الخطبة : 1086 - ارتباط إنفاق المال بحياة الإنسان - الإفطار في رمضان من غير رخصة - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 1086 - ارتباط إنفاق المال بحياة الإنسان - الإفطار في رمضان من غير رخصة


2008-09-12

الخــطــبـة الأولــى :

     الحمد لله نحمده، ونستعين به، ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله، سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين أمناء دعوته وقادة ألويته و ارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس في رمضان :

     أيها الأخوة الكرام، نحن في شهر الصوم، نحن في رمضان:

(( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة ))

[ رواه البخاري عن بن عباس]

     أيها الأخوة، في أول آية من سورة البقرة:

 

﴿ الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) ﴾

( سورة البقرة)

     من هم المتقون ؟:

﴿ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ (3) ﴾

( سورة البقرة)

     عقيدة:

﴿ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ (3) ﴾

( سورة البقرة)

     عبادة:

﴿ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) ﴾

( سورة البقرة)

     ثلث خصائص المؤمن أنه ينفق.

 

إنفاق المؤمن للمال بدافع حبّه لله :

     إلا أن هذا الإنفاق على نوعين وضحته الآية الكريمة:

﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ (177) ﴾

( سورة البقرة)

     دققوا الآن:

﴿ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ (177) ﴾

( سورة البقرة)

     بدافع محبته لله، أو على الرغم من أنه يحب المال:

 

﴿ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ (177) ﴾

( سورة البقرة)

الزكاة فرض تطهر الغني من الشح و الفقير من الحقد :

     الآن دققوا:

﴿ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ (177) ﴾

( سورة البقرة)

     إيتاء الزكاة إنفاق، وإنفاق المال على حب الله إنفاق، الاثنان فرض، قال تعالى:

 

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا (103) ﴾

[ سورة التوبة]

     معنى تطهرهم أي تطهر الغني من الشح، والبخل، كيف أن في الجسم مرضاً خبيثاً، في النفس مرض خبيث آخر هو الشح، لقوله تعالى:

 

﴿ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9) ﴾

( سورة الحشر)

     فالزكاة تطهر الغني من الشح والفقير من الحقد، وتطهر المال من تعلق حق الغير به، وتزكيهم تنمي نفس الغني، يرى عمله انقلب فرحة وابتسامة وحبوراً لمن أعطاهم، وتزكي نفس الفقير يرى أن مجتمعه لم يكن غافلاً عنه، اهتم به، وتزكي المال بطريقتين بطريقة وفق قواعد زيادة المال، فالفقير حينما تساعده يملك قوة شرائية يشتري بها من عند الغني فيزداد ماله مع أنه أنفق من ماله جزءاً، ويزداد المال بطريقة العناية الإلهية.

 

الإنفاق الطوعي و الإنفاق القصري :

     آية الزكاة أصل في الإنفاق وهو إنفاق الفرض، الفرض بينما:

﴿ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ (177) ﴾

( سورة البقرة)

     هذا الإنفاق الطوعي، ولعل الإنسان يرقى بالإنفاق الطوعي أضعاف ما يرقى بالإنفاق القصري، لأن الله عز وجل يقول:

(( وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه ))

[ البخاري عن أبي هريرة]

الأقربون أولى بالمعروف :

     أيها الأخوة الكرام، أول شيء هناك قاعدة في الإنفاق الأقربون أولى بالمعروف، بعض العلماء فسر الأقربين القريب نسباً، والقريب إيماناً، والقريب فقراً، إذا تساوى اثنان في القرابة أعطي الأفقر، إن تساوى اثنان في الإيمان أعطي الأقرب نسباً إليك، ثلاثة مرجحات للإنفاق، أعطي الأقرب إلى الإيمان لأن هذا المال سينفقه في طاعة الله، أعطي الأقرب نسباً لأن النبي عليه الصلاة والسلام بين أن زكاة الغني لا تقبل وفي أقربائه محاويج، لأن الغريب أنت له وغيرك له أما القريب من له غيرك، هناك مرجح الفقر، أعطي الأفقر، هناك مرجح القرابة أعطي الأقرب، هناك مرجح الإيمان أعطي الأكثر إيماناً لأنه سينفق هذا المال في مرضاة الله:

﴿ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ (215) ﴾

     هذه مرجحات الإنفاق، لكن كحقيقة مطلقة:

 

﴿ وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ العفو ﴾

( سورة البقرة الآية: 219 )

     ما زاد عن حاجتك، من زاد عن حاجتك ينبغي أن يكون سلماً إلى الآخرة طريقاً إلى مرضاة الله عز وجل.

 

ارتباط الإنفاق بالحياة الدنيا :

     البطولة أن الإنفاق ليس مفتوحاً مرتبط بحياتك الدنيا فسارع إلى الإنفاق:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (254) ﴾

     إما أن تنفق في الوقت المناسب، أو بعد هذا الوقت ليس هناك إنفاق هناك جزاء ولا عمل، ونحن في دار عمل لا جزاء.
     أيها الأخوة الكرام، مرّ النبي عليه الصلاة و السلام بقبر فقال صاحب هذا القبر إلى ركعتين مما تحقرون من تنفلكم، هاتان الركعتان خير له من كل دنياكم.
     إنسان معه ملايين مملينة يملك شركة رابحة جداً إلى ركعتين ويقاس على ذلك والمؤمن إلى درهمين ينفقهما في حياته أفضل من مئة ألف درهم أوصى بها ولا تنفق بعد مماته، صدقوا أيها الأخوة عندي اكثر من عشر وصايا لم تنفذ واحدة، هناك من ترك لأهله أموالاً كثيرة ضنوا عليه بمبلغ يسير أوصى به بعد موته، درهم تنفقه في حياتك خير من مئة ألف درهم ينفق بعد مماتك.

 

من ينفق ماله في سبيل الله يكرمه الله في الدنيا قبل الآخرة :

     الشيء الذي لا يصدق أو يصدق واسألوا من ينفق حول هذه الآية:

﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (261) ﴾

( سورة البقرة).

     والله أيها الأخوة، خلال أسبوعين سابقين حدثني أخوة كرام والله بكيت من تأثري بهذه القصص أنفق مبلغاً في سبيل الله دون أن يعلم به أحد، عشرة أضعاف، أكرمه الله بها في الدنيا قبل الآخرة، لذلك:

 

﴿ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (261) ﴾

( سورة البقرة)

آداب الإنفاق :

1 ـ إن فعلت معروفاً ينبغي أن تنساه نهائياً وإن فعل معك أحد معروفاً ينبغي ألا تنساه:

     الإنفاق له آداب:

 

﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى (262) ﴾

     إن فعلت معروفاً ينبغي أن تنساه نهائياً وإن فعل معك أحد معروفاً ينبغي ألا تنساه ما حييت، هذه أخلاق المؤمن:

 

﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (262) ﴾

2 ـ عدم إنفاق الإنسان ماله كله كي لا يهلك:

     الله عز وجل لا يريدنا أن ننفق كل أموالنا ولم يقبل النبي عليه الصلاة والسلام مال صحابي كله إلا من الصديق استثناءً، قال له ماذا أبقيت يا أبا بكر ؟ قال: الله ورسوله. لذلك:

﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ (195) ﴾

( سورة البقرة )

     إن لم تنفقوا:

﴿ وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ (195) ﴾

( سورة البقرة )

     إن أنفقتم مالكم كله، هذه الآية تحتمل معنيين.

3 ـ الهدية تثبت العلاقة بين الإنسان و غيره:

     شيء آخر أحياناً إنسان تكون العلاقة بينه وبين آخر ضعيفة يمتنها بالهدية، الهدية تقرب تثبت، دقق في هذا المعنى:

 

﴿ وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ (265) ﴾

     يقول لك فلان له مركز قوي عند فلان، فلان العلاقة بينه وبين فلان متينة جداً، أنت بالإنفاق تمتن علاقتك مع الله، والله الذي لا إله إلا هو عدد القصص التي أسمعها في هذه الدعوة من إنسان أنفق مالاً وكيف أن الله عز وجل أكرمه بأضعاف مضاعفة والله لكثرتها لا يتسع المجال لذكرها.

4 ـ إنفاق الشيء الطيب الحلال:

     يا أيها الذين آمنوا تأدب مع الله:

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ (267) ﴾

(سورة البقرة)

     أنفق الشيء الذي تحبه، أنفق الشيء الذي تأكله، أنفق الشيء الطيب، أنفق الشيء الحلال، أنفق الشيء الذي تتمنى أن تأكله:

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ (267) ﴾

(سورة البقرة)

     ثم يقول الله عز وجل:

﴿ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (267) ﴾

(سورة البقرة)

من أنفق ماله في سبيل الله أخلفه الله عليه أضعافاً مضاعفة :

     الآن المنفق أمام آيتين، الآية الأولى:

﴿ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (272) ﴾

( سورة البقرة)

     هذا كلام خالق السماوات والأرض، المعنى الثاني:

 

﴿ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ (270) ﴾

( سورة البقرة)

     ماذا بقي لك من مثبط في الإنفاق ؟ الذي تنفقه يعلمه الله عز وجل، والذي تنفقه يخلفه الله عليك، يعلم ويخلف، والمؤمن ينفق ليلاً ونهاراً سراً وعلانية، في العسر وفي اليسر:

﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً (274) ﴾

     أحياناً الإنفاق العلني له فائدة كبيرة جداً، حينما ألقي كلمة في رمضان لاستنهاض همم المحسنين يأتي مبلغ فلكي فلما ارتأى بعضهم في بعض الأعوام أن نكتفي بإعطاء أوراق للمحسنين ليكتبوا تبرعاتهم جاء المبلغ بما يساوي العشر، لذلك:

 

﴿ إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ (271) ﴾

( سورة البقرة)

     أحياناً إعلان الصدقة يحفز الهمم، يجري مسابقة.

 

من أنفق المال على شهواته و متعه الرخيصة خسر الدنيا و الآخرة :

     أما هؤلاء الذين ينفقون على شهواتهم، وعلى ملذاتهم، وعلى متعهم الرخيصة، هؤلاء ذكرهم الله عز وجل فقال:

﴿ مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (117) ﴾

(سورة آل عمران)

     أي:

﴿ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (23) ﴾

( سورة الفرقان)

إنفاق المال أحد وسائل القرب من الله عزّ وجل :

     الآن كتعليق على قوله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ (35) ﴾

( سورة المائدة)

     إنفاق المال أحد وسائل القرب من الله يؤكد هذا المعنى قوله تعالى:

﴿ وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ (99) ﴾

( سورة التوبة)

     أتحب أن تتقرب إلى الله ؟ أتحب أن تصلي وتبكي في الصلاة ؟ أتحب أن تخشع في الصلاة ؟ أتحب أن تقرأ القرآن فتنهمر دموعك ؟ أتحب أن تقول أنا أسعد الناس في الأرض ؟ أتحب أن تحس بطعم القرب من الله ؟ أنفق:

 

﴿ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ (99) ﴾

( سورة التوبة)

     قال تعالى:

﴿ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ﴾

     الصلاة قربة والإنفاق قربة، قربات عند الله.

 

الاستقامة سبب أساسي في قبول النفقة :

     أيها الأخوة، أنا محرج في هذا المعنى، النفقة تقبل إذا رافقتها استقامة، الآية مخيفة:

﴿ قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ (53) ﴾

( سورة التوبة)

     الإسلام منهج كامل استقم وأنفق، أعرف أناساً كثيرين يأخذون بكل المعاصي والآثام، ولهم إنفاق كبير، الله عز وجل يعوض عليهم ما أنفقوا أضعافاً مضاعفة، لكن الذي ينبغي أن يكون أن تكون مستقيماً وأن تضيف على استقامتك الإنفاق حتى تنتفع بالإنفاق في الدنيا والآخرة:

﴿ قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ (53) ﴾

( سورة التوبة)

الدال على الخير كفاعله :

     الآن قد يتأثر أحد الأخوة الكرام، إنسان مؤمن طاهر عفيف نقي مستقيم لكنه فقير دخله لا يكفي أسبوعين من الشهر كيف ينفق ؟ استمعوا لهذه الآية التي فيها جبر لخاطر هؤلاء:

﴿ لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ (91) ﴾

( سورة التوبة)

     إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم، قال تعالى:

 

﴿ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ (91) ﴾

( سورة التوبة)

     بإمكانك أن تنصح، أن تدعو إلى الله، أن تأمر بالمعروف، أن تنهى عن المنكر، أن تدل على الخير ؟ كأنك أنفقت:
     الدال على الخير كفاعله.
     لك قريب فقير ولك قريب آخر غني، فذهبت إلى الغني ولك مكانة عنده، أنت عنده صادق، قلت له: هذا الشاب بحاجة إلى زواج، ويحتاج إلى مبلغ معين، وأنت ميسور فما قولك أن تساعده ؟ يقول لك ما في مانع كم يريد ؟ تقول مئة ألف، قال لك: المبلغ جاهز، هل تصدق أن الله يكتب لك هذه المئة ألف صدقة منك ؟ كلام النبي عليه الصلاة والسلام كلام المعصوم:

(( الدال على الخير كفاعله))

[ قال الترمذي: حديث غريب عن أنس بن مالك]

     آية قرآنية:

﴿ لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ (91) ﴾

( سورة التوبة)

من حزن لأنه لا يجد ما ينفق فهو عند الله كأنه أنفق :

     الآن هناك حالة أخرى إنسان يبكي لأنه لا يجد ما ينفق، فهو عند الله كأنه أنفق:

﴿ وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (92) ﴾

( سورة التوبة)

     إذا تألمت لعدم الإنفاق أقسم لكم بالله حينما ترى المسلمين يعذبون وتبكي وتتألم لعل هذا البكاء والألم يرقى إلى مستوى الجهاد، لا تتمكن أن تنصرهم لكنك تنتمي إلى هذه الأمة تتألم أشد الألم، لذلك الندم فضيلة بالإنسان.

 

على الإنسان أن يمتحن نفسه هل يسعد بالإنفاق أم بالأخذ :

     اسأل نفسك هذا السؤال ما الذي يسعدك أن تعطي أم أن تأخذ ؟ إن كان الذي يسعدك أن تعطي أنت من أتباع الأنبياء، وإن كان الذي يسعدك أن تأخذ أنت من أتباع أهل الدنيا، لذلك:

﴿ وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا (98) ﴾

     يرى الإنفاق حمقاً، غباء، تفريطاً بالمال، دقق هل يسعدك أن تعطي ؟ امتحن نفسك، تدبر هذه الآية هل يسعدك أن تعطي أم أن تأخذ ؟

 

﴿ وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا (98) ﴾

     هل الإنفاق عندك مغرم أم مغنم ؟ المؤمن الإنفاق عنده مغنم وغير المؤمن مغرم، حدثني أخ قال معي ابني وكنا في رمضان أردت أن أعلمه أن ينفق المال، أعطيته مئة ليرة قلت له: ادفعها لهذا الفقير، والله عز وجل يكافئنا عشرة أضعاف، أراد الأب أن يشجع ابنه وأن يغريه بالعمل الصالح، هذا الطفل صغير جداً دفع المئة ليرة قال له أين الألف ؟ قال أنا دفعتها وليس أنت، هكذا تصور الطفل، أقسم لي بالله مشى عشر دقائق التقى بصديق له سلم عليه هذا الصديق نظر إلى ابن صديقه حمله وقبّله وأخذ من جيبه ألف ليرة وقال هذه لك، الله راعى الطفل، لأن أباه قال له المئة بعشرة، فالله ألهم صديق الأب أن يعطي هذا الابن ألف ليرة، والله الله عز وجل أقول لكم الذي يشدك إلى الدين معاملة الله لك، لا أقول لك جرب الله لا يجرب، لا تبخل:

(( أنفق بلال، ولا تخشَ من ذي العرش إقلالا ))

[ الطبراني في المعجم الكبير والأوسط بسند حسن عن أبي هريرة ]

     لكن الناس يعيش فقيراً ليموت غنياً.

 

توعد الله عز وجل من يكنز المال بالعذاب الأليم :

     سمعت كلمة تهز أعماق الإنسان صديق إنسان متوفى التقى بابنه قال له إلى أين أنت ذاهب ؟ قال ذاهب لأشرب الخمر على روح أبي، يعيش المرء فقيراً ليموت غنياً، ورد في بعض الآثار:
     إن روح الميت ترفرف فوق النعش، تقول: يا أهلي، يا ولدي، لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي، جمعت المال مما حلّ وحرم، فأنفقته في حلّه وفي غير حلّه، فالهناء لكم والتبعة علي.

﴿ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34) ﴾

( سورة التوبة)

الدنيا دار ابتلاء و عمل لا داء جزاء و تشريف :

     ثم يطمئننا ربنا عز وجل قال:

﴿ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ (272) ﴾

( سورة البقرة)

     لكن هناك أناس يتصرفون تصرفاً عجيباً يقول لك: ما يكفي العباد إلا الله، الله عز وجل خلقه وهو وليه، أنا ليس لي علاقة، اسمع الآية:

 

﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (47) ﴾

( سورة يس)

     هذا الذي يقول الله عز وجل خلق الفقير لترقى به، وخلق الغني ليرقى بالفقير، نحن في دار عمل، دار ابتلاء، الفقير مبتلى بالفقر، والغني مبتلى بالغنى، والبطولة أن تنجح في امتحان الغنى وامتحان الفقر، لكن أحياناً يقول لك شحص يملك ملايين مملينة سيدي السنة كم الزكاة ؟ تقول له خمسين ليرة، عنده ثمانية أولاد أربعمئة، أنت عليك الزكاة عشرة آلاف، الله عز وجل قال:

﴿ لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ (7) ﴾

( سورة الطلاق)

الزكاة فرض على كل إنسان ليذوق طعم الإنفاق :

     الغني ليس له الحق أن يأخذ الحد الأدنى هذا الحد الأدنى للفقير، لأن الله عز وجل حينما فرض علينا زكاة الفطر فرضها على كل مسلم صغيراً كان أم كبيراً، غنياً كان أم فقيراً، ذكراً كان أم أنثى، فرضها على من يملك قوت يومه، وجبة طعام واحدة لماذا ؟ قال، الله عز وجل أراد بهذه الزكاة (زكاة الفطر) فضلاً عن أنها طهرة للصائم وطعمة للمسكين أراد أن تذوق طعم الإنفاق مرة في العام، أفقر إنسان لا يوجد في بيته إلا وجبة طعام واحدة عليه صدقة فطر، ليذوق الفقير طعم الإنفاق، الإنفاق له طعم، لذلك:

﴿ لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ (7) ﴾

(سورة الطلاق)

     وعلى قدر سعته:

﴿ لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آَتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آَتَاهَا (7) ﴾

(سورة الطلاق)

     هذه الآية توضح، هناك نسبة.

 

المال الذي عندك ليس مالك إنما هو مال الله :

     ثم يقول الله عز وجل:

﴿ هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (38) ﴾

( سورة محمد)

     أيها الأخوة، حينما تعتقد أن المال الذي عندك ليس مالك إنما هو مال الله، وأنت مستخلف فيه، ويدك عليه يد الأمانة، فأنت فقير، سألوا أعرابياً لمن هذه الإبل ؟ قال هي لله في يدي، أبلغ جواب أجابه أعرابي، اعتقد جازماً أن المال الذي بين يديك هو مال الله وضعه بين يديك واستخلفك على إنفاقه، فأنت يدك على هذا المال يد أمانة وليس يد ملكية.

 

كل شيء حصلته في حياتك ليس لك هو لك ما دام قلبك ينبض :

     ثم يقول الله عز وجل:

﴿ وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ (10) ﴾

( سورة الحديد)

     كل شيء حصلته في حياتك ليس لك، هذه الأموال لك ما دام القلب ينبض، هذه الأموال لك ما دام الدم سائل، هذه الأموال لك ما دام نمو الخلايا طبيعي إن نمت نمواً عشوائياً انتقلت إلى غيرك، وإن تجمد الدم في القلب جلطة، احتشاء مات، وإن توقف القلب عن النبض سكتة قلبية انتهى المال، كل هذه الأموال ليست لك:

 

﴿ وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ (10) ﴾

( سورة الحديد)

     هذا المال في النهاية لله عز وجل، أعرف رجلاً له قريب ترك ألف مليون في الشام نصيبه من هذا المبلغ تسعون مليوناً، أغلق محله التجاري ومشى في متابعة معاملة الإرث ستة أشهر يومياً سكن دوائر الدولة وهو في الحمام وافته المنية قبل أن يقبض قرشاً واحداً.

 

﴿ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ (10) ﴾

( سورة الحديد)

تسمية العمل الخيري عملاً إرهابياً من قِبل الكافر :

     هناك شيء آخر نحن أحياناً نستمع إلى إجراءات جديدة، العمل الخيري عمل إرهابي لذلك:

﴿ هُمْ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا (7) ﴾

( سورة المنافقون )

     يسموه الآن تجفيف منابع الجمعيات الخيرية، تجفيف منابعها عدم الإنفاق، وحظر الإنفاق في العالم الغربي دليل لؤم، هذا شأن الكافر دائماً:

 

﴿ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9) ﴾

( سورة الحشر)

العاقل من أنفق ماله في سبيل الله قبل فوات الأوان :

     يقول الله عز وجل:

﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمْ الظَّالِمُونَ(254) ﴾

( سورة الحشر)

     يأتي الجواب:

﴿ وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا (11) ﴾

( سورة المنافقون )

     قبل أن تندم، قبل فوات الأوان.

 

لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ :

     مرة ثانية:

﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ (92) ﴾

( سورة آل عمران)

     ومرة ثالثة:

 

﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (67) ﴾

( سورة الفرقان)

     في اعتدال بالإنفاق، ومرة رابعة:

 

﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ (134) ﴾

(سورة آل عمران)

     والله أعرف مؤمنين حينما يرى إنساناً بحاجة ماسة والله يقترض ويقدم له هذه الحاجة، مع أنه غير مكلف، هذا عمل خاص، موقف خاص:

 

﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134) ﴾

(سورة آل عمران)

الله عز وجل يعطي الإنسان على قدر بذله :

     أما الذين ينفقون أموالهم:

﴿ وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ (38) ﴾

( سورة النساء)

     أمام الناس ينفق له قريب يكاد يموت من الجوع لا يعطيه شيئاً، هذا القريب إذا أعطاه لا أحد يعلم به، أما أمام جمهور من الناس حتى يقال محسن كبير يحتاج إلى رخامة، شخص في بلد إسلامي دفع للمحسنين ثلاثمئة مليون دولار، فسمع أحد علماء دمشق كان في زيارة هذا البلد تمنى أن يلتقي به، شخص دعاهم إلى طعام الإفطار فجاء هذا العالم الدمشقي وانتظر ما كان يأتي هذا المحسن، قال ما جاء ؟ قالوا له جالس إلى جانبك، ما انتبه من كثرة تواضعه ، والله هذه البلدة مباركة والله فيها محسنون الله عز وجل أدعو لهم أن يكونوا في أعلى عليين، والله في بذل بهذا البلد يفوق حدّ الخيال، أنا سمعت بمجتمع جمعوا نفراً من المحسنين لصندوق العافية في مستشفى قدمت لهم هدية على الهيكل تحتاج إلى مليار ونصف، في ساعات دفع نقداً وعيناً حوالي ثلاثمئة مليون في هذا البلد، هذه بشارة لهذا البلد:

(( رأيت عمود الإسلام قد سلّ من تحت وسادتي، فأتبعته بصري فإذا هو بالشام ))

[ الطبراني والحاكم عن ابن عمرو ]

     هذا الجامع المتواضع والله الناس لا يصدقون أعلى رقم يجمع في دمشق لصندوق العافية، فالله عز وجل يعطي على قدر البذل:

 

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ (36) ﴾

( سورة الأنفال)

     إياك أن تنفق المال في طريق لا يرضي الله:

 

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ (36) ﴾

( سورة الأنفال)

 

الود بين المؤمنين يصنعه الإيمان لا يصنعه الإنفاق :

     أيها الأخوة، لكن الود بين المؤمنين يصنعه الإيمان لا يصنعه الإنفاق:

﴿ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ (63) ﴾

( سورة الأنفال )

     الحديث الشريف القدسي:

(( ابن آدم أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ ))

[ البخاري عن أبي هريرة ]

(( من أنفق نفقة في سبيل الله كتبت له بسبعمئة ضعف ))

[ الترمذي و النسائي عن خُريم بن فاتك]

(( إن المسلم إذا أنفق على أهله نفقة وهو يحتسبها كانت له صدقة ))

[مسلم عن أَبِى مَسْعُودٍ الْبَدْرِىِّ]

(( أنفق بلال، ولا تخشَ من ذي العرش إقلالا ))

[ رواه الطبراني عن ابن مسعود ]

     أيها الأخوة الكرام، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني، والحمد لله رب العالمين.

 

* * *

الخــطــبـة الثانية :

     الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى صحابته الغر الميامين، و على آل بيته الطيبين الطاهرين.

الصيام ثاني أكبر عبادة في الإسلام فعلى الإنسان أن يحرص عليه :

     أيها الأخوة الكرام، لفت نظري في هذا الشهر الكريم أن الإنسان يسارع إلى الإفطار في رمضان قبل أن يتأكد من صحة إفطاره، الحديث الذي يقسم الظهر:

(( من أفطر يوماً من رمضان من غير رخصة ولا مرض لم يقض عنه صوم الدهر وإن صامه ))

[ رواه الترمذي عن أبي هريرة ]

     لابدّ من أربعة، طبيب، مسلم، حاذق، ورع، يقول لك أفطر وينبغي أن تفطر، أما من غير رخصة، من غير مرض تهاون أعوذ بالله، هذا الصيام ثاني أكبر عبادة في الإسلام.

 

الدعاء :

     اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق، ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك و نتوب إليك، اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعز المسلمين، انصر المسلمين في كل مكان، وفي شتى بقاع الأرض يا رب العالمين، اللهم أرنا قدرتك بأعدائك يا أكرم الأكرمين.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018