الترغيب والترهيب - الدرس : 113 - كتاب القضاء - الترهيب من تولي السلطنة والقضاء والإمارة سيما لمن لا يثق بنفسه وترهيب من وثق بنفسه أن يسأل شيئا من ذلك -1 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الترغيب والترهيب - الدرس : 113 - كتاب القضاء - الترهيب من تولي السلطنة والقضاء والإمارة سيما لمن لا يثق بنفسه وترهيب من وثق بنفسه أن يسأل شيئا من ذلك -1


1997-12-15

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

الشعور بالمسؤولية يتنامى مع الإيمان:

 قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسؤْولٌ عن رَعِيَّتِهِ فالإمامُ رَاعٍ ومَسْؤولٌ عَن رَعِيَّتِهِ والرجلُ رَاعٍ في أهله، وهو مَسؤولٌ عن رَعِيَّتِهِ والمرأَةُ في بَيْتِ زَوجِها رَاعيةٌ وهي مَسؤولَةٌ عن رَعيَّتِها والخادم في مال سيده راع وهو مسؤول عن رَعِيَّتِهِ ))

[ متفق عليه عن ابن عمر]

  أيها الأخوة، كلما نما الإيمان في القلب نما معه الشعور بالمسؤولية.
 سيدنا عمر يقول: " والله لو تعثرت بغلة في العراق لحاسبني الله عنها لِمَ لمْ تصلح لها الطريق يا عمر ؟".
 فالمسؤولية، أو الشعور بالمسؤولية أن الله سيسأله يتنامى مع الإيمان، فكلما ضعف الإيمان ضعف مع ضعف الإيمان الشعور بالمسؤولية، وكلما نما الإيمان بالقلب نما معه الشعور بالمسؤولية، تبدأ من الأب، الأب مسؤول عن أولاده، الأبوة مسؤولية، لو أن أباً ميسور الحال، امتنع عن تزويج ابنه، وسقط الابن في فاحشة الزنا، فالأب مسؤول عنه، لو أن أباً أنجب بنتاً، ولم يعرفها بربها، ولم يحملها على طاعة ربها، أهمل شأنها فتفلتت، كل انحرافاتها في صحيفة أبيها، وعلى هذا فقس.

 

﴿ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ ﴾

 

( سورة يس )

  أثر أي عمل إهمال في الصنعة، نتج عنه حادث، إنسان ركّب شيئاً على السطح ولم يحكم تركيبه، وقع في أيام الرياح فقتل طفلين بتن وصبي، مسؤول عن هذا العمل.
 فالإنسان إذا عرف الله عز وجل، وعرف أن الله سيحاسب استقام في حياته، أنت في دار ابتلاء، أنت في دار امتحان، أنت مكلف، الكون بأكمله مسخر لك، مُنحت العقل، مُنحت التشريع، مُنحت الفطرة، مُنحت الآيات الدالة، فالآيات، والعقل، والفطرة، والكون المسخر، هذا كله من أجل أن تشعر بالمسؤولية، فالأب مسؤول، طبيب أهمل مسؤول، مهندس أهمل البناء سقط مسؤول.

 

كلما ارتفع مقام الإنسان اتسعت دائرة مسؤوليته:

 

 الإنسان إذا نما إيمانه ينمو مع إيمانه الشعور بالمسؤولية، لا يوجد إنسان ليس له ولاية على أحد، هل هناك أقل من خادم ؟ هذا الخادم أمين على مال سيده، هل هنلك أقل من زوجة في البيت ؟ هي راعية لبيت زوجها وأولادها، مسؤولة عن سلامة هذا البيت، عن تربية الأولاد.
فالتفلت أساسه ضعف الإيمان.
 الإنسان من طبعه الهروب من المسؤولية، والآن أكثر الناس يلقون بأخطائهم على غيرهم، يحاول أن يلقي خطأه على غيره، وبعض المتدينين يلقي هذا على القضاء والقدر، كل أخطائه و يقول: الله يريد هذا، هذا ترتيب سيدك، أخطاؤه، ونتائج أخطائه الوبيلة يرميها على الله عز وجل، ويتوهم أنه نجا، لا لم ينجُ، الإنسان مسؤول، وكلمة مسؤول أحياناً الإنسان يترنم فيها، أنا مسؤول كبير، لو عرف معناها لوقع مغشياً عليه.
 أنا معلم أحاسب عن صفي، عن ثلاثين طالباً، أما مدير المدرسة يحاسب عن سبع و عشرين شعبة، فيجب أن تكون إدارته حازمة، يتفقد شؤونه تماماً، يرعى المدرسين، يتفقد أحوالهم ويتابعهم، ويتابع الطلاب، وغياب الطلاب، أحياناً الطالب يغيب أسبوعين، ينحرف أخلاقياً، وعند أهله هو بالمدرسة، إن لم يكن هناك متابعة مع الأهل المدير مسؤول، لأنه مدير هو محاسب عن سبع و عشرين شعبة.
أما مدير منطقة محاسب عن محافظة بأكملها، أما وزير التربية محاسب عن التربية بالقطر في كل البلد.
كلما ارتفع مقامك اتسعت دائرة مسؤوليتك، فالأب مسؤول عن كل أولاده، أما الابن مسؤول فقط عما استُعمل، كلفه بعمل، يحاسب عليه.
 لذلك سيدنا عمر بن عبد العزيز، دخلت عليه زوجته، رأته يبكي في مصلاه قالت له: مالك تبكي ؟ قال: دعيني وشأني، قالت له: ما لك تبكي ؟ قال: دعيني وشأني، في المرة الثالث، قال: نظرت إلى الفقير البائس، واليتيم، والرجل المسكين، والكبير، وذي العيال الكثيرة، وابن السبيل، ذكر أكثر من عشرين صنفاً، فعلمت أن الله سيحاسبني عنهم جميعاً، وأن خصمي دونهم رسول الله، فلهذا أبكي.

الإيمان بالقضاء والقدر لا يلغي المسؤولية:

 إذاً كلما تنامى الإيمان، كلام سيدنا عمر ليس للتسلية، يقول: " لو تعثرت بغلة في العراق ـ هو في المدينة، أما العراق تحت ملكه، ليس إنساناً بقي بلا طعام، ليس إنساناً مظلوماً، لا ـ لو تعثرت بغلة في العراق لحاسبني الله عنها، لِمَ لمْ تصلح لها الطريق يا عمر ؟".
 اجعل هذه المقولة مقياساً، واعلم أن الله سيسأل كل راع عما استرعاه، معلم ما درس، طبيب ما اهتم، كم إنسان يموت بالمستشفيات بقسم الإسعاف من تأخر الطبيب ؟ يمكن أن يسعفه، يمكن أن يعطيه صدمة كهربائية ويعيش، يقول لك: هذا انتهى أجله، انظر، الإيمان بالقضاء والقدر لا يلغي المسؤولية، والدليل:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ ﴾

( سورة النور الآية:11 )

  إذاً معنى الإفك خير.

 

﴿ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾

 

( سورة النور )

  الشيء حينما يقع هذا قضاء وقدر، ولكل واقع حكمة، أما أن يكون لكل واقع حكمة لا يعفي الذي سببه من المحاسبة، طبيب أهمل المريض فمات، هذا لا يعفيه من المسؤولية، انتهى أجله، هذا أجله ليس له علاقة، لكن كان من الممكن أن يعيش لو أسعفه.

 

الدين شعور بالمسؤولية:

 

 فالإنسان إذا فكر، أحياناً مهندس لا يحضر صب السقف، العمال جهلة، يمشون العجلات على الحديد، يأخذ موقعاً آخر غير موقعه، يكون موقعه بالأعلى فيصبح بالأسفل، فتختلف وظيفته، عندك حديد للشد، وحديد للحمل، اختلفت وظيفته، وقعت الشرف، ذهب ضحيتها خمس فتيات، مسؤول، بناء سقط، مريض مات، طفل انحرق، كثير من الحالات سببها عدم الشعور بالمسؤولية.
 بدءاً من البيت، أب مهمل، أم مهملة، حتى في الأمور المادية، أي صناعة غير متقنة أحياناً تسبب الموت، أحياناً يكون هناك أسطوانات غاز غير متقنة، هناك إهمال أثناء التعبئة، لا يوجد إتقان في العمل فيتسرب الغاز فيُحدث انفجاراً، تمديد الكهرباء فيه مسؤولية أيضاً، مثلاً هناك وصلة داخلية ضمن التيب غير متقنة، يحدث احتكاك فيعمل حريقاً، إذا عليك أن تحاسب نفسك أن كل شيء تفعله تحاسب عليه، هذا الحديث شامل، حديث واسع جداً، أنت لك هوية، ولك موقع، هويتك طالب، محاسب، هويتك أب، الهوية أم، الهوية معلم، الهوية تاجر، الهوية يعمل في خدمات معينة، مثلاً القصة وقعت في الشام:  إنسان شكّ بسلوك ابنته، توهم أنها حاملة من الزنا، لا يوجد عنده حل إلا أن يعمل لها تحليلاً، فذهب إلى المخبر لإجراء تحليل لها، و في المخبر وقعت الزجاجة من يد موظف العينة وانكسرت، خاف من معلمه، فكتب: النتيجة إيجابية، أي يوجد حمل، جاء الأب ثاني يوم، قال له: مبروك حامل، فذبح ابنته في اليوم الثاني، و البنت بريئة، ذُبحت لأن التحليل فيه خطأ، آلاف القصص، المخبر مسؤول يحاسب كقاتل.
 طبيب بمصر أعطى وصفة دواء لطفل صغير، و لأنه مستعجل أعطاه عياراً يعطى لإنسان كبير، طبيب بمستوصف عام، بعد أن كتب الوصفة لم يأخذ اسم الأب، ولا اسم الابن، وبعدما غادروا ـ يبدو أن الدواء فعال وله تأثير خطير، والعيار الكبير يقتل الصغير ـ شعر هذا الطبيب بالمسؤولية، توجه للتلفزيون وبلغهم أنه أنا بالمستوصف الفلاني، وصفت وصفة لطفل، وإذا أخذ هذه الجرعة يموت فوراً، بلغوا، فعلاً قطعوا البرامج، وبلغوا مصر كلها، ومن فضل الله أن الأب وصل له الخبر، إذاً ضحى هذا الطبيب بسمعته، لكنه أنقذ طفلاً، هذا الشعور، بكل حرفة يوجد مسؤولية.
 أحياناً مادة غذائية غالية الثمن، يضع لها مادة مسرطنة، ليحفظ العلبة من الانتفاخ إن لم تباع، و هذه المادة هي بنزوات الصوديوم، مسموح بواحد بالألف فيضع ثلاثة بالألف، لماذا ؟ حتى يضمن عدم فسادها إن لم تباع، هذه مسؤولية كبيرة، ليبيع الطحينة فاتحة، وأغلى بعشر ليرات، يضع اسبداج، سيحاسب، يحاسب حساباً عسيراً، هؤلاء الناس في رقبة هذا الذي يصنع الغذاء، هناك غذاء مسرطن، مواد منتهية المفعول، دواء مفعوله منته.

من أدخل في حساباته محاسبة الله له عاش في سعادة كبيرة:

 الدين شعور بالمسؤولية، لو الناس تدينوا جميعاً نعيش حياة في منتهى السعادة، كل واحد يعرف حدوده، كل واحد يدخل في حساباته محاسبة الله له، وهناك أخطاء في الصناعات الغذائية لا يعلمها إلا الله، أخطاء فاحشة.
 يجوز أن تستغربوا، إذا باع الإنسان مئة فروج و كان عشرة منهم قد ماتوا قبل الذبح، يأتي إنسان فقير يشتري هذا الفروج، و هو بغاية السعادة أنه اشترى لأهله فروجاً ليأكلوا، هو لا يعلم أن الفروج كان ميتاً قبل أن يذبح فحرام أكله، ومعنى حرام أن فيه ضرر كبير، أحياناً المخبز في الليل لا يوجد فيه اهتمام، فالفران سيحاسب، أي صانع غذاء سيحاسب.
 طبعاً الضبط البشري جيد لكن لا يمكن أن يؤدي الهدف، إذا عندك عشرة ملايين مواطن تحتاج إلى عشرة ملايين شرطي، ويجلسون معهم أيضاً، هذه مستحيلة، فلابد من أن ننمي الشعور بالمسؤولية.
 قال له: بعني هذه الشاة وخذ ثمنها، قال له: ليست لي، قال له: قل لصاحبها ماتت أو أكلها الذئب، قال له: ليست لي، قال له: خذ ثمنها، قال له: والله إنني لفي أشد الحاجة إلى ثمنها، ولو قلت لصاحبها ماتت أو أكلها الذئب لصدقني فإني عنده صادق أمين، ولكن أين الله ؟!.
أحياناً تقع فأرة في تنكة الزيت عند السمان، الزيت أصبح نجساً، يمكن استعماله للصابون، أما يباع على أنه زيت بلدي ؟ مستحيل !.
 هذا موضوع المسؤولية، فلن تستقيم حياتنا إلا إذا أحسسنا بالمسؤولية، الإنسان أحياناً يؤوي إلى فراشه، يشعر أنه لم يوقع الأذى بأي إنسان، يحاسب نفسه حساباً دقيقاً، يتلف مادة مؤذية، فينام مرتاح البال.
 الآن يمكن أن يكون عند الصيدلي دواء انتهى مفعوله فيحك محل الصلاحية و يبيعه، الدواء ثمنه ثلاثمئة ليرة، هو حلّ مشكلته، لكن عند الله وقع، وقع وبدأ الحساب.
 والله أنا من يومين سمعت خبراً، شخص بإمكانه أن يصحح خطأه فلم يصححه، نُصح، استمرأ الانحراف، وإيذاء الناس، البارحة توقفت كليتاه عن العمل، الآن دخل في سلسلة جديدة، دخل بمتاهة، دخل للشقاء في الدنيا.

من هان أمر الله عليه هان على الله:

 

 تبني ثروتك على أنقاض الناس ؟ تبني عزك على إهانتهم ؟ تبني مالك على ابتزاز مالهم ؟ وتنسى أن هناك إله يحاسب ؟
 أقول لكم: من هو الأحمق ؟ الأحمق الغبي الذي يتجاهل وجود الله، يظن نفسه قوياً، الأمر سهل عليه.
 قال طبيب لآخر بالضبط: ـ هذه سمعتها من ثلاثة أيام، يتفق طبيب مع مخبر ـ أول ثلاثة تحاليل لا تعملهم، الأجرة مناصفة، تبدأ من الرابع.
 يأتي المريض لعند الطبيب، فيقول الطبيب له: أنا لا أثق بهذا المخبر، تذهب لعند فلان، وعند فلان يوجد ثلاثة تحاليل خلبيات و الطبيب له النصف، كل يوم عنده حساب دقيق، بعثت لك التحليل الفلاني أين أجرته ؟.
 هذا نموذج، و بالمهندسين هناك نموذج آخر، و بالمدرسين نموذج ثالث، مثلاً المدرس يأتي بأسئلة صعبة فيخلق مليون مشكلة بالبيوت، يضع صفراً أو واحد، الأب يضرب ابنه فتنشأ مشكلة، حتى يؤمن لابنه دروساً خصوصية، يعمل امتحاناً خلبياً غير معقول.
 فهؤلاء الناس هكذا يعيشون، لماذا هان الناس على الله ؟ لماذا هانت كرامتهم على الله ؟ لماذا هانت حياتهم على الله ؟ لماذا هناك ضائقة شديدة جداً ؟ لانعدام الإحساس بالمسؤولية، فالإنسان إذا أدى عمله كاملاً، وخاف من الله، فله عند الله حساب خاص و إكرام خاص.
يجب أن تتعامل مع الله، يجوز أن يكون القانون لطرفك، مثلاً المستأجر قوي جداً ببلادنا بحسب القوانين، و مالك البيت لا يستطيع شيئاً.
 أعرف شخصاً ثماني سنوات بالمحاكم، استطاع أن يؤمن محامياً قوياً جداً، وانتزع البيت من امرأتين عوانس، و البيت موردهما الوحيد، انتزعه منهم، واشتراه، و وقع العقد، بعد ثلاثين يوماً توفاه الله، فلقي الله مغتصباً.
 فوق الأرض يوجد قوانين، لكن تحت الأرض لا يوجد قوانين، يوجد شرع، فأنت لا تستطيع أن تحتج بأي مادة قانونية في القبر، تحتج بها في النهار، وأنت على سطح الأرض، أما تحت الأرض لا تحاسب إلا وفق الشرع، الاغتصاب اغتصاب.

 

وسائل الغش لا تعد و لا تحصى و العاقل من تجنب الحرام:

 

 لذلك أخواننا الكرام، هذا الحديث مهم جداً ؛ بدءاً من الطفل الصغير يجب أن يشعر أن هذه مشكلة، تجد أحياناً شخصاً يجن، ضغط، ضغط، ضغط، يختل توازنه، عنده أسرة، تصور أسرة الأب في مستشفى الأمراض العقلية و لا يوجد أي دخل آخر لها فانحرف الابن.
 أعرف شخصاً ظُلم، فقد حريته، فانحرف ابنه انحرافاً شديداً، هذا الذي ظلمه، وحرمه من حريته، ومن بقائه مع أهله، وانحرف ابنه، انحرافه بصحيفة من ؟ عندما انحرف الابن أخلاقياً حرف معه مئة، هذا الواحد سبب انحراف مئة لأن الأب كان غائباً، والأب بوضع لم يؤدِ العقوبة بشكل عادل، فنشأ مشكلة، لو تتبعت مشاكل الناس لوجدت مليون مأساة سببها عدم الشعور بالمسؤولية.
 موظف بالمالية، ضع عليه هذه الضريبة، مات بالجلطة فوراً، من أسبوع شخص بلغوه بالضريبة المترتبة عليه فمات فوراً، سبعة ملايين باع بيته ثمنه بسبعة ملايين ليدفع ما ترتب عليه.
 أحياناً تنشأ مشكلات، ترتكب جرائم، بسبب شيء فيه قهر للإنسان، من هو الملك ؟ الذي ينام في الليل على وسادته، لم يسبب أي أذى لأي إنسان، مبدئياً اترك الإحسان، الإحسان درجة ثانية، قبل أن تحسن لا تسيء، لأنك أنت ما جمعت مالك من حرام، ما جمعت مالك من غش، ما غششت الناس، و هذا أقل شيء.
 يمكن أن تبيع خيطاً مستعملاً سابقاً، هناك ألبسة كاسدة ببلاد أوربا تفرم وتغزل مرة ثانية، هذا الخيط لا يوجد به قوة أبداً، تلبس الجوارب ثلاث مرات فيتمزقون، أخذ ثمنه ما يقدر بثمانين أو مئة ليرة على أساس أنه من الصوف، موظف دخله محدود، اشترى الزوج فكانت الخيوط مستعملة سابقاً، لبسه فمزق، هو ربح، الذي عنده معمل ربح، حقق ربحاً كبيراً، إذاً هناك وسائل للغش لا يعلمها إلا الله.

جمع الثروة على حساب أخلاق الشباب خسارة كبرى:

 الناس يظنون أنهم ينفذون من الله، لا ينفذون، الله عنده فشل كلوي، عنده خثرة بالدماغ، عنده سوء عمل دسام، عند ألف عمل للذي يكسب ماله بالحرام.
 أنا أعرف طالباً كان عندي من عشرين سنة، قال لي: لي خال صاحب سينما بالأربعينات صار معه سرطان، عندما دخلت عليه صار يبكي، قال له: أنا جمعت خمسة ملايين ـ القصة بالستينات ـ حتى أتنعم بهم بحياتي، فلم أفلح، لأني جمعتهم على حساب أخلاق الشباب، كلما كان الفيلم فيه مناظر مثيرة أكثر عليه رواج أكثر، فكان همه أن تكون الصالة مليئة بالحفلة، فجمع الثروة على حساب أخلاق الشباب، الله عز وجل أخذه، أخذه بأوج حياته.
 أنا لا أقول لكم أن تنفقوا أموالكم، قبل إنفاق المال، قبل العمل الصالح، قبل الدعوة إلى الله، يجب ألا تكون سبباً بإيذاء إنسان، لا بصحته، ولا بكرامته، ولا بحريته.
 مثلاً في مخافر الشرطة هناك ظالم و مظلوم، الظالم يرشي، فالمظلوم فوق مشكلته يعاقب بشدة، يقول: أعطانا خمسمئة ليرة، و هو لا يعرف ما سيأتي أمامه، هذا أمامه عقاب شديد.
عدل ساعة يعدل أن تعبد الله ثمانين عاماً.

درء المفاسد مقدم على جلب المنافع:

 إذاً: المفروض أن يكون الإنسان دقيقاً قبل أن يعمل أي عمل صالح، لأن درء المفاسد مقدم على جلب المنافع، قبل أن تعمل عملاً صالحاً، اضبط أمورك، أتقن عملك، كن أباً صالحاً، لا تعطي شيئاً مؤذياً، لا تبع بيعة غير صحيحة، لا تتعامل بمادة غير جيدة.
 والله هناك أخ من أخواننا أنا أكبره جداً، عنده معمل لصناعة غذائية، يقول لي: أتصور الأولاد كأنهم أولادي، قال لي: والله أحسن زبدة، أحسن فانيليا، أحسن شوكولا، لا نشتري إلا أحسن نوع، لأن هذا الطفل أخذ من أبيه عشر ليرات كي يشتري بها، هل تطعمه مادة مؤذية ؟ هل تطعمه مادة منتهية المفعول ؟ هذا مسلم، الذي عنده هذا الإحساس داخله لن يخسر أبداً، قال لي: والله على حساباتنا لا نربح، لأن المنافسين يضعون مواد سيئة جداً، على الحسابات لا نربح، لكن نربح، والله يطرح البركة، ونعطي.
 فقط على الإنسان أن يحاسب نفسه، قبل أن تعمل عملاً صالحاً، يجب ألا يكون لك عمل سيء، لأنك بسبب هذا العمل لا تنام الليل و قد آذيت إنساناً، لا تنام و قد تسببت بمشكلة لإنسان، لا تنام وقد أفسدت، لأن هناك مليون عمل أساسه الفساد، أحياناً ببضاعة كلها محرمة، أساس البضاعة فيها فساد، أجهزة كلها أجهزة فساد.
 أنا أعرف سوقاً بأكمله كان يبيع الدولات، أصبح يبيع الصحون، طبعاً الصحون التي فوق الأسطح، سوق بأكمله انقلب إلى بيع الصحون، هذا أربح، طبعاً أربح لكن فيه مسؤولية كبيرة.
 فالقصد اليوم ألا تعمل عملاً فيه فساد، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسؤْولٌ عن رَعِيَّتِهِ فالإمامُ رَاعٍ ومَسْؤولٌ عَن رَعِيَّتِهِ والرجلُ رَاعٍ في أهله وهو مَسؤولٌ عن رَعِيَّتِهِ والمرأَةُ في بَيْتِ زَوجِها رَاعيةٌ وهي مَسؤولَةٌ عن رَعيَّتِها والخادم في مال سيده راع وهو مسؤول عن رَعِيَّتِهِ ))

[ متفق عليه عن ابن عمر ]

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018