درس تلفزيوني قناة سوريا - الدرس : 22 - القدوة الحسنة في الدعوة إلى الله - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠29برنامج درس تلفزيوني - قناة سوريا الفضائية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

درس تلفزيوني قناة سوريا - الدرس : 22 - القدوة الحسنة في الدعوة إلى الله


1995-03-30

بسم الله الرحمن الرحيم

أعزائي المشاهدين ، إخوتي المؤمنين 0

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته 0

لقد دعا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله إلى الله ، وتلا على قومه آيات الله ، وعلمهم الكتاب والحكمة ، وزكى الذين آمنوا به وساروا على نهجه حتى صاروا أبطالاً ، رهباناً في الليل ، فرساناً في النهار ، يقومون الليل إلا قليلاً ، ينفقون أموالهم سراً وعلانية ، يدرؤون بالحسنة السيئة ، في صلاتهم خاشعون ، عن اللغو معرضون للزكاة فاعلون ، لفروجهم حافظون ، لأماناتهم وعهدهم راعون ، يمشون على الأرض هوناً ، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً ، يبيتون لربهم سجداً وقياماً ، هم تائبون ، عابدون ، حامدون ، سائحون راكعون ، ساجدون ، آمرون بالمعروف ، ناهون عن المنكر ، حافظون لحدود الله ، يجاهدون في سبيل الله ، لا يخافون لومة لائم ، إذا قال لهم الناس : إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم ، زادهم إيماناً ، وقالوا حسبنا الله ، ونعم الوكيل هم رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ، فمنهم من قضى نحبه ، ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ، يبلغون رسالات الله ، ويخشونه ، ولا يخشون أحداً إلا الله ، يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ، إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ، وإذا تُليت عليهم آياته زادتهم إيماناً ، وعلى ربهم يتوكلون ، ما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله ، وما ضعفوا ، وما استكانوا ، والله يحب الصابرين ، كانوا قوامين لله شهداء بالقسط ، أذلةً على المؤمنين ، أعزةً على الكافرين ، أحبوا الله وأحبهم ، ورضي عنهم، ورضوا عنه .

نحن إذ نحدد ملامح شخصية أصحابه ، والتي هي ثمرة من ثمار دعوته ، صلى الله عليه، وعلى آله ؛ نقف عند الجانب التربوي في دعوته ، ونستنبط بعض القواعد من أقواله، ومن أفعاله ، ومن إقراره ، هذه القواعد التي يمكن أن تكون منارات للدعاة إلى الله من بعده ، يهتدون بها .

المسلمون من دون دعاة إلى الله جُهَّال تتخطفهم شياطين الإنس والجن ، من كل حدب وصوب ، وتعصف بهم الضلالات من كل جانب لذلك كان الدعاة إلى الله مصابيح الدجى ، وأئمة الهدى ، وحجة الله في أرضه ، بهم تُمحق الضلالات وتنقشع الغشاوات ، هم ركيزة الإيمان وغيظ الشيطان ، وهم قوام الأمة ، وعماد الدين ، هم أمناء على دين الله يدعون الناس إلى الله بلسان صادق ، وجنان ثابت ، وخلق كريم فأعمالهم تؤكد أقوالهم ، لذا فهم أسوة ونبراس يصلحون ما فسد ويقوموِّمون ما اعوجَّ ، لا يستخفون من الناس ولا يخشون أحداً إلا الله ولا يقولون إلا حسناً .

ولن يفلح الدعاة إلى الله في دعوتهم ، إلا إذا اتبعوا النبي صلى الله عليه وسلم الذي عصمه الله عن الخطأ في الأقوال ، والأفعال والأحوال وأوحى إليه وحياً متلواً وغير متلو ، وألزمنا أن نأخذ منه كل ما أمرنا به ، وأن ندع كل ما نهانا عنه ، وأن نتأسى بمواقفه وسيرته ، لأنه القدوة ، والأسوة الحسنة والمثل الأعلى فمن القواعد المستنبطة من دعوته صلى الله عليه وسلم :
ـ القاعدة الأولى : القدوة قبل الدعوة ..

كان صلى الله عليه وسلم عابداً متحنثاً ، وقائداً فذاً ، شيَّد أمَّةً من الفُتات المتناثر ، ورجل حرب يضع الخطط ويقود الجيوش وأباً عطوفاً وزوجاً تحققت فيه المودة والرحمة والسكن وصديقاً حميماً وقريباً كريماً وجاراً تشغله هموم جيرانه ، وحاكماً تملأ نفسه مشاعر محكوميه يمنحهم من مودته وعطفه ما يجعلهم يفتدونه بأنفسهم ، ومع هذا كله فهو قائم على أعظم دعوة شهدتها الأرض ، الدعوة التي حققت للإنسان وجوده الكامل ، وتغلغلت في كيانه كله ورأى الناس الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم تتمثل فيه هذه الصفات الكريمة كلها فصدقوا تلك المبادئ التي جاء بها كلها ورأوها متمثلة فيه ولم يقرؤوها في كتاب جامد بل رأوها في بشر متحرك فتحركت لها نفوسهم ، وهفت لها مشاعرهم وحاولوا أن يقتبسوا قبسات من الرسول الكريم ، كلٍّ بقدر ما يُطيق فكان أكبر قدوة للبشرية في تاريخها الطويل وكان هادياً ومربياً بسلوكه الشخصي ، قبل أن يكون بالكلم الطيب الذي ينطق به .

ولأن القدوة هي اعظم وسائل التربية ذلك لأن دعوة المترف إلى التقشف دعوة ساقطة ، ودعوة الكذوب إلى الصدق دعوة مضحكة ودعوة المنحرف إلى الاستقامة دعوة مخجلة ، لذلك كانت مواقف النبي صلى الله عليه وسلم وشمائله وفضائله ومكارمه قدوةً صالحة وأسوة حسنة ومثلاً يُحتذى وهي ليست للإعجاب السلبي ، ولا للتأمل التجريدي ن ولكنها وُجدت فيه لنحققها في ذوات أنفسنا ، كل بقدر ما يستطيع .

وقد ورد في وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لسيدنا معاذ أن " يا معاذ أوصيك بتقوى الله وصدق الحديث والوفاء بالعهد وأداء الأمانة وترك الخيانة وحفظ الجار ، ورحمة اليتيم ولين الكلام ، وبذل السلام وحسن العمل وقصر الأمل ، ولزوم الإيمان والتفقه في القرآن ، وحب الآخرة والجزع من الحساب ، وخفض الجناح ، وأنهاك أن تَسُبَّ حكيماً أو تكذب صادقاً أو تُطيع آثماً ، أو تعصي إماماً عادلاً أو تُفسد أرضاً .. وأوصيك ؛ باتقاء الله عند كل حجر وشجر ومدر ، وأن تُحدث لكل ذنب توبة ، السر بالسر والعلانية بالعلانية " .

[أخرجه البيهقي في كتاب الزهد]

يستطيع الإنسان أن يكون عالماً جهبذاً في الطب أو العلوم أو الهندسة من دون أن تتطلب هذه العلوم ممن يتعلمها قيداً سلوكياً ، ولا يُفسد حقائقها أن يتبع النابغ فيها هوى نفسه ، في حياته الخاصة ، إلا علم الدين ، فإنك إن كنت من المتدينين المخلصين ، أو من علمائه أو الداعين إليه ، فلا بد من أن تكون قدوة حسنة لمن تدعوهم إليه ، وإلا ما استمع إليك أحد ، ولو كنت أكثر الناس اطلاعاً وعلماً في دين الله ، ولن ينظر إليك أحد نظرة احترام جديرة بك ، إلا إذا كان سلوكك وفقاً لقواعد الدين .

قال ملك عمان وقد التقى النبي صلى الله عليه وسلم : والله ما دلني على هذا النبي الأمي، إلا أنه لا يأمر بخير إلا كان أول آخذ به ، ولا ينهى عن شيء إلا كان أول تارك له ، وأنه يغلب فلا يبطر ، ويُغلب فلا يضجر ، ويفي بالعهد وينجز الوعد .

قال أحد كُتاب السيرة الغربيين الذين أسلموا :

" كان محمد ملكاً وسياسياً ومحارباً وقائداً ومشرِّعاً وقاضياً ، وفاتحاً ومهاجراً ، مارس بالفعل جميع المبادئ التي كان يلقنها للناس ، ولن تجد في القرآن حُكماً أو أمراً لم يعمل به النبي صلى الله عليه وسلم ، إذا كان يمارس بالفعل كل ما كان يدعو إليه بالقول ، فالمرء مثلاً لن يكون عفواً ، إلا أن يكون له عدو يلقى منه أشد الإساءة ثم تدور الدائرة على هذا العدو فيقع في قبضته ، ويصبح تحت رحمته ، ثم يملك القدرة على الانتقام منه ، ثم يعفو عنه .. ثم يقول الكاتب : " تأمل دخول النبي صلى الله عليه وسلم مكة دخول الظافر المنتصر ، وقد خرَّت جزيرة العرب صريعة تحت قدميه ، وأصبحت مكة قلعة العدو تحت رحمته ، فلو شاء لقطع رؤوس القوم ، الذين كانوا بالأمس ألد أعدائه ، الذين اتخذوه هزواً ، وأمعنوا في اضطهاده والاستخفاف به ، ولو أنه عاقبهم بذنبهم لكان مُحقاّ ، ولم يكن ملوماً ، ولم تظهر فضيلة العفو قط بصورتها الكاملة في تاريخ أي دين من الأديان حتى جاء النبي صلى الله عليه وسلم ولولاه لظلت هذه الفضيلة معطلة إلى الأبد " .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018