فعلته، عملك طيب لا يوجد عندك شيء تستحي به، لا يوجد عندك شيء تخاف أن يفضح، هذا المؤمن، المؤمن يتمتع بنعمة لا يعرفها إلا من ذاقها.
 لذلك إبراهيم بن الأدهم كان ملكاً ثم ترك الملك باختياره وصار عارفاً بالله، فقال كلمة لأنه كان ملكاً أنا أصدقه بها، قال: "لو يعلم الملوك ما نحن عليه لقاتلونا عليها بالسيوف".

 

المؤمن إنسان موصول بالله يتحرك وفق منهجه :

 كلمة مؤمن قليلة؟ مؤمن، إنسان موصول بالله، بخالق السماوات والأرض، مؤمن يتحرك بمنهج الله، مؤمن محسن، مؤمن حليم، مؤمن رحيم، مؤمن صادق، مؤمن لا ينافق، مؤمن لا ينحرف، مؤمن لا تجره شهوة إلى معصية، ضابط شهواته، مؤمن سيد نفسه، مؤمن أي يملك نفسه عند الشهوة وعند الغضب، لكن هؤلاء الذين شردوا عن الله أيها المؤمن لو كانوا أغنياء:

﴿ فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ ﴾

 ولو أن لهم أولاداً، أحياناً يكون ابن الغني أنيقاً جداً، ثيابه غالية جداً، يُعتنى به عناية بالغة، ويحمل شهادات عليا، وهناك إنفاق عليه، دروس خاصة، ومعلمون، قد يكون ابن الغني متفوقاً، هذا لا يعني أنه صالح، الله عز وجل يريد أن ينبه المؤمنين، إذا كنت مؤمناً فأنت الغني الحقيقي، إن كنت مؤمناً فأنت الراقي الحقيقي، إذا كنت مؤمناًً فأنت الفالح، أنت الناجح، أنت الموفق، أنت المتفوق.

﴿ فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾

 مرة التقيت بأخ كريم، هو طبيب، ووضع كل آماله بابن الوحيد، درسه الطب، بعثه إلى أمريكا ليتخصص، قال لي: هيأت له عيادة بخمسة عشر مليوناً، وضع كل آماله بابنه، ابنه تزوج إنسانة أمريكية وقطع الاتصال بأبيه، والله بكى الأب أمامي، وضع كل أمله بابنه، قال:

﴿ فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ ﴾

الفرق الكبير بين الأسرة المسلمة و الأسرة المتفلتة :

 عندما تربي ابنك تربية إسلامية يعرف قيمتك، عندما تربيه تربية إسلامية لا يعقك، تربيه تربية إسلامية يكون بخدمتك، تربيه تربية إسلامية يكون يدك اليمنى، تربيه تربية إسلامية يكون كظلك، الأب عندما يربي ابنه تربية إسلامية يربيه على الوفاء، على الطاعة، على بر الوالدين، على الإحسان، هذا الابن آخذ من أبيه الشيء الكثير، هذا الابن مستحيل أن يخرج عن دائرة الحق، هذا الابن معوان لأبيه، هذا الابن مرافق لأبيه، لذلك الابن من دون توجيه ديني، من دون تربية إسلامية، يضيع.
 والله أنا لي أخ كريم، له قريب يملك أكثر من ألف مليون، توفي، التقى بابنه بعد أيام من وفاة أبيه، قال له: إلى أين أنت ذاهب؟ قال له كلمة لعلي معذور إذا قلتها لكم، قال له: ذاهب أسكر على روح أبي، خلّف له مالاً لكن لم يخلف له علماً، خلف له مالاً لكن لم يخلف له أدباً، خلف له مالاً لكن لم يجعله مؤمناً، هذه مشكلة المشكلات.
 والله في كل عقوق للوالدين بحياتنا المعاصرة القصة تهد الجبال، وضع كل ثقته بابنه، وابنه قلب له ظهر المجن، أما الأب الصالح فيربي ابنه تربية صالحة، قلّما تجد أباً مؤمناً ابنه بعيد عنه، قلّما تجد أباً مؤمناً ابنه عاق، لأنه رباه على البر، لأن الابن استقى الرحمة، استقى الحنان، استقى العطف، استقى التوجيه، ففرق كبير كبير بين أسرة مسلمة وأسرة متفلتة، الفرق كبير كبير.

الولد الصالح من أكبر نعم الله على الإنسان :

 الحقيقة من أكبر نعم الله على الإنسان الولد الصالح، والدليل قال تعالى:

﴿ لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ ﴾

[ سورة البلد الآية : 1-3]

 البنوة والأبوة من آيات الله الدالة على عظمته، بل هناك آيات أخرى تبين أن المؤمن له ذرية صالحة:

﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ ﴾

[ سورة الطور الآية 21]

تربية الابن تحتاج إلى جهد كبير جداً :

 أنا لا أتصور بيتاً تؤدى فيه الصلوات، بالبيت هناك غض بصر، هناك انضباط مع النساء، تقام في هذا البيت دعوات إلى الله عز وجل، بيت لا يوجد فيه تفلت، لا يوجد فيه غناء يصدح، لا يوجد فيه أجهزة مخلة بالآداب موجودة، بيت منضبط، أنا لا أتصور هذا البيت يخرج أولاداً متفلتين، مستحيل!.
 والله مرة حدثني أخ هو أستاذ ديانة، قال لي: أنا تابعت مسلسلاً والله بهذا المسلسل ثلاث عشرة خيانة زوجية.
 أحياناً الإنسان يستمد ثقافته من أفلام، ماذا يوجد في الفيلم؟ هناك أشياء خلاف الشرع، تفكير بخلاف الشرع، سلوك بخلاف الشرع، كأن الناس يتعلمون من الأفلام لا من القرآن.

﴿ فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَاَ ﴾

 تربية الابن تحتاج إلى جهد كبير جداً، رباه ليكون له فكان لغيره، أكبر مأساة تعانيها الأمهات أنها تربي ابنها تربية على أن يكون في نهاية العمر في خدمتها، فإذا به ينعتق منها ويكون في خدمة زوجته، عندئذٍ يدخل على قلب الأم من الآلام ما لا يوصف، هذا العقوق.

﴿ فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمَْ ﴾

 أنا أرى هذا الذي أمامك، بيته فخم جداً، مركبته فارهة، أثاث بيته فيه أذواق عالية جداً، يحكي بالملايين، لا يصلي، ما عرف الله، لا يوجد انضباط أخلاقي، ولا طاعة لله عز وجل، كل هذه الدنيا لا قيمة لها، لأنها زائلة ماضية، ما الذي يبقى؟ تبقى الطاعة.

﴿ فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾

اللذة و السعادة :

 والله الذي لا إله إلا هو أكثر من إنسان في المقياس الدنيوي هو في القمة، يقول لي بصراحة ما بعدها صراحة: أنا أشقى الناس، مللت من المال، مللت من الطعام والشراب، اسمعوا هذه الكلمة لم يسمح الله للدنيا مهما كانت عظيمة أن تمد الإنسان بسعادة مستمرة، تمده بلذة متناقصة، اللذة شيء، والسعادة شيء، السعادة إحساس مادي، يأتي من طعام طيب، أو من ثياب جيدة، أو من بيت فخم، أو من زوجة جميلة ، اللذة إحساس هذا الإحساس يتناقص، وإن كان الإحساس بمعصية، يلتقي بامرأة بالحرام ينتهي هذا اللقاء بكآبة، ينتهي بتأنيب الضمير، ينتهي بالضياع، أما السعادة فتنبع من الداخل، اللذائذ تأتي من الخارج، اللذائذ طابعها حسي، اللذة تحتاج إلى مال، إلى جمال، إلى طعام، إلى بيت، إلى مركبة فارهة، اللذائذ طابعها حسي، وأسبابها حسية، وكلها خارج ذاتك تأتي من الخارج، أما السعادة الحقيقية فهي نفسية وليست حسية، تنبع من داخلك، أنا لا أبالغ -إن شاء الله- قد تجد شاباً بغرفة قميئة، لا يملك شيئاً من المال، يأكل الكفاف لكنه متصل بالله، هذا أسعد ألف مرة من شاب آخر في سنه غارق في النعيم لكنه بعيد عن الله، عظمة هذا الدين أنك إذا طبقته تكون أسعد الناس، بل إنني أقول: ينبغي أن تقول ليس على وجه الأرض أسعد مني إلا أن يكون أتقى مني.

﴿ فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾

أكبر أنواع الإكرام للإنسان من الله عز وجل أن يهبه أولاداً بررة :

 الابن من دون هدف عبء، وقد يكون عاقاً، صار بلاء، أقسم لي أخ ليس من رواد المسجد، إنسان مؤمن، عنده ابن عاق يتفنن بإزعاجه، قال لي: والله إذا دُهس لأقيمن مولداً احتفالاً بموته، من شدة عقوق هذا الابن، الابن بلاء أحياناً، أما ابن المؤمن أقسم لكم بالله فيمكن أكبر هدية يأخذها المؤمن من الله ابنه أحياناً، أكبر هدية، ابن مطيع، بار، أديب، محسن، في خدمة أبيه، هذا ابن وهذا ابن؟ أنا أقول لك كمؤمن، كأن الله عز وجل قال:

﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ﴾

[ سورة الطور الآية 21]

 أحد أكبر أنواع الإكرام لك أيها المؤمن أن يهبك الله أولاداً بررة.

﴿ فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾

 يتعب، يشقى حتى يقطف ثمار تعبه في خريف العمر ابنه يتخلى عنه، ويؤثر امرأته على أمه وأبيه.

﴿ وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ ﴾

الفرق الكبير بين دنيا المؤمن ودنيا غير المؤمن :

 أخواننا الكرام، دعكم من الموازنة بين مؤمن وبين غير مؤمن من حيث الآخرة، والله في الدنيا الفرق كبير جداً، بيت المؤمن له خصائص، زواج المؤمن له خصائص، إنجاب المؤمن له خصائص، تربية المؤمن لها خصائص، مستقبل علاقة الأبناء بأبيهم للمؤمن لها خصائص، هناك تبدل جذري، أحياناً يكون الفرق بالدرجة، أحياناً بالطبيعة هناك نحاس وهناك ذهب، أما الذهب فهناك أربع وعشرون، وواحد وعشرون، و ثمانية عشر، نقول: الفرق بالدرجة، بالعيار، أما الفرق بين الذهب والتنك فليس بالعيار، الفرق كبير جداً، التنك من أخس المعادن والذهب من أثمن المعادن.

﴿ فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ ﴾

 يمضي حياته في شقاء ما بعده شقاء، فرق كبيرٌ كبير بين دنيا المؤمن ودنيا غير المؤمن، والله دنيا المؤمن جنة، بل الله عز وجل حينما قال:

﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾

[ سورة الرحمن الآية: 46]

من اصطلح مع الله كسب الدنيا و الآخرة :

 لذلك أيها الأخوة، أنت حينما تصطلح مع الله تكسب الدنيا والآخرة، طالب العلم يؤثر الآخرة على الدنيا فيربحهما معاً، بينما الجاهل يؤثر الدنيا على الآخرة فيخسرهما معاً، والشيء الواقع أن الإنسان يعيش بالدنيا إذا ما عرف الله، وما اتجه للدين، يتقدم بالسن، كلما تقدم سنه ضعفت إمكانية الاستمتاع بالحياة، بعد أن ينضج يأتي ملك الموت، إلى أين؟ عندما كان بالدنيا فكر في كل شيء إلا هذه الساعة، لم يعد لها إطلاقاً، هذه أخطر ساعة، الله عز وجل قال:

﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ ﴾

[ سورة الملك الآية: 2]

 بدأ بالموت لأنه كما قال النبي الكريم:

(( فوا الذي نفس محمد بيده ما بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار))

[الجامع الصغير عَنْ حَمْزَةَ بْنِ حُمْرَانَ]

 لا يوجد خيارات، الطفل حينما يولد أمامه آلاف الخيارات، أما عندما تأتي المنية فلا سبيل إلا إلى سبيلين إما إلى جنة يدوم نعيمها أو إلى نار لا ينفذ عذابها، فالبطولة، والذكاء، والعقل أن تعد للآخرة، هذا الذي يتميز به المؤمن، فإذا أعددت للآخرة عندك طمأنينة لو جاء الموت لك عند الله شيء:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ ﴾

[ سورة فصلت الآية: 30]

 أنت حينما تؤمن لك الدنيا والآخرة، لك في الدنيا جنة، وفي الآخرة جنة، وحينما يبتعد الإنسان عن الله عز وجل ضحى بدنياه وآخرته معاً.

 

الدنيا دار تكليف لا دار تشريف :

 لذلك أيها الأخوة، أهل الدنيا إذا ارتقوا بالدنيا، واستمتعوا بها، وجمعوا المال الوفير وأنفقوه على ملذاتهم، وعلى شهواتهم، هذه أوقات محدودة وتنتهي، البطولة في النهاية، الله عز وجل قال:

﴿ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾

[ سورة الأعراف الآية: 128]

 لذلك هذه الدنيا يجب أن تكون ممراً وليست مقراً لأنها دار تكليف لا دار تشريف، لأنها منزل عمل لا منزل جزاء، العمل هنا هو الجزاء في الآخرة.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018