الترغيب والترهيب - الدرس : 026 - كتاب الصلاة - الترغيب في تنظيف المساجد وتطهيرها وما جاء في تجميرها - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الترغيب والترهيب - الدرس : 026 - كتاب الصلاة - الترغيب في تنظيف المساجد وتطهيرها وما جاء في تجميرها


1997-05-12

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

ان كلما اقترب من المؤمن كلما اقترب من الله احترم الآخرين:

 عن أبي هريرة رضي الله عنه:

 

(( أن امرأة سوداءَ كانت تقم المسجد ـأي تنظف المسجد ـفماتت ففقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأل عنها بعد أيام فقيل له إنها ماتت فقال عليه الصلاة والسلام فهلا آذنتموني فأتى قبرها فصلَّى عليها ))

[ رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ]
 الحديث له معان كثيرة، أحد أبرز معاني هذا الحديث: أن المؤمن يحترم الإنسان أي إنسان، سيدنا رسول الله قمة البشرية، وامرأة فقيرة هينة على الناس، رأوا من قلة شأنها أنها لا تستحق أن يخبر عنها أنها ماتت، من ضعف شأنها، ومن ضعفها، ومن هوانها على الناس، لا تستحق أن يُخبر رسول الله بموتها، فغضب النبي فالحديث له ست روايات، فغضب النبي عليه الصلاة والسلام وقال (( فهلا آذنتموني فأتى قبرها فصلَّى عليها ))
 يبدو أن الإنسان كلما اقترب من الله عز وجل يحترم الإنسان أي إنسان، وكلما ابتعد عن الله عز وجل يصبح عنصرياً، أنا فوق الناس، الناس في خدمتي، يجب أن أعيش وحدي ويموت الناس، يجب أن آكل وحدي ويجوع الناس، يجب أن أكون عزيز النفس وأهين الناس، كل إنسان يرى نفسه فوق الناس هذا إنسان عنصري، الإنسان بسبب بعده عن الله صار بهذه الصفات، وكلما اقترب من الله عز وجل يحترم الإنسان أي إنسان، طبعاً هذه من صفات المؤمن.
 فسيدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام وهو في أعلى درجات القرب من الله هذه امرأة تقم المسجد، هينة على الناس، لا شأن لها، لا مكانة لها، يبدو أن الصحابة اجتهدوا أنه من ضعف شأنها، ومن هوانها على الناس، أنها لا تستحق أن يزعج النبي بخبر وفاتها، فلم يعلموه، فالنبي سأل عنها.

 

 

من اقترب من الله عزوجل شعر أنه والناس سواسية:

 أولاً: لاحظ هذه الصفة في النبي، تفقد أصحابه، كل واحد في ذهنه، كل واحد عاش معه النبي في ذهن النبي، مشكلته، وضعه، وجوده، غيابه، أين فلانة؟.

 

 

(( فسأل عنها بعد أيام فقيل له إنها ماتت قال فهلا آذنتموني فأتى قبرها فصلَّى عليها ))

 

[ رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ]

 هناك أناس كثيرون يجب أن يأكل هو، عنده صانع يأتي بأطيب الطعام إلى المحل يأكل وحده والصانع أمامه يجب ألا يأكل.
 والله قال لي أخ يعمل عند شخص مصروفه اليومي بضعة آلاف من الليرات يعطيه ألفي ليرة بالشهر، الآن بحاجة للراتب، هو يكلفه بشراء حاجات للبيت يومياً، مصروفه اليومي بضعة آلاف يعطيه بالشهر ألفي ليرة أو ثلاثة، و هو قريبه.
 الإنسان عندما يفكر أنا يجب أن أعيش لوحدي، والناس يجب ألا يعيشوا، يجب أن يخدموني، هم لا يستحقون الحياة مثلي، أنا متفوق، هذه النظرة نظرة الإنسان البعيد عن الله عز وجل، كلما اقتربت من الله عز وجل شعرت أنك والناس سواسية.
 يا من جئت الحياة فأعطيت ولم تأخذ، يا من قدست الوجود كله، ورعيت قضية الإنسان، يا من هيأك تفوقك لتكون واحداً فوق الجميع، فعشت واحداً بين الجميع.
 الرواية الثانية:

 

(( كَانَتْ سَوْدَاءُ تَقُمُّ الْمَسْجِدَ فَتُوُفِّيَتْ لَيْلاً فَلَمَّا أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُخْبِرَ بِمَوْتِهَا فَقَالَ أَلَا آذَنْتُمُونِي بِهَا فَخَرَجَ بِأَصْحَابِهِ فَوَقَفَ عَلَى قَبْرِهَا فَكَبَّرَ عَلَيْهَا وَالنَّاسُ خَلْفَهُ وَدَعَا لَهَا ثُمَّ انْصَرَفَ ))

 

[ ابن ماجه عن أبي سعيد]

 هذه رواية ثانية.

 

تقييم العمل بالنية لابالحجم:

 حديث آخر:

 

 

(( أن امرأة كانت تلقط القذى من المسجد فتوفيت فلم يؤذن النبي صلى الله عليه وسلم بدفنها قال النبي صلى الله عليه وسلم إذا مات لكم ميت فآذنوني وصلى عليها وقال إني رأيتها في الجنة ))

 

[أخرجه الطبراني عن عبد الله بن عباس ]

 أنت لا تستهن بعملك، إنسان له خدمة للمسجد، هذا بيت الله، العمل يقيّم بالنية لا بالحجم، يمكن أن يكون للإنسان أضخم عمل لكن هدفه أن يظهر، أن يكون ذا شأن، أن ينظر الناس إليه هكذا، الإنسان يقدم خدمة متواضعة للمسجد بإخلاص شديد، هذا يسبق هذا، القضية لا بحجم العمل ولا بعلو المركز.
 نحن مرة كنا بالحج، خيام السوريين أحد أخواننا الدعاة إلى الله كان رئيس البعثة ألقى خطبة، ذكر كلمة أبكى الحاضرين، قال: لعل أحدكم، لعل أحداً من شبابكم الحاضرين هو الذي يقبله الله عز وجل في عرفات.
القضية متعلقة بالنية، القضية متعلقة بالإخلاص، قال(( إني رأيتها في الجنة ))
 ماذا تفعل؟ تلتقط الأذى من المسجد.

أي عمل متصل بالمسجد عظيم:

 الرواية الرابعة:

 

(( كانت امرأة بالمدينة تقم المسجد فماتت فلم يعلم بها النبي صلى الله عليه وسلم فمر على قبرها فقال ما هذا القبر قالوا هذا قبر أم محجن التي تقم المسجد قال التي كانت تقم المسجد قالوا نعم فصف الناس وصلى عليها ثم قال أي العمل وجدت أفضل ـيخاطبها أي العمل وجدت أفضل قالوا يا رسول الله أتسمعك قال ما أنتم بأسمع منها فذكر أنها أجابته قم المسجد ))

 

[أبو الشيخ وابن حبان من مرسل عبيد بن مرزوق]

 وهذا حديث مرسل، أي خدمة بيت الله الحرام، كان في الشام مسجد، إذا دخلت إليه لا أصدق عيني، نظافته تفوق نظافة البيوت، نظافته مواضئه، ودورة مياهه تفوق نظافة أي بيت في الشام، والذي يقوم على تنظيفه رجل صالح توفي رحمه الله، مرة التقيت عمله من قوله تعالى:

 

﴿ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ ﴾

 

[ سورة البقرة الآية: 125 ]

 سيدنا إبراهيم كلف أن يطهر بيت الله عز وجل، أي عمل متصل بالمسجد هذا عمل عظيم.
 حدثني أخ كان بأمريكا، قال لي: دخلت إلى مركز إسلامي ـ مسجد ـ وجدت شخصاً هيأته ونمطه من علية القوم هناك، وهو مشمر وينظف المسجد، فسألته فعلمت أنه جنرال من البحرية الأمريكية هداه الله إلى الإسلام كان في الخليج، والآن في خدمة المسجد.
الإنسان لا يصغر إذا خدم المسجد، يكبر كثيراً، ولو تعرى، وشطف، ونظف، ونفض السجاد، ومسح البلور، هذا مما يعلي قدر الإنسان، فهذه قال لها

(( أي العمل وجدت أفضل قالوا يا رسول الله أتسمعك قال ما أنتم بأسمع منها فذكر أنها أجابته قم المسجد ))

 والله مرة طبيب أشعة سألني، قال لي: أنا والله كنت أصلي عندكم، لكن بعدها تركت، قلت له: ما السبب؟ قال لي: مرة صلى أمامي إنسان جواربه رائحتهم لا تحتمل، فيمكن أن تنفر إنساناً من بيت الله إذا كان هناك إهمالاً، آكل بصل، آكل ثوم، جواربه ليست نظيفة، جلس جلسة غير أديبة، قال لي: والله نفرت ليس بيدي، هذه القصة لم تذهب من بالي، هل من الممكن إنسان إذا أساء التصرف ينفر من المسجد.
 بالمقابل أخ والده مقيم بمصر، جاء إلى المسجد مرة، اضطر أن يقضي حاجة أثناء الخطبة، دخل إلى دورات المياه، قال لي: غير معقولة أبداً، ما رأيت بحياتي دوارة مياه نظيفة، هذا ليس مسجداً، هذا بيت، هناك أحد أخواننا والله أنا أُكبره كثيراً، ينظفها كأنه بالبيت، ملمعة، معطرة، منظفة، وهي نوعها جيد، البناء جيد، والتنظيف مستمر، بشكل أسبوعي يأتي إنسان غريب: هذا بيت وليس مسجداً، هكذا ينبغي أن يكون بيت الله عز وجل، النظافة تجلب.

 

العناية بنظافة المساجد لأنهابيوت الله:

  الإنسان يكون عنده حفلة، أو كتاب، يدخل ليصلي، يلبس بذلة لونها كحلي، كلها تصبح بيضاء إذا ركع وسجد، لأنه السجاد غير منظف، يركع ويسجد أصبحت كلها بيضاء من عند ركبه، يتألم، يتألم ألماً شديداً، أحياناً تجد المسجد يلمع، السجاد منظف، لا يليق بنا إلا أن يكون مسجدنا أنظف مسجد، لأنه بيت الله.
 الآن أحياناً كأس ماء بارد في الصيف لا يقدر بثمن، ماء ساخن في الشتاء لأن البرد شديد فتتوضأ براحة.
 كنت آتي من السفر أصل إلى النبك بأيام الشتاء، البرد لا يحتمل، هناك أناس صالحون مهيئون ماء ساخناً، كل المسجد ماء ساخن، تتوضأ براحة، فالماء الساخن بالشتاء، والماء البارد في الصيف، والتهوية، والتنظيف، هذه كلها أعمال تجلب الإنسان للمسجد.
وروي عن أبي قرصافة أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول:

 

 

(( ابنوا المساجد وأخرجوا القمامة منها فمن بنى لله مسجداً بنى الله له بيتاً في الجنة ))

 

[ الطبراني عن أبي قرصافة]

 مرة دعانا أخ إلى افتتاح مسجد بالصبورة، أنا لم أشاهد إنساناً طليقاً، واثقاً من نفسه، البشر واضح بوجهه، عيناه زئبقيتان، طبعاً عندما دخلنا استقبلنا واحد واحد ثم ودعنا واحد واحد، داعٍ كل علماء الشام، وألقيت كلمات لطيفة، سبحان الله خرجت من المسجد بالصبورة، ما إن وصلت إلى الطريق العام حتى كان أمامي مقابل المسجد ملهى، طول الطريق إلى الشام وأنا أوازن بين الذي أنشأ هذا المسجد، والذي أنشأ هذا الملهى، هذا صدقة جارية إلى يوم القيامة، والثاني أيضاً صدقة جارية من نوع ثان، كل منكر أقيم فيه، وكل معصية فيه، وكل زنى حصل فيه، في صحيفة هذا الذي أنشاه، والذي أنشأ هذا الملهى مات بعد سبعة أيام من افتتاحه، قال:

 

(( فمن بنى لله مسجداً بنى الله له بيتاً في الجنة، فقال رجل: يا رسول الله وهذه المساجد التي تبنى في الطريق مصليات ـقال نعم وإخراج القمامة منها مهور الحور العين في الجنة ))

 

[ الطبراني عن أبي قرصافة]

 حتى لو كان المصلى متواضعاً، تنظيف هذا المصلى

(( مهور الحور العين ))

الإنسان عندما يخدم مسجده يكون العمل خالصا لوجه الله عزوجل:

 قال عليه الصلاة والسلام أيضاً:

 

(( عُرِضَتْ عليَّ أُجُورُ أُمَّتي حتى القَذَاةَ يُخرِجُها الرجل من المسجد وعُرِضتْ عليَّ ذنوبُ أُمَّتي فلم أرَ فيها ذنبا أعظمَ مِن سورة من القرآن أو آية أُوتيها رجل ثم نَسِيَها ))

 

[ أبو داود و الترمذي عن أنس]

 حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد هذا يحسب عند الله من الأعمال الصالحة، لأن الناس يتحاشون أن يدوسوا بالسيارة دجاجة، أو غنمة، السبب أن لها صاحباً، أما كلب، الكلب له رب يحاسب عنه.
 كل إنسان يعتني ببيته، لكن المسجد مكان عام، كل إنسان له مصلحة بالعناية فيه مباشرة، والإنسان عندما يخدمه يكون العمل خالصاً لوجه الله عز وجل.

 

أعظم ذنب أن ينسى الإنسان آآية كان قد حفظها:

 طبعاً هذا الحديث الأخير، قال الترمذي: حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
 نحن عندنا قاعدة: إذا كان هناك عقاباً شديداً على شيء يسير يبعث الشك بالنفس، أحياناً مكافأة كبيرة جداً على عمل بسيط، من مقاييس ضعف الأحاديث ألا يكون هناك تناسباً بين المقدمات والنتائج، هنا يقول:

 

 

(( فلم أرَ فيها ذنبا أعظمَ مِن سورة من القرآن أو آية أُوتيها رجل ثم نَسِيَها ))

 

[ أبو داود و الترمذي عن أنس]

 إذا نسيها لكبر سنه، أو نسيها لكثرة أعماله، فالإنسان عندما يتقدم بالسن تضعف ذاكرته، هذا شيء ثابت، أما عندما نسيها إهمالاً، واستخفافاً، ولم يعبأ بها، الحديث يقصد هكذا.

 

المؤمن يحترم الإنسان أي إنسان:

 الحديث الأخير:

 

 

(( مَنْ أَخْرَجَ أَذًى مِنْ الْمَسْجِدِ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ ))

 

[ أخرجه ابن ماجه عن أبي سعيد الخدري ]

 أنا الذي يعنيني من هذا الحديث الزاوية الثانية احترام الإنسان، أن امرأة سوداء تقم المسجد، ماتت، لهوانها على الناس، ولضعف شأنها، رأى أصحاب أنها أقل من أن يخبر عن موتها، فلما تفقدها النبي عليه الصلاة والسلام قال((قال فهلا آذنتموني فأتى قبرها فصلَّى عليها))
 والروايات كثيرة، مرة قال: رأيتها في الجنة، مرة سألها وأجابت، وهكذا فنحن القاعدة: أن المؤمن يحترم الإنسان أي إنسان، إذا رأى إنساناً متلبساً بمعصية، لا يحقد على ذاته، يغضب من عمله فقط، من الداخل لا يوجد غيظ، لو أن طبيباً رأى إنساناً معه مرض جلدي مزعج، يحقد عليه؟ بالعكس، يشفق عليه، فالإنسان إذا ارتكب معصية، المؤمن الكامل لا يحقد، ولا يغضب منه، يغضب عليه، يتألم من عمله، بالنهاية الإنسان يحترم الإنسان أي إنسان مؤمن.
وهذا سيدنا رسول الله قمة المجتمع الإسلامي، سيد الخلق، وحبيب الحق، تفقد امرأة سوداء تقم المسجد لهوانها على الناس لم يخبروا عنها رسول الله.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018