الترغيب والترهيب - الدرس : 071 - كتاب الذكر والدعاء - الترغيب في التسبيح والتكبير والتهليل والتحميد على اختلاف أنواعه 2. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الترغيب والترهيب - الدرس : 071 - كتاب الذكر والدعاء - الترغيب في التسبيح والتكبير والتهليل والتحميد على اختلاف أنواعه 2.


1997-08-31

 

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

تنزيه الله وتمجيده والخضوع له في السراء والضراء:

 عن أم هانئ رضي الله عنها قالت:

 

(( مرّ بي رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقلت: يا رسول الله، قد كبرت ـ تقدمت بي السن ـ وضعفت، أو كما قالت - فمرني بعمل أعمل وأنا جالسة قال: سبحي الله مائة تسبيحة، فإنها تعدل لك مائة رقبة تعتقيها من ولد إسماعيل واحمدي الله مائة تحميدة، فإنها تعدل مائة فرس مسرجة ملجمة تحملين عليها في سبيل الله، وكبري الله مائة تكبيرة، فإنها تعدل لك مائة بدنة مقلدة متقبلة، وهللي الله مائة قال: ابن خلف: أحسبه قال: تملأ ما بين السماء والأرض، ولا يرفع يومئذ لأحد عمل إلا أن يأتي بمثل ما أتيت ))

 

[ رواه الإمام أحمد في سند حسن عن أم هانئ]

 يبدو أن الله سبحانه وتعالى حينما قال الله:

 

﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً (46)﴾

 

( سورة الكهف )

 وكما قلت البارحة: أن يقول الإنسان بلسانه سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، هذا جيد، لكن الذكر اللساني , والقلبي , والمعرفي هو المقصود، أي أن تعرف ماذا تعني كلمة سبحان الله ؟ أن تنزه , وأن تمجد , وأن تخضع , والحمد على السراء والضراء , أن ترى أن يد الله تعمل في الخفاء , و أن ترى أن الأمر كله متعلق بالخير المطلق , وأن الشر المطلق ليس له وجود في الأرض , وأن الشر المطلق يتناقض مع وجود الله , و أن كل أفعاله فيها حكمة، وفيها رحمة , وفيها عدل، الحمد لله معرفة.
لو أنك رأيت رجلاً يضرب طفلاً صغيراً، قد تقول: هذا الإنسان قاس , أو قد تقول: وحش , أما حينما تعلم أن هذا الإنسان والده , وأن ابنه ارتكب ذنباً خطيراً لو أن الأب تساهل به لانحرفت أخلاقه.
 مرة قرأت قصيدة شعرية، أحفظ آخر بيت فيها، أن إنساناً مجرماً قاتلاً سيق إلى الإعدام ليشنق , قبل أن يعدم قال: أريد أمي، فجاءت أمه قال: مدي لسانكِ كي أقبله , فمدت لسانها فقطعه، قال: لو لم يكن هذا اللسان مشجعاً لي في جرائمي ما فقدت حياتي.
أحياناً الإنسان يجد مع ابنه شيئاً ليس له , وكأن هذا أول بادرة للسرقة، فيؤدبه ، الذي ينظر بعينه هذه يرى أن هذا التأديب قسوة، أما حينما يعلم أنه أب , وأن هذا ابنه , و أنه بهذا العمل وقاه من جريمة السرقة، ينقلب هذا الألم إلى حمد.

 

تناقض الشر المطلق مع وجود الله عز وجل:

 الإنسان حينما يؤمن إيماناً حقيقياً بالله عز وجل، كل أفعال الله لصالح الإنسان، لا يوجد بالكون شر مطلق، الشر المطلق أي الشر للشر، هذا يتناقض مع وجود الله، إما أن تؤمن بإله رحيم، عادل، بيده كل شيء , هناك شر نسبي، مثلاً إنسان مضطجع على طاولة وجاء إنسان بمشرط , و فتح له بطنه , و خرج الدم، حينما تعلم أن هذا طبيب , و أن معك التهاب زائدة حادة جداً، تكاد تموت من الألم , و فتح بطنك من أجل أن تسـتأصل الزائدة , و تسترح من هذا الألم، عندئذٍ تشكر الطبيب , و تعطيه أجرة، وتعطيه عشرة آلاف.
 فالشر المطلق يتناقض مع وجود الله عز وجل , من هنا تقول: الحمد لله، طبعاً أهل الدنيا ضعاف الإيمان، الذين لم يعرفوا الواحد الديان، يقول لك: هناك حروب , هناك فيضانات , هناك مجاعات , هناك شعوب مقهورة , هناك زلازل , هناك براكين , هناك مصائب كثيرة، هناك أمراض , أما المؤمن الصادق المتعمق بالإيمان يرى أن هذا كله موظف للخير، يسوق الله لعباده بعض المصائب، ليدفعهم إلى بابه، هذه قضية علم، قضية رؤيا , ودائما هناك تناقض بين العين و بين الواقع.
 أنا أضرب مثلاً صارخاً: مرة زارني شخص له عمل مزعج، مبني على إيذاء الناس أحياناً، قال لي: أنا عملي قذر، ذهبت في اليوم الثاني لإصلاح مركبتي، وجدت شخصاً منبطحاً في الوحل، تحت الشحم , وأصلح المركبة بإتقان , وأخذ سعراً معتدلاً، فقلت في نفسي: هذا عمله نظيف، بالعين إذا كان المحل يستقبل النساء، يدير معهم أحاديث غزلية, و أحياناً انحرافات خطيرة، محل فخم جداً، مكيف، أنيق، الأرض فيها سجاد، وهناك في المكتب ثريات، نعومة , وعطر , وأشياء أخرى , والله هذا محل نظيف جداً , لكن كله معاص، مبني على المعاصي والآثام , الآن دور القمار فخمة جداً , و دور الدعارة فخمة مثلاً , و الملاهي الليلية فخمة , ادخل إلى محل في زقاق الجن أصوات مزعجة , وآلات , و شحوم , و زيوت، لكن هذا العمل الثاني نظيف , والأول قذر، كلمة عمل قذر أي هناك معاصٍ و آثام، فليس كل شيء في العين يتوافق مع الواقع .
قال لي أخ الله: عندنا إنسانة في الجمعية فقيرة، نعطيها معاشاً شهرياً , فجأة ترتدي ثياباً أخرى , فاضحة , واستغنت عن معاشنا، قال لي: مرة دفعني الفضول لأسألها عن وضعها، قلت لها: ماذا حصل معك ؟ قالت له: أنا بربع ساعة آخذ قدر معاش خمسة أشهر تعطوني إياها، أصبحت طبعاً مومساً.
طبعاً عندما كانت تأخذ , وتقبض، كانت تأكل مالاً حلالاً من الصدقة طبعاً شريفة وطاهرة , وعندها أولاد، فلما مدت يدها إلى الحرام , وأكلت بثدييها، طبعاً لبست لباساً أجمل بكثير , أكلها تحسن , وبيتها تحسن، لكن هذا عمل قذر.
فقصدت من هذا أن كلمة الحمد لله قضية تحتاج إلى إيمان، من دون إيمان لا تحمد الله عز وجل، بالإيمان تقول: يا رب لك الحمد، هنا سبحان الله، سبحته , نزهته , و مجدته، و خضعت له.
سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

 

 

الذكر مع تحقيق شهوات نفسك في حدود ما أباح الله لك عبادة إذا قرنتها نية صالحة:

 حديث آخر:

 

 

(( أن ناساً من أصحاب النبيِّ صلى الله عليه وسلم قالوا للنبيِّ صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، ذهبَ أهل الدُّثُورِ بالأُجُورِ ))

 

[ أخرجه مسلم عن أبي ذر]

 هؤلاء الأغنياء يصلون كما نصلي، يصومون كما نصوم، ولهم فضل علينا بإنفاق أموالهم، فإذا كان هناك إنسان مؤمن فقير لا يملك شيئاً، إذا قال لك: أنا أصلي، والغني يصلي، أنا حججت , والغني حج , أنا صمت , والغني صام، لكن يغلبه دائماً بإنفاق المال، و أبو ذر الغفاري رضي الله عنه قال:

 

(( إن ناساً من أصحاب النبيِّ صلى الله عليه وسلم قالوا للنبيِّ صلى الله عليه وسلم يا رسول الله ذهبَ أهل الدُّثُورِ بالأُجُورِ، يصلُّون كما نصلِّي، ويصومون كما نصومُ ويتصدَّقون بفُضولِ أموالهم، قال: أوَلَيْسَ قد جَعلَ الله لكم ما تَصَدّقون به ؟ إن بكلِّ تسبيحة صدقة، وكلِّ تكبيرة صدقة، وكلِّ تحميدة صدقة، وكلِّ تهليلة صدقة، وأمر بمعروف صدقة ونهي عن منكر صدقة ـ أما المفاجأة وللحديث تتمة ـ وفي بُضْعِ أحدِكم صدقة، قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدُنا شهوتَهُ، ويكون له فيها أجر ؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وِزْر ؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال، كان له أجر ))

 

[ أخرجه مسلم عن أبي ذر]

 أي أنت يمكن بالذكر، و بأن تأتي الحلال الذي سمح لك الله به، أن ترقى إلى مستوى الغني الشاكر، كما قال عليه الصلاة والسلام:

 

(( إن بكلِّ تسبيحة صدقة، وكلِّ تكبيرة صدقة، وكلِّ تحميدة صدقة، وكلِّ تهليلة صدقة، والأمر بمعروف صدقة، والنهي عن منكر صدقة ))

 

[ أخرجه مسلم عن أبي ذر]

المؤمن لا يمتحن بالرخاء يمتحن بالشدة:

 و رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

 

(( خذوا جنتكم ـ الجنة الحرس ـ قِيلَ: يا رَسُول الله، أمن عدو قد حضر؟ قَالَ: لا، بل جنتكم مِنَ النَّار، قولوا: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا لله، والله أكبر، فإنهن يأتين يَوْم الْقِيَامَة مقدمات معقبات محسنات ـ أي خلفكم وأمامكم ـ وهن الباقيات الصالحات ))

 

[ صحيح عن أبي هريرة ]

 هذا تفسير النبي الكريم بقوله تعالى:

 

﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً ﴾

ومرة ثانية ثالثة: لا تصدقوا أبداً أن إنساناً غافلاً قال: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، هذا هو الذكر، أي أن تسبحه , و أن تحمده، لا أن تقول الحمد لله، أن تحمده ، راض عن الله عز وجل.
 إنسان يطوف حول الكعبة، قال: يا رب هل أنت راض عني ؟ وراءه الإمام الشافعي، قال له: هل أنت راض عن الله حتى يرضى عنك ؟ فعجب من هذا القول قال له: سبحان الله ! من أنت يرحمك الله ؟ قال له: أنا محمد بن إدريس، قال: كيف أرضى عنه و أنا أتمنى رضاه ؟ قال: إذا كان سرورك بالنقمة كسرورك بالنعمة فقد رضيت عن الله.
 أريد الحمد مع المشكلة، طبعاً كل إنسان حتى الجاهل إذا كان في السراء، في بحبوحة , في صحة، يقول: الله مفضل علينا، أنا أريد إنساناً في مشكلة أن يرى رحمة الله تغمره وهو في هذه المشكلة، هنا الحمد.
لذلك يقول سيدنا علي: " الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين ".
 الآن الواحد لا يمتحن المركبة في النزول، أي مركبة حتى الدراجة تنطلق في النزول، المركبات تمتحن في الصعود , و المؤمن لا يمتحن بالرخاء يمتحن بالشدة

 

 

(( وهن الباقيات الصالحات ))

 

الإكثار من قول لا إله إلا الله والله اكبر والحمد لله وسبحان الله:

 حديث آخر:

 

(( من ضن بالمال أن ينفقه، وهاب العدو أن يجاهده، والليل أن يكابده، فليكثر من قول: لا إله إلا الله والله أكبر والحمد لله وسبحان الله ))

 

[ رواه الطبراني عن عبد الله بن مسعود]

 أي بقينا عدة أسابيع في أذكار النبي عليه الصلاة والسلام، أرجو الله سبحانه وتعالى في وقت الفراغ، قال: هناك أوقات ميتة كثيرة، المؤمن لا يوجد عنده أوقات ميتة، أوقات المؤمن كلها مشغولة، أنت عند طبيب الأسنان تنتظر دورك ماذا تفعل ؟ لا تحتاج إلى حفظ، سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، تستطيع أن تقول: لا حول لا قوة إلا بالله , تستطيع أن تقول: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم , تستطيع أن تمسك مسبحة , وتقول: الله الله، كله ذكر، تستطيع أن تقرأ قرآن، هذا الذكر أعلى درجات القرب من الله عز وجل، هذا لا يحتاج لوضوء، القرآن يلزمه وضوء أحياناً، من دون وضوء تستطيع أن تذكر الله عز وجل، حتى الآيات الواردة في القرآن إذا جعلتها ذكراً حسبي الله و نعم الوكيل آية قرآنية، هذه ذكر تستطيع أن تقرأها من غير وضوء.
إلحاح من قبلي على مضمون هذه الكلمات، أي أنا لا أريد أن أقول هناك شخصاً ناقماً على الله عز وجل , ومحتاراً في أمره.

 

الشر نوعان مطلق ونسبي: الشر النسبي موظف للخير والشر المطلق ليس له وجود:

 عندنا خير وعندنا شر، الشر نوعان مطلق و نسبي، الشر النسبي موظف للخير، المطلق ليس له وجود، مستحيل أن يكون موجوداً، مهما رأيت مشكلات في المجتمع هذا شر نسبي موظف للخير.
 مثلاً السيارة لماذا صنعت ؟ صنعت لتسير، فيها مكبح و المكبح يتناقض مع علة وجودها، مصممة كي تسير، لكن المكبح ضروري لسلامتها، أنت افهم النعم الظاهرة مركبة، والباطنة مكبح، فالمكابح ضرورية لسلامة هذه المركبة، فالإنسان سلامته بهذه المكابح.
مثلاً إنسان يتألم من أسنانه، يتمنى ألا يكون هناك عصب حسي بالأسنان، إن لم يكن في الأسنان عصب حسي لم يعد هناك مشكلة أبداً، لم يعد هناك شيء اسمه وجع أضراس إطلاقاً، لكن ما الذي يحدث ؟ كلما سوس سن حتى ينتهي تقرطه مع الأكل، والثاني، الثالث، حتى تنتهي أسنانك، أما بالألم الشديد تذهب إلى الطبيب، تزيل العصب، وتحشو السن، كسبته، فهذه الآلام أجهزة إنذار مبكر كل قضية افهمها فهماً عميقاً، أجهزة إنذار مبكر.

 

 

المصائب أجهزة إنذار مبكر من الله للعبد:

 الإنسان إذا فهم المصائب على هذا الشكل يقول: الحمد لله من أعماق أعماقه سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، الله لن يسلمك لأحد، لو سلمك لأحد لا يستحق أن تعبده، قاعدة قال لك:

 

 

﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ﴾

 

( سورة هود الآية 123)

 هذه معنى لا إله إلا الله، لا يوجد مع الله إله إطلاقاً، مهما رأيت أناساً أقوياء هؤلاء بيد الله عز وجل، سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، مهما عرفت عن الله هو أكبر مما تعرف، أنت بالمحل التجاري و هناك ازدحام، أذن الظهر، الله أكبر من التجارة , ومن الكسب والمال، إنسان قال لك: إذا لم تعصِ الله أعمل لك مشكلة، الله أكبر، هذه واسعة جداً.
 سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، هذه الباقيات الصالحات، كأن الإيمان مجموع في هذه الكلمات: تسبحه , وتحمده , وتوحده , وتكبره.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018