الترغيب والترهيب - الدرس : 063 - كتاب الذكر والدعاء - الترغيب في الترغيب في الإكثار من ذكر الله سراً وجهراً والمداومة عليه - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الترغيب والترهيب - الدرس : 063 - كتاب الذكر والدعاء - الترغيب في الترغيب في الإكثار من ذكر الله سراً وجهراً والمداومة عليه


1997-08-11

الحديث التالي أصل في الترغيب بذكر الله جلّ جلاله:

 أيها الأخوة الكرام، قال عليه الصلاة والسلام:

(( ألا أخْبِرُكم بخيرِ أعمالِكم، وأرفَعِها في درجاتكم، وأزكاها عند مليكِكم، وخير لكم من الوَرِق والذهب، وخير لكم من أن تَلْقَوا عَدُوَّكم، فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقَكم ؟ قالوا: بلى، قال: ذِكْرُ الله ))

[ الطبري عن أبي الدرداء].

 هذا الحديث أيها الأخوة، أصل في الترغيب بذكر الله جلّ جلاله، قبل أن نشرح الحديث، أجمع العلماء على أن ذكر الله يشمل تلاوة القرآن، ويشمل الاستغفار، ويشمل التسبيح، والتهليل، والحمد، والتكبير، ويشمل أيضاً الدعاء، ويشمل تذكير الناس بالله، أي كلمة تقولها تبتغي بها وجه الله فهي من ذكر الله، أي كلمة تتقرب بها إلى الله فهي من ذكر الله، بل إن الصلاة من أجل ذكر الله، والدليل:

﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴾

( سورة طه )

﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾

( سورة العنكبوت الآية: 45 )

 وقال العلماء: ذكر الله أكبر ما فيها، تتوضأ، وتستقبل القبلة، وتقرأ الفاتحة، وتركع، وتسجد، أكبر ما في الصلاة أن تذكر الله بقلب خاشع.

 

ذكر الله عز وجل هو الفرق الحاسم بين المؤمن وغير المؤمن:

 

 أيها الأخوة، ورد في الحديث القدسي:

(( إنك إذا ذكرتني شكرتني وإذا نسيتني كفرتني ))

[أخرجه الطبراني عن أبي هريرة ]

 ذكر الله عز وجل هو الفرق الحاسم بين المؤمن وغير المؤمن، بل إن المنافق لا يذكر الله إلا قليلاً، يبدو أن الذكر الكثير من صفات المؤمن، من هنا قال عليه الصلاة والسلام:

 

(( من أكثر ذكر الله فقد برئ من النفاق ))

 

[ أخرجه الطبراني في الصغير عن أبي هريرة ]

(( برئ من الشح من أدى زكاة ماله ))

[أخرجه الطبراني عن جابر بن عبد الله ]

(( وبرئ من الكبر من حمل حاجته بيده ))

[رواه القضاعي والديلمي عن جابر مرفوعا وهو عند ابن لال عن أبي أمامة. وفي لفظ بضاعته بدل سلعته، والشرك بدل الكبر، قال ابن الغرس ضعيف]

 لا يجوز أن تقول عن إنسان أدى زكاة ماله شحيح، لا يجوز أن تقول عن إنسان أكثر من ذكر الله منافق، لا يجوز أن تقول عن إنسان حمل حاجته بيده متكبر، فقد قال عليه الصلاة و السلام:

 

(( ألا أخْبِرُكم ـ هذه ألا تفيد الاستفتاح ـ بخيرِ أعمالِكم وأرفَعِها في درجاتكم وأزكاها عند مليكِكم وخير ))

 العمل الصالح من أجل أن تذكر الله، فصار الذكر هو تاج الأعمال كلها.

 

 

(( وأرفَعِها في درجاتكم، وأزكاها عند مليكِكم، وخير لكم من الوَرِق والذهب وخير لكم من أن تَلْقَوا عَدُوَّكم، فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقَكم ؟ قالوا: بلى قال: ذِكْرُ الله ))

 

أي شيء يقرب الإنسان من الله عز وجل فهو من ذكر الله:

 يفهم من الحديث السابق أن في الكون حقيقة هي الله عز وجل، فأي شيء يقربك من هذه الحقيقة فهو من ذكر الله، بل إن تفكرت في خلق السماوات والأرض من أجل أن تزداد معرفة بالله، هذا التفكر من ذكر الله، بل إنك لو تلوت كلام الله من أجل أن تتقرب من الله عز وجل فهو من ذكر الله، بل إنك إن ذكرت الله باسمه المفرد الله فهو من ذكر الله، بل إنك لو قلدت النبي صلى الله عليه وسلم بأذكاره الذي جمعها الإمام النووي فهي من ذكر الله، إنك إن دعوت الله تذكره، هذا الله جلّ جلاله ماثل في ذهنك.
أحياناً الإنسان يكون ماشياً و هو صامت، حينما يكون صامتاً هناك حديث نفسي داخلي، هذا الحديث الداخلي يعلمه كل إنسان.
 الآن سافر إلى حلب، واركب سيارة من دمشق إلى حلب لوحدك، لا يوجد معك أحد ماذا تفعل ؟ الحديث نفسي مستمر، تسميه خواطر، تسميه حديث النفس، تسميه تفكيراً، سمِه ما شئت، هذا الحديث النفسي ماذا يشمل ؟ المؤمن حتى في حديثه النفسي يذكر الله عز وجل.
الآية الكريمة:

﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ﴾

 قال بعض العلماء: أنك حينما تصلي تذكر الله، لكن ذكرك لله يقابله ذكر لله لك، وذكر الله لك أكبر من ذكرك له.

 

(( فإن ذكرني في نفسه ذكرتُه في نفسي، وإِن ذكرني في مَلأٍ ذكرتُه في مَلأٍ خيرٍ منه ))

 

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة ]

معنى ذلك: ذكر الله لك أكبر من ذكرك لله عز وجل.
 المعنى الذي ينبغي أن نفهمه فهماً أعمق هو أنه كما ذُكر الله لك فعرفته ، واستقمت على أمره، وأقبلت عليه، ينبغي أن تذكره لعباده.

الدعوة إلى الله فرض عين على كل مسلم:

 رالآن الشكر، ذُكر الله لك، دُعيت إلى الله، دُعيت إلى طاعته، دُعيت إلى التقلب إلى رحمته، دُعيت إلى جنات القربات، الوفاء يقتضي أن تذكره لعباده كما ذكرك فسعدت بقربه، هذه الدعوة إلى الله، وكل مؤمن يجب أن يدعو إلى الله، والمؤمن الذي لا يفكر أبداً في أن يدعو إلى الله أحداً يُشك في إيمانه، لأن حقيقة الإيمان ما إن تستقر في قلب الإنسان حتى تعبر عن ذاتها بذاتها، بشكل دعوة إلى الله، إنسان يتصل بالله، ويذوق طعم القرب، ولا يفكر أبداً أن يقنع أقرب الناس إليه، أحب الناس إليه، في أن يدعوهم إلى الله ، هذا يشك في إيمانه.
كما أن الرائحة الفواحة من خصائص الورد فإن لم نجد رائحة فواحة نشك في أنها وردة طبيعية، هذه وردة اصطناعية لأنها فقدت هذه الرائحة.
فالإنسان أي إنسان يجب أن يدعو إلى الله عز وجل، هذه الدعوة إلى الله فرض عين، لأن الله عز وجل يقول:

﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ﴾

( سورة يوسف الآية: 108 )

أعلى مراتب الجهاد أن تَعلم القرآن و تُعلمه:

 تذكرون: من لم يجاهد، ومن لم يحدث نفسه بالجهاد فهو على ثلمة من النفاق.
وأعلى مراتب الجهاد أن تعلم القرآن وأن تعلمه، قال تعالى:

﴿ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً ﴾

( سورة الفرقان )

 سمّي جهاد تعلم القرآن وتعليمه جهاداً كبيراً، الإنسان إن لم يفكر إطلاقاً في أن يعلم هذا القرآن أو يتعلمه هذا مات على ثلمة من النفاق، أحياناً الإنسان يتوهم أنه أنا تاجر ولست داعية، أنا صناعي، أنا موظف، أنا مهندس، أنا طبيب، يصنف نفسه بحرفه تقابل الإيمان، لا هذا الكلام فيه خطأ كبير، أنت طبيب وينبغي أن تكون مؤمناً، تاجر مؤمن، صناعي مؤمن، مهندس مؤمن، ومن لوازم الإيمان إن استقر بقلبك الإيمان حقاً أن تدعو إلى الله، و الدعوة فرض عين أي أن تذكره لعباده في حدود ما تعلم ومع من تعرف، لست مكلفاً أن تجعلها دعوة عامة، ولست مكلفاً أن تكون من أساطير العلماء، حتى تكون داعية الذي سمعته، الذي استوعبته، الذي عقلته، الذي تمثلته، الذي تأثرت به، هذا الجانب الذي تأثرت به انقله إلى أقرب الناس إليك، لقد حققت الدعوة التي هي فرض عين، وفرض كفاية، قال تعالى:

﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ ﴾

 من للتبعيض.

﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 104 )

 هذا فرض الكفاية.

 

من دعا إلى الله وسع دوائر الحق:

 

 أما فرض العين:

﴿ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾

( سورة العصر )

 التواصي بالحق أحد أركان النجاة، و إلا لن تنجو، إنك إن دعوت إلى الله وسعت دوائر الحق، إذا الحق توسع لأن كل شيء ينمو في الحياة، فإذا الحق لم ينمُ ينتهي، فالنمو لا من أجل أن يزداد أهل الحق، من أجل أن يبقى الحق، أحياناً النمو من أجل البقاء.
 كيف أن راكب الدراجة إن لم يتحرك وقع، إذا وقف وقع فوراً، توازنه في حركته، والحق إذا فيه حركة فيه بقاء، و إن توقف وقع و انكمش، كل شيء ينمو في الحياة، سنة الله في خلقه، فالنمو مستمر، و إن توقف أحد عناصر الحياة عن النمو، وكل شيء ينمو حوله سوف تضيق دوائره.

 

ذكر الله عز وجل ينجي صاحبه من العذاب:

 

 إذاً هذا الحديث أيها الأخوة، أصل في ذكر الله عز وجل:

(( ألا أخْبِرُكم بخيرِ أعمالِكم، وأرفَعِها في درجاتكم، وأزكاها عند مليكِكم، وخير لكم من الوَرِق والذهب، وخير لكم من أن تَلْقَوا عَدُوَّكم، فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقَكم ؟ قالوا: بلى، قال: ذِكْرُ الله ))

 حديث آخر:

 

(( ما عَمِل ابنُ آدمَ من عَمَل أنْجَى له من عذابِ الله من ذِكْرِ الله ))

 

[أخرجه الترمذي ومالك عن معاذ بن جبل]

 الإنسان أحياناً لا يكون على مستوى أن يتحدث عن الله، ثقافته محدودة، وهذه الدعوة إلى الله اختصاص، ماذا يفعل ؟ قد يأتي به إلى المسجد، هذا السعي الطيب نوع من ذكر الله، أحياناً يسمعه شريطاً، معنى ذلك نقل له الحق، النبي صلى الله عليه وسلم قال:

 

(( بلِّغُوا عني ولو آية ))

 

[أخرجه البخاري والترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ]

(( فَرُبَّ مُبَلَّغ أوْعَى من سامع ))

[أخرجه الترمذي عن عبد الله بن مسعود ]

 قد يكون الإنسان سمع الدرس وبلغه لإنسان، الإنسان المبلغ أوعى من السامع، فكل ما فعله هذا المبلغ في صحيفة السامع.
 يقولون: إذا الإنسان أنجب ولداً كبيراً، عالماً جليلاً، و كان الأب حريصاً على ابنه في أن يكون في هذا المستوى، كل أعمال ابنه في صحيفته، هو الذي أنجبه، أنجبه وهو يسعى إلى أن يكون هكذا.

 

من علّم القرآن و تعلمه خير له من الورق و الذهب:

 

 أخواننا الكرام، الحق شيء ثمين جداً، أعرف رجلاً لا يملك أن يكون حديثه مقنعاً للناس، يعمل لقاء ويسمع الناس شريطاً، أناس كثر استفادوا، و تابوا إلى الله عز وجل، أساليب نقل الحق كثيرة، درس العلم وعاء، الكتاب وعاء أحياناً، الشريط وعاء، الخطبة وعاء، لا بد من الحق أن ينتقل لك وتنقله للآخرين هذا ضمن ذكر الله عز وجل.

(( وخير لكم من الوَرِق والذهب، وخير لكم من أن تَلْقَوا عَدُوَّكم، فتضربوا أعناقهم ))

 هو الجهاد من أجل أن تذكر الله للآخرين، فإن أتيح لك أن تذكره للآخرين هو الهدف أساساً، إذا كان متاح لك أن تذكر الله، متاح لك أن تتعلم القرآن، متاح لك أن تعلم القرآن، هذا الذي سماه القرآن جهاداً كبيراً.

 

الإخلاص شرط أساسي من شروط ذكر الله عز وجل:

 

 الحديث الأخير، عن عبد الله بن بسر أن رجلاً قال يا رسول الله:

(( إِن شرائع الإِسلام قد كَثُرَت، وأنا قد كَبِرْتُ، فأخبرني بشيءٍ أتشبَّث به، ولا تُكثِر عليَّ فأْنسى، قال: لا يَزَالُ لسانُكَ رَطْبا بذِكر الله ))

[ الترمذي و أحمد عن عبد الله بن بسر]

 هذا الشيء الذي إذا تشبثت به أنجاك.

 

(( لا يَزَالُ لسانُكَ رَطْبا بذِكر الله ))

 لكن لاحظتم من هذين الحديثين أن هذا الذكر مع الإخلاص، هل من الممكن للإنسان أن يذكر الله دون إخلاص، في مطلع الدعوة الإسلامية لم يكن هناك نفاق، أما تذكر الله من أجل أن تقنع الناس أنك صالح، هذا شيء ظهر بعصور التخلف، أما بالأساس الإنسان إذا ذكر الله عليه أن يذكره صادقاً.

 

 

(( إِن شرائع الإِسلام قد كَثُرَت، وأنا قد كَبِرْتُ، فأخبرني بشيءٍ أتشبَّث به، ولا تُكثِر عليَّ فأْنسى، قال: لا يَزَالُ لسانُكَ رَطْبا بذِكر الله ))

 

[ الترمذي و أحمد عن عبد الله بن بسر]

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018