مختلفة لسورية الفضائية - الندوة : 08 - ليلة القدر. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠32ندوات مختلفة - قناة سوريا الفضائية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

مختلفة لسورية الفضائية - الندوة : 08 - ليلة القدر.


2001-12-11

مقدمة :

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وأهلاً ومرحباً بكم إلى هذا اللقاء الطيب المبارك إن شاء الله .
يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم :

﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾

[ سورة القدر : 1-5]

حول فضائل هذه الليلة المباركة التي ينتهجها المسلمون في شهر رمضان المبارك يسرنا أن نتحدث في هذه الندوة مع ضيفينا الكريمين ، أبدأ بالترحيب بالضيفين الكريمين فضيلة الأستاذ الدكتور الشيخ وهبة الزحيلي ، الأستاذ في كلية الشريعة في جامعة دمشق ، وعضو المجامع الفقهية و فضيلة الدكتور الشيخ محمد راتب النابلسي ، الأستاذ في كلية التربية في جامعة دمشق .
أهلاً وسهلاً بالأساتذة الكرام ومرحباً بكم ، في بداية اللقاء أتوجه لفضيلة الدكتور وهبه الزحيلي ، ليتكرم ببيان النصوص الدالة على ليلة القدر ومدلولات هذه النصوص إذا تكرمت .

النصوص الدالة على ليلة القدر ومدلولاتها :

الدكتور وهبة الزحيلي :
بسم الله الرحمن الرحيم ، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى أهله وصحبه وسلم ، مشاهدي الكرام نحس جميعاً حينما يبدأٌ العشر الأخير من شهر رمضان المبارك بأننا سنواجه ليلة فيها من أبرك الليالي ، وأعظمها عند الله جلّ جلاله ، ألا وهي ليلة القدر ، هذه الليلة العظيمة " القدر يعني ذات القدر العظيم ، وذات المنزلة الرفيعة عند الله جلّ جلاله "، فنزلت هذه الآية رداً على استفسار الصحابة ، فقال سبحانه :

﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ﴾

[ سورة القدر]

وقال جلّ جلاله في مطلع سورة الدخان :

﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ﴾

[ سورة الدخان : 3-4]

هاتان الآيتان الكريمتان تشيدان بهذه الليلة العظيمة ، ولله سبحانه وتعالى في خلقه شؤون ، فقد يفضل بعض الأماكن على بعضها الآخر كما فضل مكة المكرمة على سائر بقاع الدنيا ، وأنها أبرك وأفضل الأماكن في العالم ، وفضل المساجد الثلاث المسجد الحرام ، ومسجد المدينة المنورة ، والمسجد الأقصى على بقية المساجد ، وكذلك ميّز بعض الليالي كليلة النصف من شعبان ، وليلة القدر ، ويوم الجمعة ، ويوم عرفة ، والعشر الأوائل من ذي الحجة ، فضل كل ذلك على بقية الأيام والليالي ، لحكمة جليلة في هذا ، والحكمة واضحة المعالم ، في أن هذه الليلة المباركة اقترنت بنزول سائر الكتب السماوية الأساسية في العالم ، فالزبور نزل في الليلة الخامسة من ليالي شهر رمضان ، والإنجيل نزل في السابع من شهر رمضان ، والتوراة نزلت في اليوم الخامس عشر من شهر رمضان ، والقرآن العظيم نزل كما روى الإمام أحمد في مسنده لأربع وعشرين خلت من رمضان أي الأيام الفردية في العشر الأخير من رمضان ، التمسوها في العشر الأخير من رمضان ، أي في اليوم الخامس والعشرين، فقد تكون ليلة القدر في الواحد والعشرين ، أو الثالث والعشرين ، أو الخامس والعشرين ، أو السابع والعشرين ، وهو ما عليه أغلب جمهور العلماء ، أو في التاسع والعشرين ، فهذا يدل على مزيد هذا الفضل ومزيّته ، في نزول الكتب السماوية الكبرى في شهر رمضان ، ومنها اقتران هذه الليلة بنزول القرآن الكريم ، هذه الليلة العظيمة كما نزلت فيها هذه الكتب السماوية وبالذات خاتم الكتب السماوية وهو القرآن الكريم ، كذلك اقترنت بنزول الملائكة ، ملائكة السماء إلى الأرض لتدعو للصائمين والصائمات والمؤمنين والمؤمنات ، ربنا اغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم ، وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم و ذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم ، وقهم السيئات :

﴿ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُِ ﴾

[ سورة غافر : 9]

فضل ليلة القدر
كذلك اقترنت هذه الآية بوجوب أمر ثالث وهو نزول الخير والبركات والأرزاق، فشهر الصيام شهر يزاد في رزق المؤمن فيه ، وبالذات تتنزل الرحمات و الفضائل ، ففي ليلة القدر يتجلى الرب عز وجل و ينزل إلى السماء الدنيا و هذا نزول معنوي و ليس نزولاً مكانياً كما نفهم لأن الذات الإلهية ليس كمثله شيء و هو السميع البصير ، إنما هذا لتقريب ذلك المعنى إلى أذهان الناس ، ينزل ربكم إلى السماء الدنيا فيقول في ليلة القدر وفي وقت السحر: هل من داع فأستجيب له ؟ هل من مستغفر فأغفر له ؟ هل من مبتلى فأعافيه ؟ هل من مسترزق فأرزقه ؟ حتى يطلع الفجر ، فإن نزول الخيرات و البركات و التجليات الإلهية في هذه الليلة كل ذلك اقترن بهذه الليلة المباركة ، ليرتقي مستوى المؤمنين و المؤمنات ليكونوا على مستوى الحدث ، و يعرف قدر هذه الليلة ، و يستغل هذه الليلة من أجل تحقيق منافع كثيرة له في الدنيا و في الآخرة .
المذيع :
إذاً نتوجه للدكتور راتب ما هي المعاني العظيمة التي تنطلق منها هذه الليلة ، ليلة القدر ؟

المعاني العظيمة التي تنطلق منها ليلة القدر :

الدكتور راتب النابلسي :
بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .
الحقيقة أن معاني هذه الليلة تنطلق من قوله تعالى :

﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾

[ سورة الزمر: 67 ]

يمكن أن تعرف قوانين الخلق وهذه مهمة الجامعات في العالم ، ويمكن أن تعرف الأمر الإلهي وهذه مهمة كليات الشريعة في العالم ، لكن ينبغي أن تعرف الله عز وجل لأن أصل الدين معرفته ، وفي القرآن الكريم ما يزيد عن ألف وثلاثمئة آية تتحدث عن الكون وعن الحياة .
المذيع :
هل يمكن أن تعطونا ومضات من القرآن الكريم الدالة على خلقه إن شاء الله تعالى ؟

 

ومضات من القرآن الكريم دالة على خلق الله :

الدكتور راتب النابلسي :
بادئ ذي بدء ، إنك إذا عرفت الآمر ثم عرفت الأمر تفانيت في معرفة الآمر ، أما إذا عرفت الأمر ولم تعرف الآمر تفننت في التفلت من أمره ، وهذه مشكلة العالم الإسلامي الأولى ، الأوامر معروفة ، الحلال بين والحرام بين ، ولكن هناك ضعفاً في معرفة الآمر ، لا تنظر إلى صغر الذنب ولكن انظر على من اجترأت ، لذلك معرفة الله عز وجل ومعرفة الآمر أصلٌ من أصول الدين الكبرى ، بل إن صحت هذه المعرفة صح العمل ، إن لم تصح هذه المعرفة انحرف الإنسان عن الصواب .

1 ـ البعوضة :

البعوضة من آيات الله الدالة على خلقه
مثلاً الله عز وجل يقول :

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يستحي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ﴾

[ سورة البقرة : 26]

هذه البعوضة التي لا يأبه لها أحد ، بل إن النبي عليه الصلاة والسلام ضربها مثلاً في قلة الشأن : "لو أن الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء " هذه البعوضة لها ثلاثة قلوب قلب مركزي وقلب في كل جناح ، وجناحاها يرفان أربعة آلاف رفة في الثانية ، وهذه البعوضة تملك جهاز رادار ، فإذا كانت في غرفة تتجه إلى جبين النائم مباشرة ، وتملك جهاز تحليل تستخدم على ما يبدو نوعاً من الأشعة ، وتملك جهاز تحليل للدم فما كل دم يناسبها ، فقد ينام أخوان على فراش واحد يقوم أحدهما وقد لسعته البعوضة ، والثاني سليم منها ، وتملك البعوضة جهاز تخدير لئلا تُقتل أثناء مص الدم ، إذ تخدر الذي تلدغه ، وتملك هذه البعوضة جهاز تخدير ورادار وتمييع للدم ، لأن دقة خرطومها تحتاج إلى سيولة بالغة جداً فتملك جهاز رادار ، وجهاز تحليل ، وجهاز تخدير ، وجهاز تمييع ، إنها إن أرادت أن تقف على سطح أملس تستخدم محاجمها ، وهي على ضغط الهواء ، وإن أرادت أن تقف على سطح خشن ، تستخدم مخالبها ، هذه البعوضة يمكن أن تشم رائحة عرق الإنسان من ستين كيلومتراً ، لذلك حينما أمرنا بالنظافة من أجل أن ندرأ عنا لسعات البعوض :

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يستحي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ﴾

[ سورة البقرة : 26]

الحقيقة هذا من خلق الله عز وجل ، وما ترى في خلق الرحمن من تفاوت أي دقة صنع ودقة خلق البعوضة لا تقل عن دقة خلق الحوت في البحر ، ولا تقل عن دقة خلق الشمس والقمر :

﴿ مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ ﴾

[ سورة الملك : 3]

2 ـ الغدة النخامية :

في الإنسان غدة سماها العلماء الغدة النخامية هي ملكة الغدد في الإنسان ، نظامٌ عصبي رأسه الدماغ ، فالدماغ ملك الجهاز العصبي في الإنسان ، نظام هرموني رأسه هذه الغدة ، هذه الغدة لا يزيد وزنها عن نصف الغرام فقط ، مرتبطة بالجسم تحت السرير البصري بمئة وخمسين ألف عصب ، هذه الغدة تفرز تسعة هرمونات ، لو أن هرموناً واحداً لم يفرز لأصبحت حياة الإنسان جحيماً لا يطاق ، من هذه الهرمونات هرمون النمو ، هذا الهرمون مؤلف من مئة وثمانية وثمانين حمضاً أمينياً ، وقد اطلعت على كتاب لأحد المؤلفين الغربيين هو أن الله يتجلى في عصر العلم ، يقول هذا المؤلف : إن ذرات الكون بأكملها لا يمكن أن تكفي لصنع ذرة حمض أميني صدفة ، لشدة تعقيد هذا الحمض ، هرمون النمو مؤلف من مئة و ثمانية و ثمانين حمضاً أمينياً ينبغي أن يكون في كل ليتر في دم الإنسان عشرة ميلي غرام من هذا الهرمون ، إن قلت هذه النسبة تقزم الإنسان ، ولو زادت هذه النسبة تعملق الإنسان .
شيء آخر : هناك هرمون تفرزه هذه الغدة التي هي ملكة الغدد والتي لا يزيد وزنها عن نصف غرام ، هرمون الكظر ، كما قلت قبل قليل : الدماغ ملك الجهاز العصبي ، إنسان يمشي في الطريق أو في البستان رأى أفعى تنطبع صورة الأفعى على شبكية العين إحساساً ، فإذا انتقلت هذه الصورة إلى الدماغ أدرك الدماغ أبعاد هذا المنظر ، إنها أفعى لدغتها قاتلة ، بحسب المفهومات التي تلقاها الإنسان في دراسته أو في تجاربه أو في سماعه لبعض القصص ، فالدماغ ملك الجهاز العصبي يدرك أن أمامه أفعى لدغتها قاتلة، يلتمس من ملكة الجهاز الهرموني أن يتصرف ، فهذه الغدة النخامية لا بد من ضابط اتصال بينهما ، إنه الغدة تحت السريرية ، هذه الغدة ملكة تصدر أمراً إلى وزيرة الداخلية الكظر ، الكظر تصدر هرموناً يرفع ضربات القلب ، فالخائف تزداد ضربات قلبه ، لأن الدم في الضربات العادية يمشي بطيئاً، أما في الضربات السريعة فيمشي سريعاً من أجل تلبية الحاجة ، ثم تفرز هذه الغدة غدة الكظر هرموناً آخر لرفع وجيب الرئتين كي تتناسب حركات الرئة مع ضربات القلب ، وهرموناً ثالثاً تفرزه هذه الغدة ليضيق لمعة الأوعية المحيطية ، فالإنسان متورد لكنه إذا واجه خطراً لا يحتاج إلى هذا اللون الوردي ، يحتاج إلى النجاة من هذا الخطر ، فالخائف يصفر لونه ، وهرموناً آخر تفرزه هذه الغدة من أجل أن يفرز هرمون التجلط ، لئلا يسيل دمه كله من ضربة واحدة ، وهرموناً آخر تفرزه هذه الغدة تأمر الكبد بإطلاق كمية سكر إضافية في الدم ، لو فحصنا دم إنسان خائف لوجدنا كمية السكر عالية ، ولوجدنا هرمون التجلط عالياً ، لوجدناه أصفر اللون ، وقلبه يخفق بسرعة ، رئتاه تلهثان ، هذا كله يتم في ثوان ، هذا هرمون الغدة النخامية.
هناك هرمون الحليب ، هناك هرمون الجنس ، لي صديقٌ سافر إلى ألمانيا التقى بمديرة مبيعات رآها على وضع لم يكن من قبل ، صوتها خشن ، شعر نبت في وجهها ، سألها ما بها ؟ قالت : إن هرمون الجنس ضعف عندي ، أنا أدفع نصف دخلي كي أحافظ على هذا الشكل ، هذا هرمون الجنس يعطي الصفات الثانوية للذكر والأنثى ، هرمون توازن السوائل لو أن هذا الهرمون كف عن هذا الإفراز لأمضى الإنسان وقته بين صنبور المياه ودورة المياه ، هرمون اللون ، أي تفرز هذه الغدة التي لا يزيد وزنها عن نصف الغرام تسعة هرمونات ، كل هرمون لو كف عن الإفراز لأصبحت حياة الإنسان جحيماً لا يطاق ، قال تعالى :

﴿ وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴾

[ سورة الذاريات: 21 ]

من خلال آيات الله في خلقه ، وفي خلق الإنسان ، وفي خلق الحيوان ، وفي خلق النبات ، نعرف عظمة الله عز وجل ، هذه العظمة هي التي تتجلى في مثل هذا الموسم المبارك في شهر رمضان لنتوجه إليه ، لندرك من خلال معرفتنا لعظمة الله عظمة أوامره التي علينا أن نتقيد بها لمصلحتنا نحن البشر.
المذيع :
نعود مع الدكتور وهبة إذا تكرم ليبين لنا علامات ليلة القدر ، وما هي الحكمة في إخفائها ، لم تكن ليلةً محددةً بالضبط.

علامات ليلة القدر و الحكمة من إخفائها :

الدكتور وهبة الزحيلي :
مما لا شك فيه أن خلق الله وتشريعاته وأحكامه كلها مرتبطة بنظام ٍمعين ، وبحكمةٍ رشيدةٍ ، وبأبعاد آفاق هي من أجل خير الإنسان وصالحه ، النبي عليه الصلاة والسلام أراد أن يخرج ليعين للصحابة الكرام دقة وموعد هذه الليلة الكريمة ، وذات القدر العظيم ، فوجد رجلين يتلاعنان يسب بعضهما بعضاً ، ويتنازعان فتضايق لهذا الأمر ثم عاد ولم يخبرهم دعاء هذه الليلة بسبب هذا التلاعن وهذا الخصام ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم أنسيتموها ؟ - أي بسبب هذا التنازع والشجار - ثم قال للصحابة الكرام : التمسوها في العشر الأواخر من رمضان في الليالي الفردية لا الزوجية ، والسبب في إخفاء موعد أو ميقات هذه الليلة هو كإخفاء تاريخ الوفاة ، إخفاء تاريخ يوم القيامة ، وإخفاء معالم الغيب ، لا يعلمها إلا الله ، إن الله عنده علم الساعة ، ينزل الغيث ، يعلم ما في الأرحام ، وما تدري نفسٌ ماذا تكسب غداً ؟ وما تدري نفسٌ بأي أرض تموت ؟ هذه اختص الحق جل جلاله بمعرفتها ، ولم يطلع عليها أحد من البشر ، فإخفاء هذه الأمور إنما هو من أجل خير الإنسان ، لأن ذلك له اتجاه إيجابي واتجاه سلبي ، الاتجاه الإيجابي أنه لو عرف موعد هذه الليلة لأقبل على الطاعة فيها وأهمل واجباته وطاعاته في الأيام والليالي الأخرى ، وهذا ليس في خير الإنسان ولا من أجل مصلحته ، وكذلك لها هدف سلبي نفعي وهو أن الإنسان إذا عرف موعد هذه الليلة ومع ذلك أهمل تعظيمها ، وتعمد ارتكاب جريمة أو ذنب أو معصية فيها ، تضاعفت سيئاته ، فيكون قد تحدى الإرادة الإلهية والقدرة الإلهية، فإخفاء معالم هذه الليلة له فائدتان إيجابية وسلبية ، وكل ذلك يعود على خير الإنسان ومن أجل رعاية مصلحته ، إذاً ليلة القدر هي ليلة عظيمة ، أما علاماتها فليس كما يزعم بعض الناس ، هذا يراد توضيحه لأن بعض الناس يظن في هذه الليلة أنه سيرى شيئاً معيناً أو ما شابه ذلك ، كثيراً ما يردد بعض الناس مثل هذه الأقاصيص ، أو تلك الأخبار وكلها عارية عن الصحة ، هذه الليلة ليس لها أية علامة مميزة تميزها عن بقية الليالي ، كما يزعم بعضهم أنه رأى قد انشقت السماء وقد نزل منها نور ، ورأى كذا وكذا ، كل هذا في الحقيقة لا دليل عليه ، وإنما أخبر الرسول عليه الصلاة والسلام عن بعض أمارات وعلامات هذه الليلة ، فقال : هي ليلة ساجية أي هادئة ، الشمس تطلع في اليوم الثاني بعد هذه الليلة ليست حارة ولا باردة ، وإنما تكون ليلة هادئة وعلاماتها مقبولة ، والنفس ترتاح في هذه الليلة بالذات ، بسبب وجود الاعتداد ، وعدم التجاوز لا في الحرارة ولا في البرودة سواء في موسم الشتاء أو في موسم الصيف على حد سواء المهم إحياء ليلة القدر
فهذا في الحقيقة هو علامة هذه الليلة كما أخبر النبي المصطفى صلوات الله وسلامه عليه، فالمهم أن المؤمن هو الذي يحرص على طاعة ربه ، ويصل قلبه بالله عز وجل ، ويكون مؤدياً لأوامر الله سبحانه وتعالى في أية ليلةً ، وفي أي وقت ، ولكن إكرام الله عظيم فهو إن صادف هذه الليلة وهو متعبد ناسكٌ تال للقرآن يذكر الله جل جلاله ويحيي جانباً من هذه الليلة وليس إحياء ليلة القدر أو إحياء ليلة النصف من شعبان أو غير ذلك كما يفعل الناس اليوم من أنهم لا ينامون طوال الليل هذا ليس مأثوراً في السنة ، وليس صحيحاً ، إنما الإحياء جزءٌ من الليل ، الإسلام دين عقل ، عقل الوقائع ، هذا إذا سهر الليل كله ونام النهار وبالتالي أضاع المصالح ، والله سبحانه وتعالى لا يريد تعطيل الأعمال ، ولا تعطيل الواجبات ، إنما يقوم بجزء من الليل يقترب به من الحق سبحانه وتعالى ، فإن صادف هذه الليلة يغفر الله له لقوله عليه الصلاة والسلام :

(( من قام رمضان إيماناً - أي مؤمناً بالله جل جلاله - واحتساباً - أي منتظراً للثواب عند الله سبحانه وتعالى - غفر له ما تقدم من ذنبه ))

[ متفق عليه عن أبي هريرة ]

وفي بعض الروايات : " ما تقدم من ذنبه وما تأخر " دليل عظمتها .
المذيع :
أريد أن أنبه إلى تفاصيل أكثر لنرشد الناس كيف يحيون هذه الليلة وكيف يستقبلونها ؟ لكن أريد أن أتوقف قليلاً مع فضيلة الدكتور راتب حيث اتفق الحديث على أن المقصود ليس هذه المظاهر المقصود هو التوجه إلى الله ومعرفة الله سبحانه وتعالى فكيف يمكن أن نعرف الله سبحانه وتعالى من خلال أفعاله ؟

معرفة الله من خلال أفعاله :

الليل والنهار من آيات الله التكوينية

 

الدكتور راتب النابلسي :
ذكرنا من خلال القرآن الكريم قبل قليل أن لله عز وجل آيات ثلاثة كبرى ، آيات كونية خلقه ، وآيات تكوينية أفعاله ، وآيات قرآنية كلامه ، وأن أصل الدين معرفة الله عز وجل ، فمصادر معرفتنا عن الله عز وجل خلقه ، وأفعاله ، وكلامه ، فنحن نتفكر في خلق السموات والأرض كما أمرنا .

 

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾

[ سورة آل عمران: 190-191 ]

جاء الفعل ماضياً أي من أجل الاستمرار ، فنحن نتفكر في خلق السموات والأرض هذه آياته الكونية ، ونحن ننظر في أفعاله وهذه آياته التكوينية ، مثلاً يقول الله عز وجل :

﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ﴾

[ سورة الفجر : 6]

هذه أفعاله :

﴿ أرم ذَاتِ الْعِمَادِ *الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ ﴾

[ سورة الفجر: 7-8 ]

تفوق عاد في شتى المجالات و مع ذلك أهلكها الله لغطرستها :

تفوقت في شتى المجالات ، التي لم يخلق مثلها في البلاد ، الله عز وجل أهلك أقواماً كثر ، وكلما أهلك قوماً ذكرهم بأنه أهلك من هم أشد منهم قوة ، إلا قبيلة عاد حينما أهلكها قال :

﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ﴾

[ سورة فصلت الآية : 15 ]

أي ليس فوقها إلا الله فهذه عاد :

﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ* أرم ذَاتِ الْعِمَادِ *الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ ﴾

[ سورة الفجر: 6-8 ]

شيء آخر : عاد تفوقت في شتى المجالات ، هناك كبر وغطرسة من أشد منا قوةً؟ هكذا يقولون ومع هذا التكبر والغطرسة هناك تفوق عمراني لا يوصف :

﴿ أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آَيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ ﴾

[ سورة الشعراء:128- 129 ]

ومع هذا التفوق العمراني هناك قوةٌ عسكريةٌ كبيرة جداً :

﴿ وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ ﴾

[ سورة الشعراء: 130 ]

وهنالك تفوقٌ علمي :

﴿ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ ﴾

[ سورة العنكبوت الآية : 38 ]

إذاً تفوق في شتى المجالات ، وكبرٌ ، وغطرسة ، وتفوقٌ في العمران ، وتفوقٌ في القوة الضاربة ، يقول الله عز وجل :

﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ﴾

[ سورة الفجر: 6]

هنا هذا التفوق لم يسخر كما أراد الله سبحانه تعالى ، لا ، حتى جاءهم هذا الأمر الإلهي ، لأنهم طغوا وأفسدوا سيقول الله عز وجل :

﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ﴾

[ سورة الفجر: 6]

﴿ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ ﴾

[ سورة الحاقة: 7 ]

الحكمة من تسمية عاد بالأولى :

أنا أريد أن أسأل الأخوة لماذا قال الله عز وجل : وأنه أهلك عاد الأولى ؟ لم وصفت عاد بأنها أولى ؟ فهم يرجعون لما عندهم من كتب أو لمن يثقون بعلمه يسألونه هذا السؤال ، على كل في عام ألف وتسعمئة واثني عشر صنعت أضخم باخرة في أوربا اسمها تايتنك هذه الباخرة وزع على ركابها كتيب صغير ورد في هذا الكتيب : إن القدر لا يستطيع إغراق هذه الباخرة ، فغرقت في أول رحلة ، كان تصميمها تصميماً عظيماً ، قال أحد القساوسة وقتها في بريطانيا : إن غرق هذه الباخرة درسٌ من السماء إلى الأرض ، بعد حين أرسلت مركبة اسمها المتحدي أصبحت كتلة من اللهب بعد سبعين ثانية من إطلاقها ، أي إنسان إذا تأله قصمه الله عز وجل :

(( الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي ، وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي ، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ ))

[ أبو داود عن أبي هريرة]

خبر الله لمصداقيته ينبغي أن تأخذه وكأنك تراه :

ثم إن الله عز وجل يقول :

﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ ﴾

[ سورة الفيل: 1 ]

لم قال ألم تر مع أنّ جميعنا لم نر ؟

﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ﴾

[ سورة الفجر: 6]

قال: خبر الله لمصداقيته ينبغي أن تأخذه وكأنك تراه ، هناك ملمحٌ دقيق :

﴿ أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ ﴾

[ سورة النحل : 1]

نعرف الله من خلال خلقه
أي لم يأت بعد ، وأيضاً وعيد الله ينبغي أن تأخذه وكأنه وقع ، فنحن نعرف الله من خلقه ، ونعرف الله من أفعاله ، وأفعاله صارخةٌ بينة ، لذلك قال علماء العقيدة : كل شيء يقع تحت إرادة الله ، وكل شيء أراده الله وقع ، وإرادة الله متعلقةٌ بالحكمة المطلقة ، وحكمته المطلقة متعلقةٌ بالخير المطلق ، أي لكل واقع حكمة ، بصرف النظر عن الموقع ، بمجرد أن الله سمح لهذا الحدث أن يقع هناك حكمةٌ بالغة قد نكشفها وقد لا نكشفها ، هنا نستطيع أن نقول إذا سمحتم لي : بأننا نعرف الله سبحانه وتعالى من خلال نعمه ، عظمة الله في خلق الإنسان ، في خلق النبات ، في خلق الحيوان ، وعلينا أن نعرف الله سبحانه وتعالى من خلال قدرته ، من خلال قوته ، فحتى يتواضع هذا المخلوق البسيط الذي كان من أهم نفحات الدنيا يجب إمداده بتشريع الله سبحانه وتعالى ، فإذا تواضع وإذا تطامن إلى الأرض معترفاً بعظمة الله عز وجل لجأ إلى مزيد من العبادة ، وإلى مزيد من التقرب إلى الله سبحانه وتعالى .
المذيع :
أعود إلى الدكتور وهبة إذا تكرم ليحدثنا كيف نحيي ليلة القدر ؟ ما هي الاستعدادات النفسية ؟

كيفية إحياء ليلة القدر :

الدكتور وهبة الزحيلي :
دعنا من المظاهر التي يمكن أن يبحث عنها البعض ، كيف يتم ؟ وكيف نستعد له؟ وماذا نفعل ؟ وما هو مطلوب ؟ وما هو غير مطلوب ؟ إذا تكرمتم بالواقع أنه كما ذكرت لا يطلب إحياء هذه الليلة برمتها أو بكاملها وإنما يطلب التفرغ للعبادة في بعض أجزائها ، والله سبحانه وتعالى كريم يعطي الكثير على القليل ، ويعطي الجزيل على القليل ، فنحن عباد الله عز وجل ، ونحن دعاة ، ونحن مخلوقون ، فالله جل جلاله لم يكلفنا بشيء يكون زائداً عن الطاقة وإنما قال:

﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾

[ سورة التغابن : 16]

وقال :

﴿ لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا ﴾

[ سورة البقرة: 286 ]

فهذا الجزء الذي نحييه من ليلة القدر أو في الليالي الأخرى ينبغي أن نستعد له الاستعداد الكامل اللائق به كما يستعد بعضنا في استقبال بعض الضيوف ، أو في حفل عرس، أو في استعداد من أجل ولادة مولود وقد طال الأمد في انتظاره ، أو الاستعداد في التحالف من أجل طرد العدو الذي يغتصب الديار والأموال ويشرد إخواننا في كل مكان ، هذا الاستعداد إذاً يجب أن يكون على مستوى الحدث ، وحدث العبادة هو أن نبدأ أولاً بالتطهر الطهارة الصحيحة الكاملة ، والتي يكون فيها استكمال لأركان الوضوء وشرائطه وآدابه، وإثبات الوضوء على النحو المشروع ، ثم نفرغ إلى أداء الصلوات التي هي تطوع كصلاة قيام الليل ، أو التهجد ، كصلاة ركعتين على الأقل أو أربع أو ثمان ، وأقصى ما كان النبي عليه الصلاة والسلام يصلي في الليل هو ثماني ركعات من التطوعات ، لكن صلاته كان يطيل فيها إطالة لا نتحملها نحن ، وكان يصلي في الركعتين أربع سور كبرى ؛ سورة البقرة وسورة آل عمران ، وسورة النساء ، وسورة المائدة ، في ركعتين من الركعات التي هي حوالي ستة أجزاء في هاتين الركعتين .
وهذه صلاة منفردة ، لأن الصلاة الجماعية ينبغي أن نكون فيها مراعين لأحوال الناس :

((من أمَّ الناس فليخفف فإن فيهم الضعيف والمريض وذا الحاجة))

[البخاري عن أبي مسعود الأنصاري ]

وكان النبي عليه الصلاة والسلام إذا أمَّ الناس فسمع بكاء طفل كان يسرع ويخفف في صلاته ، هذه الصلاة الفردية ، إذاً بحسب كل إنسان وبحسب طاقته الجسدية ، ثم بعد أن يؤدي هذه الصلاة يتجه إلى التأمل في هذا الكون والكتاب الكوني الأعظم وهو القرآن الكريم ، ثم يقرأ ويتلو ما شاء الله أن يتلو ، ويفهم ويدرك معاني آيات القرآن قال تعالى :

﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾

[ سورة محمد : 24]

ثم بعد هذه الجولة من الصلاة وتلاوة القرآن والتوجه إلى الأذكار والتسابيح والتهاليل يعقبه الاستغفار والإنابة إلى الله جل جلاله ، ويبكي على خطيئته ، ويتوب توبةً خالصةً نصوحة إلى الله سبحانه وتعالى ، وإذا أحس بأنه ظلم إنساناً فلا تقبل هذه التوبة حتى ترد الحقوق إلى أصحابها ، ولذلك ينبغي أن يهيئ نفسه وأسرته لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا حلّ العشر الأخير من رمضان أيقظ أهله ، وشدّ المئزر ، وتفرغ إلى الصلاة، وينبغي أن نستعد نحن وأسرتنا ، والنساء أنا أفضل كما فضل النبي صلى الله عليه وسلم أن تكون صلاتهن في بيوتهن ، لا داعي للمجيء للمساجد ، فأفضل صلاة المرأة في بيتها ، والمساجد للرجال لهذا حكمة بالغة نلاحظها في هذا العصر الذي نعيشه ، إذاً هذه التدريبات وهذا الاستعداد ينبغي أن يكون لائقاً بعظمة الحدث ، وباستغلال فضله ، والتعرف لإدراك آثاره ، ومنها أن يحيا برضوان الله جلاله ، وبمغفرته ، وإثبات رحمته ، ليس في الدنيا فقط إنما في الآخرة .

استغلال ليالي رمضان كلها بالعبادة :

إذاً شهر رمضان أوله رحمة ، وأوسطه مغفرة ، و آخره عتقٌ من النار ، أي كل عشرة أيام مرحلة من المراحل تمتاز بمزية خاصة ، فالعشر الأخير من رمضان هو العشر الذي يقترب فيه انتهاء هذا الشهر ينبغي أن نستغل لياليه ، لا في ليلة القدر فقط إنما في لياليه كلها كما كان النبي الأعظم صلوات الله عليه وسلم يفعل ، أي كان يخصص في ليلة القدر جهداً أكبر ، وطاقة أعظم ، وتفرغ للعبادة و التلاوة والأذكار والاستغفار والتوبة النصوح الخالصة والدعاء للمؤمنين والمؤمنات في مشارق الأرض ومغاربها ، كأن يخلصهم من كل مكروه ، وأن يفرج عنهم كل همّ ، وأن ينصرهم على أعدائهم ، وأن يقوي أخواننا المجاهدين في كل مكان في هذا العالم ، فالله سبحانه وتعالى يستجيب لهذا الدعاء ، لأنه كما قال عليه الصلاة والسلام : " لو بغى جبل على جبل لدك الباقي ".
المذيع :
فضيلة الأستاذ راتب لو تكرمتم نريد المزيد من التعمق في طرق معرفة الله عز وجل ولاسيما من خلال منهجه وقرآنه ولو بعجالةً سريعة .

سلامة الإنسان و سعادته باتباع تعليمات الله عز وجل :

الدكتور راتب النابلسي :
الإنسان مفطورٌ على حب سلامة وجوده، وعلى حب كمال وجوده ، وعلى حب استمرار وجوده ، وأزمة أهل النار وهم في النار أزمة علم فقط ، في قوله تعالى :

﴿ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾

[ سورة الملك: 10]

إذا اقتنيت آلةً غالية الثمن ، عظيمة النفع ، معقدة تعقيد إعجاز ، أنت حريصٌ حرصاً لا حدود له على اقتناء كتيب تعليمات التشغيل والصيانة ، وهذا الإنسان أعقد آلة في الكون ، تعليمات سلامته وسعادته في كتاب الله عز وجل ، قال تعالى :

﴿ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ﴾

[ سورة طه : 123]

وقال تعالى :

﴿ فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾

[ سورة البقرة: 38 ]

فلو جمعنا الآيتين : من يتبع هدى الله عز وجل لا يذل عقله ولا تشقى نفسه ولا يندم على ما فات ولا يخشى مما هو آت ، جمعت هاتان الآيتان أطراف السعادة كلها .

القرآن شفاء للنفوس :

ثم إن الله عز وجل يقول :

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾

[ سورة النحل: 97 ]

وقال أيضاً :

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾

[ سورة طه: 124 ]

ثم قال :

﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا ﴾

[ سورة الجاثية: 21 ]

هذا لا يتناقض مع عدالته فحسب بل يتعارض مع وجوده :

﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾

[ سورة الجاثية: 21 ]

لذلك قال تعالى :

﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴾

[سورة إبراهيم: 42]

﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ ﴾

[ سورة آل عمران : 12]

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ﴾

[ سورة الأنفال : الآية 36]

﴿ لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ*مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾

[ سورة آل عمران: 196-197 ]

﴿ أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ*ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ*مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ ﴾

[ سورة الشعراء : 205-207]

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴾

[ سورة الأنعام: 44]

القرآن يهدي للتي هي أقوم ، القرآن شفاءٌ للنفوس ، إذاً السعادة والشقاء مرتبطان بالسير على منهج الله ، أو البعد عن منهج الله ، كل ما يمكن أن يتوفر للإنسان من وسائل دنيوية لا يمكن أن يحقق له السعادة الحقيقية إلا إذا اتبع منهج الله ، أما إذا لم يتبع فقد تكون دنياه سبباً لشقائه وتدميره .
المذيع :
سؤالٌ أخير لو تفضل الدكتور وهبة وبعجالة في نهاية الندوة لنطمئن الناس عن فضل هذه الليلة ليلة القدر ، وما ينالونه من أجر و ثواب من خلال هذا الإحياء ؟

فضل ليلة القدر :

الدكتور وهبة الزحيلي :
من فضل الله و كرمه على المؤمنين و المؤمنات في هذه الليلة العظيمة المباركة أنهم يتعرضون لرحمات الله ، و تجلياته، و خيراته ، فهي ليلة البراءة ، و هي ليلة تقدر فيها الأرزاق و الآجال للسنة القادمة ، و هي لا يكتب فيها شيء من الشقاء لهذه الليلة المباركة . هي ليلة يغفر فيها كل ذنب للإنسان إذا كان في حالة استقامة و طاعة لله جل جلاله ، فالسعيد هو من تعرض لهذه الرحمات و هذه التجليات ، و الشقي كل الشقاء هو من أعرض عن هذا المنهج و لم يتعرض لرحمات الله سبحانه و تعالى ، فهذا موسم الخير ، و هذا موسم الرحمة، و هذا موسم المغفرة ، و هذا موسم دخول الجنان ، فإذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة و غلقت أبواب النار ، و صفدت الشياطين ، و تزينت الجنة في هذه الليلة و في آخر ليلة من رمضان لينال الصائمون و الصائمات جزاء عملهم و إكرام الله لهم ، ثم يكونوا في العيد متعرضين للمغفرة حيث تقول الملائكة لهم و هم قادمون من صلاة العيد و في مطارق الطرقات : يا معشر المسلمين اغدوا إلى رب كريم يمن بالخير ثم يأتي عليهم لقد أمرتم بالقيام فقمتم ، و بالصيام فصمتم ، و أطعتم ربكم ، فاقبضوا جوائزكم ، و هذا اليوم يسمى في الأرض يوم الجائزة ، و في السماء يسمى يوم الجائزة ، و إنما ننال هذا التكريم الإلهي و المكافأة السخية من الله تعالى على هذا الإنجاز الطيب المبارك في رمضان كله و بالذات في ليلة القدر .

خاتمة و توديع :

المذيع :
جزاكم الله خيراً و شكراً لكم على ما تفضلتم به .
أيها المشاهدون الكرام لا يسعني في نهاية هذا اللقاء إلا أن أتقدم بالشكر الجزيل لضيفي هذه الندوة فضيلة الأستاذ الدكتور الشيخ وهبة الزحيلي ، الأستاذ في كلية الشريعة في جامعة دمشق ، وعضو المجامع الفقهية ، و فضيلة الدكتور الشيخ محمد راتب النابلسي ، الأستاذ في كلية التربية في جامعة دمشق ، شكراً لإصغائكم و متابعتكم و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018