الدرس : 3 - سورة النجم - تفسير الآيات 19-23 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 3 - سورة النجم - تفسير الآيات 19-23


1995-09-15

 الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً وأرنا الحق حقاً وارزقنا أتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الأخوة المؤمنون: مع الدرس الثالث من سورة النجم، ومع الآية التاسعة عشرة وهي قوله تعالى:

 الأصنام التي كانت تُعبد من دون الله:

﴿ أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (20) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (21) تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى (22) إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى (23) ﴾

 أيها الأخوة الكرام: قبل بعثة النبي عليه الصلاة والسلام كان في الجزيرة العربية أصنامٌ كثيرة، من أشهرها:

 

﴿ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (20) ﴾

 

 هذه الأصنام كان لها شأنٌ كبير، فالناس كانوا يحجُّون إليها، ويطوفون حولها، ويذبحون قرابينهم إليها، واحدةٌ في الطائف وهي اللات، وقالوا: اللات مؤنث لفظ الجلالة، جلَّ جلاله وتعالى عما يقولون علوًّا كبيراً، والعزَّى مؤنَّث العزيز، والمناة أيْ التي تحقق للإنسان أمانيه، هناك وجهات نظرٍ كثيرةٍ جداً حول أسباب التسمية، لكن الذي يعنينا أن هذه الأصنام الثلاثة التي كانت تُعبَدُ من دون الله كانت لها أبنيةٌ كبيرة وكان الناس يحجّون إليها، ويطوفون حولها، ويذبحون الذبائح تقرُّباً إليها، وكانوا يعبدونها من دون الله

دعوة الله الإنسان للتفكر في الأصنام التي نحتها بيده:

 الذي يعنينا من هذا أن الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿أَفَرَأَيْتُمُ﴾

 إنه يدعونا إلى التأمُّل في هذه الأصنام التي لا تنفع ولا تضر، أحجار لا تقدِّم ولا تؤخِّر، لا تملك الحياة، ولا تملك الموت، ولا تملك الرزق، ولا تعطي ولا تأخذ، ولا ترفع ولا تخفض، ولا تملك شيئاً..

 

﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾

 

(سورة الصافات )

 تنحتونها أنتم وتعبدونها من دون الله !! هذا الكلام قد يضيق وقد يتسع، قد يضيق حينما نرى صنماً في عهد رسول الله قبل البعثة يُعْبَدُ من دون الله، أما حينما يعبد الإنسان شهوته هذا شرك مَوسَّع.

 معاني الشرك:

 الشرك له معانٍ كثيرة، ومن معانيه الضيقة أن تتخذ إلهاً من دون الله تعبده مع الله، لكنْ من معانيه الواسعة أن تعتمد على مخلوقٍ مثلك، أن تعقد الآمال على مخلوقٍ مثلك ضعيف لا ينفع ولا يضر، فالشرك الجلي انتهى مع بعثة النبي عليه الصلاة والسلام، بقي الشرك الخفي، الرياء شرك خفي:

(( من علق تميمة فقد أشرك ))

( أخرجه أحمد عن عقبة بن عامر الجهني )

 أي علَّق شيئاً يتوهَّم أنه يمنعه من الموت، فهذا الذي يعلِّق حذوة فرسٍ مثلاً ماذا يقصد بها ؟

(( من علق تميمة فقد أشرك ))

 حينما تتجه إلى شيءٍ من دون الله تعظِّمه، وتعقد عليه الآمال، وتجعله أساساً لرفعتك أو تخاف أن يخفضك، هذا الشيء هو الشرك بعينه، لكن الشرك الجلي انتهى، بقي الشرك الخفي، والرياء من الشرك الخفي، والنفاق من الشرك الخفي، وأن تعتمد على جهةٍ غير الله من الشرك الخفي، وأن ترتجف، وأن تخاف، وأن تعتمد، وأن تثق، وأن تعلِّق الآمال، وأن تفعل شيئاً يغضب الله من أجل أن ترضي ما سوى الله فهذا هو الشرك أيضاً، فلذلك يقول عليه الصلاة والسلام:

 

(( أخوف ما أتخوف على أمَّتي الإشراك بالله، أما إني لستُ أقولُ يعبدون شمساً و لا قمراً ولا وثناً ولكن أعمالاً لغير الله وشهوةٌ خفيَّة))

 

( أخرجه ابن ماجه عن شداد بن أوس )

 الإشراك هو اعتماد الإنسان على جهة غير الله اعتماداً كلياً:

 أيها الأخوة الكرام: كما قلت قبل قليل: ولَّى زمن الشرك الجلي، ونحن كمسلمين لا نؤخذ إلا من الشرك الخفي، أحياناً إنسان يعلِّق آماله على ابنه، يعقد عليه كل الآمال ؛ غداً يكبر ويعمل، ويكون له دخل كبير وأنا أستريح، إذا اعتمد على ابنه فقد أشرك، قد يسخِّر الله له عدوًّاً يخدمه، أما إذا اعتمد على جهةٍ غير الله اعتماداً كلِّياً ونسي الله فقد أشرك، فكيف إذا عصى الله من أجل هذه الجهة ؟ هذا أبلغ، إن اعتمدت على جهةٍ غير الله فقد أشركت، أما إذا عصيت الذي خلقك من أجل أن ترضي جهةً غير الله هذا هو الشرك الذي رافقته المعصية، لذلك:

(( من أرضى الناس بسخط الله سخِط عليه الله وأسخط عليه الناس، ومن أرضى الله بسخط الناس رضي عنه الله وأرضى عنه الناس))

(ورد في الأثر)

 الدين هو عبادة و توحيد:

 أيها الأخوة: الإنسان كما يتمنَّى أحياناً الشرح والتفصيل، يتمنَّى أحياناً الإيجاز، يعني إذا أردت أن تضغط الدين كلَّه بكلمتين، فنظرة سريعة إلى المؤلَّفات في مكتباتنا، ترينا أنّ هناك عشرات الألوف، بل مئات الألوف، بل ألوف الألوف من المؤلَّفات في الإسلام، فإذا أردنا أن نضغط كل هذه المؤلَّفات بكلمتين أنا أقول لك: التوحيد والعبادة.

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾

(سورة الأنبياء )

 العقيدة: التوحيد، والعبادة: عمل، وأنت بين عقيدةٍ وبين عمل، العقيدة وحدها شرطٌ لازمٌ غير كافٍ، والعمل وحده شرطٌ لازمٌ غير كافٍ، ولابدَّ من أن تعتقد التوحيد وأن تنصاع إلى هذا الإله العظيم، إنْ وحدَّته وعبدته فقد حققت المراد من وجودك، هذا هو الإيجاز.

 

﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾

 

( سورة الكهف: آية " 110 " )

الله تعالى بيده كل شيء:

 هذا كلام إدراكه سهل، كلمة لا يوجد إلا الله، هذه المقولة إدراكها سهل لكن شتَّان بين أن تدركها وبين أن تعيشها، أنت في حياتك أشخاص أقوياء، تريك عينك هذه أنهم يفعلون ما يريدون، يقرِّبون ويبعدون، يعطون ويمنعون، يرفعون ويخفضون، يغضبون ويرضون، وأن الدنيا بيدهم أحياناً، هذه العين تريك أن هناك أشخاصاً بيدهم الأمر، لكنك إذا تعمَّقت في فهم الدين، وتعمَّقت في التأمُّل في ملكوت السماوات والأرض لا ترى إلا الله.

﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾

(سورة الزخرف: آية " 84 " )

﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾

(سورة هود: آية " 123 " )

﴿مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً﴾

(سورة الكهف)

 جو التوحيد لا يعيشه إلا من ذاقه:

﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾

(سورة الأعراف: آية " 54 " )

﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾

( سورة الزمر )

﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾

( سورة هود: آية " 56 " )

﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾

(سورة الفتح: آية " 10 " )

﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾

(سورة فاطر: آية " 2 " )

 هذه الحقائق إذا أدركتها عشت في جوٍ آخر، جو التوحيد لا يعرفه إلا من ذاقه، أكثر الأمراض النفسية أسبابها ضعف التوحيد، الخوف المرضي ضعف توحيد، القلق ضعف توحيد، النفاق ضعف توحيد، الرياء ضعف توحيد، الوساوس المتسلِّطة ضعف توحيد، إنك إن وحَّدت الله عزَّ وجل، ورأيت أن بيده كل شيء، وأنه القوي، وأنه الغني، وأنه العادل، وأنه الرحيم، وأنه المعطي.. أي..

 

﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾

 

(سورة الصافات: آية " 35 " )

 هو المعطي، هو المانع، هو الرافع، هو الخافض، هو المعز، هو المذل، هو الذي يقرِّب، هو الذي يبعد، هو الذي يوفق..

 

﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾

 

(سورة هود: آية " 88 " )

 المؤمن الناجي من عذاب الله هو المؤمن الموحد:

 لا يتحقَّق هدفٌ على وجه الأرض صغيراً كان أو كبيراً إلا بتوفيق الله..

﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾

 هذا هو التوحيد، هذا هو الدين، لذلك المؤمن عزيز، من أين جاءت عزَّته ؟ من توحيده، المؤمن شجاع، من أين جاءت شجاعته ؟ من توحيده لأنه يعلم أن أمره كلَّه بيد الله، وأنه مطيعٌ لله، وأن الله لا يضيّعه، ولا يسلمه، ولا يخذله، ولا يتخلَّى عنه، ولا يعاقبه إلا بذنبٍ ارتكبه لقوله تعالى:

﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ﴾

(سورة النساء: آية " 147 " )

 لا داعيَ للعذاب إنْ آمنتم، هذه المعاني أيها الأخوة إذا تعمَّق فيها الإنسان صار مؤمناً، الحقيقة الإيمان دائرة تتسع فتتسع وتتسع وتتسع إلى أن تشمل كل إنسانٍ قال: لهذا الكون إله، وتضيق وتضيق حتى يعدُّ المؤمن الناجي هو الموحِّد.. من مات غير مشركٍ أصابته شفاعة رسول الله.. ومرَّةً ثانية أكرِّر:

 

(( أخوف ما أتخوف على أمَّتي الإشراك بالله، أما إني لستُ أقولُ يعبدون شمساً و لا قمراً ولا وثناً ولكن أعمالاً لغير الله وشهوةٌ خفيَّة))

 

( أخرجه ابن ماجه عن شداد بن أوس )

 المسافة الكبيرة بين إدراك عقيدة التوحيد و بين تطبيقها:

 لا شكَّ أنك إذا قرأت أن اللات والعزَّى آلهة تعبد من دون الله، تسخر وتستسخف بهؤلاء الذين فعلوا ذلك، لأن عهد الشرك الجلي قد انقضى، وإن كان هناك شركٌ جلي فهو في بقاعٍ شتَّى من الأرض عند غير المسلمين، بوذا يُعبَد من دون الله، الهندوس، والسيخ، واليابانيون، وكل شعبٍ تائهٍ ضالٍ شارد يعبد إلهاً من دون الله، لكن الله سبحانه وتعالى تفضَّل علينا بعقيدة التوحيد، عقيدة التوحيد كفكرة سهلٌ إدراكها، أما أن تعيشها، مسافةٌ كبيرةٌ جداً وبونٌ شاسعٌ بين أن تدرك عقيدة التوحيد وبين أن تعيشها، إن عشت عقيدة التوحيد صرت إنساناً آخر، الدليل:

﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾

(سورة الشعراء )

 التوحيد يريح، والشرك يعذِّب، المشرك معذَّب دائماً لأنه يخاف من قِوى كثيرة، هذه القوى لا تحبُّه ولا تتمنَّى له الخير، ويراها قويةً جداً، أمره بيدها، مصيره بيدها، رزقه بيدها، نماؤه بيدها، تراجعه بيدها، فإذا أدركت أن إنساناً من بني جلدتك أمرك بيده وهو لا يحبُّك هذا أكبر مصدر عذاب ينوبُ الإنسان..

﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215) ﴾

(سورة الشعراء )

 تكريم الله تعالى للإنسان بدين الإسلام:

 لذلك:

﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾

 فهل من المعقول أنْ ينحت إنسانٌ من الحجر صنماً يعبده ويُؤَلِهَهُ ويقدِّسه ويرجو رضاه ويخاف نقمته ؟ هذا إنسان عقله معطَّل.. مرَّة شاعر جاهلي رأى صنماً قد بال عليه الثعلب، فقال:

 

أربٌ يبول الثعلبانُ برأسه !!  لقد ضلَّ من بالت عليه الثعالبُ

 

***

 أمعقول ؟!! قبيلة اسمها (ودٌ) صنعت إلهاً من تمر، فلمَّا جاعت أكلته، أهذا إلهٌ ؟! الإله يؤكل ؟ وإذا ذهبت إلى شعوب الأرض شرقاً وغرباً لرأيت ما لا يصدَّق، فسبعمئة وخمسون مليوناً يعبدون البقر من دون الله، وأكبر قطيع بقرٍ في العالم في الهند، والبقرة في الهند مقدَّسة، يوضع روثها في غرف البيوت في الأعياد، يُتعطَّر ببولها، إن دخلتْ إلى بقَّالٍ وأكلت من الفاكهة ما لذَّ وطاب فهو من أسعد الناس، لأن الإله دخل إليه وأكل من عنده، هذه شعوب كثيرة، منها السيخ، والهندوس، وهناك شعوبٌ تعبد ذكر الرجل، وهناك شعوب تعبد الجُرْذان، وهناك شعوب تعبد موج البحر، الله جلَّ جلاله كرَّمنا بالإسلام، وكرَّمنا بعبادة الواحد الديَّان، وكرَّمنا بالحقيقة.

 المؤمن الحق من يؤمن بأن الله تعالى فعّال لما يريد:

 طبعاً نحن على مستوى العالم الإسلامي بخير، عقيدة الشرك الجلي لا وجود لها إطلاقاً والحمد لله، لكن يشكو بعض المسلمين، أو يقع بعض المسلمين وهم لا يشعرون بالشرك الخفي، الشرك الخفي قال النبي عليه الصلاة والسلام ما معناه: الشرك أخفى من دبيب النملة السمراء على الصخرة الصمَّاء في الليلة الظلماء، وأدناه أن تحبَّ على جور، وأن تبغِضَ على عدل.
 أيْ إذا أحببت إنساناً وهو ليس على الحق، بل هو جائر، حبُّك له أنّك أشركته مع الله، وإذا تألَّمت من إنسان قدَّم لك النصيحة الصادقة، فألمك من هذا الإنسان دليل أنك أشركت نفسك وأبيت أن تعترف بذنبك، فأن تتألَّم من نصيحةٍ مخلصة، وأن تُوادد إنساناً منحرفاً هذا من الشرك الخفي.
 فلذلك إخواننا الكرام: إنّ الفكرة دقيقة الدلالة جداً: أن تؤمن أن لهذا الكون خالقاً فهذا يؤمن به عامَّة الناس، ما من إنسانٍ إلا قلَّةً قليلةً جداً عطَّلت عقلها، ما من إنسانٍ فيه ذرَّة عقلٍ إلا ويقول: هذا الكون له خالقٌ عظيم، حتى إن عُبَّاد الأوثان يقولون:

﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ﴾

(سورة الزمر: آية " 3 " )

 معنى ذلك أن تؤمن أن لهذا الكون خالقاً هذا شيء مفروغ منه، حتى إن الشيطان الذي أبعده الله ولعنه قال: ربي..

 

﴿فَبِعِزَّتِكَ﴾

 

(سورة ص: آية " 82 " )

 لكن المطلوب ليس أن تؤمن أن لهذا الكون خالقاً، المطلوب أن تؤمن أن هذا الخالق العظيم هو فَعَّال، هو الإله، بيده كل شيء، لا يعذب عنه شيء..

 

﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾

 

( سورة البروج )

 هذا هو الإيمان.

 من أساسيات الدين معرفة أسماء الله الحسنى و صفاته الفضلى:

 لذلك أن تعرف أسماء الله الحُسنى وصفاته الفُضلى هذا شيء من أساسيات الإيمان، ما معنى أن الله إلهٌ فعَّال بيده كل شيء ؟ فأساساً الآية:

﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾

(سورة هود: آية " 123 " )

 قال لك: كلُّه، الأمر معرَّفة، تعريف استغراق..

 

﴿الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾

 

﴿ أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (20) ﴾

 هذه الآلهة كما ترون، الله جلَّ جلاله، وعزَّ نواله، وتعالى عما يقولون علّوّاً كبيرا، اللاَّت مؤنَّث الله، أي أن هذا الصنم الذي يعبدونه الذي كان في الطائف صخرةٌ بيضاء منقوشة، وحولها بناءٌ كبير ويحجُّ إليها الناس، ويذبحون تقرُّباً إليها، ويطوفون حولها هذه جاءت مؤنَّث، والعزَّى مؤنث عزيز.. 

استئثار الكفار بالذكر و نسب الأنثى إلى الله عز وجل:

﴿ وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (20) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (21) ﴾

 أنتم تكرهون الإناث وتحبّون الذكور وتنسبون إلى الملائكة أنهم بنات الله..

 

﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى﴾

 جعلوا هذه الآلهة إناثاً، وجعلوا هذه الآلهة التي هي إناثٌ بنات الله عزَّ وجل..

 

 

﴿تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾

 فأنت تكره شيئاً فتنسبه إلى خالق الكون، وتحبُّ شيئاً فتؤثره على نفسك، أو تستأثر به، تحب الذكر فتستأثر به، وتكره الأنثى فتنسبها إلى الله عزَّ وجل ؟..

 

 

﴿تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾

 

 تسمية كل صنم باسمه بعد نحته و جعله إلهاً:

 أما الجواب الدقيق:

﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾

(سورة النجم: آية " 23 ")

 في لغتنا العربية شيء: اسمه اسم ومسمَّى، طبعاً هذه مسجِّلة لها وزن، لها حجم، لها طول، لها عرض، لها بعد ثالث، لها آلية معيَّنة، اسمها مسجِّلة، الاسم كلمات، مقاطع صوتية ؛ ميم، سين، جيم، لام، تاء مربوطة، أي إنها مقاطع صوتية، هذا هو الاسم، لكن هذا الاسم يقابله شيء وهو المُسَمَّى، فكل اسم له مسمَّى، وكل مسمَّى له اسم، أما هذه الحجارة (اللات) التي نحتوها بأيديهم وعبدوها من دون الله وجعلوها آلهةً، قال الله في حقِّها:

 

﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ﴾

 

 من غير مسمَّيات، لا أصل لها، لا يقابلها شيء في الواقع، فإذا شخص مثلاً وليكُنْ طالباً في الصف التاسع قال: أنا وزير التربية، وعمل بطاقة وطبع عليها وزير التربية، فهل صار وزير تربية ؟ مثلاً فإذا كتب على بطاقة أنه وزير التربية، وهو لا يحمل كفاءة وعمره اثنتا عشرة سنة، فالكلمة التي طبعها على بطاقته هل تجعله وزيراً للتربية ؟ هذا اسم من غير مسمَّى، ولا وجود، ولا واقع، ولا أصل، فأحياناً تجد المسمَّى وله اسم، أحياناً تنطق بالاسم وله مسمَّى، إذا قلت: جبل، يوجد جبل كتلة كبيرة جداً، جبال هملايا ارتفاعها اثنا عشر ألف متر، إذا قلت: بحر، فإن أربعة أخماس الأرض بحر، إذا قلت مثلاً: فيل، فإن الفيل حيوان ضخم، وإذا قلت: الحوت الأزرق، فإن هذا اسم ولكن يقابله مسمَّى، يوجد حوت وزنه مئة وخمسون طنًا، إذا قلت: زلزال، كلمة لها دلالتها، فمدينة أبيدت عن آخرها بخمس ثوان بزلزال، كلمة زلزال يقابلها زلزال أتلف كل شيء، إن قلت: إعصار، فإن هناك إعصار إذا أتى على مدينةٍ جعلها قاعاً صفصفاً..

 عدم فائدة هذه الأصنام التي لا تضر و لا تنفع:

﴿ لَا تَرَى فِيهَا عِوَجاً وَلَا أَمْتاً﴾

( سورة طه )

 كلمة إعصار اسم وله مسمَّى، زلزال اسم له مسمَّى، إذا قلت مثلاً: صاعقة، تجد أنها أحرقت مركبة ضخمة، هذه كلِّها أسماء لها مسمَّيات، أما إذا قلت: اللاَّت فهل خلقت اللاَّت شيئاً ؟ هل أوجدت ؟ هل حرَّكت الأفلاك ؟ هل أخرجت النبات من تحت الأرض ؟ هل أنزلت المياه من السماء ؟ ماذا فعلت هذه ؟..

 

﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ﴾

 

 هذه شأنها كالذي يكتب على بطاقته: وزير تربية، بينما هو طفل صغير لا يتجاوز سنَّه العشر سنوات، لا يفقه شيئاً من أمور الدنيا وكتب ما كتب على بطاقته..

﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾

 نحن أحياناً نتوهَّم أن فلاناً (موظّف في دائرة)، وهناك إنسان أعلى منه مرتبة، يراه يفعل كل شيء ويرى نفسه ليس بشيء، هو أسبغ عليه هذه الهالة العظيمة، هو الذي يسعد إذا ابتسم في وجهه ويتألَّم أشدَّ الألم إذا عبس في وجهه، هذا الشخص هو الذي أعطاه هذه الهالة، هو في الحقيقة لا شيء، عبدٌ فقير.
 قيل لأحد الخلفاء من خلفاء بني العبَّاس وأظنّه هارون الرشيد، وقد طلب كأس ماء فقال له أحد الحكماء: " بكم تشتري هذه الكأس إذا مُنِعت منك ؟ قال: بنصف ملكي، قال: فإذا مُنِع إخراجها ؟ قال: بنصف ملكي الآخر ". فالإنسان مفتقر لكأس ماء، مفتقر إلى شربه ومفتقر إلى إخراجه.

 الإنسان مهما كان قوياً أمره بيد خالقه العظيم:

 الإنسان مهما بدا عظيماً، مهما بدا قويَّاً، مهما بدا حكيماً، مهما بدا ذكياً يحمل شهادة بورد مثلاً، يملك كذا، حجمه المالي فلكي، يقول لك: أرقام كلها فلكية، بيته من أفخم البيوت، مركبته من أحدث المركبات، كل هذه المكانة وهذا العطاء خثرة دمٍ لا تزيد عن حجم رأس دبوس إذا تجمَّدت في أحد عروق الدماغ تجعله مشلولاً، أو تجعله أعمىً، أو يفقد ذاكرته، أو يفقد توازنه، فما هذا الإنسان ؟! كل قيمة الإنسان تتوقف على خثرة دم مجمَّدة في رأسه، شيء مخيف إذا قال لك الطبيب: خثرة في الدماغ، أي أنه انتهى، إنها تنتقل من مكانٍ إلى آخر، مكان الذاكرة، مكان الحركة، مكان الإدراك، مكان التصوُّر، مكان الرؤية، مكان السمع، مكان الشم، أي مكان مدمِّر، خثرة دم، إذا انسد شريان عند إنسان يحتاج إلى فتح قلب، وإلى عملية قلب مفتوح، وإلى أخذ شريان من ساقه، وجراحة تكلِّف الملايين، فما هو هذا الإنسان ؟ يقول لك:  أنا، فمن أنتَ ؟

﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾

 أي أنت الذي أعطيت هذه الهالة ورسمتها حول نفسك أو غيرك، فأحياناً: ابن يرى أباه كل شيء، وهذا الأب الغني والقوي مفتقر إلى كأس ماء يشربه، إلى هواء يتنفَّسه، إلى سيولة دمه.

 الأصنام ليس عندها حجَّة ولا تملك قوَّة:

 حدَّثني طبيب يجري عملية قلب مفتوح: المريض يأخذ الأسبرين وهو لا يقول، لم يذكر ذلك للطبيب، العملية بعد أن نجحت والدم مائع فمات بهذه الطريقة. فالإنسان حبّةٌ من الأسبرين تنهي حياته إذ لم ينته عنه قبل العميلة بأسبوعين، حبِّة أسبرين، أنت لو تعرف أن انتقال الإنسان من دار البقاء إلى دار الفناء مرهون بأسبابٍ قد تكون صغيرةً جداً، والله عزَّ وجل جلَّت حكمته قد يمهل المريض فتمضي سنوات تلو السنوات وهو طريح الفِرَاش، وأحياناً يُخْطَف خطفاً، وهو في أعلى درجات نشاطه وذكائه ونجاحه يقول لك: سكتة دماغية، ما هذا الإنسان ؟..

﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾

 ليس لها قوَّة تتحرك بها، وليس لها قوَّة إقناع، فأحياناً ترى إنساناً قوياً أمامك، قوته المادية تغنيك عن أسباب إدراك قوته، وأحياناً يتمتّع بحجَّة قوية، فالحجَّة سلطان، والقوة سلطان، فالله عزَّ وجل قال:

﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾

 ليس عندها حجَّة ولا تملك قوَّة، صنم جامد، والإنسان إخواننا الكرام يحتاج إلى أن يراجع حساباته، أن يراجع مفهوماته، تصوّراته، مدركاته، عقيدته..

 

﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾

 

 الإشراك هو إضفاء صفة القوة و العطاء على غير الله:

 قد تجد الابن يعبد أباه من دون الله وهو لا يدري، طمعاً بعطاء أبيه يعصي الله إرضاءً لأبيه، هذا الإنسان يُؤَلِّه أباه ويعبده من دون الله، وإنسان آخر يعبد زوجته من دون الله إرضاءً لها، يفعل كل شيء من أجل أن ترضى، أو من أجل أن ترضى عنه، هو يعصي الله، إذاً الإنسان عندما يضفي على المخلوقين صفة القوَّة، وصفة الديمومة والعطاء يكون أشرك وهو لا يدري..

﴿ تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى (22) إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ ﴾

 مثلاً: هذه الدراجة التي لها ثلاث عجلات لو وضعنا عليها إشارة أضخم شركة في الأرض فهل تصبح من صناعة تلك الشركة ؟ هذه كلمة، اكتب ما شئت، أنت الآن لو تحمل شهادة إعدادية تكتب دكتوراه في الفيزياء النووية ؟ هل تصير عالمَ فيزياء نووية ؟ لا، إذًا أريد أن أبين لكم أن الكلمات لا تفعل شيئاً، الوصف لا يفعل شيئاً، اكتب مثلاً على آلة سيئة جداً " هذه أفضل آلة في العالم "، فهل تغدو أفضل آلة في العالم ؟ لا، وصفك لا يقدِّم ولا يؤخِّر، وصفك للشيء بأكبر مما هو فيه لا يجعله كبيراً، فلذلك أنا أضرب مثلاً دائماً: الذي معه كيلو معدن إن استطاع بذكاءٍ كبير أن يوهم الناس أنه ذهب وهو ليس ذهباً فإنه هو الخاسر، وإن ظنَّه الناس معدناً خسيساً وهو ذهبٌ خالص فهو الرابح، لا اتهام الناس لك يفقدك ما عندك، ولا إيهامك الناس أنه عندك شيءٌ ثمين يمنحك ما تفقد..

 على الإنسان ألا يفرح بالمديح الكاذب لأنه لا يقدم شيئاً:

﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ﴾

 هناك معنى آخر: الآن لو قالوا عنك: العالم الجليل، المُحسن الكبير، فريد عصره، وحيد زمانه، لو أضفى الناس عليك كل صفات العلم والتقوى والصلاح ولم تكن كذلك هل تجعلك هذه الصفات كذلك ؟ لا. أبداً فلن تجعلك، فمثلاً النبي عليه الصلاة والسلام قال:

((وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا بِقَوْلِهِ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ))

( البخاري عن أم سلمة)

 لو استطعت أن تقنع النبي وهو سيدُ الخلقِ وحبيبُ الحقِّ، لو أمكنتك حجَّتك القوية، وطلاقة لسانك، وروعة بيانك أن تنتزع من فمِ النبي حكماً لصالحك ولم تكن محقًّا فإنك لن تنجوَ من عذاب الله، فإذاً:

﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾

 لو قلت عن إنسان: تقيٌّ نقٌّي ورع، وهو ليس تقياً ولا نقياً ولا ورعاً، هذه الأوصاف لن تفيد شيئاً، لذلك الإنسان لا يفرح بالمديح الكاذب ولا يعبأ به لأنه لا يقدِّم، بل قد يؤخِّر وينعكس سلباً. 

اقتفاء نهج رسول الله و آثاره ترفع الإنسان عند ربه:

 يروى أنه حين كان زعيم المنافقين يحتضر طلب وهو على فِراش الموت قميص رسول الله، فأعطاه قميصه، وقال عليه الصلاة والسلام:

((الآن استقرَّ في جهنَّم حجرٌ كان يهوي به سبعين خريفاً ))

 وهو يرتدي قميص رسول الله، وماذا يفعل قميص رسول الله مع إنسانٍ منافق ؟ الإنسان الذي لا يعتقد عقيدة التوحيد، فيتمسَّح، إذا تمسَّحت بثوب الكعبة ولم تكن مستقيماً فإن هذا لا ينفعك شيئاً، ذات مرَّة قلت لكم: إنني في إحدى الزيارات للمدينة المنورة صليت في محراب رسول الله، ثم خطر في بالي أن عالماً كبيراً جليلاً له عشرات المؤلَّفات فلو كان عنده آذن وقفز هذا الآذن وجلس في مكانه في غيبته وراء مكتبه هل يصبح عالماً ؟ لا، هذا الآذن لو درس كتاباً، أو لو أخذ الكفاءة لسار على طريق العلم، هذا أفضل من أن يجلس في مكانه، طبعاً الذي يرفعك عند الله أن تقتفي أثر رسول الله لا أن تصلي مكان صلاته، ولا أن تتمسَّح بقبره، العبرة أن تقتفي أثره، أن تجعله قدوةً لك، أن تجعله أسوةً لك، فالذي يرفعك عند الله اقتفاؤك نهج النبي وآثاره لا تمسُّحك بأشياء ماديّة لا تقدِّم ولا تؤخِّر.. أعطاه قميصه وقال:

(( الآن استقرَّ في جهنَّم حجرٌ كان يهوي به سبعين خريفاً ))

 لكنَّ صحابيًّا آخرَ طلب قميص رسول الله وهو على فِراش الموت، صحابيٌّ جليل، قالوا: "ولِمَ ؟ قال: إذا جاءني الملكان وسألاني: من ربك ؟ أقول: الله ربي، من نبيك ؟ أقول: هذا قميصه ". هذا موضوع ثانٍ، فهذا صلاح وهناك نفاق.

 على الإنسان التمسك بما وافق القرآن و السنة:

﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾

 وبعدُ ؛ فهل تتبع الحقيقة أم تتبع الظن ؟.. ما قولك أن معظم الذي يعتقده الناس ظنون لا أصل لها، ولا علاقة لها بالواقع إطلاقاً ؟ أي أما آن الأوان أن تعمل جرداً لمعتقداتك، لأفكارك، لتصوراتك، ما وافق الكتاب والسُنَّة فتمسَّك به، وما خالف الكتاب والسنَّة فانبذه ولا تلوِ على شيء غيرهما، فالإنسان لا يليق به أن يعتقد الباطل، أن يعتقد خرافات تؤخِّر مسيرة الحياة الإيمانية و العقدية، فالناس يعيشون في خرافات لا يعلمها إلا الله (صبُّوا له ماء وملحاً)، خصومته مع زوجته سببها يدَّعي أنهم صبُّوا له ماء و ملحاً، هكذا يدَّعي، أنت السيئ مع زوجتك ومعاملتك سيئة، هذا سبب الخلاف، أُسَر تعيش على الخرافات والتنجيم، فهناك منجِّمون، وهناك كُهَّان، وهناك عرَّافون، وفكوا له السحر، ولف له لفة خضراء وفك السحر، وطلب منه خروفًا كبيراً لونه كذا وفيه لطخة سوداء، هذا كلّه كلام فارغ أجوف، هذه كلِّها دجل ( زعبرة )..

 

﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾

 

 لا يليق بالإنسان و هو المخلوق الأول أن يعتقد بالخرافات:

 نحن بحاجة إلى علم، بحاجة إلى منهج، هذا هو منهجنا، هذا هو كتابنا، هذه سنَّة نبينا عليه الصلاة والسلام، هذا الكتاب لا يأتيه الباطل لا من بين يديه ولا من خلفه، الحق فيه مُطْلَق لأنه كلام خالق الكون، فضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه، فالإنسان لا يليق به وقد كرَّمه الله وشرَّفه وجعله المخلوق الأول، لا يليق به أن يعتقد بالخرافات، والتُرهات، والأباطيل، والأوهام، والله أنا أستمع إلى أناس يرتادون المساجد ويحملون أفكاراً لا أصل لها في الدين، يعتقدون بالسحر:

((من أتى كاهناً فصدقة بما يقول فقد كفر ))

(رواه البزار عن جابر بن عبد الله )

 من أتى ساحراً فلم يصدِّقه لم تُقبَل له صلاة أربعين صباحاً، فكيف إذا صدّقه ؟! القضية سهلة ؟ يدّعي أنّه يتسلَّى ؟ الله عزَّ وجل يقول:

 

﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾

 

(سورة النمل: آية " 65 " )

 تأخذ أرقاماً، ما هو اسمك ؟ اسمي سعيد، السين خمسة عشر، العين ثلاثة عشر، معنى هذا: لك مستقبل مظلم، ما هذا الكلام، هذه كلها خرافات..

 

﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾

 هذه اركلها بقدمك، كنا بصدد أن نبيع بيعة فدخل شخص فقَسَت البيعة، قدومه سوء، قدوم هذا الشخص ليس له علاقة، هناك أناس يكرهون يوماً معيّنًا، رقماً معيّناً، شخصاً معيّناً، كلِّها معتقدات لا أصل لها، الله الموفِّق..

 

 

﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾

 

( سورة هود: آية " 88 " )

 الإنسان الموفق من آمن بالله و عمل أعمالاً صالحة:

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) ﴾

 قانون التيسير..

﴿ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (10) ﴾

(سورة الليل )

 هذا القرآن الكريم..

 

﴿ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ ﴾

 آمن واتقى وعمِل أعمالاً صالحة فهو موفّق، أموره ميسَّرة، اللهمَّ لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، هكذا النبي علَّمنا، لكن لم يعلِّمنا أن نتشاءم من شخص، أو أنْ نتشاءم من طير طار عن شمالنا..

 

﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾

(سورة يس: آية " 19 " )

 على الإنسان التمسك بالأفكار التي توافق القرآن و السنة:

 أي أنت خيرك منك، من استقامتك، وشرَّك من معصيتك فقط ليس من أحد آخر..

﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾

( سورة الأنعام: آية " 164 " )

 هذا الحق.
 أيها الأخوة: إذاً فالإنسان بحاجة إلى مراجعة تصوّراته، مراجعة أفكاره، أفكاره التي توافق القرآن الكريم وسنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، ليتمسَّكْ بها ويعتمدها دون غيرها، قال تعالى:

 

﴿لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾

 

(سورة النمل: آية " 65 " )

﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾

(سورة الأعراف: آية " 188 " )

﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍٍ﴾

(سورة الجن )

 سلوك الإنسان غير المبني على آية أو حديث سلوك خاطئ:

 إخواننا الكرام: بإمكانك أن تركل بقدمك كلَّ الخرافات التي فحواها أن فلاناً يعلم الغيب، هذا هو الإيمان، لأن خالق الكون يقول لك هو:

﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ ﴾

 الأحاديث الصحيحة عن أمارة قيام الساعة كثيرة، وعن علامات آخر الزمان أيضاً، وهذه ما عرفها النبي بذاته بل أعلمه الله بها، وما سوى النبي لا نعبأ بكلامه إطلاقاً، فأنت حينما تقرأ القرآن وتعرف معرفة يقينية أن أحداً في الكون لا يعلم الغيب ألا ترتاح من آلاف القصص، ومن آلاف الخزعبلات، والترُّهات، والدجل ؟ هذه ليست لها معنى في حياتك، إذا علمت أن خيرك من طاعتك لله، وأن الشر من المعصية فعندها لا تفعل شيئًا ليس له معنى، مثلاً إذا علَّقت حذوة فرس على سيَّارتك أفلا يكون هناك حادث ؟ لا، لأن الوقاية من الحادث بطاعتك لله، بدفع الصدقة ليس في تعليق هذه الحذوة، هذه ليس لها معنى إطلاقاً، كل سلوك الإنسان غير المبني على آية أو حديث أو سنَّة نبويّة هو سلوك خاطئ غير صحيح، فالآن آن الأوان أن تراجع معتقداتك، تراجع تصوراتك وأفكارك.

 العاقل من لا يقبل إلا الحق:

 أحياناً أسمع أخباراً لوقائع ليس لها أصل، وفحواها ظلم شديد، واللهُ يقول:

﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾

( سورة الكهف)

﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾

(سورة العنكبوت: آية " 40 " )

﴿لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾

(سورة غافر: آية " 17 " )

 في الظاهر هناك ظلم، أما في الحقيقة فلا ظلم أبداً، إذاً الإنسان بحاجة إلى أن يراجع حساباته، يراجع معتقداته، يراجع تصوّراته لأنه:

﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾

 لذلك الخشية كل الخشية أن تتبع الظن، أن تتبع الوهم، الدعاء الشريف:

 

(( اللهمَّ أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ))

 

 الأوهام ظلمات بعضها فوق بعض، واللهِ هناك أُسر تشقى بالأوهام، وشركات تنفصل بالأوهام والسوسة، وساوس متسلِّطة، أوهام، أقوال كلها غير صحيحة، فالإنسان العاقل هو الذي لا يقبل إلا الحق، والحق من كتاب الله ومن سنَّة رسوله..

 العقيدة الإسلامية لا تقبل تقليداً بل تحقيقاً:

﴿إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾

(سورة يس: آية " 18 " )

 أي تشاءمنا، قال:

﴿طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾

(سورة النمل: آية " 47 " )

 أنت خيرك من طاعتك لله، وشرَّك من معصيتك لله فقط وأي عامل آخر غير صحيح، لا تصدِّقه..

 

﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾

 

 قال بعض العلماء: " لا تُقبَل العقيدة إلا تحقيقاً ". هناك جمهور من العلماء يرفض أن يعتقد الإنسان تقليداً لأنه ظن..

﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾

 الله تعالى لا يعذر إنساناً يتبع إنساناً غير مستقيم:

 يجب أن تُحقِّق، يجب أن تدقِّق، إذاً العقيدة لا تُقبل إلا تحقيقاً ولا تُقبَل تقليداً، ولو قُبِلَت تقليداً لكان كل الذين انحرفوا في عقيدتهم عند الله ليسوا مؤاخذين، يا رب فلان قال لنا هكذا فسمعنا كلامه، فهذا كلام مرفوض ؛

﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينة﴾

 وبعد ؛ كل إنسان إذا كان قد نشأ مع جماعة ولهم رأس وتكلَّم رأسهم كلاماً غير صحيح وأسقط الصلاة وأسقط غيرها من التكاليف، يا رب إننا لا نعلم..

﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾

 لذلك لا تُقبَل العقيدة إلا تحقيقاً، لا تُقبَل إلاّ تصديقاً، لا تقبل تقليداً، أنت يُمكن أنْ تقلد في حكم شرعي، تقلِّد في حكم فقهي، يا أخي أنا حنفي ورأي الإمام أبي حنيفة هكذا، هذا في العبادات أما في العقائد لا يقبل إلا أن تتحقق، لأن الله لا يعذرك إذا اتبعت إنساناً غير مستقيم..

 

(( ابن عمر، دينك، دينك، إنه لحمك ودمك، خذا عن الذين استقاموا، ولا تأخذ عن الذين مالوا ))

 

(العلل لابن أبي حاتم )

 الظن، الوهم، الهوى، مفاهيم تتبع من دون الله:

﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾

 عندنا مفاهيم منها: الظن، والوهم، والهوى، قال:

﴿وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾

 أحياناً شهوة تتخَذ إلهاً يُعبَد من دون الله، أحياناً الإنسان يقول لك: الاختلاط ليس فيه حرج أبداً بل بالعكس إنه يهذِّب المشاعر، فهذا ماذا يتبع الآن ؟ إنه لا يتبع الوهم، بل يتبع ما تهوى الأنفس، أحياناً تتبع وهماً، يقول لك: إنَّ الآلهة اليوم ساخطة عليك لأنك لم تقرِّب لها القرابين، كانوا يختارون أجمل فتاة في مصر ويلقونها في النيل لماذا ؟ استرضاءً للنيل، شعوب تُقِدِّم الفتاة الجميلة وتُلقَى في النيل، وتموت غرقاً من أجل أن يرضى عنهم نهر النيل، فهذا وهم، أما عندما يروج الإنسان المعصية ويفلسفها، ويعمل لها غطاء فكرياً، ويقول لك: الاختلاط يهذِّب المشاعر، هذا لا كلام ثانٍ، هذا هو ما تهوى الأنفس، فالإنسان إما أن يتبع الظن أو أن يتبع ما تهوى الأنفس..

 الهدى أساس القضاء على الوهم و الهوى:

﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾

 وبعدُ ؛ فالوهم قُضي عليه بالهدى، والهوى الموهوم قُضي عليه بالهدى، انتهت الحجَّة، ولكن قبل نزول هذه الرسالة العظيمة كان هناك الوهم والهوى، ولكن بعد أن بيّن الله كل شيء وأنزل على عبده الكتاب، وجعله نوراً، وجعله إماماً، وجعله حبلاً متيناً، فبعد أن أرسل الله أنبياءه ورسوله انتهت الضلالات، وانتهت الأهواء، قال:

 

﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾

 

 العبرة بالمضمون لا بالأسماء الفارغة التي لا تقدم و لا تؤخر:

 محور درسنا اليوم..

﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾

 ائت بسيارة صُنِعَت عام أربعين وهي لا تقوى على السير، وعلِّق عليها ماركة أعلى سيارة في العالم، فإنها تبقي كما هي قديمة مستهلكة، هذه الكلمة لا تقدِّم ولا تؤخِّر، هذا معنى واضح جليّ:

﴿أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ﴾

 فالإنسان لا يتعلَّق بالأسماء، يتعلَّق بماذا ؟ بالمسمِّيات، لا يقبل اسماً بلا مسمَّى، بعضهم قال: "كان التصوّف مسمىً بلا اسم في عهد أصحاب رسول الله، فأصبح اسماً بلا مسمى فيما بعد ". العبرة بالمسمى، بالمضمون، بالجوهر لا بالأسماء الفارغة، فالأسماء الفارغة لا تقدِّم ولا تؤخِّر، وفي درسٍ آخر إن شاء الله تعالى نتابع تفسير الآيات:

 

﴿ أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى (24) فَلِلَّهِ الْآَخِرَةُ وَالْأُولَى (25) ﴾

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018