شرح الحديث الشريف - الدرس : 7 - إحفظ الله يحفظك ...... - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

شرح الحديث الشريف - الدرس : 7 - إحفظ الله يحفظك ......


1998-01-21

 الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

الله عز وجل علمه قديم و خبرته قديمة :

 أيها الأخوة الكرام؛ مع بداية الدرس الثامن من دروس الحديث النبوي الشريف في رمضان، والحديث اليوم:

((عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فَقَالَ: يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ، احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الْأَقْلَامُ، وَجَفَّتِ الصُّحُفُ))

[ الترمذي عن ابن عباس]

 عبد الله بن عباس الذي دعا له النبي فقال: "اللهم علمه التأويل" هو من أعلم الصحابة، من للتبعيض، الغلام من حين الفطام إلى التاسعة من عمره، الكلمة هنا تعني المبدأ، القاعدة الثابتة، السنة الإلهية، قال تعالى:

﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾

[سورة الأنعام :115]

﴿ وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ ﴾

[سورة الأنعام :34]

 أي هذا القرآن لا يخلو عن أن يكون أمراً أو خبراً، فالخبر صادق والأمر عدل، لا مبدل لكلمات الله، القواعد سنن والمبادئ ثابتة لا تتبدل، ولا تتغير، ولا تعدل، ولا تطوى، ولا تلغى أبداً، لأن الإنسان خبرته كسبية، خبرته حادثة، يقنن ثم يعدل، يشرع ثم يلغي، يشرع تشريعاً ثم يبدو له أن هذا التشريع فيه خلل كبير فيعدله ثم يعدله، ثم يلغيه ويأتي بتشريع آخر يكتشف الخلل من زاوية ثانية، يعدل ثم يعدل ثم يلغي، أما هذا فلا يليق بذات الله عز وجل لأن علمه قديم، وخبرته قديمة.
 لأوضح ذلك بمثل؛ انظر إلى سيارة مصنوعة عام ألف وتسعمئة واثني عشر، شيء مضحك تبديل حركة لا يوجد، والعجلات مصبوبة صباً، والإنارة فوانيس زيت، وأول قطار اخترعته الدولة البريطانية كلفت موظفاً يمشي أمامه يحذر الناس منه، معنى هذا أن سرعة القطار تساوي سرعة الإنسان وهو يمشي، هذا أول قطار يتمكن الإنسان أن يمشي أمامه، وينبه الناس خذ اليمين، ابتعد، أنت لاحظ المخترعات كيف تطورت، لا حظ مركبة مصنوعة عام ألف وتسعمائة واثني عشر ومركبة حديثة جداً سنة ثمان وتسعين، ترى بوناً شاسعاً، ما معنى ذلك؟ أن خبرة الإنسان تتنامى، وأن علمه ليس قديماً بل حادثاً، وكلما كشف خللاً يعدله، لا حظ خلق الإنسان هل طرأ عليه تعديل؟ منذ أن خلق الإنسان إلى الآن كمال مطلق، قال تعالى:

﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾

[سورة التين :4]

 معنى ذلك أن الله سبحانه وتعالى علمه قديم، وخبرته قديمة، لا يمكن أن يبدو له شيء لم يكن من قبل، فَقَالَ: يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ.

من وضع يده على قوانين الله يكتشف أسرارها العظيمة :

 يجب أن نعتقد أن المبادئ التي جاء بها القرآن زوال الكون أهون على الله من ألا تقع، مثلاً أنا كنت في رمضان الماضي أركز على القوانين في القرآن الكريم، من هذه القوانين قال تعالى:

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

[سورة النحل :97]

 المؤمن له عند الله حياة طيبة في أي مكان، وأي زمان، وفي أي معطيات، وأي ظرف، وفي أي معطيات، وفي أي بيئة، وفي أي بلد، وعد ثابت إلى أبد الآبدين، ويوجد قانون ثان، قال تعالى:

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾

[سورة طه :124]

 أحد أخواننا الكرام التقى برجل حجمه المالي بألوف الملايين، هذا شيء نادر، قال: والله شكا وشكا، وعبر عن ضيقه، وتبرمه، وسوداوية رؤيته، وعن تشاؤمه، وعن ضجره ما جعلني أجلس ولا أقف، مثلاً من القوانين قال تعالى:

﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ ﴾

[سورة السجدة :18]

 إذا استويا فهذا يتناقض مع عدل الله، ومع وجوده، قال تعالى:

﴿ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ ﴾

[سورة القلم :35]

﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴾

[سورة القصص:61]

 مستحيل آيات كثيرة جداً:

﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾

[سورة الجاثية :21]

 أنت إذا وفقت في وضع يدك على القوانين الثابتة فهذا جيد، مرة زارني شخص وقال لي: كم تقدر عمري؟ والله أنا ما حاولت أن أقلل ولا أن أكثر، قلت له: ستون، فقال: ست وسبعون، قال لي: أنا مثل الحصان عندي نشاط منقطع النظير، ولا أشكو شيئاً، يعمل في سلك ابتزاز أموال الناس، قال لي: ما أكلت قرشاً حراماً بحياتي، ولا تسببت بأذى لإنسان، القصة من اثني عشر عاماً، عمره الآن ثمانية وثمانون عاماً، وقال إنه عاصر خمسين إنساناً قصفوا وماتوا فقراء لأنهم مدوا يدهم إلى الحرام، قوانين الله ثابتة لا تتغير، إذا الإنسان وضع يده على القوانين كشف سراً عظيماً، هذا قانون المستقيم محفوظ، فمن هذه القوانين الكبرى:

((.. يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ احْفَظِ اللَّهَ ..))

[ الترمذي عن ابن عباس]

 أي احفظ أمره في اختيار زوجتك يحفظك من الشقاء الزوجي، احفظ أمره في كسب مالك يحفظك من تدمير المال، احفظ أمره في علاقتك مع الآخرين يحفظ سمعتك من الدنس، احفظ أمره في أكلك وشربك يحفظك في صحتك، هناك قوانين دقيقة جداً، هذا الحديث من الأحاديث الجامعة المانعة:

((.. يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ ..))

[ الترمذي عن ابن عباس]

 أي قف عند الأمر وقف عند النهي، أنا أقول لكم: السعيد الذي كشف القوانين، لاحظ باباً كبيراً متيناً أردت أن تفتحه من دون مفتاح، تبذل جهوداً جبارة وقد لا تفلح، يأتي رجل معه مفتاح بحركة بسيطة بأقل من ثانية يفتحه، فأنت حينما تضع يدك على القوانين لا يمكن أن يعامل الله المسيء كالمحسن، والمستقيم كالمنحرف، والصادق كالكاذب، والمخلص كالخائن، أقول لكم كلاماً خطيراً إذا استويا فاستواء هذين يتناقض مع وجود الله، الله عدل، مستحيل أن يستووا في حياتهم ومماتهم، إنسانان أحدهما منحرف والآخر مستقيم.

من استقام على أمر الله نال السعادة و الطمأنينة و الحفظ :

((.. يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ ..))

[ الترمذي عن ابن عباس]

 خف من الله فيما بينك وبينه لن يخيفك من أحد، أتقن عملك إرضاء لله لن يدنس سمعتك، كل واحد منا يتمنى السلامة والسعادة، أنا أقول لكم: ليس على وجه الأرض كلها واحد لا يتمنى أن يسلم وأن يسعد، فالإنسان إذا انطلق من حبه لذاته، ومن حبه لوجوده، ومن حبه لسلامة وجوده، ومن حبه لكمال وجوده، ومن حبه لاستمرار وجوده، يستقيم على أمر الله.

((.. يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ ..))

[ الترمذي عن ابن عباس]

 احفظ كلام الله يحفظك من الخرف، من تعلم القرآن متعه الله بعقله حتى يموت، احفظ بصرك يحفظك من الخيانة الزوجية والشقاء الزوجي، احفظ لسانك يحفظ سمعتك من الدنس، هذا يسمونه إيجازاً غنياً في البلاغة، هذا يذكرنا بقوله تعالى:

﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ﴾

[سورة الطلاق :2]

 من يتق الله في كسب ماله يجعل الله له مخرجاً من إتلاف المال، من يتق الله في زواجه يجعل الله له مخرجاً من تطليق زوجته، من يتق الله في تربية أولاده يجعل الله له مخرجاً من عقوقهم، يكتب على هذه الآية مجلدات ويكتب على هذا الحديث مجلدات.

((.. يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ ..))

[ الترمذي عن ابن عباس]

 والله كم من إنسان رأيته فوق التسعين، زرت رجلاً فقال لي: عمري ستة وتسعون عاماً، أجريت تحاليل فكانت النتيجة مئة بالمئة، كله كامل، ستة وتسعون والتحليل كله كامل لا يوجد خلل إطلاقاً، لا شحوم، ولا أسيد أوريك، ولا سكر مرتفع، وقال لي: ما أكلت ليرة حراماً.

((.. يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ ..))

[ الترمذي عن ابن عباس]

 والنتائج ملموسة أيها الأخوان، الله عز وجل يعاونك عندما تتوب إليه، يريك معاملة جديدة لم تكن تعهدها من قبل، ممكن تكفيك المبادئ، ولكن الله له معاونة أبلغ من المبادئ، أنت تستقيم ترى الأمور كلها تيسرت، والأمور كلها تغيرت، وترى أن أعداءك الألداء لانوا، وفي البيت سعدت، وأولادك لانوا، ما الذي حدث؟ اصطلحت مع الله، وحينما اصطلحت معه أصلح لك كل شيء، وطمأنك، وجعلك سعيداً:

((.. يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ ..))

[ الترمذي عن ابن عباس]

 يوجد على الإنسان أخطار كثيرة جداً إذا ركب مركبته هناك خطر، وإذا دخل محله يوجد خطر، ممكن أن يكون هناك مخالفة غير مقصودة يعاقب عليها، وإذا دخل إلى بيته يوجد خطر، وإذا صعد المصعد يوجد خطر، إذا صار مشكلة في المصعد فأنت تحت ألف خطر، وأنت إذا حفظت الله فالله يحفظك، قال تعالى:

﴿ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ ﴾

[سورة الطور : 48]

 شيء كبير، أي أنت بعين الرعاية، وعين الحفظ، وعين التأييد، وعين النصر، من يتاح له أن يكسب حفظ الله ودفاع الله عنه والثمن طاعته؟ نتائج كبيرة جداً بثمن قليل جداً، إن أكرمكم عند الله أتقاكم.

من حفظ الله وجده تجاهه :

((.. احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ ..))

[ الترمذي عن ابن عباس]

 إذا اعتمدت على إنسان أنت في أمس الحاجة له، يقولون لك: والله مسافر، هاتفه معطل، وأنت تريده في هذه الوقت، وأحياناً تلتقي معه تجده غيّر موقفه، والله ليست في يدي، انسحب بانتظام، لكن إذا حفظت الله تجده تجاهك، والله عز وجل دائماً معك.

من يسأل الله فهو موقن بوجوده و بأنه سميع عليم :

((.. احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ ...))

[ الترمذي عن ابن عباس]

 قال أحد الخلفاء لعالم جليل في الحرم المكي: سلني حاجتك؟ فقال له: أستحي أن أسأل غير الله في بيت الله، ليس من المعقول خليفة وعالم جليل اسألني ماذا تريد؟ الآن أحياناً في عصر التأخر ينسون مصالح المسلمين العامة، ويسألون مصالحهم الشخصية، والعلماء الصادقون لا يمكن أن يسألوا عن قضية شخصية بل يسألوا عما يتعلق بمصالح المسلمين العامة.
 سلني حاجتك؟ فقال له: أستحي أن أسأل غير الله في بيت الله، فلما لقيه خارج الحرم قال له: سلني حاجتك؟ قال له: والله ما سألتها من يملكها أفأسألها من لا يملكها؟ فلما ألح عليه قال: أنقذني من النار وأدخلني الجنة، قال له: هذه ليست لي، قال: إذاً ليس لي عندك حاجة.
 هذه العزة والكرامة، يرون أن جمال السفاح اسم على مسمى، قتل إنسان أهون عنده من قتل ذبابة، هناك عالم جليل ما زاره أراد أن يمتحنه فأرسل له مبلغاً من الذهب كبيراً، فلم يرض أن يأخذهم، وقال له: أنا أمد رجلي ولا أمد يدي، فهذا العلم من صانه صانه الله، ومن أعزه أعزه الله، ومن حفظه حفظه الله:

((.. إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ ..))

[ الترمذي عن ابن عباس]

 الخلق كلهم ضعاف، ملك الملوك إذا وهب قم فاسألن عن السبب، الله عادل، الله يعطي من يشاء فقم على حد الأدب لا تسأل غير الله.

لا تسألــــــن بني آدم حاجة  وســـــــل الذي أبوابه لا تغلق
الله يغضب إن تركت سؤاله  وبني آدم حين يسأل يغضب
* * *

 إن أردت أن يحبك الله والناس معاً فازهد بما في أيدي الناس يحبك الناس، وارغب بما عند الله يحبك الله، وأي إنسان يشعر أنك طمعت فيه يبعد عنك، والله بالعكس إذا علم منك رغبة فيما عنده أحبك، لذلك إن الله يحب الملحين بالدعاء، من لا يدعني أغضب عليه، فليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى شسع نعله إذا انقطع، حتى ملح طعامه، اسأله.

((عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِذَا كَانَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الْبَاقِي يَهْبِطُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا ثُمَّ تُفْتَحُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ ثُمَّ يَبْسُطُ يَدَهُ فَيَقُولُ هَلْ مِنْ سَائِلٍ يُعْطَى سُؤْلَهُ فَلَا يَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ ))

[ الترمذي عن ابن مسعود]

((..إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ ..))

[ الترمذي عن ابن عباس]

 بالمناسبة هل تسأل إنساناً غير موجود في الحياة اليومية؟ مستحيل، يمكن أن تسأل إنساناً لا يقدر على حلّ مشكلتك، يمكن أن تذهب إلى دائرة وتقف عند حاجب وتبذل ماء وجهك ليوقع لك المعاملة، ويقول لك: هذه ليست في يدي، يمكن أن تسأل إنساناً لا يحبك، لكن أنت حينما تسأل الله عز وجل معنى ذلك أنك موقن بوجوده، وبأنه سميع عليم، وأنه على كل شيء قدير، وبأنه أرحم الراحمين، لذلك قال تعالى:

﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً﴾

[سورة الفرقان :77]

 أي دعاؤكم عبادة، أنت حينما تدعو الله فأنت موقن بوجوده، وموقن بعلمه، وسمعه، وموقن بقدرته ورحمته.

الله بيده كل شيء و هو على كل شيء قدير :

((..إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ))

[ الترمذي عن ابن عباس]

 أهل الأرض قاطبةً بكل قوى أهل الأرض المادية والعلمية لو أرادوا أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، أحياناً الإنسان له مكانة كبيرة، وله أموال طائلة، أنا مرة كنت عند طبيب قلبية، جاءه هاتف من شخص لا أعرفه، إلا أنه قال له: أي مكان بالعلم وأي مبلغ نحن مستعدون، قال له: لا يوجد أمل، المرض من الدرجة الخامسة، لا يوجد أمل إطلاقاً، قال تعالى:

﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ ﴾

[سورة الرعد:11]

 فأنت اسأل الذي أبوابه لا تغلق، اسأل القوي والذي هو على كل شيء قدير، يوجد دقائق بجسمك بيد من هذا الشريان التاجي الذي أهلك الناس إذا ضاق قليلاً يخلق مشكلة كبيرة تبدأ بالقسطرة وتنتهي بالعملية، وهذا الشريان بيد الله عز وجل، و الدسام بيد من؟ فشل كلوي انتهى، ودخل بمتاهات زرع كلية، وممنوع زرع كلية، و السفر خارج البلد، ويحتاج إلى مليون ليرة أو أكثر فيبيع بيته إذا وقفت، وليس هناك سبب لتتوقف، إذا نقي العظام لم يصنع دماً يصاب الإنسان بفقر الدم فينتهي، يا ليته ينتهي فجأةً يعاني سنتين وأربع من طبيب إلى طبيب، ومن مستشفى إلى مستشفى، ومن سفر إلى إقامة، يبيع بيته ويقف على أبواب الجمعيات، شيء صعب جداً، احفظ الله يحفظك.
 أخواننا الكرام؛ كل عضو من أعضائك إذا أطعت الله أغلب الظن أن الله لن يفجعك به، هذه العين ما دامت تغض عن محارم الله أغلب الظن أن الله لن يفجعك بها، هذه الأذن إذا استمعت إلى الحق لن يفجعك الله بها، هذا اللسان إذا نطق بالحق لن يفجعك الله به، وهذه اليد إذا كانت في فعل الخير لن يفجعك الله بها.
 هكذا الدعاء: ومتعنا اللهم بأسماعنا وأبصارنا ما أحييتنا واجعله الوارث منا.
 حديث دقيق أنا أشعر أن بعض الدعاة يحب أن يأتي بأحاديث غريبة، هذه الأحاديث الصحيحة تسير على صخر عمقها أنت، هذه أحاديث أساسية في الدين.

((..إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ ..))

[ الترمذي عن ابن عباس]

مبادئ الله عز وجل ثابتة لا تتغير :

 الآن توجد كلمتان في الحديث يفهمهما بعض الناس فهماً جبرياً:

((..رُفِعَتِ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ))

[ الترمذي عن ابن عباس]

 أن كل شيء مقدر بالأزل، لا تتعب نفسك، كل شيء منته، نحن نفتتح مدرسة، ونعمل قبولاً للطلاب، ونضع مسابقة، ونفحص الطلاب ونقبلهم، يخرج المدير ويقول: فلان وفلان ناجحون آخر العام، وفلان و فلان راسبون، والآن اذهبوا وادرسوا، هذا الكلام ليس له معنى، إذا كل شيء منته لا قيمة لهذا المعنى إطلاقاً، أي إذا الإنسان آمن بالجبر، الدين ليس له معنى، والتكليف ليس له معنى، حمل الأمانة ليس له معنى، والثواب والعقاب ليس له معنى، والجنة ليس لها معنى، والنار ليس لها معنى، والأنبياء ليس لهم معنى، ما معنى أن يأتي الأنبياء بمنهج وكل شيء منته سابقاً؟ هذا المعنى ما أراده النبي عليه الصلاة والسلام، لكن هذه المبادئ لم تتغير.

((..رُفِعَتِ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ))

[ الترمذي عن ابن عباس]

 أي احفظ الله يحفظك، لا يمكن يوم القيامة إنسان يفرط ولا يعاقب، لا يمكن إنسان يستقيم ولا يكافأ.

((..رُفِعَتِ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ))

[ الترمذي عن ابن عباس]

 عن أن تتبدل هذه المبادئ وهي ثابتة، يقول الله عز وجل:

﴿ ُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ ﴾

[سورة إبراهيم :27]

 هذه مبادئ ثابتة لن تعدل، ولن تلغى، ولن تخفف فاعليتها، ولن يضاف عليها، ولن ينقص منها.

((..رُفِعَتِ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ))

[ الترمذي عن ابن عباس]

 انتهى الأمر وهناك رواية لغير الترمذي:

(( عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْفُرَافِصَةِ قَالَ أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ وَأَنَا قَدْ رَأْيَتُهُ فِي طَرِيقٍ فَسَلَّمَ عَلَيَّ وَأَنَا صَبِيٌّ، رَفَعَهُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَوْ أَسْنَدَهُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: وَحَدَّثَنِي هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى أَبُو عَبْدِ اللَّهِ صَاحِبُ الْبَصْرِيِّ أَسْنَدَهُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعَةَ وَنَافِعُ بْنُ يَزِيدَ الْمِصْرِيَّانِ عَنْ قَيْسِ بْنِ الْحَجَّاجِ عَنْ حَنَشٍ الصَّنْعَانِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَا أَحْفَظُ حَدِيثَ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ، أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ رَدِيفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا غُلَامُ أَوْ يَا غُلَيِّمُ أَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهِنَّ؟ فَقُلْتُ: بَلَى، فَقَالَ: احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ أَمَامَكَ، تَعَرَّفْ إِلَيْهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ، وَإِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، قَدْ جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ، فَلَوْ أَنَّ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ جَمِيعًا أَرَادُوا أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَكْتُبْهُ اللَّهُ عَلَيْكَ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، وَإِنْ أَرَادُوا أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَكْتُبْهُ اللَّهُ عَلَيْكَ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ فِي الصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُ خَيْرًا كَثِيرًا، وَأَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْر،ِ وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا))

[ أحمد عن ابن عباس]

خيار الإنسان مع الإيمان خيار وقت فقط :

 يوجد رخاء و يوجد شدة، إنسان صحيح معافى، أولاده وزوجته جيدون، وهو في رخاء ليس عنده ضغط مصيبة، يستقيم من دون ضغط مصيبة، يغض بصره، أما كل إنسان بعد أن تأتي المصيبة يأتي يصيح ويستريح، أنا أذكر شخصاً كان يدخن، جاء ابن أخته وزاره يحمل شهادة عليا ويدخن، قال له: حساب هذه السيجارة سيكون عسيراً، لكنه لم يخرج من المستشفى، متى عرف؟ بعد فوات الأوان، بعد أن استشرى السرطان ومات في العملية، عرف الحقيقة بعد فوات الأوان، هذه ليست بطولة، البطولة أن تعرفها قبل فوات الأوان، و خيارك مع الإيمان خيار وقت، وليس خيار قبول أو رفض، أكبر كفار الأرض عند الغرق قال: آمنت، الآن وقد عصيت من قبل، فكل الكفار من أذكر لك الذي اخترع الإلحاد هذا سوف يؤمن كما آمن أصحاب الرسول الكريم ولكن بعد فوات الأوان.
 الذي أخذ في الامتحان صفراً يأتي إلى البيت ويفتح الكتاب يفهم السؤال فيقول: عرفت السؤال، انتهى الأمر.
 قضية وقت فقط، إما أن نستفيد الآن وإلا عند الموت، انتهى كل شيء، رفعت الأقلام وجفت الصحف عن أن تبدل هذه القوانين، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك.

(( .. وَاعْلَمْ أَنَّ فِي الصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُ خَيْرًا كَثِيرًا وَأَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ))

[ أحمد عن ابن عباس]

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018