أسماء الله الحسنى - إصدار 2008 - الدرس : 017 ب - اسم الله الجواد 2 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

أسماء الله الحسنى - إصدار 2008 - الدرس : 017 ب - اسم الله الجواد 2


2007-07-15

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

من أسماء الله الحسنى: ( الجواد ):

1 – معنى الجواد:

 أيها الإخوة الكرام، لازلنا في اسم الله ( الجواد )، والجواد من الجود، والجود أن تأتي بالجيد من القول والعمل، الله عز وجل صاحب الأسماء الحسنى:

﴿ وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾

( سورة الأعراف الآية: 180 )

المؤمن حسَنُ الأخلاق:

 بشكل منطقي وحتمي الذي يتصل بصاحب الأسماء الحسنى يجب أن يكون أخلاقيا، يعني الصفة الصارخة في المؤمن أنه إنسان أخلاقي، وإن صح التعبير كلمة الإيمان مرتبة، مرتبة علمية، ومرتبة أخلاقية، ومرتبة جمالية، المؤمن صادق لأنه موصول بالله عز وجل، يشتق منه الكمال، المؤمن أخلاقي، هذا المعنى ورد عند ابن القيم رحمه الله فقال: " الإٍيمان هو الخلق، فمَن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الإيمان ".
 لا تصدق أن يكون المؤمن مؤمناً إن لم يكون أخلاقيا.
  فلذلك أيها الإخوة، الجواد من الجود، والجود أن تأتي بالقول الحسن والخلق الحسن، والفعل الحسن، والجود أيضاً هو الكرم، فالجواد معطاء سخيّ، تسخُو نفسه في العطاء، أريحي يرتاح للعطاء.
 هكذا الله عز وجل خلق الخَلقَ ليرحمهم، قال تعالى:

﴿ إلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾

( سورة هود الآية: 119 )

 خلقهم ليرحمهم، خلقهم ليسعدهم.
 إذاً المعنى الأول: الجود من أتى بالجيّد من القول والعمل، والجود هو الكرم العطاء.

2 – من صفات المؤمن الجود والعطاء:

 لذلك الصفة الأولى للمؤمن: أنه يعطي، يبني حياته على العطاء، يشعر بالتفوق إذا أعطى، يشعر بالنجاح إذا أعطى، وإن أردت مقياساً دقيقاً للمؤمن فالمؤمن يعطي، وغير المؤمن يأخذ، واسأل نفسك هذا السؤال الصعب: ما الذي يسعدك أن تعطي أم أن تأخذ ؟ المؤمن يسعده أن يعطي، يعطي من وقته، يعطي من ماله، يعطي من جاهه، يعطي من خبرته، لأنه يعلم علم اليقين أنه إذا أعطى فإن الله سبحانه وتعالى سيغمره بالفضل، هو ذكي جدا، وفي نظر غير المؤمن يبدو المؤمن ليس ذكيا لأنه يعطي، والطرف الآخر يأخذ.
  لذلك أقول دائما: الأقوياء يأخذون، الأنبياء يعطون، والناس جميعاً تبعٌ لقوي أو نبي، لأنك مؤمن أساس حياتك العطاء، تعطي بسخاء، وتعطي بغير حساب، ولا تسعد إلا إذا أعطيت، تعطي كل شيء منحك الله إياه، تبذله للناس، والله عز وجل عدّ أيّ عطاء من قِبَل المؤمن لأيّ مخلوق قرضًا له، قال تعالى:

﴿ مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾

( سورة البقرة الآية: 245 )

 والله الذي لا إله إلا هو مِن حِكمِ الله العظمى أنك إذا أعطيت كافأك في الدنيا قبل الآخرة، يعطيك عطاء يخجلك في الدنيا، لأنه أكرم الأكرمين.
 لذلك ( الجواد ) من الجود، والجود أن تأتي بالجيد من القول والفعل، أو الكرم العطاء، السخاء، الأريحية، ورجل جواد أيْ كثير العطاء.

3 – الجودُ بالنفس أقصى غاية الجود:

 لكن الجود بالنفس أن تلزم نفسك بالجهاد في سبيل الله، والجهاد في سبيل الله أقصى غاية الجود، والجود بالنفس أقصى غاية الجود.
  لذلك الحديث عن الشهداء:

﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴾

( سورة آل عمران )

 الشهيد بذل أثمن ما يملك، بذل حياته.
  لكن كتعليق سريع كي تعرفوا خطورة حقوق العباد: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

 

(( يُغْفَرُ لِلشَّهِيدِ كُلُّ ذَنْبٍ إِلَّا الدَّيْنَ ))

 

[ أخرجه أحمد و مسلم عن ابن عمرو ]

 الشهيد بذل حياته لله، حقوق العباد مبنية على المشاححة، بينما حقوق الله مبنية على المسامحة.

4 – أعطِ مما أعطاك الله:

 أيها الإخوة، في صحيح البخاري من حديث أسامة بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول حينما جاءه رسول إحدى بناته، برسالة أن ابنها يجود بنفسه، ينازع سيغادر الحياة، فقال عليه الصلاة والسلام، وقد بعث إليها بالرسالة:

(( إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى ))

[ متفق عليه ]

 كلام جامع مانع.
  لذلك في بعض الأدعية عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْخَطْمِيِّ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ:

 

(( اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يَنْفَعُنِي حُبُّهُ عِنْدَكَ، اللَّهُمَّ مَا رَزَقْتَنِي مِمَّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ قُوَّةً لِي فِيمَا تُحِبُّ، اللَّهُمَّ وَمَا زَوَيْتَ عَنِّي مِمَّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ فَرَاغًا لِي فِيمَا تُحِبُّ ))

 

[ الترمذي ]

 يا رب وفقني أن أجعل هذا الذي منحتني إياه في سبيلك، وهذا مستنبط من قوله تعالى:

﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ﴾

( سورة القصص الآية: 77 )

  آتاك علماً فابتغِ به الدار الآخرة، آتاك فخلقاً فابتغِ به الدار الآخرة، آتاك فصاحة فابتغِ بفصاحتك الدار الآخرة، آتاك مالاً، آتاك جاهاً، آتاك خبرة، آتاك وسامة، أيّ شيء آتاك الله به فابتغِ.
 أيها الإخوة، المؤمن يوظف كل ما أعطاه الله في سبيل الله.
  يروى أن رجلا من علماء القلوب سأله رجل عن الزكاة، فقال: عندنا أم عندكم ؟ قال: سبحان الله ! ما عندنا وما عندكم ؟ قال: عندكم الزكاة ربع العشر، أما عندنا فالعبد وماله لسيده، وهذا مأخوذ من قوله تعالى:

 

﴿ قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾

 

( سورة الأنعام )

  قمة العقل والذكاء أن تعطي مما أعطاك الله، لذلك:

 

(( إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى ))

 

(( اللَّهُمَّ وَمَا زَوَيْتَ عَنِّي مِمَّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ فَرَاغًا لِي فِيمَا تُحِبُّ ))

 كنت تتمنى بيتاً غير هذا البيت، هذا البيت الذي منحك الله إياه، كنت تتمنى زوجه غير هذه الزوجة.

 

(( اللَّهُمَّ وَمَا زَوَيْتَ عَنِّي مِمَّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ فَرَاغًا لِي فِيمَا تُحِبُّ ))

 إذًا هناك شيء تحبه، وما سمح لك أن تأخذه، فالفراغ الناشئ عن انشغالك به هو ليكنْ في سبيل الله.
 الإنسان يطمح أن يكون ذا دخل غير محدود، لكن مشيئة الله ولحكمة بالغة جعله ذا دخل محدود، فالمال الذي كان يمكن أن يشغله عن الله، والوقت الناتج عن عدم انشغاله بهذا المال الوفير ليكنْ في سبيل الله، ليطلب العلم.
 إذاً:

 

 

(( إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى ))

 

(( وَكُلٌّ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ ))

(( الإيمان بالقدر يذهب الهم والحزن ))

[ الجامع الصغير عن أبي هريرة بسند فيه مقال ]

 الإيمان بالقدر نظام التوحيد.

 

﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾

 

( سورة الشعراء )

 قال:

 

(( وَكُلٌّ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ ))

 

[ رواه مسلم عن أُسامة بن زيد رضي اللّه عنه ]

 معنى تحتسب أي فلتكتفِ بنصيب الصبر كأجر من الله عز وجل.

5 – من معاني الجود: سهولة البذل والعطاءِ:

 من معاني الجود: سهولة البذل، أحياناً الشحيح تقنعه، تأتيه بالأدلة، ترجوه تتوسل إليه أن يساهم بمشروع خيري، بصعوبة بالغة، بجهد جهيد، ثم يعطيك النزر القليل لكن من معاني الجود: سهولة البذل والإنفاق، وتجنب مالا يحمد من الأخلاق، ويكون العبادة المتقنة، ومن ثمرتها الجود.
 أنا لا أصدق أن ترى مؤمنا شحيحاً، لا أصدق أن ترى مؤمناً جباناً، البخل والجبن يتناقضان مع أخلاق المؤمن، المؤمن كريم وشجاع، كريم لأنه يرى المعطي.

(( أنفق بلال، ولا تخشَ من ذي العرش إقلالا ))

[ رواه الطبراني، عن ابن مسعود ]

  عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَالَ لِي:

 

(( أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ ))

 

[ متفق عليه ]

 والمؤمن شجاع، يرى أن له عند الله أجلاً لا يتقدم ولا يتأخر، وقد قالوا: " كلمة الحق لا تقطع رزقا، ولا تقرِّب أجلاً ".
 أيها الإخوة، يكون الجود باشتقاق هذا الكمال من الله بالاتصال ـ دققوا في هذا المعنى ـ لا يمكن أن تتصف بالرحيم إلا وأن تشتق منه الرحمة، لا يمكن أن تتصل بالغني إلا وتشتق منه الغنى، المؤمن عنده غنى، عفيف، لا يتضعضع أمام الغني.

 

6 – المؤمن عفيف:

 ورد في الأثر: " من جلس إلى غني فتضعضع له، يعني تمسكن أمامه، ذهب ثلثا دينه.
  المؤمن عفيف يؤمن أن الله لا ينساه من فضله، والله مرة زارني إنسان قدمت له ضيافة قطعة حلوى، فقطع أول لقمة وقبل أن يضعها في فمه قال: سبحان من قسم لنا هذا ولا ينسى من فضله أحدا، كلمة ولا ينسى من فضله أحدا.
  كن له كما يريد ليكن لك كما تريد، عبدي أنت تريد وأنا أريد فإذا سلمت لي فيما أريد، كفيتك ما تريد، وإن لم تسلم لي فيما أريد، أتعبتك فيما أريد، ثم ما يكون إلا ما أريد.

(( اعمل لوجه واحد يكفك الوجوه كلها ))

[ أخرجه ابن عدي، والديلمي عن أنس ]

 عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: سَمِعْتُ نَبِيَّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

 

(( مَنْ جَعَلَ الْهُمُومَ هَمًّا وَاحِدًا هَمَّ آخِرَتِهِ كَفَاهُ اللَّهُ هَمَّ دُنْيَاهُ، وَمَنْ تَشَعَّبَتْ بِهِ الْهُمُومُ فِي أَحْوَالِ الدُّنْيَا لَمْ يُبَالِ اللَّهُ فِي أَيِّ أَوْدِيَتِهَا هَلَكَ ))

 

[ ابن ماجه ]

 يا رب ماذا فَقَد مَن وجدك ؟ لم يفقد شيئا، وماذا وجد مَن فَقَدك ؟ لم يجد شيئا وإذا كان الله معك فمَن عليك ؟ إذا كان الله معك سخر عدوك لخدمتك، وإذا كان الله عليك تطاول عليك أقرب ما في الناس.
  لذلك عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:

 

(( لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، وَلَكِنَّهُ أَخِي وَصَاحِبِي، وَقَدْ اتَّخَذَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلًا ))

 

[ متفق عليه، واللفظ لمسلم ]

 الخليل هو الله.

7 – يَدُ اللَّهِ مَلْأَى لَا يَغِيضُهَا نَفَقَةٌ:

 يقول عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام البخاري من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( يَدُ اللَّهِ مَلْأَى لَا يَغِيضُهَا نَفَقَةٌ ـ أي لا ينقصها ـ سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَدِهِ ))

 وفي الحديث القدسي:

 

(( يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَسَأَلُونِي، فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ، يَا عِبَادِي، إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ ))

 

[ أخرجه مسلم عن أبي ذر ]

 أيها الإخوة الكرام، يجب أن نؤمن إيماناً قطعيا يقينياً أن الله إذا قنّن على عباده قنّن بالأمطار، قنّن بالأرزاق فلا يمكن إلا أن يكون تقنين الله عز وجل تقنين تأديب لا تقنين عجز.
 لذلك أهل الدنيا يخيفون الضعاف، هناك أزمة مياه بالعالم، وأزمة غذاء، هذا تخويف:

 

﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ﴾

 

( سورة الحجر )

 مرة اطلعت على بحث علمي أنه اكتشف بالفضاء الخارجي سحابة يمكن أن تملأ محيطات الأرض ستين مرة في اليوم بالمياه العذبة، ثم يقولون لك: حرب مياه، تقنين الله عز وجل تقنين تأديب، لا تقنين عجز، أما نحن حينما لا تكفي الطاقة الكهربائية للاستهلاك في وقت الذروة نقطع الكهرباء، قطع الإنسان للكهرباء تقنين عجز، أما إذا قنن الإله فتقنينه تأديب، وشتان بين التقنينين.

 

(( يَدُ اللَّهِ مَلْأَى لَا يَغِيضُهَا نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَدِهِ ))

 

 

8 – الله حكيم في عطائه عليم بمواضعه:

 لكن الشيء الدقيق الدقيق جداً، أن الله سبحانه وتعالى عليم بموقع جوده، فقد تجد إنسانا جوادا سخيا، لكن يعطي عطاء عشوائياً، من قال له كلمتين يعطيه، بتحقيق أو من دون تحقيق، يستحق، أو لا يستحق، هذا المال قد يستعين به على معصية، أو على طاعة لكن ليس عنده معلومات دقيقة، لكن الله سبحانه وتعالى وهو أحكم الحاكمين، يأتي عطاءه بحكمة بالغة، وباستحقاق، وبحكمة، وبخيرية.
 لكن هذا الشيء يذكرني أن النبي صلى الله عليه وسلم عقب بعض الغزوات استعرض الأسرى، فقد كانت من بين الأسرى امرأة وقفت وقالت: يا رسول الله، هلك الوالد، وغاب الوافد، فامنن علي منّ الله عليك، وخلِّ عني، ولا تشمت بي أحياء العرب فإن أبي كان سيد قومه، يفك العاني، ويعفو عن الجاني، ويحفظ الجار ويحمي الديار ويفرج عن المكروب، ويطعم الطعام، ويفشي السلام، ويحمل الكَلَّ، ويعين على نوائب الدهر، وما آتاه أحد بحاجة فرده خائباً، أنا سفانه بنت حاتم الطائي، فقال النبي عليه الصلاة والسلام:

(( يا جارية، هذه صفات المؤمنين حقاً، ثم قال: ارحموا عزيز قوم ذل وغني افتقر، وعالم ضاع بين الجهال ))

 هذا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم:

 

(( ارحموا عزيز قوم ذل، وغني افتقر وعالم ضاع بين الجهال ))

 فمنّ النبي عليها، وأكرمها، وحملها بما تحتاج، وأرسلها إلى قومها، فحينما رأت هذا العطاء وهذا الكرم، استأذنته بالدعاء، هنا الشاهد.

 

 

[ ذكر هذه القصة ابن هشام في سيرته، والطبري في تاريخه ]

  الله عز وجل كرمه بحكمة بالغة، في موضوعه، قالت سفانه: أصاب الله ببرك مواقعه، ولا جعل الله لك إلى لئيم حاجة.
 ورد في بعض الآثار عن سيدنا علي " والله والله مرتين لحفر بئرين بإبرتين مستحيل ! وكنس أرض الحجاز بيوم عاصف بريشتين، أيضاً مستحيل ! ونقل بحرين ذاخرين بمنخلين أيضاً مستحيل ! وغسل عبدين أسودين حتى يصيرا أبيضين، قال: أهون عليّ من طلب حاجة من لئيم لوفاء دين ".
  سُئل أحدهم: ما الذل ؟ قال: أن تقف بباب اللئيم ثم يردّك، اللئيم يرد.

 

 

ما قال لا قط إلا في تشهده  *  لولا التشهد كانت لاءه نعم

 

[ قول الفرزدق يصف به النبي عليه الصلاة والسلام ]

 المؤمن يخجل من كلمة ( لا )، يبذل كل ما عنده.
 لذلك استأذنته بالدعاء، فقالت هذه المرأة التي منّ النبي عليها، وأطلق سراحها وأكرمها، وأرسلها إلى أهلها: أصاب الله ببرك مواقعه، ولا جعل لك إلى لئيم حاجة، ولا سلب نعمة عن كريم قوم إلا جعلك سبباً في ردها، ورجعت إلى أهلها، والتقت مع أخيها الذي نسيها، فوقعت أسيرة، فقالت لأخيها عدي بن حاتم: ائتِ هذا الرجل، فإني قد رأيت هدياً، وسمتاً، ورأياً يغلب أهل الغلبة، ورأيت فيه خصالاً تعجبني، رأيته يحب الفقير ويفك الأسير، ويرحم الصغير، ويعرف قدر الكبير، وما رأيت أجود منه، ولا أكرم منه وإن يكن نبياً فللسابق فضله، وإن يكن ملكاً فلا تزال في عزّ مُلكه.
 الشاهد: أن الإنسان من علامات توفيق الله له أن يضع معروفه عند من يستحقه فقد تكرم إنسانا، ثم يتنكر لك.

 

أعلـمه الرماية كل يوم  فلما اشتد ساعده رماني
وكم علمته نظم القواف ي فـلما قال قافية هجاني
***

 

 هذا هو اللئيم، اللئيم يرد على الإحسان بالإساءة، لكن الكريم يرد على الكرم بكرم كبير.

9 – من معاني الجواد: الطُّرُق:

 إذاً: هو جواد هداك إلى طريقه، إلى طريق يفضي إليه، هداك إلى طريق طاعته، هداك إلى طريق الجنة، هداك إلى سلامتك، هداك إلى سعادتك، هذا معنى: ( الجواد )، أرشدك إلى الطريق، قال يهديهم:

﴿ سُبُلَ السَّلاَمِ ﴾

( سورة المائدة الآية: 16 )

 المؤمن في سلام مع نفسه، ما عنده اختلال توازن، ما بنى مجده على أنقاض الآخرين، ما بنى غناه على إفقارهم، ما بنى عزه على إذلالهم، متوازن، المؤمن في قلبه من الراحة النفسية ما لو وزعت على أهل بلد لكفاهم، هذا معنى ( الجواد )، الله عز وجل قال:

﴿ وَاللّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ ﴾

( سورة يونس الآية: 25 )

  هذا الذي ترونه في العالم هذا مِن فعل الشيطان، الله عز وجل يدعو إلى دار السلام، الحروب، والقتل، والاجتياح، والاعتقال، والهدم، هذا من فعل الشيطان، إن هذا من عمل الشيطان:

﴿ وَاللّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ ﴾

﴿ وَيَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾

( سورة يونس الآية: 25 )

﴿ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾

( سورة هود )

 أيها الإخوة الكرام، من أسماء الله ( الجواد )، أن يهديك سبيل الرشاد، يهديك سبيل السلامة.

رأيُ ابن القيم في معنى الجواد:

 ابن القيم رحمه الله، يرى أن ( الجواد )، أي أنه أعطاك الأوامر والنواهي لترقى بفعل الأوامر، وترقى بترك النواهي، بيّن لك الحلال والحرام، لترقى بأخذ الحلال وترك الحرام، الله عز وجل جواد أرادك أن تكون في جنة عرضها السماوات والأرض.
  فلذلك أيها الإخوة:

﴿ وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾

 أي تقترب إليه بكمال مشتق من كماله.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018