الدرس : 5 - سورة الحديد - تفسير الآيات 17-20 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 5 - سورة الحديد - تفسير الآيات 17-20


1996-04-12

 عتاب المؤمنين و حقيقة الدنيا

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلماً، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
 أيُّها الإخوة الكرام، مع الدرس الخامس من سورة الحديد، ومع الآية السادسة عشرة وهي قوله تعالى:

﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾

(سورة الحديد)

 عتاب رقيق:
 يُخاطِبُ ربنا سبحانه وتعالى عَقل الإنسان في كثير من الأحيان، كما أنه يُخاطِبُ قلبه أحياناً، و في هذه الآية خِطابٌ لِقلبِهِ، فالله جلّ جلاله يُعاتِبُ هذا الإنسان المُقصِّر الذي لم يخْشَع قلبهُ لِذِكر الله، ولم يسْتجب لأمر الله تعالى، ولم يلْتزِم منهج الله عز وجل، فيا أيها الإنسان إلى متى أنت غافل ؟ وإلى متى أنت ساهٍ ؟ إلى متى أنت مُقصِّر ؟ وإلى متى أنت مغلوب على أمرك؟ قال أحدهم:

 

إلى متى أنت باللَّذات مَشغول  وأنت عن كلّ ما قدَّمتَ مسؤول

 وقال آخر:

 

 

تعْصي الإله وأنت تُظهر حُبّه  هذا لَعَمـري في المقال شَنيــع
لو كان حُبُّك صـادِقًا لأطعْتهُ  إنَّ المحبّ لِمـَن يحبّ مطيــع

 

 فماذا بعد هذا الإهمال ؟ قال تعالى:

﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ ﴾

(سورة الحديد)

 قال تعالى:

 

﴿ لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ(21) ﴾

 

[سورة الحشر]

 فما بال هذا الإنسان يقرأ القرآن فلا يتأثّر، وما باله يقرؤُه فلا يقْشَعِرُّ جلدُه، قال تعالى:

﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمْ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ(37) ﴾

[سورة فاطر]

 إن من دخل الأربعين دخل أسواق الآخرة ! ماذا ينتظر إذاً ؟! فلو أنَّك ذَهَبتَ في رِحلة لِعَشرة أيام، للاحظت نفْسَكَ تتَّجِه اتِّجاهاً آخر في اليوم السابع، فتبدأ بالبحث عن بِطاقات العَودة، وعن الهدايا وجمْع الحاجات، فالإنسان إذا دخل في الأربعين دخل أسواق الآخرة، قال تعالى:

 

﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ ﴾

 

(سورة الحديد)

 هناك من يقول لك: إنني أسمعُ خطباً ودروساً من عشر سنوات، و أنا ملتَزِمٌ بِمَسجد ؛ و هذا شيء جميل، ولكنّ هذه الدروس والخطب يجب أن تنعكس على سُلوكه في بيته و عمله وعلاقاته، فقيمة الإنسان عند الله تكون حسب استِقامته وعَمله الصالح قال تعالى:

﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ(19) ﴾

[سورة الأحقاف]

 فلو قرأه مؤمن مُقَصِّر هذه لانْهَمَرَت عَيناهُ بالدُّموع ولوَجِلَ قلبهُ وخشَع، ثم قال: يا رب لقد آن الأوان !! فالإنسان أحيانًا يستمِع ويسْتمع ثمّ يتألَّق فجأةً، وهذا التَّألق هو المقصود، فإذا كنت مقيماُ على المعاصي والمُخالفات، فلا تؤدي الحقوق، وتقصر في الواجبات، فهناك إذًا حِجاب خفيف، قال تعالى:

﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ ﴾

(سورة الحديد)

 خشوع القلب:
 ومعنى ( أنْ تخْشَعَ قلوبهم ) ؛ أيْ: أن تسْتقيم على أمر الله تعالى، وأن ينقاد الإنسان لأوامر الله، والحقيقة أن هذا المِقياس مقياس دقيق يضعك على المحكّ، فتكلَّم ما شئت، وتحدَّث عن نفسك ما شئت، وأعْطِ نفْسِكَ أيّ حجمٍ، وفي النِّهاية: أنت لسْتَ بالحجم الذي تدَّعيه ما لم تلتزم بالأمر والنَّهي، فَخشوع القلب كما قال المفسّرون: هو انقياد القلب لِطاعة الله تعالى، فالخُشوع هو شُعور، ولكنّ هذا الشُّعور يُجَسَّد بانقياد النَّفس إلى طاعة الله تعالى، فالحركة الظاهرة دائمًا أساسها حال نفسي، و الحال النفسي خُشوع لله، والحال الظاهري انْقِيادٌ لأمر الله تعالى، فإن لم يكُن لديك انْقِياد لأمر الله فأنت لسْتَ خاشعاً بقلبِكَ، لأنّ القلب لم يأخذ من الفِكر الأدلَّة على عظمة الله، والإنسان إذا فكَّر بعَظمة الله خشع قلبه وانقادت جوارحه، و انْقِيادُ الجوارح يسْبِقُهُ خُشوع القلب، وخُشوع القلب يسْبِقهُ تفكّر في السماوات والأرض، فلو الْتَقيْتَ بإنسان لا تعرف عنه شيئًا فإنك تُعاملُهُ معاملةً عاديّة، أما إذا بلغكَ أنَّه أعلم علماء الأرض في اخْتِصاص معيَّن، أو أنه من أقوى الأقوياء و أغنى الأغنياء، ثم الْتَقيْتَ به ثانيَةً فإنَّك تحترمُهُ وتُوقِّرُهُ، وهذا يكون بِحَجم عِلمهِ أو قوَّته أو ماله، و الفِكر إذا جال في ملكوت السماوات والأرض وعاد بِنَتيجة تُؤكِّد عظمة الله عز وجل جعل القلب يخْشع لله، فإذا خشَع القلب انْقادَت الجوارِح.
 أيها الإخوة الكرام: هناك كلامٌ جامِعٌ مانِع موجَز يقول: إذا لم يحْمِلْك إيمانُك على طاعة الله تعالى فهذا الإيمان لا يُقدِّم ولا يؤخِّر، وإن شئت سمِّ هذا الإيمان بالإيمان الإبليسي، لأنَّ إبليس قال:

 

﴿ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(82) ﴾

 

[سورة ص]

 فالإيمان الحقيقي هو الذي يَحْمِلُكَ على طاعة الله عز وجل، والله عز وجل يقول:

 

﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ ﴾

 

(سورة الحديد)

 أنواع الخطاب الإلهي للإنسان:
 1- خطاب العقل: فالله تعالى يُخاطب العَقل البشري،كما في قوله تعالى:

 

﴿ فَلْيَنْظُرْ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ(24)أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا(25)ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا(26)فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا(27)وَعِنَبًا وَقَضْبًا(28)وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا(29)وَحَدَائِقَ غُلْبًا(30)وَفَاكِهَةً وَأَبًّا(31)مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ(32) ﴾

 

[سورة عبس]

 2- خطاب القلب: أحيانًا يُخاطب القلب كقوله تعالى:

 

﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ ﴾

 

(سورة الحديد)

 3- خطاب القلب والعقل معاً: وأحيانًا يُخاطب الله القلب والعقل معًا، كما في قوله تعالى:

 

﴿يَاأَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ(6) ﴾

 

[سورة الانفطار]

 نتابع في هذه الآية.. وهي قوله تعالى:

﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ ﴾

(سورة الحديد)

 (ألَمْ يَأْن)ِ؛ أيْ: ألَمْ يَحِن الوقت المناسب ؟ وإلى متى أنت في غفْلة ؟ وإلى متى أنت في التقصير والمخالفات ؟ فهؤلاء آمنوا بِألسنتهم ولم تؤمن قلوبهم، أو آمنوا ولم يَحْمِلهم إيمانهم على طاعة الله إيمانهم لا يكفي.
 (أنْ تَخْشَعَ قلوبهم) ؛ أيْ: أن يسْتشْعِروا عظمة الله عز وجل، فإن أنت اسْتَشْعَرَت عظمة الله عز وجل انقادَت جوارحك إلى طاعة الله وذكره.
 ذكر الله تعالى:
 إن ذِكْر الله تعالى باب مِن أوْسَعِ الأبواب، فأيُّ شيءٍ يُقرِّبُكَ من الله هو من الذِّكْرِ الحكيم، فلو عُرِضَتْ عليك آية من آيات الله تعالى الدالة على عظمته ؛ لكانت هذه الآية من ذِكْر الله عز وجل، ولو عُرِضَ عليك حدثٌ هو مِن فِعْل الله تعالى لكان مِن ذِكْر الله، ولو عُرِضَت عليك آية مفصَّلة تفصيلاً رائعاً فهي من ذِكْر الله تعالى أيضاً، وقراءة شيء من سنَّة رسول الله مِن ذِكر الله تعالى، فأيُّ شيءٍ يُذَكِّرُك بالله عز وجل هو من ذِكر الله، قال تعالى:

﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ ﴾

(سورة الحديد)

 ما نزل من الحق :
 أيْ: القرآن الكريم، قال تعالى:

 

﴿ لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ(21)﴾

 

[سورة الحشر]

 فإذا قرأ الإنسان القرآن ولم يخْشَع قلبُه فهذا مُؤشِّرٌ خطير ! لأنَّ المؤمن إذا تُلِيَتْ عليه آيات الله ازْداد إيماناً، واقْشعرَّ جِلْدُهُ، ووجِلَ قلبهُ، فإذا تُلِيَتْ عليه آيات الله ولم يشْعُر بِشَيءٍ كان هذا دليلاً على صدأ قلبه، قال تعالى:

 

﴿ ألا بذِكر الله تطمئنّ القلوب ﴾

 

[سورة الشعراء]

 الأغذية الثلاثة:
 إن عقلك يحتاج إلى غِذاء وغذاؤه العِلم، و قلبكَ أيضاً يحتاج إلى غِذاءٍ وهو الذِّكر فالعَقل غِذاؤُهُ العِلم، والقلب غِذاؤُهُ الذِّكْر، والجسم غِذاؤُهُ الطَّعام والشَّراب،فأنت بِحاجة ماسَّة إلى أغْذِيَةٍ ثلاثة ؛ إلى عِلمٍ يُغذِّي عَقلَكَ، وإلى ذِكْر يُغذِّي قلبكَ، وإلى طعامٍ يُغذِّي جِسمك.
 وأنت تتأثر بآيات الله بِقَدْر استقامتك على أمر الله تعالى، و إن المؤمن يُنادَى من مكانٍ قريب لأنَّه قريب أصلاً، أما العاصي فيُنادَى من مكانٍ بعيد لأنَّه بعيد عن الله تعالى، فالمؤمن يَجِلُ قلبهُ ويقْشَعِرُّ جلدهُ، وتضْطربُ أعضاؤُه إذا ذَكَر الله عز وجل، أو قرأ آياته بينما لا يتأثَّر المنافق، فقد كانوا يقولون عن النبي صلى الله عليه وسلم:

 

﴿ ماذا قال آنفًا ﴾

 

[سورة محمد]

 مرض خطير:
 يعرض الله تعالى علينا هنا مرضاً خطيراً مِن أمراض أهل الكتاب، وما عرضَ علينا هذا المرض إلا لأنّ المسلمين مهيؤون لأن يُصابوا بمِثل هذا المرض قال تعالى:

 

﴿وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾

 

(سورة الحديد)

 فهم قد أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد، فإذا وقَعَ الإنسان في مخالفة وجب عليه أن يتوب من قريب، أما إن أخَّر التوبة، واسْتمرأ المعْصِيَة ورضِيَ بها وألِفَها، حتى أصْبحَت جزءاً من حياته نقول عنه: إنه طال عليه الأمد بهذه المعْصيَة، والإنسان حسَّاس جدًّا، فإذا ظل مُتلبِّساً بِمَعصيَة، ومخالفاً لِشَرع ومقصِّراً في حقّ الله قسا قلبه، فتحْجُبه هذه المعاصي عن الله تعالى، قال تعالى:

 

﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾

 

(سورة الحديد)

 وإذا قسا القلب فسقَ الإنسان، وإذا خشَع القلب أطاع الإنسان ربّه قال تعالى:

 

﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ ﴾

 

(سورة الحديد)

 إن خشَع القلب انْقادت الجوارح، وإن قسا القلب تفلَّتَتْ الجوارح، فالفسق أساسه قَسوة القلب، والطاعة أساسها خَشية القلب، وخَشْيَة القلب أساسها التَّفكّر في خلق السماوات والأرض، أما قسْوَةُ القلب فأساسها تأخير التوبة والاسْتمرّار عليها، وإنّ أخطر ما يحيق بالمسلم أن يستمْرأ بعض المعاصي والمخالفات إلى أمدٍ طويل فيقْسُوَ قلبهُ، وتغْدو العبادات عنده طقوسًا لا معنى لها !! فيُؤَدِّي الصلاة و الزكاة و الحجّ وهو غافل، وقد أراد الله تعالى أن يكون في هذه العبادات خشوع وقُرب وتألّق، ولو لم يرد ذلك لكانت العبادات طُقوساً وأقوالاً تؤدَّى بِغَير معنى، فالذي يأْلَف أحياناً مسجداً أو دَعوةً قد يُصيبُهُ الملل والسَّأَم، فلا تجد في صلاته روحانيَّة لأنَّه اسْتَمرأ الغفلة،فالله عز وجل خاطَب النبي عليه الصلاة والسلام وقال:

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ(159)﴾

[سورة آل عمران]

 

 فهناك قلب للجِسم، وقلبُ للنَّفس، قال تعالى:

 

﴿ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمْ الْغَافِلُونَ(179) ﴾

 

[ سورة الأعراف ]

 فالقلب الذي هو مركز النَّفس إما أن يكون موصولاً أو أن يكون مقطوعاً، فإذا كان موصولاً كانت هناك رحمة، أما إذا كان مقطوعًا كانت القَسْوَة، وأنت بين هاتين الدرجتين ؛ فإما أن تنْطَوِيَ على قلبٍ موصول بالله تعالى ومفعمٍ بالرَّحمة، أو أن تنْطَوِي على قلبٍ مقطوع من الله تعالى موصومٍ بالقسْوة، فيخرجُ من هذا الإنسان كل الخير بِسَبب قلبه المملوء بالرحمة، كما تصدر عنه كلّ الشرور والآثام بِسَبب القَسْوة التي في قلبه، قال تعالى:

 

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ(159)﴾

 

(سورة آل عمران )

 و معنى ذلك أنَّ الإنسان حينما يتَّصِل بالله يمتلأُ قلبهُ رحمةً ويُلْهمُ الحِكمة والرَّحمة واللُّطْف والأدَب والخَشْيَة والإنفاق، ويلتفّ الناس حوله، فإذا ابْتعَد عن الله عز وجل وقسا قلبُهُ انفضُّ الناس من حوله، فاللُّيونة سببها الرحمة ! فلو كان للإيمان مؤشّر لكانت الرَّحمة مؤشِّرًا له، و لو كان للشر مؤشر لكانت القسْوة مؤشِّرًا عليه‍ ! و المسلم مُعرَّض لِمَرضٍ خطير أصاب أهل الكتاب، وهو أن تغْدو عباداته طُقوساً، ويغْدو الكتاب المنزّل عنده كلاماً أجْوفَ من المضمون، يقرؤُهُ فلا يتأثَّر، ثم يعبد عن الله فلا يتأثَّر، فقد قسا قلبهُ وجوارحه، وطال عليه الأمد.
 يحيي الأرض بعد موتها:
 أيها الإخوة الكرام: لكي لا يقع الإنسان في اليأس، وحتى لا يسْتغلّ الشيطان هذه الحالة المَرَضِيَّة التي تُصيبُ المؤمن أحيانًا، يقول الله جلَّ جلاله:

﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾

(سورة الحديد)

 فهذه الأرض الجرداء القاحلة فيها أشجار كأنَّها الخشب من قسوتها، فتأتي أمطار السماء عليها فتهْتزّ الأرض، وتنمو بالعُشب الأخضر، والأزهار والرَّياحين، وتورق الأشجار وتُثْمر، فهذا المطر الذي نزل على هذه الأرض هو الذي جعلها كذلك، فالله عز وجل طرَحَ آيةً من آياته الكَوْنيَّة لِتَكون هذه الآية مِعْوانًا للإنسان على الانصِراف إلى طاعة الله عز وجل، فلِمُجَرَّد أن يتوب الإنسان إلى الله عز وجل يعود قلبُهُ حياً متألِّقاً ومُفعماً بالمحبَّة والرَّحمة، حتى وإن قسا قلبهُ وطال عليه الأمد، قال تعالى:

﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾

(سورة الحديد)

 قال بعض المفسِّرين: هذه الآية فيها تهديد، وبعضهم قال: بل فيها تَشْجيع ! بمعنى أنَّه إذا مات قلب الإنسان مات الإنسان نفسه بعده، ثم يُعاد خلقهُ من جديد، وسوف يقِفُ بين يدي الله عز وجل لِيُحاسبَ على أعماله كلِّها !
 أجر المصّدقين والمصّدقات:
 ثمَّ يقول الله عز وجل:

﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ ﴾

(سورة الحديد)

 (المُصَّدِّقين)؛أيْ: المتصدِّقين، و(المُصَّدِّقات) ؛أيْ: المُتَصَدِّقات، والصَّدقة كما قال عليه الصلاة والسلام برهان، فأنت حينما تتصدَّق تُعطي برهانًا على إيمانك ! لأنَّ الصدقة بذْل، وأنت حينما تتصدَّق يدلّ فعلك هذا على محبَّتِك لله، وأنّ المال لا قيمة له في نظَرِك، ولكنّ الله سبحانه وتعالى يقول إنَّك بهذا العمل لا تُقدِّم الخير لإنسان فقط، بل إنَّك في حقيقة الأمر تقْرض الله عز وجل، قال تعالى:

 

﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ ﴾

 

(سورة الحديد)

 فعلى المؤمن أن يعلم أنه يُقرِضُ الله قرضاً حسناً حينما يتصدَّق، فهو يقرض الغني الحميد، ومَن بيَدِهِ ملكوت كلّ شيء، لذا يجب على المؤمن ألا يعْبأ بِرُدود الفِعل إذا تصدَّق، فهناك مَن يتصدَّق فلا يجِدُ في الذي تصدَّق عليه اسْتِجابة حسنة أو شُّكراً، فيقول حينها: لن أفعل الخير أبداً ! و هذا من ضَعف توحيدِه، ومن ضَعف إخلاصه، أما لو كان تَّوحيده وإخلاصه راسخين لما اكترث بِرُدود الفِعل، لأنه حينما يتصدَّق إنَّما يقرضُ الله قرضاً حسناً، فهؤلاء كما قال تعالى:

 

﴿ يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا(69) ﴾

 

[ سورة الفرقان ]

 أما المؤمنون الذين يقرضون الله قرضاً حسناً فيُضاعف لهم هذا القرض وتلك الصَّدقة، كما أن لهم أجراً كريماً نقياًّ من كلّ شائبة، فالإنسان إذا وضَع اللُّقْمة في فيّ زوجته كُتبت له صدقة، وقد يتصدّق الإنسان باللُّقمة فيراها يوم القيامة كجَبل أُحُد.
 و (الأجر الكريم): هو الأجر النقيّ من كلّ شائبة، فيُضاعف لهم أضعافًا كثيرة، وهو دليل حبِّهم الله عز وجل.
 الصديقون:
 قال تعالى:

 

﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ ﴾

 

(سورة الحديد)

 و هذه مرتبة تلي مرتبة الأنبياء، فهناك الرُّسل، وهناك سيّد الرُّسل وهو نبيُّنا عليه الصلاة والسلام، وبعدها يأتي الأنبياء، و بعد الأنبياء الصدِّيقون، وهم الذين يخلفون الأنبياء في تبليغ الناس الدَّعوة إلى الله، فهؤلاء على منهج الأنبياء وسنتهم، وهم يقتفون أثَر الأنبياء، ولا يحيدون عن منهجهم، ولا تأخذهم في الله لومة لائم، ويُبلِّغون رسالات الله، ولا يخْشَون أحدًا إلا الله، ويشهدون أن لا إله إلا الله، كما قال تعالى:

 

﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(18) ﴾

 

[ سورة آل عمران ]

 فالصِّديقون ينوبون عن الأنبياء في تبليغ رِسالات الله تعالى،فهم على سُننِهم، ويقتفون أثرهم، ولا يخشون أحدًا إلا الله، وهم المخلصون المُوحِّدون، الذين لا يتقاضَوْن أجراًً على دعوتهم، قال تعالى:

 

﴿ وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ(20) ﴾

 

[سورة يس]

 وهؤلاء الصِّديقون ابتلاهم الله عز وجل فصَبروا، قال تعالى:

 

﴿ وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ(124) ﴾

 

[سورة البقرة]

 وقال تعالى:

 

﴿ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنصَرُونَ(41) ﴾

 

[سورة القصص]

 فالصِّديقون هم الأتِّباع الصابرونَ، الذين يخافون الله تعالى، و لا تأخذهم في الله لومة لائم فهؤلاء هم الذين قال تعالى فيهم:

﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ ﴾

(سورة الحديد)

 الشهداء:
 أما الشُّهداء فهم الذين ضَحَّوْا بأنفسهم في سبيل الله، والصدِّيقون أعلى من الشُّهداء، فمرتبة الصدِّيقيَّة أعلى من مرتبة الشّهادة، فالسيّدة مريم كانت صِدِّيقة فقد قال تعالى عنها:

﴿وأُمُّه صدِّيقة﴾

 و قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم عن أبي بكر رضي الله عنه:

((ما طلعت شمي على نبي أفضل من أبي بكر))

 وقال:

(( لو وُزِن إيمان الخلق مع إيمان أبي بكر لرجَح !))

 ولو قرأتُم سيرة أبي بكر الصِّديق لوَجَدتم العَجَب العُجاب، ولوجدتم الإخلاص والحبّ، فلا يوجد إنسان أحبَّ إنسانًا كَحُبِّ أبي بكر لرسول الله عليه الصلاة والسلام ! وليس هناك إنسان بذَل كلّ ما يمْلِك من أجل إنسانٍ كما بذل الصدِّيق لِرَسول الله صلى الله عليه وسلَّم قال تعالى:

 

﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ ﴾

(سورة الحديد)

 فالأجر في الدنيا والآخرة، والإنسان حينما يُطيع الله عز وجل يُلقي الله تعالى في قلبه نوراً، فقرار المؤمن حكيم، وتصرُّفه سليم وكلامه مُحْكَم،وذلك لأنَّ الله عز وجل نوَّر قلبه، فالنور يكشف لك الخبايا إن كنت في طريق مظلم، فالله سبحانه وتعالى يقول:

 

﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ ﴾

 

(سورة الحديد)

 وقد جاء في آية أخرى:

 

﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ ﴾

 

(سورة الحديد)

 قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ﴾

(سورة الحديد)

 فالذين آمنوا بالله ورسوله هم الصدِّيقون والشُّهداء عند ربِّهم لهم أجرهم و نورهم، والذين كفروا و كذَّبوا وأعرضوا لهم جحيم في الدنيا وجحيم في الآخرة، كما لهم جحيم نفسي وجحيم جسدي.
 حقيقة الدنيا:
 ثمّ يقول الله عز وجل: لعلّ هذه الدنيا هي التي تصْرفكم عن طاعة الله تعالى فسأصفها لكم، قال تعالى:

﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾

(سورة الحديد)

 هذه الآية من أجمل الآيات التي تُعرّف المؤمن بالحياة الدنيا، فاللَّعِب عمل لا طائل منه ولا جدوى، فلو لعب الإنسان النَّرْد في إحدى السهرات حتَّى الساعة الثانية ليلاً ماذا يكْسب ؟ لا شيء، أما لو قرأ كتابًا لاستفاد من معلوماته، ولو حدَّث أخاه لأقْنعَهُ بِبَعض الحقائق، ولو آوى إلى فراشِه لاسْتراح جِسمُهُ، أما حينما يلعب لعباً لا طائل منه ؛ ماذا يستفيد ؟! اللَّعِب سُّلوك غير الهادف، فالدُّنيا كما قال تعالى لَعِب، ومهما وصَلتَ إلى مراتبها العلِيَّة يأتيك الموت فيأخذ كلّ شيء ! فالذي تُحصِّلُهُ في عمر مديد تخْسرُه في ثانية واحدة ! وهذه القِصص أمامكم ؛ فالإنسان الذي يشاد بيتاً، ويزخرفه بأثمن الزخرف، يأتيه الموت بغتة فيخسر بيته وكل شيء يملكه

(( عِشْ ما شئْتَ فإنَّك ميِّت، وأحْبِب من شئت فإنَّك مُفارِقُه، واعْمل ما شئتَ فإنَّك مَجْزِيٌّ به))

 فالله تعالى يقول:

 

﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾

 

 أما اللَّهو فهو أخْطر، واللَّهْوُ: أن تلْهُوَ بالخسيس عن النَّفيس ! فلو قرأ إنسان قصَّة ذات مستوىً دنيء لما استفاد من هذه القصَّة شيئًا ؛ فهي ما قدّمَتْ له حقيقة ولا موقف، فإذا كان لهذا الإنسان امتِحان مصيري يُعلِّق عليه الإنسان آمالاً عريضة، فقرأ القصَّة وترك الامتحان لما كان هذا لعباً بل هو لهو، وهو أخطر ! فالله سبحانه وتعالى أرسل الإنسان إلى الدنيا لِيَتَعرَّف إليه، ويعْبُدَهُ، فإذا انْشَغَل بشيء آخر فقد لها.
 قال تعالى:

﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾

(سورة الحديد)

 فتجد الإنسان يسعى للزِّينة والرَّفاهية والمركبة الفاخرة والمزرعة الجميلة،والله تعالى يقول:

﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ ﴾

(سورة الحديد)

 مصير الدنيا وزخرفها:
 لقد ورد في آية أخرى، قوله تعالى:

 

﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتْ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَو ْنَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ(24)﴾

 

[ سورة يونس ]

 فكلّ شيء كان مرفهاً و مُهيَّأً لِمُتْعة العين، من حدائق وطرقات و فنادق الفخمة، وقد رافقَ هذه الزِّينة وهذا الزُّخرف شُعور يقول: إنَّ الإنسان سيّد الموقف وسيّد العصر، ففي عصرنا تجد الإنسان يفتخر ويقول لك: معي هاتف خلوي !! وعنده أجهزة كهربائيَّة، فهناك شعور بالسَّيطرة يرافق هذه الزِّينة، قال تعالى

 

﴿ أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ
يَتَفَكَّرُونَ(24)﴾

 

[ سورة يونس ]

 فإنجلترا هي أكبر دولة في العالم لِتَصدير البقر، وقد ظنَّ أهلها أنَّهم قادرون عليه، فجاءهم جنون البقر،فاضْطرُّوا إلى أن يُتلفوا ويعْدموا أحد عشر مليون رأس قيمتها ثلاثة وثلاثون مليون جُنَيه إسترليني !! لقد قُهِروا !! ولمَّا ظنَّ الإنسان أنَّ الجِنس شيءٌ طبيعي، وأن على كلّ إنسان أن يُمارسَهُ! جاءه الإيدْز، فإذا شَعَر الإنسان أنّه قويّ ومتمكِّن، وأن العلم وكلّ شيءٍ بيَدِهِ أتاه أمر الله، وهذا الأمر مستمرّ ؛ فكلَّما ادَّعى الإنسان أنَّه قويّ، وله سيْطرة على الطبيعة جاءه الأمر، يقول أصحاب الحضارة الغربيَّة أنهم سَيْطروا على الطبيعة ! وغاب عنهم أنَّ الله لهم بالمرصاد، فالأمراض الوبيلة التي تفتك بالبشريَّة لا تُعدّ ولا تُحصى ! و كلّ تغيير في خلق الله تُرافقهُ مصائب لا تعدّ ولا تُحصى، فالله تعالى:

 

﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ﴾

 

(سورة الحديد)

 وهناك مِن أهل الدنيا مَن يتنافس مع أقرانه من أجل المال، ويقول: أنا رصيدي كذا وكذا، وقد يتباهى بالأولاد ولو لم يكونوا مستقيمين ! وإنما يعنيه من أولاده أن يكونوا متألِّقين فهذا وصفٌ من ربِّنا جامعٌ مانِعٌ لحال الدنيا وأهلها، قال تعالى:

﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾

(سورة الحديد)

 ثمَّ يقول تعالى:

﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾

 ( يهيج) ؛ أي:ييْبَسُ، فإذا ألْقيْتَ البذرة في الأرض نمَتْ هذه النَّبْتَةُ، وتألَّقَت واصفرَّت، وبعدها تُصبِحُ حطاماً، و حال الإنسان كحال النبات، قال تعالى:

 

﴿وَفِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾

 

(سورة الحديد)

 إن الإنسان يولَدٌ فيَفْرحُ أهلهُ ويُعْلِنون عن هذا الفرح ويدْعون الأصدقاء، ويعتني أهل هذا الطِّفل به إلى أن يكْبُر، فيدخل المدرسة و يدرس المراحل، وبعدها يتزوّج، ثم تأتي مرحلة العمل، ومرحلة تزويج أولاده، وفي آخر مرحلة توضَع (نعْوتُهُ) في الطرقات، وبعد مائة سنة لن يكون ذكره موجوداً، فهذه الدنيا مرحلة عابرة، وهنيئاً لِمَن طال عمره وحسُن عمله، فحالنا كَحَال النبتة التي ذبلتْ، والتي ضرب الله بها مثلا في القرآن، فالدنيا زائلة، وكلّ مخلوق يموت ولا يبقى إلا ذو العزَّة والجبروت، قال تعالى:

 

﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾

 

(سورة الحديد)

 (الكفار) هنا هم الزُّراع، والكَفر: هو الغطاء، و(يهيج) ؛ أي: ييْبَس، قال عليه السلام:

(( فوالذي نفس محمّد بيَدِه ما بعد الدنيا من دار إلا الجنَّة أو النار ! ))

 فهؤلاء الخلق جميعًا مصيرهم إما إلى جنَّة يدوم نعيمها، أو إلى نار لا ينفذ عذابها، قال تعالى:

 

﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾

 

(سورة الحديد)

 فالدنيا فيها متاع، أما الآخرة ففيها السعادة، ومتاع الدنيا غرور، فالإنسان في البدايات يرى الدنيا فوق حجمها الحقيقي، فهو يرى المال شيئًا كبيراً، والمرأة شيئاً أكبر، لكنك كلَّما كبُرتَ عند الله صْغرت الدنيا في عَينَيك، وكلَّما صغُرت عند الله كبرت الدنيا في عَينَيك، فالدنيا زائلة، وطلاَّبها كلابها، وهي دار من لا دار له، ولها يسعى من لا عقل له! فهي عارية مستردَّة، أمدها قصير، وشأنها حقير، ما أرادها الله عقاباً لأعدائِهِ، ولا مكافأةً لأوليائِه، فلينظر الناظر بِعَقْلِهِ هل أكرم الله محمداً أم أهانه حين زوى عنه الدنيا ؟ و هو سيّد ولد آدم، وسيّد الأنبياء والمرسلين، وكان إذا صلَّى الليل لا تسعه بيته للصلاة ! يقول عليه الصلاة والسلام: عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّم:

 

(( لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ ))

 

[ رواه الترمذي ]

 قال تعالى:

 

﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾

 

(سورة الحديد)

 فهي تبدو للجاهل بِحَجم كبير، فيبيع دينه بِعَرض منها قليل، وما هي إلا غرور، والسعادة كلّ السعادة في جنَّة الرِّضوان، فكم من سعادة في الدنيا تأتي بعدها الكآبة والملل، فالدنيا تضرّ وتمرّ وتغرّ، وفي درس قادم إن شاء الله تعالى نتابع درسنا.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018