الترغيب والترهيب - الدرس : 032 - كتاب الصلاة - الترغيب في صلاة العشاء والصبح خاصة في جماعة والترهيب من التأخر عنهما - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الترغيب والترهيب - الدرس : 032 - كتاب الصلاة - الترغيب في صلاة العشاء والصبح خاصة في جماعة والترهيب من التأخر عنهما


1997-05-31

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

الإخلاص والإتقان شرطان لازمان غير كافيين:

 قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

((اعبد الله كأنك تراه وعُدَّ نفسك في الموتى وإياك ودعوات المظلوم فإنهن مستجابات وعليك بصلاة الغداة وصلاة العشاء فاشهدهما فلو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا ))

[ الطبراني عن أبي الدرداء]

 أولاً

(( اعبد الله كأنك تراه ))

 هذا من أجمع الأحاديث الشريفة، لأن النبي عليه الصلاة والسلام في حديث آخر يروي قصة جبريل عليه السلام، حينما جاءه على شكل رجل شديد بياض الثياب، فجلس أمام وسأله قال له:

 

(( يا رسول الله ما الإحسان قال أن تعبد الله كأنك تراه، فإنك إن لم تره فإنَّه يراك ))

 

[أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة وأبي ذر الغفاري ]

 النبي عليه الصلاة والسلام أوتي جوامع الكلم، فحينما سُئل عن الإحسان لم يجب، لم يعرف الإحسان، لكن عرف الطريق الذي يفضي إليه، أنت متى تتقن عملك ؟.
 أولاً: الإحسان هو الإتقان، الإحسان في العبادة إتقان العبادة، الإحسان في الحرفة إتقان الحرفة، كل عمل تفعله إن أتقنته وأخلصت فيه فقد أحسنت، الإتقان شكلاً، والإخلاص باطناً.
 من هنا قال الفضيل بن عياض: "العمل لا يُقبل إلا بشرطين، إلا إذا كان خالصاً وصواباً، خالصاً ما ابتغي به وجه الله، وصواباً ما وافق السنة".
 إتقان العمل موافقته للسنة تماماً، في الصلاة، والصيام، والحج، والزكاة، وفي الحرفة، وفي الأعمال، وفي كل شيء، إتقان العمل موافقته للسنة، والإخلاص إليه أن تبتغي به وجه الله.
 لو أن إنساناً أخلص في عمله، ولم يجعله مطابقاً للسنة، فالعمل مرفوض، لو أن إنساناً جعله مطابقاً للسنة، ولم يكن مخلصاً، فالعمل مرفوض، الإخلاص والإتقان شرطان لازمان غير كافيين، لا يكفي الإخلاص وحده، ولا الإتقان وحده، أن يكون متقناً وأن يوافق السنة، فالنبي عليه الصلاة والسلام لم يعرّف الإحسان، بل عرّف الطريق إليه.

 

الانضباط الحقيقي للإنسان أن يعبد الله كأنه يراه:

 

 الإنسان من طبيعته أنه ينضبط إذا كان مراقباً، فالموظف لو أنه مراقب يتقن عمله، لذلك الرقابة في الإسلام ذاتية، المسلم يشعر أن الله معه، وأن الله يراقبه، كما أن الرجل يتقن العمل أمام أحد كبراء قومه، كل حركاته وسكناته متقنة إذا كان تحت المراقبة، فيكفي أن تشعر أن الله معك، كأنك تراه، أما إن علمت أنه يراك هذا أيضاً يحقق الهدف.
 أنا مرة دخلت إلى محل تجاري، رأيت أمام مدير المحل شاشة، يظهر عليها موظف يكتب، فسألته من هذا ؟ قال: هذا محاسب في الطابق الأعلى، فقلت: هذا الإنسان مادام مراقباً طوال الوقت هل يستطيع أن يجلس بلا عمل ؟ هل يستطيع أن يغادر مكانه ؟ أبداً، هذا الموظف لا يرى صاحب المحل وهو يراقبه، لكنه يوقن أنه مراقب.
 إن أيقنت أنك مراقب تستقم على أمر الله.

(( اعبد الله كأنك تراه ))

 أحياناً يلجأ بعض العلماء؛ علماء الأخلاق، وعلماء الاجتماع، وعلماء النفس إلى أن يعتقدوا أن هناك ضميراً، هناك ضمير مسلكي، هناك إحساس بالمسؤولية، كل هذا لا معنى له، الكلام الذي له معنى أن يشعر العبد أن الله يراقبه، أما من دون هذا الشعور يتعلقون بأوهام، ما هو الضمير ؟ يدّعي أنه صاحب ضمير ثم يفعل الشيء الذي لا يقبل، أما الانضباط الحقيقي اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
 مثلاً ببعض المكاتب الحديثة لا يوجد جدران، هناك بلور، المدير العام يرى كل الموظفين، وجود المدير العام، ورؤيته كل الموظفين هذا أحد ضمانات إتقان العمل، لأن الموظف مراقب.

 

إتقان العبادة أن تشعر أن الله معك يراقبك في كل أعمالك و حركاتك:

 

 موضوع المراقبة الآن موضوع أساسي، لكن فات هؤلاء العلماء أن المؤمن يشعر أن الله يراقبه.

﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ﴾

[ سورة النساء ]

 فإتقان العبادة أن تشعر أن الله معك، إتقان الحرفة، إتقان العمل.
 قال له: "بعني هذه الشاة وخذ ثمنها، قال له: ليست لي، قال له: قل لصاحبها: ماتت، قال له: إني عنده صادق أمين، ولكن أين الله ؟".
 أنا أكاد أقول: إن الشيء الذي يحملك على الاستقامة أن تشعر أن الله معك دائماً، هذه أكبر ضمانة، اعبد الله تعالى كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
 كنت أضرب على ذلك مثلاً، أحياناً إنسان يقف أمام كاميرا ليلقي كلمة، لا يوجد أحد بالأستوديو لماذا يضطرب؟ ما من أحد يحاسبه، إلا أنه يوقن أن كل الناس يرونه في هذه اللحظة، وأنهم جميعاً سوف ينتقدونه، وأنه تحت المراقبة، فهناك حالات، أحياناً يقول لك: الطريق مراقب بالرادار، لماذا تنضبط بالسرعة ؟ لأن الطريق مراقب.
 فأنت إن أحسست أنك مراقب، وأعظم رقابة رقابة الله عز وجل

﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ﴾


 والحقيقة لو أن إنساناً في حضرة رجل كبير من قومه، كل أسرة فيها عميد أسرة، شخص محترم جداً، وقور جداً، ذكي، عالم، لو أنه زارك في البيت، ماذا تلبس أمامه ؟ أجمل ثيابك، كيف تتكلم أمامه؟ تنتقي أجمل العبارات، كيف تجلس أمامه؟ جلسة في منتهى الأدب، كيف تقدم له ضيافة ؟ ضيافة جيدة، الإنسان يراعي أعلى درجات الأدب إذا كان أمام كبير من قومه، فما بالك بالله عز وجل إذا كان معك ؟.

 

(( اعبد الله كأنك تراه واعدد نفسك في الموتى ))


 هناك أشياء نعتقد بها تقع أو لا تقع، الموت، هل يستطيع إنسان واحد أن يتفلت منه؟ هو واقع لا محال، شئنا أم أبينا، أحببنا أم كرهنا، أعجبنا أم لم يعجبنا، واقع لا محال، هذا الموت أشد الأحداث واقعية، فالذي يضعه في حساباته اليومية هو الذي يسلم.
عندنا أول شيء:

 

 

(( اعبد الله كأنك تراه))

 

الموت هو الحدث الوحيد الواقعي الذي لا بدّ من أن يقع فالعاقل من أعدّ له:

 الشيء الثاني:

(( واعدد نفسك في الموتى ))

 لأن هذا الحدث الوحيد الواقعي الذي لا بدّ من أن يقع، مهما كنت قوياً، مهما كنت غنياً، مهما كنت صحيح الجسم، مهما كنت تعتني بصحتك إلى أقصى درجة، الموت واقع لا محال، ليس معنى ذلك أن تنهي الحياة، الحياة قائمة، والحياة قوية، أما حينما تنضبط بمنهج الله، الموت أصبح تحفة لك، الموت أصبح قربة لك، أصبح عرساً لك، بين أن يكون مصيبة وبين أن يغدو عرساً، الفرق بينهما أن تعد نفسك في الموتى، أي إنك ميت مع وقف التنفيذ.
 إذا انتهت إقامة إنسان في بلد ما، وأعطوه شهرين مهلة ليغادر، يمكن أن يعيش المغادرة كل لحظة؟ لا، أما إذا كان الإنسان مقيماً في بلد نفطي وفي بحبوحة كبيرة، لكن إقامته منوطة بموافقة المسؤولين، فجاءه إخطار أن إقامتك قد انتهت، معك شهرين كي تغادر البلد، أنا أقسم لكم بالله أن المغادرة لا تغيب عن ذهنه ولا ثانية، أبداً.
 فالنبي يعلمنا أن نعد أنفسنا في الموتى، أنا سأغادر، فكل شيء يبدو صغيراً أمام المغادرة، أما إذا لم يكن هناك مغادرة فالوضع سيختلف.
  قال لي إنسان: كنت أنتظر إنساناً في دائرة حكومية، فسمعت حديثاً بين شخصين، قال له: تعبنا جداً أثناء كسوة هذا البيت، و قد مرّ ستة أشهر وأنا محتار، هل أجعل التدفئة المركزية داخلية أم خارجية؟ ستة أشهر وهو يسأل الناس، ثم انتهى إلى أنه سيجعلها داخلية، وبعد عشرين عاماً إذا فسدت الأنابيب سيجعلها خارجية عندئذٍ، مخطط لعشرين سنة، وقد يكون كفنه قد نسج، وهو لا يدري.
 فالإنسان حينما يعد نفسه في الموتى، ويدخل هذه الحقيقة في حساباته اليومية، يجد الأشياء تصغر أمامه لا تكبر، عندئذٍ يعجبه بيته مهما كان، تعجبه زوجته، يعجبه دخله، لأنه عدّ نفسه في الموتى، الموت ينهي كل شيء، ينتهي غنى الغني، وينهي فقر الفقير، ينهي قوة القوي وضعف الضيف، وسامة الوسيم ودمامة الدميم، ينهي صحة الصحيح ومرض المريض، الموت ينهي كل شيء.

 

أروع شيء بالحياة أن تتوقع شيئاً ثم يقع:

 

(( واعدد نفسك في الموتى ))

 أي اجعل هذه الحقيقة ماثلة أمامك، أحياناً الإنسان ببيته يقول: أنا إن مت أين سيغسلونني؟ بالحمام ؟ بالمطبخ ؟ بالغرفة ؟ يا ترى أموت بالبيت ؟ أموت خارج البيت ؟ أموت بالبلد؟ أموت وأنا مسافر؟ في النهار؟ في الليل؟ هذا الموت شيء لابدّ منه، وحقيقة واقعة، فإذا أدخله الإنسان في حساباته يستعد له، أروع شيء بالحياة أن تتوقع شيئاً ثم يقع، لا تفاجأ أبداً، لا تضطرب أبداً.
 فالإنسان إذا أعدّ لشيء خطير، ثم أتى هذا الشيء الخطير لا يوجد مشكلة أبداً، من الذي يصعق بالموت ؟ هو الذي أخرجه من كل حساباته، وعاش وكأنه لن يموت، ثم جاء الموت ينسيه الحليب الذي رضعه من ثدي أمه، أما إذا أدخل الموت في حساباته اليومية، أنا لا بدّ من أن أموت، تجد حب الحياة يغلب على اليقين بالموت.
 أحياناً الإنسان يعجب ! إنسان بالستين، بالسبعين، كأنه يتحرك ليعيش أكثر من مئتي عام، يكون كما قال النبي الكريم:

 

(( مُعْتَرَكُ المنايا ما بين الستين إلى السبعين ))

 

[ أخرجه أحمد والترمذي عن أبي هريرة ]

 فالإنسان إذا أيقن بالموت ينضبط، هذا حديث من أصول الأحاديث:

 

(( اعبد الله كأنك تراه المستقبل واعدد نفسك في الموتى ))

 

الأحمق هو الإنسان الذي يظلم الناس:

 لآن الذنب الذي لا يغفر، ويعجل العذاب لصاحبه في الدنيا:

((وإياك ودعوات المظلوم))

 المظلوم ضعيف، ولو كان قوياً لما ظلمته، يقول لك: امرأة مقطوعة ليس لها أحد، أحياناً صانع يعمل عندك، وهو يتيم، تستغله إلى أقصى درجة، دوام طويل، جهد شاق، لا يوجد من يحاسبك، لا يوجد من يدافع عنه، ليس له ولي.
 أنا أرى أحمق إنسان هو الذي يظلم وهو يظن أنه لن يحاسب، الإنسان أحياناً يظلم زوجته، أو يظلم غلاماً عنده، أو يظلم موظفاً، يفعل هذا وكأنه قضية بسيطة.

 

((وإياك ودعوات المظلوم))

 في بعض الأحاديث: "ولو كان كافراً فإنها مستجابة".
 طبيب موثوق، جاءته امرأة معها ورم خبيث، لو أنه قال لها: معك ورم خبيث، و العلاج ليس عندي بل عند اختصاصيين لما ظلمها، لكنه أعطاها حبوباً مضادة للالتهاب، كورتيزون، وأدوية عادية، فتفاقم المرض، وتفاقم، وتفاقم، فلما بلغ حداً أوشكت المرأة على الموت، أخذها زوجه إلى طبيب اختصاصي، قال له: هذا سرطان، ولن تعيش إلا أياماً معدودة، لِمَ أهملتها حتى الآن ؟ قال: أنا لم أهملها، أنا كنت عند فلان، هذا الطبيب لم يقل لي سرطان، أعطاني أدوية التهاب، فعرف الزوج أن هذا الطبيب خدعه سنتين، يبتز ماله ابتزازاً، مع العلم أن طالب الطب يعلم أن هذا ورم خبيث، يقول لي هذا الطبيب الاختصاصي: هذا الزوج وقع على الأرض مغشياً عليه، وناجى ربه قال: يا رب إن كنت موجوداً انتقم من هذا الطبيب، يقسم بالله العظيم هذا الطبيب الاختصاصي الذي زارنا من فترة، قال لي: جاءني بعد أحد عشر شهراً رجلاً يبدو عليه أناقة، قال له: أنا زميلك، ومعي ورم، هو نفس الطبيب الذي دعا الزوج عليه.

 

 

من كان عقله راجحاً يقف عند حدود الله و لا يتعدى على عباده:

 

 أنا أشعر أن أحمق الناس، أغبى الناس، هو الذي يظلم عباد الله، وينسى أن لهؤلاء العباد رباً سينتقم منهم أشد الانتقام.
 حدثوني عن رجل كان يستغل عمله ليزني بالنساء اللواتي عنده، في نهاية حياته صار الناس يزنون بامرأته أمامه، لأنه كان مفلوجاً، على مرأى من عينه.

((وإياك ودعوات المظلوم فإنهن مستجابات))


 كلما كان عقلك أكثر رجوحاً تقف عند حدودك، ولا تتعدى على عباد الله.
 لي قريب توفي ـ رحمه الله ـ كان يعمل في تصليح السيارات، حدثني عن شخص اقتنى سيارة حديثة، هي جديدة لكن فيها عطلاً، فصاحب المحل أدرك أن هذا الإنسان جاهل بهذه السيارة طبعاً فقال له: فيها علة كبيرة جداً تحتاج إلى ثلاثة أيام، وطلب سعراً كبيراً جداً، عشرة آلاف وهي لا تحتمل أكثر من ساعة تصليح، ومئات الليرات، لكن أدرك أن الإنسان غشيم، يقول لي قريبي: أول يوم ذهب بالسيارة مع أهله إلى الزبداني، وثاني يوم للوادي، وثالث يوم للمطار، ثم أصلحها خلال ساعة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، و أخذ من صاحبها عشرة آلاف ليرة، وصاحبها لا يعلم أنها لا تحتاج هذا المبلغ، ابن صاحب المحل كان يعمل بمخرطة للحديد دخلت نثرة في عينه، كلفته ستة عشر ألف ليرة لبنانية، عندما كانت الليرة بمئة و ستين قرشاً.

 

((وإياك ودعوات المظلوم فإنهن مستجابات))

 فكلما كان عقلك أرجح، وقاف عند كتاب الله، تنصح الناس، لا تكذب عليهم.

 

 

فضل صلاة الفجر و العشاء في جماعة:

(( وعليك بصلاة الغداة وصلاة العشاء فاشهدهما فلو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا ))

 معنى ذلك أن يشهد الصلاتين، أن يصلي في جماعة، فالإنسان إذا صلى صلاة العشاء في جماعة كأنه قام الليل، وإذا صلى الصبح في جماعة كأنه قام الليل.

 

(( من صلى العشاء في جماعة فهو في ذمة الله حتى يصبح ومن صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله حتى يمسي ))

 

[ ورد في الأثر]

(( وعليك بصلاة الغداة وصلاة العشاء فاشهدهما فلو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا ))

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018