الترغيب والترهيب - الدرس : 111 - كتاب الطعام - الترغيب في حمد الله تعالى بعد الأكل - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الترغيب والترهيب - الدرس : 111 - كتاب الطعام - الترغيب في حمد الله تعالى بعد الأكل


1997-12-13

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

العلاقة المذهلة بين تركيب الطعام وتركيب جسم الإنسان:

  عن أنس، عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

(( مَنْ أكل طعاماً ثم قال الحمد لله الذي أطعمني هذا الطعامَ ورزَقنيه من غير حولٍ مني ولا قوة غُفِر له ما تقدَّمَ من ذنبهِ وَمَا تَأَخَّرَ))

[ أبو داود عن أنس عن أبيه ]

  الإنسان كما تكلمنا في الدرس السابق حينما يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، أي هذا الطعام صنع بسم الله، وليس في الأرض كلها قوة يمكن أن تصنع هذا الطعام، وأن ثمن الطعام هو ثمن خدمته، فحينما تعلم أن هذا الطعام خُلق خصيصاً لك، ما هذه العلاقة المذهلة بين تركيب الطعام وتركيب جسم الإنسان ؟ الحليب غذاء كامل للإنسان، القمح غذاء كامل، ما العلاقة بين هذا الطعام وبين جسم الإنسان ؟ هذه البقرة التي تصنع الحليب، أو تعطي الحليب إنما تعطيه بسم الله، هذه الغدة الثديية في البقرة، يجول في أعلاها أوعية دموية كثيفة جداً، تختار هذه الغدة من هذه الدماء البروتينات، الشحوم، المواد الدسمة، والفيتامينات، والسكريات بنسب دقيقة جداً، وتصنع منها الحليب، ولا تعلم هي ما تعمل، فإذا شربت كأس حليب بسم الله، وإذا علمت هذا الطعام، هذا الماء، والحليب، وأنواع الخضار والفواكه إنما صنعت بسم الله.

 

الشكر الدائم ضمان لبقاء النعم:

 إذاً:

(( مَنْ أكل طعاماً ثم قال الحمد لله الذي أطعمني هذا الطعامَ ورزَقنيه من غير حولٍ مني ولا قوة ))

[ أبو داود عن أنس عن أبيه ]

  ماذا يفعل المزارع ؟ يضع البذرة في الأرض ويسقيها، أما هذه البذرة كيف انشقت ؟ وكيف اتجهت نحو الأعلى ؟ وكيف نما لها الجذير ؟ وكيف نما السويق ؟ وكيف ظهرت الأوراق ؟ وكيف اشتد عودها ؟ وكيف أزهرت، ثم أورقت، ثم أينعت ؟ ومن صمم هذه الفاكهة ؟ من أعطاها لونها، وحجمها، وقوامها، وطعهما، ولونها، وشكلها ؟ من جعلها متوافقة مع الإنسان ؟ من جعل هضمها سهلاً في معدة الإنسان ؟ الله جلّ جلاله.
 كلما تناولت لقمة يجب أن تعلم أن هذا الطعام صنع بسم الله، وأنه صنع خصيصاً لك، إذاً:

 

(( مَنْ أكل طعاماً، ثم قال الحمد لله الذي أطعمني هذا الطعامَ ورزَقنيه من غير حولٍ مني ولا قوة ))

 

[ أبو داود عن أنس عن أبيه ]

 هذا معنى قوله تعالى:

 

﴿ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ ﴾

 

 

( سورة المعارج )


 أي هو يصلي دائماً، يصلي الصلوات الخمس، وما بين الصلوات إن أكل طعاماً شكر الله، وإن شرب الماء شكر الله، وإن خرج من بيته شكر الله، وإن دخل إلى دورة المياه وأفرغ ما في مثانته شكر الله، هذا الشكر الدائم ضمان لبقاء النعم، إن أردت أن تبقى هذه النعم، هذا معنى دعاء النبي:

 

 

(( ومتعنا اللهم بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا ))

 

 

الصحة نعمة لا يعرفها إلا من فقدها:

 

 لاحظ أنت المتاعب التي لا تحتمل، لو أن هذه المثانة سُدت، إدخال وتفريغ المثانة، والتخدير، والعملية، لو أن هذه الكلية ضعُف عملها، لو أصيب الإنسان بفشل كلوي لأصبحت حياته جحيماً، عنده غسيل، في كل أسبوع مرتان، غير النفقات، غير ضياع الأوقات والآلام، إذا الإنسان أفرغ مثانته وقال: الحمد لله الذي أذهب عني ما يؤذيني، وأبقى لي ما ينفعني، دائماً هناك صلة بالله، عمل الأجهزة معقد جداً، المعجزة أن تكون سليماً، هذه المعجزة، يقول لك: مليون نترون بالكلية، الطريق طوله مئة كم، يقطعه الدم في النهار خمس مرات، هذه الكلية أخطر من أي جهاز آخر، لو تعطلت لأصبحت الحياة جحيماً لا يطاق.
 مرة النبي صلى الله عليه و سلم، علمنا بالدعاء إذا أكل طعاماً كان يقول:

(( الحمد لله الذي أذاقني لذته وأبقى في قوته وأذهب عني أذاه ))

 

[ ابن السني عن ابن عمر]


 الطعام له لذة، وله قوة، وله فضلات، فاللذة أذاقك الله إياها، والقوة متعك الله بها، والفضلات صرفها عنك، فعليك شكر الله على هذا الجسد بما فيه من أعضاء وأجهزة طول الحياة.
هذه الصلاة الدائمة، أنت مع الله دائماً، مع الله إذا آويت إلى فراشك، النوم نعمة.
 لنا أخ ـ شفاه الله و عافاه ـ إن كان يملك مئة مليون كان سيدفعهم نظير أن ينام فقط، لا ينام، لم يدع طبيباً، و لم يدع طريقة، أبداً، قلت له: امشِ، يمشي لا ينام، هل هذا كإنسان يستلقي على الفراش و ينام بسرعة ؟ هذه نعمة لا يعرفها إلا من فقدها، فالنوم نعمة.

 

 

نعم الله عز وجل على الإنسان لا تعد ولا تحصى:

 

 تتحرك نعمة، تخدم نفسك نعمة، فالصلاة الدائمة أن تشكر الله على نعمه، فإن شكرته على نعمه هذه النعمة لن تزول عنك، وبالشكر تدوم النعم.

(( إنك إذا ما ذكرتني شكرتني وإذا ما نسيتني كفرتني ))

[ الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة]

  لاحظ شرب الماء نعمة، أحياناً خروج الفضلات نعمة، أن تذوق طعم الطعام نعمة، هناك أشخاص على السيروم دائماً، ملقى على السرير في مستشفى، سيروم، لا يستطيع أن يشرب كأس شاي، أو فنجان قهوة.

 

(( مَنْ أكل طعاماً ثم قال الحمد لله الذي أطعمني هذا الطعامَ ورزَقنيه من غير حولٍ مني ولا قوة غُفِر له ما تقدَّمَ من ذنبهِ ))

 

 

[ أبو داود عن أنس عن أبيه ]

  سمعت قصة قديمة جداً، في الشام في العهد العثماني كان هناك والي، وله مدير أعمال، و كان مقر هذا الوالي بالمرجة، دخل مدير الأعمال إلى غرفة الوالي فوجده واقفاً على النافذة، ودمعة تنحدر من عينيه، سأله عن سبب بكائه ؟ فقال له: تعال وانظر، كان هناك إنسان ريفي يريد أن يرى ابنه المسجون في البناء نفسه، يبدو أنه لم يستطع ذلك، فجلس و أخرج صرة فيها خبز مع رأس بصل، وأكل خبزة وبصلة بنهم شديد، قال له: أتمنى أن آكل كما يأكل هذا الريفي، وأن أتخلى عن كل هذا المنصب، وعن كل هذه المظاهر، يبدو أن هذا الوالي كان محروماً من الطعام لسبب مرضي أو عنده مشكلة ما.
فأحياناً الإنسان يأكل صحن فول، صحن حمص، كأس شاي مع قطعة جبنة، صحته طيبة ويأكلها، يستمتع بها، هذه أيضاً نعمة كبيرة جداً.

 

 

المتشائم و المتفائل:

 

 هناك شخص محروم الطعام والشراب، حمية دائمة، مشكلات دائمة، لا تنسى نعم الله عز وجل، دائماً علم نفسك ألا تبحث عن الذي ينقصك، ابحث عما عندك، هذا العلم النفسي اسمه " تفاؤل "، صحة نفسية، وهناك إنسان متشائم، المتفائل دائماً يشكر ما عنده من نعم، والمتشائم يبحث عن النقص، لا يملك سيارة، بيته ليس ملكه مثلاً، عنده بنات فقط، المتشائم، والسوداوي، والشقي هو الذي يبحث عن النواقص دائماً، أما المؤمن الصادق يبحث عما عنده، عنده نعم لا تعد ولا تحصى، ولو أمضى حياته كلها في شكرها لما وفى هذا الشكر، وأكبر نعمة الله خلقك، أنت موجود، هذه نعمة الإيجاد، لماذا خلقك ؟

﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾

( سورة هود الآية: 119 )

 السيارة لماذا صُنعت بالأساس ؟ لماذا هذا المعمل صنع السيارة ؟ من أجل أن تمشي، لا يوجد إنسان يشتري سيارة يوقفها بمكان ويتأمل فيها، يركبها ويمشي بها، لكن السيارة فيها مكابح، المكابح تتناقض مع سبب صنعها، المكبح يتناقض مع السير، لكن هذا المكبح لسلامتها، هو وإن تناقض معها إلا أنه لسلامتها.

 

الحكمة من تحريم الشرب أو الأكل بآنية الذهب و الفضة:

 

 الحديث الثاني: أن رسول اله صلى الله عليه وسلم قال:

(( الذي يشرب في إناء الفضة يجرجر في بطنه نار جهنم ))

[ متفق عليه عن أم سلمة]

  آنية من الفضة الخالصة، آنية من الذهب، ملاعق من الفضة الخالصة، إن الذي يأكل ويشرب، ومن شرب من إناء من ذهب أو فضة، هذه روايات الحديث، لذلك من المحرمات والنبي يقول:

 

(( الذي يشرب في إناء الفضة يجرجر في بطنه نار جهنم ))

 

[ متفق عليه عن أم سلمة]

  أولاً: فيها كبر، ثانياً: فيها استعلاء، ثالثاً: فيها بذخ، فيها استهلاك للمال، لأن الفضة هي نقد، مثلاً عملنا مجسماً بساحة عامة، وأتينا بخمسين أو ستين ملياراً، ولصقناها سوية، بعد ذلك قمنا بدهنهم، فالستين ملياراً لو كانوا بين أيدي الناس، وأصبحوا نقداً متداولاً لحلوا مليون مشكلة، أنشئت معامل، أنشئت مزارع، أنشئت مدارس، نحن جمدناهم بمجسم جمالي، هذا خطأ كبير، هذا الورق من أجل التداول، لا من أجل الزينة، فالفضة والذهب نقد.
 أنا لم أكن أعرف قيمة الذهب، حتى قرأت مقالة عن باخرة بين أوربا وأمريكا، غرقت في عمق البحر، محملة بخمسة طن من سبائك الذهب، قبل سنوات، الباخرة غرقت من ثمانين أو تسعين سنة فبعد أن أخرجوها بدا الذهب كأنه مصبوب الآن، ثمانون سنة بقاع البحر، ومياه مالحة، ما معنى معدن نفيس ؟ أي لا يتأثر لا بالرطوبة، ولا بالماء، ولا بالعوامل الجوية، ولا بالأملاح، هذا الذهب مغسول كأنه الآن مصبوب.

 

تحريم لبس الحرير و الشرب بآنية الذهب و الفضة:

 

 الله جعل الذهب والفضة معادن ثمينة لتكون قيماً للأشياء فأنت بهذا جمدته، يمكن أن تستعمل المرأة الحلي، أما جمدته بأدوات كان من الممكن أن تكون في مجال آخر، هذا فيه كبر، وفيه استهلاك، وفيه استعلاء، و فيه زهو، وفيه نوع من البذخ، هذا الذي نهى عنه النبي عليه الصلاة والسلام.
وعن حذيفة رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

(( لا تَلْبَسُوا الحريرَ ولا الدِّيباجَ ولا تَشْرَبوا في آنيةِ الذهب والفِضَّة ولا تأكلوا في صِحافها فإنَّها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة ))

[ متفق عليه عن حذيفة]

 طبعاً نريد أن نفرق بين الآنية المفضضة، والآنية التي من الفضة، من فضة أي خالصة، أما المفضضة العلماء أعطوا بعض الإجازة مع الكراهة، تكون آنية مفضضة أي مطلية بالفضة.
 قال لي شخص: ما الطريقة لنعرفها ؟ قلت: من سعرها، إذا كان سعر الصينية يساوي سعر الفضة الخالصة زائد تصنيعها تكون من الفضة، أما إذا كان واحد بالمئة من وزن الصينية معناها مفضضة، إذاً:

 

(( لا تَلْبَسُوا الحريرَ ولا الدِّيباجَ ولا تَشْرَبوا في آنيةِ الذهب والفِضَّة ولا تأكلوا في صِحافها فإنَّها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة ))

 

[ متفق عليه عن حذيفة]

 الأحاديث التالية من دلائل نبوة النبي صلى الله عليه وسلم:

 وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

(( لا يأكلنَّ أحدُ منكم بشِمالِه ولا يشربَنَّ بها فإن الشيطان يأكل بشماله ويشربُ بها قال: وكان نافع يزيد فيها: ولا يأخذُ بها ولا يُعطي بها ))

[ رواه مسلم عن ابن عمر ]

 لا تأكل، ولا تشرب، ولا تأخذ، ولا تعطي بشمالك، هذه من السنة، اليمين للأكل، والشرب، والعطاء، والأخذ، والشمال لقضاء الحاجة، وتنظيف الجسم.
 و للنبي الكريم كثير من التوجيهات في السنة أساسها توجيه صحي، هذه اليد مكرمة، اليد اليمين، مكرمة، مقدسة، تأخذ، وتعطي، وتأكل، وتشرب.
 وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم:

 

(( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُتنفَّس في الإناء ))

 

[أخرجه أبو داود والترمذي عن ابن عباس]

 وهذا الحديث من دلائل نبوة النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه ثبت الآن أن هناك نوعاً من العدوى تتم عن طريق التنفس، فالإنسان إذا شرب كأس الماء، وأراد أن يجعل الشرب ثلاثاً ينبغي أن يجعل الإناء بعيداً عن فمه، لأن هناك حالات قليلة هواء الزفير إذا امتزج مع الماء نقلت بعض الأمراض، فكان صلى الله عليه وسلم:

 

(( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُتنفَّس في الإناء أَو يُنفخَ فيه ))

 

[أخرجه أبو داود والترمذي عن ابن عباس]

أدب النبي صلى الله عليه وسلم و ذوقه الرفيع:

 مرة قرأت أن النبي عليه الصلاة والسلام إذا أكل التمر من طبق ـ طبعاً أمسك التمرة، وضعها في فمه، فلما أكلها كاد أن يخرج النواة، ويمسكها بيده، ويضعها على الطبق، ثم أراد أن يأكل تمرة ثانية، فلامس لعابه التمرة الثانية، لو أنه أمسكها فرآها قاسية، فتركها إلى غيرها، ما الذي حصل ؟ لعاب الإنسان وصل إلى هذه التمرة ولم يأكلها، أكلها غيره ـ كان عليه الصلاة والسلام إذا أكل التمر وضع النواة على ظاهر إصبعيه، يجمع أصابعه الثلاثة يضع النواة هنا لتبقى باطن إصبعيه جافة، ولو أكل تمرة أو اثنتين أو ثلاث لا ينتقل لعابه إلى الطبق، هذه قد لا ينتبه لها أحد، لو إنسان أكل التمر، وأخرج النواة، وأمسكها، طبعاً النواة لامست لعابه، وأصابعه لامست النواة، ثم أمسك بعض التمر وضع يده على واحدة وجدها قاسية تركها وأخذ الثانية.
 فهذه النقطة انتبه لها النبي عليه الصلاة والسلام، كان في أعلى درجة من الذوق، أعلى درجة من الرقة، قيل له: ما هذا الأدب ؟ قال:

(( أدبني ربي فأحسن تأديبي ))

[ابن السمعاني في أدب الإملاء عن ابن مسعود]

  أحياناً الإنسان يأكل البطيخ بعد أن ينحته ويتركه بشكل منفر، كان عليه الصلاة والسلام إذا أكل البطيخ وضع الحز على ظهره، منظره أجمل، إذاً يوجد عدد كبير من الطرق في الأكل فيها لطف، فيها أدب، فيها ذوق.

 

النهي عن شرب الماء من الإناء المكسور أو النفخ فيه:

 

 إذاً:

(( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُتنفَّس في الإناء أَو يُنفخَ فيه ))

[أخرجه أبو داود والترمذي عن ابن عباس]

(( نهى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أن يَشربَ من فيِّ السِّقاءِ ))

[أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ]

  من فم الإبريق، مثل الآن يوجد كأس للشرب، ويوجد إبريق ماء، و لكن هناك شخص يشرب من الإبريق مباشرة هذا منهي عنه، أيضاً إذا إناء فيه ثلمة، كان ينهى أن يستعمل، لأن هذه الثلمة فيها جراثيم ـ الإناء المشعور ـ فالإناء ما دام فيه شق هذا يحمل الجراثيم.
 قال لي أخ كان يعمل بمعمل أدوية ـ هو وكيل شركة أجنبية، معه امتياز ـ قام ببناء معمل له، فعندما أراد أن يأخذ مواد أولية ويصنع، جاءت الشركة لتفحص البناء، و إذ بالبناء لا يناسب، ما المشكلة ؟ البناء درجة أولى و قد رأيته أنا، قال: يجب ألا يكون به أي حدٍّ هكذا، فالبناء كله خطوط منحنية، و الجراثيم تقعد بالأماكن الحادة، فاضطر أن يغير كل هذه الحدود، والزوايا القائمة التغت و صارت زوايا منحنية، بالسقف، وبالأرض، وبالأطراف، وبالممرات، البناء كله أصبح زوايا منحنية، لا زوايا قائمة، الجراثيم لا تجد مكاناً ترتاح فيه إلا هذه الأماكن الحرجة.
فلذلك هذا شيء حديث جداً، الإناء إذا فيه كسر، أو شق، الجراثيم تعشش في هذا المكان، و أيضاً إناء فيه ثلمة نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن أن يستعمل.

 

أدب النبي صلى الله عليه وسلم في الطعام:

 

 آخر حديث، عن عبد الله بن بسر رضي الله عنه قال:

(( كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم قَصْعةُ يقال لها الغرَّاءُ يَحملها أربعة رجال فلما أضْحَوْا وسجدوا الضحى أُتِيَ بتلك القصعة وقد ثُِرد فيها فيها طعام فيه مرقة فالتَفَّوا عليها فلما كثروا جَثى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له أعرابيُّ ما هذه الجِلسةِ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن اللَّه جَعلني عبداً كريماً ولم يجعلنى جَّباراً عنيداً ))

[ رواه أبو داود عن عبد الله بن بسر]

  أي جلس جلسة العبد، والله حدثني شخص قال لي: والله كنت أحضر وليمة ـ أقسم بالله، وهو عندي صادق ـ بالخليج، أمير كبار الأمراء، دعا عشرة أشخاص، و أحضر منسفاً يحمله اثنا عشر رجلاً، عليه جمل مكتف ومحشو لحم وفستق، وعليه خروف مكتف، قال لي: هذا المنسف يطعم ألف شخص، هو لعشرة أشخاص ! أي أكلوا واحد من مليون منه، بعدما انتهوا الأمير غسل فوقه، قال لي: أنا لم أتحمل، فسألته بأدب: هل من المعقول ألا يوجد من يأكل هذا الأكل ؟ قال له: لا أحد يأكل بعدي.

 

النبي صلى الله عليه و سلم جلس أمام هذا المنسف جلسة العبد:

 

(( فقال له أعرابيُّ ما هذه الجِلسةِ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن اللَّه جَعلني عبداً كريماً ولم يجعلنى جَّباراً عنيداً ))

[ رواه أبو داود عن عبد الله بن بسر]

  ثم قال عليه الصلاة والسلام:

 

(( كلوا من جوانبها ودَعُوا ذِرْوَتها يبارَكْ فيها ))

  هذا أدب بالطعام، تأكل من أطرافها، أما رأس الطعام، وجه الطعام، هذا دعه، كُلْ من أطراف الطعام، هذه السنة.

 

 

(( كلوا من جوانبها ودَعُوا ذِرْوَتها يبارَكْ فيها ))

  و في رواية ثانية:

 

 

(( البَرَكةُ تَنْزِلُ وسط الطعام فكلوا من حافَّتَيْه ولا تأكلوا من وسَطه ))

 

[أخرجه الترمذي عن عبد الله بن عباس ]

 وفي رواية ثالثة:

 

(( إذا أكل أحدُكم طعاماً فلا يأكُلْ من أعلى الصَّحْفة ولكن ليأكل من أسفلها فإن البركة تنزل من أعلاها ))

 

[أخرجه الترمذي عن عبد الله بن عباس ]

على الإنسان أن يجهد في أن يشكر ما عنده ولا يبحث عن الذي ينقصه:

 إذاً ملخص الدرس: الأكل من أطراف الصحن، والإناء ينبغي ألا تشرب من فمه، وألا تنفخ فيه، وأن تبعده عن فيك، وعدم استعمال الحرير والديباج، ولا آنية الذهب ولا الفضة، وإذا أكلت الطعام فاحمد الله عز وجل، وقل: الحمد لله الذي أطعمني هذا الطعام.
أنا كلما أجلس لطعام، وأكون بدعوة بوليمة، أتذكر قول سيدنا عمر، قال:
  " ما عندك يا أم كلثوم ؟ ـ عنده ضيف من أذربيجان، ضيف مهم جداً ـ قالت له: والله ما عندنا إلا خبز وملح، قال: هاتيه لنا ".
  خبز وملح، انظر ولائم الناس، الفواكه، الشراب، الحلويات، الفتات، الشوربات، الكبسة، الكبة، البرك.
 " قالت له: والله ما عندنا إلا خبز وملح، قال: هاتيه لنا، بعد أن أكل قال: الحمد لله الذي أطعمني وأشبعني، وأسقاني فأرواني ".
 سيدنا عمر عملاق الإسلام، خليفة المسلمين، عنده بالبيت خبز وملح، لابأس، أما الحمد لله الذي أطعمني وأشبعني، وأسقاني فأرواني ؟!
 لذلك أخواننا الكرام، وبالشكر تدوم النعم، أنت اجهد أن تشكر ما عندك، ولا تبحث عن الذي ينقصك، الله عز وجل قال في الأثر القدسي:

(( ابن آدم كن لي كما أريد ولا تعلمني بما يصلحك ))

[ ورد في الأثر ]

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018