شرح الحديث الشريف - الدرس : 4 - أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار .... - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

شرح الحديث الشريف - الدرس : 4 - أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار ....


1998-01-09

 الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

أسعد المخلوقات من عرف الله و أطاعه :

 أيها الأخوة الكرام؛ مع بداية الدرس الرابع من دروس الحديث الشريف في رمضان.

((عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ فَأَصْبَحْتُ يَوْمًا قَرِيبًا مِنْهُ وَنَحْنُ نَسِيرُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ وَيُبَاعِدُنِي عَنِ النَّارِ قَالَ: لَقَدْ سَأَلْتَنِي عَنْ عَظِيمٍ وَإِنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، تَعْبُدُ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ، وَتَحُجُّ الْبَيْتَ، ثُمَّ قَالَ: أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى أَبْوَابِ الْخَيْرِ؟ الصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ، وَصَلَاةُ الرَّجُلِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ قَالَ: ثُمَّ تَلَا ( تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ ) حَتَّى بَلَغَ ( يَعْمَلُونَ ) ثُمَّ قَالَ: أَلَا أُخْبِرُكَ بِرَأْسِ الْأَمْرِ كُلِّهِ وَعَمُودِهِ وَذِرْوَةِ سَنَامِهِ قُلْتُ بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ رَأْسُ الْأَمْرِ الْإِسْلَامُ وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ ثُمَّ قَالَ أَلَا أُخْبِرُكَ بِمَلَاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ قُلْتُ: بَلَى يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ قَالَ: كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ فَقَالَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ))

[الترمذي وصححه وابن ماجه والحاكم عن معاذ ]

 قبل أن نتابع يوجد في الحياة حقيقة كبرى وحيدة هي الله؛ كل شيء يقربك من الله يقربك من السعادة، وكل شيء يبعدك عنه يبعدك عن السعادة؛ إن عرفته وأطعته فأنت أسعد المخلوقات، وإن غفلت عنه وعصيته فأنت أشقى المخلوقات، هذه الحقيقة الذات الإلهية الكاملة كل سعادتك بالقرب منها، وكل الشقاء بالبعد عنها.

العلم في الإسلام وسيلة وليس غاية :

 يوجد نقطة دقيقة جداً وهي أن العلم بالإسلام وسيلة وليس غاية بمعنى؛ الشمس مثلاً لو أن إنساناً معه مرض في جلده، وعلاجه أن يتعرض لأشعة الشمس، لو أنه قابع في غرفة مظلمة وقال: الشمس ساطعة، والشمس عظيمة، والشمس تشفي، هذا الكلام لا يقدم ولا يؤخر مع أنه صحيح، قال حقاً، ولكن إن لم تخرج من غرفتك المظلمة وتتعرض لأشعة الشمس لا معنى لهذا الكلام كله إطلاقاً.
 إذاً العلم في الإسلام وسيلة وليس غاية؛ تعلموا ما شئتم فو الله لن تؤجروا حتى تعملوا بما علمتم؛ كل علم وبال على صاحبه ما لم يعمل به، نحن ليس عندنا في الإسلام العلم للعلم؛ العلم للعمل؛ العلم إن لم تعمل به لا جدوى منه، فالعبرة الحركة، ولو أنك أقررت بوجود الله، وأقررت بوحدانيته، وأقررت بعظمته، وأقررت بكماله، وأقررت بكل صفاته الفضلى، وأسمائه الحسنى، ولم تقترب منه، ولم تأتمر بأمره، ولم تنته عما عنه نهى، فكل هذا العلم لا قيمة له، بل هو عبء عليك، وحجة عليك يوم القيامة.
 أخبرني بعمل يدخلني الجنة و يباعدني عن النار؟ قال: لقد سألت عن عظيم، وهذا أعظم ما في حياة المؤمن؛ إنسان ذهب إلى بلد غربي لينال الدكتوراه، ويعود لينال أعلى منصب في بلده، وليسكن في أجمل بيت، وليقترن بأجمل امرأة، وهو في هذا البلد هناك آلاف النشاطات؛ ما هو النشاط الأول؟ الدراسة، لأن الدراسة تحقق هدفه الكبير، هناك مسارح، ومكتبات، ومقاصف، ولقاءات، وسياحة، كل هذه النشاطات تتناقض مع هدفه، أما النشاط الأول الذي يحقق هدفه فهو الدراسة، فالآن نحن مخلوقون، خلقنا لمعرفة الله ولطاعته؛ فأعلى نشاط تعمله هو معرفة الله، مجيء الإنسان إلى بيت من بيوت الله، وطلبه للعلم، هذا يحقق وجوده، بل يحقق غاية وجوده.

من يبحث عن الحقيقة بصدق يصل إليها :

 أخبرني بعمل يدخلني الجنة و يباعدني عن النار؟ قال: لقد سألت عن عظيم وإنه ليسير؛ سألت عن عظيم وإنه ليسير ما معنى ذلك؟ الإنسان إذا صدق في طلب الحقيقة تصبح الحقيقة ميسرة له إلى أبعد الحدود، وإن لم يصدق في طلب الحقيقة تصبح الحقيقة أبعد له من نجوم السماء.
 يوجد مثل يوضح هذه الحقيقة؛ مرض الإيدز أخطر مرض، وأهون مرض في الوقاية منه؛ هو أخطر مرض إذا أصيب به الإنسان انتهى، والعالم كله مكتوف اليدين بمؤسساته ومستشفياته وعلمائه وبمراكز البحوث؛ كل الذي يفعله الإنسان ضد هذا المرض لا يجدي، والوقاية منه سهلة جداً جداً وهي أن تستقيم على أمر الله؛ هو عظيم والوقاية منه سهلة جداً.
 الآن قد سألت عن عظيم لكن إذا أردت أن تصل إلى الله بصدق الله عز وجل ييسر، قال تعالى:

﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴾

[سورة العنكبوت :69]

 قال: قد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله؛ قال تعالى:

﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾

[سورة الليل :12]

 وعلى إذا اقترنت بذات الله عز وجل فهي الإلزام الذاتي؛ الله ألزم نفسه بهداية العباد، وعلى الله قصد السبيل؛ قال تعالى:

﴿ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ﴾

[سورة الأنفال :23]

 لمجرد أن تبحث عن الحقيقة بصدق تصل إليها، ولمجرد أن تطلب رضا الله عز وجل فالله سبحانه وتعالى يعينك؛ يمدك بقوة منه.

الإسلام منهج كامل :

 قال: قد سألت عن عظيم وإنه ليسير على من يسره الله تعالى عليه، تعبد الله أي تطيعه؛ أكثر الناس يتوهمون أن الإسلام سهل؛ صوم، وصلاة، وحج، وزكاة، الإسلام منهج كامل، الإسلام منهج كامل فيه عشرة آلاف بند، وفي كل دقائق حياتك هناك حكم شرعي؛ في بيتك، وفي علاقتك مع نفسك، وعلاقتك مع جسمك، ومع زوجتك، ومع أولادك، ومع جيرانك، ومع والديك، وبعملك، والطريق، والمسجد، والأفراح، و الأتراح؛ منهج كامل.
 أنت إذا كنت مسافراً لا تستطيع أن تفاجئ الأهل بالدخول إلى البيت خلاف السنة، يجب أن تعلمهم قبل مجيئك متى ستأتي، هذا من السنة؛ منهج تفصيلي والمسلمون حينما اختصروا الإسلام إلى صوم وصلاة وحج وزكاة ليس غير أصبحوا في مؤخرة الأمم؛ أما حينما رأوا الإسلام منظومة قيم فكانوا في المقدمة.

((... فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ وَيُبَاعِدُنِي عَنِ النَّارِ؟ قَالَ: لَقَدْ سَأَلْتَنِي عَنْ عَظِيمٍ وَإِنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، تَعْبُدُ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ، وَتَحُجُّ الْبَيْتَ، ثُمَّ قَالَ: أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى أَبْوَابِ الْخَيْرِ؟ الصَّوْمُ جُنَّةٌ..))

[الترمذي وصححه وابن ماجه والحاكم عن معاذ ]

 جنة، و المجن هو الترس، والجنة الوقاية، أي الصوم وقاية لك من النار؛ بالمعنى الواسع والمعنى الضيق؛ المعنى الواسع أن تكف عما حرم الله؛ الوقاية أن تكف عما حرم الله؛ والمعنى الضيق أن تصوم رمضان إيماناً واحتساباً كما أراد الله عز وجل، وكما سنّ لك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ.

الصدقة وسيلة فعالة من كل مشكلة مع الله :

 أخواننا الكرام؛ هناك من لا يسترضى، الحاقدون والأقوياء لا يسترضون، لكن الله جلّ في علاه خالقنا يسترضى، إذا زلت قدمك، أخطأت، قصرت، غلبتك شهوتك، الله عز وجل يسترضى قال: صدقة السر تطفئ غضب الرب؛ باكروا بالصدقة فإن البلاء لا يتخطاها، والصدقة تقع في يد الله قبل أن تقع في يد الفقير.
 والله الذي لا إله إلا هو ما من مشكلة وما من محنة وما من شبح مصيبة لاح في الأفق واسترضيت الله عز وجل بصدقة خالصة بينك وبينه إلا صرفها عنك؛ نقطة دقيقة جداً الله يسترضى بالصدقة، يوجد خطأ أو تقصير والقدم زلت إذاً وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ.
 وسيلة فعالة، وسيلة فيها خلاص من كل مشكلة مع الله، وَصَلَاةُ الرَّجُلِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ أيضاً هذه من المكفرات ؛ ثُمَّ تَلَا:" تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ" حَتَّى بَلَغَ " يَعْمَلُونَ ".

الإسلام رأس كل شيء و عموده :

 ثُمَّ قَالَ: " أَلَا أُخْبِرُكَ بِرَأْسِ الْأَمْرِ كُلِّهِ وَعَمُودِهِ وَذِرْوَةِ سَنَامِهِ ".
 أرأيت إلى هذا الحوار؟ الحوار طريقة تربوية ناجحة جداً، والحوار يعطي حيوية للقاء؛ ابتعد عن الإملاء، وعن إلقاء المحاضرات، اجعل هذا الذي أمامك زميلاً؛ اجعله صديقاً، اسأله وأجبه واستفهم وانتظر جواباً منه.
 قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: رَأْسُ الْأَمْرِ الْإِسْلَامُ، أي حركة بعيدة عن الدين خطأ، أي نشاط بعيد عن منهج الله ضلال، أي سعي إلى غير مرضاة الله إخفاق، رأس الأمر الإسلام، يجب أن تبقى في دائرة الإسلام؛ اطلب العلم، واعمل عملاً صالحاً، وتقرب إلى الله بعبادة، اجعل من الإسلام محور حياتك، مثلاً: بالعمل التجاري يمكن أن تشتري محلاً؛ ممكن أن تزين المحل، ويمكن أن تشتري مستودعاً، ويمكن أن تهيئ مكتباً، ويمكن أن تهيئ وسائل اتصال، أما هذه التجارة كلها رأس أمرها الربح، فإن لم تربح فلا معنى لكل هذا النشاط، التجارة أساسها الربح، فإن لم تربح فلا جدوى من كل تجارتك، وأنت مخلوق في الأرض لمعرفة الله، والقرب منه، وللتنعم بقربه، فإن لم يكن هذا فلا جدوى من كل عملك.

الصلاة عماد الدين :

 رَأْسُ الْأَمْرِ الْإِسْلَامُ، وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ، وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ، لا خير في دين لا صلاة فيه؛ سنلغي طيران الطائرة انتهت الطائرة، هذه ليست طائرة هذا مطعم؛ سنلغي فقط الطيران؛ سوف نلغي سير السيارة انتهت؛ إذا ألغيت الصلاة من الدين انتهى الدين، بقي الدين فولكلوراً، تراثاً، عادات، تقاليد، ثقافة، لذلك ترى شيئاً مضحكاً؛ مطعم يقدم أحر تهانيه للمسلمين في هذا الشهر الكريم ويعلن لزبائنه عن سهرات رمضانية- الشدة والطاولة والغناء والطرب- هذا هو الإسلام؟ رمضان من التراث؟ إن لم تكن مستقيماً على أمر الله فهذا الدين أصبح تراثاً لا يقدم ولا يؤخر إطلاقاً، وعموده الصلاة، ولا خير في دين لا صلاة فيه؛ الصلاة عماد الدين من أقامها فقد أقام الدين، ومن تركها فقد هدم الدين؛ بين الرجل والكفر ترك الصلاة.

جهاد النفس و الهوى أعلى أنواع الجهاد :

 وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ.
 أخواننا الكرام؛ يوجد خطأ شائع كلما ذكرت كلمة الجهاد يتبادر للذهن الجهاد القتالي، مع أنه يوجد قبل القتال الجهادي أنواع منوعة من الجهاد هي أهم من الجهاد القتالي؛ الإنسان إذا كان في عام دراسي في الامتحان ثلاث ساعات؛ هل يكفي أن تستعد للامتحان بارتداء ثيابك؟ هل يكفي أن تستعد للامتحان بارتداء ثيابك واقتناء أقلام كثيرة؟ هل يكفي أن تستعد للامتحان بتهيئة أوراق بيضاء جيدة؟ هذا كله لا يقدم ولا يؤخر، الاستعداد للامتحان أن تدرس؛ وعندنا جهاد النفس والهوى في الحديث الصحيح جعله الله أعلى أنواع الجهاد، لأن المهزوم أمام نفسه لا يستطيع أن يقاتل نملة؛ والمهزوم أمام نفسه ضعيف، وصغير، ودنيء، لذلك جهاد النفس والهوى أعلى أنواع الجهاد، يلي هذا الجهاد؛ الجهاد الدعوي قال تعالى:

﴿ فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً ﴾

[سورة الفرقان:52]

 الله عز وجل سماه كبيراً، والجهاد الكبير جهاد النفس والهوى، والجهاد الكبير تعلم القرآن وتعليمه، وهذا متاح لنا جميعاً، والحمد لله؛ ولا يقف في حال، ولا في عصر، ولا في مصر، ولا في إقليم، ولا يتوقف ثانية واحدة الجهاد الدعوي

اللسان أحد أكبر أسباب دخول النار :

 ثُمَّ قَالَ: أَلَا أُخْبِرُكَ بِمَلَاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ؟ قُلْتُ: بَلَى يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ قَالَ: كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، هذا كلام الناس؛ مسلمون صائمون مصلون ينهشون بأعراض بعضهم، ويقولون كله كلام بكلام، يجب أن تعلم أن كلامك من عملك، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم سبعين خريفاً.
 السيدة عائشة رضي الله عنها قالت كلمة قالت: إنها قصيرة، قال:

(( يا عائِشَة لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ البَحْرِ لَمَزَجَتْه ))

[ رواه أبو داود والترمذي عن عائشة رضي اللّه عنها ]

 يا عائشة لقد قلت كلمة لو مزجت بمياه البحر لأفسدته.
 فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ هل هناك أبلغ من ذلك؟ إذا ذكر اسم امرأة وقال أحدهم: الله أعلم، أو حرك ثوبه فقط، هذه غيبة من أشدّ أنواع الغيبة، وعليها عقاب شديد، لأن قذف محصنة يهدم عمل مئة سنة، وأنت بهذه الحركة قذفتها؛ والإنسان محاسب على عمله، ماذا فعل الصحابة في حنين؟ لم يفعلوا شيئاً، صحابة كرام باعوا أنفسهم في سبيل الله، ولكن قالوا كلمة واحدة: لن نغلب من قلة، ونحن كثيرون والحمد لله، قال تعالى:

﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾

[سورة التوبة :25]

 كلمة قالوها، فَقَالَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ؟
 هذه الكلمة يستعملها العرب وليس القصد أن تموت أمه، أو يموت هو وتبقى أمه ثكلى، وهذه عبارة تنبيه؛ أحد أكبر أسباب دخول النار اللسان.

احفظ لسانك أيها الإنســــــــــــــان  لا يلدغنــــــــــــــــــك إنه ثعبان
كم في المقابر من قتيل لسانه  كانت تهاب لقاءه الشجعان
* * *

 نحن درسنا أن تعد كلامك من عملك؛ وإن عدت كلامك من عملك نجوت.

((.. فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ فَقَالَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ ؟))

[الترمذي وصححه وابن ماجه والحاكم عن معاذ ]

 أيها الأخوة الكرام؛ هذا الحديث من الأحاديث النووية ؛ وهذه الأحاديث الذي جمعها الإمام النووي رحمه الله تعالى هي قمة في اختيارها، وموضوعاتها، وتناسقها.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018