مختلفة لسورية الفضائية - الندوة : 13 - حكمة الصيام وزكاة الفطر. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠32ندوات مختلفة - قناة سوريا الفضائية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

مختلفة لسورية الفضائية - الندوة : 13 - حكمة الصيام وزكاة الفطر.


2009-09-04

مقدمة:

الأستاذ جمال:

 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتمها على حبيب رب العالمين، سيدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين.
 أيها الأخوة والأخوات السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسعد الله أوقاتكم جميعاً بكل خير، وطيبت أوقاتكم أوقات الخير، أوقات العبادة، أوقات الصيام، ونسأله تعالى جلّ جلاله أن يتقبل أعمالنا، وأن يجعلها خالصة لوجهه الكريم.
 في ندوة رمضان أيها الأخوة والأحبة اليوم يسعدنا أن نستضيف فضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي الداعية الإسلامي.
فضيلة الشيخ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

الدكتور راتب:

 وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته أستاذ جمال جزاك الله خيراً.

 

 

الأستاذ جمال:

 دكتور محمد راتب النابلسي، نعيش أيام رمضان الخير، هذا الشهر المبارك، الذي يفيض علينا ربنا من خلاله بالرحمات والعطاءات، هذه العطاءات لا تعد ولا تحصى، لا يعرفها إلا من يكابدها، إلا الصائم، وهناك نتائج ايجابية تنعكس على هذا الإنسان الذي عرف ربه فأطاعه وصام هذا الشهر المبارك، كيف نتحدث عن الصوم ونتائجه الطيبة على نفسية الإنسان الصائم؟.

 

 

الصيام ثاني أكبر عبادة في الإسلام:

 

الدكتور راتب:

 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وعلى صحابته الغر الميامين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين.
أستاذ جمال، الصيام عبادة، بل هو ثاني أكبر عبادة في الإسلام، والعبادات في الإسلام من روعتها أنها معللة بمصالح الخلق، بينما الطقوس في الأديان الوضعية هي حركاتٌ، وسكناتٌ، وتمتماتٌ، وإيحاءات، وكلماتٌ، لا معنى لها، لكن الأمام الشافعي يقول: "العبادات في الإسلام معللة بمصالح الخلق"، فما من عبادة إلا ولها أهداف كبيرة، فالصيامُ مثلاً، يقول الله عز وجل:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾

[سورة البقرة]

تتقون ماذا؟ تتقون الشقاء، تتقون غضب الله، تتقون سخطه، تتقون معصيته، تتقون ضياع الآخرة، فالتقوى من الوقاية، والإنسان متى يتوقى؟ حينما يرى رؤية صحيحة.
إ نسان يمشي في طريق ليلاً، هناك عقبات، وأكمات، وحفر، وحشرات، لو أن مصباحاً ساطعاً بيده يرى كل شيء، يرى الحفرة فيتقيها، يرى الأكمة فيبتعد عنها، يرى الحشرة فيقتلها، فالإنسان لا يتقي الأخطار إلا إذا تمتع برؤية، هذه الرؤية وردت في آية كريمة:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ ﴾

[سورة الحديد الآية:28]

من ذكر الله أدى واجب العبودية و من ذكره الله منحه الأمن و الحكمة:

 الإنسان حينما يتصل بالله، الصيام من أجل الصلاة، والصلاة من أجل الصلاة، والحج من أجل الصلاة، والزكاة من أجل الصلاة، العبرة أن هذا المخلوق الضعيف يتصل بالإله العظيم، يكتسب منه الغنى، الحكمة، الرضا، السعادة، القوة، العلم، فالله تعالى حينما قال:

﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾

[سورة العنكبوت الآية:45]

 قالوا العلماء: ذكر الله أكبر ما فيها، هذا رأي، هناك رأي آخر: ذكر الله لك أيها المصلي أكبر من ذكرك له، إنك أن ذكرته أديت واجب العبودية، لكنه إن ذكرك منحك الأمن، أسعدك منحك الأمن، منحك الحكمة، منحك الرضا، منحك السعادة، منحك السكينة، منحك التوازن، منحك الشجاعة، منحك العدل:

﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾

[سورة الأعراف الآية:180]

 إن مكارم الأخلاق مخزونة عند الله تعالى، فإذا أحبّ الله عبداً منحه من مكارم الأخلاق، فالإنسان حينما يصوم يدع الطعام والشراب، يدع المباحات، يدع ما أبيح له طوال العام، فأي شيء أباحه الله له يدعه في الصيام، تقرباً إلى الواحد الديان، والله عز وجل عندما ينهانا عن السرقة، والكذب، والغش، الأوامر واضحة جداً، لكن الله عز وجل يقول في بعض الأحاديث القدسية:

 

((كلُّ عملِ ابنِ آدمَ له إلا الصيامُ، فإنه لي وأنا أجْزِي به))

 

[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي ومالك عن أبي هريرة]

الأستاذ جمال:

 لماذا ـ سماحة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي ـ الصيام بحدِّ ذاته الله عز وجل يجزي به؟

 

الصيام عبادة الإخلاص:

 

الدكتور راتب:

 لأنه حينما تقول أستاذ جمال لابنك: نظف أسنانك، الأمر واضح، ادرس، الأمر واضح، نم باكراً، الأمر واضح، أما الطعام على الطاولة، والابن جائع، وهو ابنك، وطعامك حلال، تقول له: لا تأكل، فإذا كان مؤدباً أدباً عالياً، وإذا كان واثقاً من حكمتك يستجيب، لذلك نسبة العبودية في الصيام عالية جداً، لأن الله أمرك أن تترك الطعام وأنت بحاجة إليه.

 

الأستاذ جمال:

ولا أحد يعلم بترك هذا الطعام إلا أنت شخصياً.

 

 

الدكتور راتب:

 شيء آخر دقيق جداً: أنت حينما تكون في البيت وحدك، والثلاجة فيها ماء بارد، والوقت حر لا يحتمل، والإنسان يكاد يموت من العطش، ما الذي يمنعه أن يشرب؟ مراقبة الله له، إذاً كأن الصيام عبادة الإخلاص، أي كأنك تكتشف إخلاصك لله، تكتشف أن الله معك، أن الله يراقبك، لا يمكن أن تعصيه، فكأن الله نمّا فينا العبودية له، لترك الطعام والشراب، ونمّا فينا الإخلاص له، حينما نمتنع ونحن بالبيت وحدنا عن أن نضع قطرة ماء في فمنا.

 

 

الأستاذ جمال:

 دكتور محمد راتب النابلسي، السؤال الذي يخطر في بالي الآن هو، وفي ندوتنا الرمضانية هذه، موضوع العادة والعبادة، أي أخشى ما نخشاه أن تتحول هذه العبادة إلى عادة، كيف يمكن أن نتخلص من موضوع العادة لنصل إلى حقيقة العبادة؟.

 

 

من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه:

 

الدكتور راتب:

 والله الذي تخشاه وقع، هناك صيام كعادة من عاداتنا، صيام اجتماعي، لقاءات، سهرات، ندوات، مسلسلات، غيبة، نميمة، والجماعة صائمون، هذا الصيام عند الله مرفوض رفضاً كلياً، الصيام شهر عبادة، شهر استقامة، شهر ضبط العين، ضبط اللسان، شهر القرآن، شهر الإنفاق، شهر الصلة بالله، شهر قيام بالليل، شهر الإنابة إلى الله، شهر الخلوة مع الله، هذا شهر عبادة، لأن:

 

(( من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه))

 

[أخرجه البخاري ومسلم وابن خزيمة عن عائشة أم المؤمنين]

 إنسان عليه ديون بالملايين، أتيح له أن تطوى صفحة هذه الديون، شيء لا يقدر بثمن، وجميع المؤمنين في هذا الشهر أمامهم فرصة ذهبية، أن تزاح عنهم كل الذنوب التي كانت بينهم وبين الله.
بالمناسبة: ما كان بينك وبين الله العفو عنه سهل جداً، لأن حقوق الله مبنية على المسامحة، لكن ما كان بينك وبين العباد لا بد من الأداء أو المسامحة.

 

الأستاذ جمال:

 إذاً نحن أمام هذه الجزئية التي تتفضل بها سماحة الشيخ موضوع حقوق الله عز وجل مبنية على المسامحة، أنا أتوجه إلى ربي عز وجل بلحظة صفاء، الله يتجلى ويمحو عني السيئات، لكن حقوق الناس مبنية على المشاححة، كيف نبين هذا الموضوع؟ وكيف نوجه نداء لكل من يأكل حق اليتيم، وحق الفقير، وحق الذي يؤتمن على أموال اليتامى؟ أي هذا الموضوع كيف نوضحه؟

 

 

الذنوب بين الناس لا تغفر إلا بالأداء أو المسامحة:

 

الدكتور راتب:

 أنا أوجه نداءً لأخوتي المشاهدين أن الإنسان حينما يجود بنفسه، والجود بالنفس أقصى غاية الجودِ، الإنسان حينما يجود بنفسه هل من هناك عمل أعظم؟ قال عليه الصلاة والسلام:

 

((' يُغْفَرُ للشهيد كلُّ ذَنْب إلا الدَّيْنَ ))

 

[أخرجه مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص]

 صحابي جليل خاض مع النبي المعارك تلو المعارك، ومات في المعركة، يقول: أعليه دين؟ فإن قالوا: نعم، يقول: صلوا على صاحبكم، شيء يقصم الظهر، حقوق العبادة مبنية على المشاححة، لذلك قال تعالى:

﴿ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ ﴾

[سورة الأحقاف الآية:31]

أي بعض ذنوبكم، يغفر لكم الذنوب التي بينكم وبينه، أما الذنوب التي بينكم وبين العباد فلا تغفر إلا بإحدى حالتين: بالأداء، أو بالمسامحة.
 حتى الأخوة الكرام لا يتوهمون أنهم إذا صاموا هذا الشهر، عليهم حقوق، عليهم ديون، هذه لا تسقط، لا تسقط أبداً إلا بالمسامحة أو الأداء، أما هذا الوهم أن نحن نصوم وكل الذنوب التي على كاهلنا والمتعلقة بالعباد تغفر، لا تغفر، لا يغفر إلا ما كان بينك وبين الله، أما ما كان بينك وبين العباد فهذه الذنوب لا بد من تؤدى أو أن أصحاب الحقوق يسامحونك بها.

الأستاذ جمال:

 أي بعض الناس يذهب إلى الحج وطمعه بالحديث الشريف:

 

((رجع كيوم وَلَدَتْهُ أمُّه ))

 

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي ومالك عن أبي هريرة]

 يظن أن كل شيء قد انتهى.

 

الدكتور راتب:

فيما بينه وبين الله فقط.

 

 

الأستاذ جمال:

 نتحول إلى حديث موضوع هذا الشهر المبارك، فيه الحنو على الفقير، فيه الغني الذي عليه أن يؤدي زكاة ماله، وزكاة المال حصن للمال وتحصين له، وهناك الفقير الذي ينتظر مساعدة هذا الغني، كيف نتحدث بدايةً عن موضوع الزكاة سماحة الشيخ؟.

 

 

الزكاة تؤخذ ولا تعطى و تتعلق بسلامة الوضع المالي في الأمة:

 

الدكتور راتب:

أستاذ جمال الزكاة لها آية في القرآن تعد أصلاً في الموضوع، قال تعالى:

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ﴾

[سورة التوبة الآية:103]

 


 أستاذ جمال، نقف في هذه الآية عند كل كلمة، خذ: هذا خطاب للنبي الكريم، لكن العلماء قالوا: هذا خطاب للنبي لا على أنه نبي، ولا على أنه ولي أمر المسلمين بصفته الزمنية، هذا الخطاب يؤكد أن الزكاة تؤخذ ولا تعطى، لأنها نظام مالي تعد أصلاً في توزيع الثروات، لأن الشيء الخطير أن الكتلة النقدية التي هي بأيدي الناس، الحال الطبيعية التي أرادها الله أن تكون متداولة بين كل أيدي الأمة، فإذا جُمّعت هذه الكتلة النقدية بأيد قليلة وحرمت منها الكثرة الكثيرة كان الوضع خطيراً، كان الخلل كبيراً، كان الطريق مسدوداً إلى تقدم الأمة، لأن بالزكاة تتعلق سلامة الوضع المالي في الأمة، بالزكاة تتعلق حقوق الفقراء، بالزكاة تتعلق واجبات الأغنياء، فلذلك هذه الزكاة ليست على مزاج المسلم، يدفع أو لا يدفع، الآية تقول:

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ﴾

هذه ناحية أولى.

وجوب الزكاة في جميع الأموال من دون استثناء لمن يملك النصاب:

 لكن العلماء قالوا: الزكاة بعض المال، أي اثنان ونصف في المئة،

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ﴾  الحقيقة مصادرة الأموال كلها هذا الشيء ليس وارداً في نظام الزكاة، الزكاة تؤدى من المال جزء منه،

﴿ خُذْ مِنْ ﴾  لكن الأموال جاءت جمع، ما معنى الجمع هنا؟ أي أن الزكاة تجب في كل أنواع المال، حتى في الثروات الباطنية، زكاة الركاز، هذه ملك المسلمين جميعاً، فالذي عنده ثروات باطنية يجب أن يؤدي زكاتها، الإنتاج الزراعي عليه زكاة، العسل عليه زكاة، النقدان الفضة والذهب عليها زكاة، الزروع عليها زكاة، الورق عليه زكاة، العملات كلها عليها زكاة، المال:

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ﴾  المال: الشيء الذي له قيمة، ويباع، ويشترى، ويتداول، فتجب الزكاة في جميع الأموال من دون استثناء، حتى الإنتاج الزراعي، حتى الثروات الباطنية، حتى الأموال المنقولة والغير منقولة، حتى في الأنعام، فالزكاة تجب في جميع الأموال

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ﴾  لكن جاءت الأموال جمعاً، وجاء معها ضمير غائب الجمع، أي تؤخذ من جميع المسلمين من دون استثناء، ليس في الإسلام إنسان معفى من هذه الفريضة، لكن كلمة ضريبة متعلقة بالضرب، وقد يكون قاسياً، أما الزكاة من التزكية، فالآية تقول:

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾

تأكد

 أن من خلال الكلمات التي سبقت الصدقة أن الزكاة فرضت على كل المسلمين من دون استثناء، من كان يملك النصاب طبعاً، وأن الزكاة تجب في جميع الأموال، وأن الزكاة فرضت على كل المسلمين من دون استثناء، لكن الله عز وجل أراد في هذه الآية أن يسميها صدقة، ما معنى صدقة هنا؟ الصدقة هنا تعني الزكاة، لكن الزكاة سميت صدقة لأنها تؤكد صدق الإيمان في الإنسان.

 

تناقض الطبع مع التكليف ثمن الجنة:

 

أستاذ جمال ـ بارك الله بك ـ بالإنسان طبع ومعه تكليف، الطبع يتناقض مع التكليف، فالإنسان طبعه أن يأخذ المال، والتكليف يقتضي أن ينفقه، طبعه يقتضي أن يبقى نائماً في الفراش، والتكليف يأمره أن يصلي الفجر في وقته، طبع الإنسان يقتضي أن يخوض في فضائح الناس، والتكليف يقتضي أن يصمت، فمن تناقض التكليف مع الطبع يكون ثمن الجنة، ولأن المال محبب:

﴿ وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً ﴾

[سورة الفجر]

كما قال الله عز وجل، وقد قال الله عز وجل:

﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾

[سورة آل عمران الآية:14]

 فلأن المال محبب كان إنفاقه قربة إلى الله، لأن المال محبب:

﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾

[سورة آل عمران الآية:92]

 كان إنفاقه قربة إلى الله جلّ جلاله، فلذلك سمى الله الزكاة هنا صدقة لأنها تؤكد صدق الإنسان في معرفة الواحد الديان.

 

الزكاة تطهر المعطي من الشح والآخذ من الحقد:

 

 الآن بدأنا ندخل في صلب الموضوع

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ﴾

 أستاذ جمال هناك أمراض وبيلة، أمراض عضالة، أمراض مميتة، كالورم الخبيث، كالاحتشاء في القلب، كالخثرة في الدماء، أنا أؤكد لك أن هناك أمراضاً تصيب النفس لا تقل عن أمراض الجسم، أكبر هذه الأمراض الشح:

﴿ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾

[سورة الحشر]

 الزكاة تطهر الغني من الشح، ماذا يقابل الغني المترف؟ فقير معدوم، الفقير حاقد، يرى الغني بمركباته، ببيوته، بقصوره، بطعامه، بشرابه، باستكباره، بعلوه، يحقد، فحينما يؤدي الغني زكاة ماله، ما الذي يحصل؟ يطهر الفقير من الحقد، فكأن الزكاة طهرت المعطي والآخذ، طهرت المعطي من الشح، وطهرت الآخذ من الحقد.

 

الزكاة تنمي نفس الغني بحيث يرى أنه أحد أركان المجتمع:

 

 لكن النقطة الدقيقة جداً: أن هذا التطهير يعم المجتمع كله، فالإنسان حينما يعطي من ماله الذي جمعه من كسب حلال لهؤلاء الفقراء تنشأ المودة، بين أن يكون الفقير حاقداً وعدواً وبين أن يكون الفقير محباً وحارساً، اختلف الوضع اختلافاً كلياً، بالزكاة يتماسك المجتمع، فأولاً قال عليه الصلاة والسلام:

(( برئ من الشح من أدى زكاة ماله))

[أخرجه الطبراني عن جابر بن عبد الله]

 وللحديث تتمة:

 

(( من أكثر ذكر الله فقد برئ من النفاق ))

 

[ أخرجه الطبراني في الصغير عن أبي هريرة ]

(( وبرئ من الكبر من حمل حاجته بيده ))

[رواه القضاعي والديلمي عن جابر مرفوعا وهو عند ابن لال عن أبي أمامة. وفي لفظ بضاعته بدل سلعته، والشرك بدل الكبر، قال ابن الغرس ضعيف]

 فالآية تقول:

 

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ﴾

 أما التزكية، لو سمحت لي، الغني حينما يؤدي زكاة ماله يشعر بنمو في نفسه، رأى أنّ ماله حلّ مشكلة الفقراء، رأى ابتسامة الأطفال على وجوههم وعلى محياهم، رأى هذه الأسر تماسكت، حينما يؤدي الغني زكاة ماله ينعش الفقير فهو تنمو نفسه.
 أستاذ جمال، حجمك عند الله بحجم عملك الصالح، والغنى والفقر بعد العرض على الله، والذي يقدم من ماله للفقراء يشعر أن الله يحبه، تنمو نفسه، تنمو مشاعره، يصبح أقرب إلى الله، فالزكاة فضلاً عن أنها تطهر الغني من الشح، تنمي نفس الغني، تنميه بحيث يرى أنه أحد أركان المجتمع.
الأستاذ جمال: ف1
دكتور راتب النابلسي، هناك قضية هامة جداً، نعمة العطاء أحلى وأجمل وأمتع من نعمة الأخذ، أي هكذا ربيت النفس الإنسانية.

 

 

قيمة الإنسان عند الله لا بقدر ما يأخذ بل بقدر ما يعطي:

 

الدكتور راتب:

 والله لا بدّ من تعليق ـ جزاك الله خيراً ـ يمكن أن ترى أنّ على رأس الهرم البشري زمرتان؛ الأنبياء والأقوياء، الأنبياء أعطوا ولم يأخذوا، الأقوياء أخذوا ولم يعطوا، الأنبياء ملكوا القلوب، الأقوياء ملكوا الرقاب، الأنبياء يمدحون في غيبتهم، الأقوياء في حضرتهم، الأنبياء عاشوا للناس، والأقوياء عاش الناس لهم، والناس جميعاً تبع لقوي أو نبي، بمعنى أن الصائم حينما يؤدي زكاة ماله هو من أتباع الأنبياء، والأنبياء أعطوا ولم يأخذوا.
 أستاذ جمال، في اللغة العربية صفة اسمها أريحي، الأريحي هو الذي يرتاح للعطاء، وأنا أقول لك بصدق: إن قيمة الإنسان عند الله لا بقدر ما يأخذ بل بقدر ما يعطي، بل قيمة الإنسان بالمجتمعات كلها بقدر ما يعطي، فالمؤمن يعطي لأن الله عز وجل قال:

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾

[سورة الليل]

هذا المؤمن صدق أنه مخلوق للجنة، فلما صدق أنه مخلوق للجنة اتقى أن يعصي الله خوفاً منه، و بنى حياته على العطاء، يعطي من وقته، يعطي من ماله، يعطي من خبرته، يعطي من علمه، يعطي من جاهه، المؤمن بنى حياته على العطاء، التعبير المعاصر إستراتيجية العطاء، بينما غير المؤمن بنى حياته على الأخذ، فأنت ما الذي يسعدك أن تعطي أم أن تأخذ؟ اكتشف نفسك، حينما ترى أنك تسعد بالعطاء فأنت مؤمن ورب الكعبة.

الأستاذ جمال:

 تختتم حديثنا دكتور محمد راتب النابلسي بكلمات موجزة عن صدقة الفطر، كيف تؤدى؟ متى تؤدى؟ من فرضت عليه صدقة الفطر؟.

صدقة الفطر:

الدكتور راتب:

 الحقيقة أن هذه الصدقة عجيب أمرها، تجب على كل مسلم يملك قوت يومه، الذي عنده وجبة طعام واحدة تجب عليه زكاة الفطر، لماذا؟ قال: لأن الله أراد أن نذوق طعم الإنفاق ولو كنا فقراء، الإنفاق له طعم رائع جداً، ولا يعرفه إلا من ذاقه، فكأن الله أرادنا أن نذوقه في العام مرة، أنت فقير أنفق، والذي يعطي يأخذ أيضاً، أي الفقير يعطي ويأخذ، لكن هذه الصدقة طُهرة للصائم من اللغو أو الرفث، مثلاً: نظرة لم تكن مقصودة، أو كلمة لم تكن مقصودة، كلمة أو نظرة طُهرة للصائم من اللغو أو الرفث، وطعمة للمسكين، تجب حتى على الفقراء الذين يملكون قوت يومهم، الله أراد من زكاة الفطر أن يذوق المسلم ولو كان فقيراً طعم الإنفاق، الإنفاق شيء مسعد.

 

الأستاذ جمال:

على مبدأ كما قال الإمام الشافعي:

 

 

يغطى بسماحة كل عيب وكم عيب يغطي السخاء
***

 فالسخاء نعمة لا يعرفها ـ كما تفضلت سماحتك ـ إلا من يعيشها، موضوع صدقة الفطر سماحة الشيخ؟.

 

 

صدقة الفطر تؤدى مالاً أو عيناً والأولى أن تؤدى عيناً:

 

الدكتور راتب:

لكن هناك نقطة دقيقة جداً يجب أن أنوه بها:

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ ﴾

 تزكية المال، المال ينمو بالزكاة، ينمو بقانون اقتصادي، أنت حينما وضعت بأيدي الفقراء كتلة نقدية، هذه أصبحت قوة شرائية، يعودون بها إلى السوق، ومن السوق إلى الصندوق، إذاً المال ينمو، والغني ينمو، والفقير ينمو، هي متعلقة بالقسم الأول، أما هذه الصدقة صدقة الفطر تؤدى مالاً أو عيناً، والأولى أن تؤدى عيناً.

 

الأستاذ جمال:

 يحل الفقير مشكلته خاصة أيام قادمة ويكون العيد بيننا، ماذا تقول في ختام الحديث وبكلمات أيضاً موجزة سماحة الشيخ أنه: ماذا بعد رمضان؟ صمنا مدرسة الثلاثين يوماً، ماذا يترتب علينا بكلمات؟.

 

 

بطولة الإنسان أن يرقى برمضان رقياً نوعياً:

 

الدكتور راتب:

 هذه البطولة أن ترقى برمضان رقياً نوعياً، أن تتابع هذا الرقي بعد رمضان، كل رمضان نرقى رقياً نوعياً، أما إذا عاد المرء بعد رمضان كما كان قبل رمضان ما استفاد إطلاقاً، الصيام موضوع تنمية، تنمية إيمانية، تنمية نفسية، والتنمية حبّ لله، وبالتعبير الدقيق كأنه درج في كل رمضان نرتقي درجة، أما إذا عدنا بعد رمضان إلى ما كنا عليه فهذه الحكمة البالغة ألغيت.

 

الأستاذ جمال:

 إذاً نقول رمضان كما بدأنا شهر الحب، والخير، والحنان، والعطاء، والقرب إلى الله عز وجل، وتزداد الشكيمة بين الناس حباً لمجتمع نحن نسعد أن يكون قوياً معافى.

 

 

الدكتور راتب:

 شهر القرآن شهر قيام الليل، شهر صلاة الفجر في المسجد، شهر غض البصر، شهر ضبط اللسان، شهر الحب، وشهر نسيان الضغائن، وشهر الزكاة، وشهر الصدقات.

 

خاتمة و توديع:

الأستاذ جمال:

نسأل الله عز وجل التوفيق، والقبول، اللهم تقبل صيامنا، وصلاتنا، وركوعنا، واجعل ذلك في صحيفة أعمالنا يوم نرقى.
 شكري الجزيل لسماحة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي، الداعية الإسلامية التي أفاض بإيجاز وأوضح خلال ثلاثين دقيقة، فعلاً استفدنا شكراً سيدي.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018