مختلفة لسورية الفضائية - الندوة : 10 - ندوة عن ليلة القدر .

2002-11-28

أيها الأخوة المشاهدون الكرام السلام عليكم رحمة الله وبركاته.

﴿ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3)﴾

[ سورة القدر: الآية 3 ]

 إنه متوسط عمر الإنسان من الناحية الزمنية، وألف شهرٍ من الطاعة والعمل، من حيث ثوابها وبركتها، ليلة من العمر لها خصوصية فريدة وكل إنسان يفهمها على هواه ومن يعرفها يعرفها على قدر هواه، وعلى طريقته، ما هي هذه الليلة ؟ وفي أي من ليال رمضان تكون ؟ وكيف نستقبلها ؟ وماذا نفعل إذا وافتنا وكان لنا منها الحد الأوفر ؟
أيها المشاهدون الكرام:
 يسرني أن أرحب بضيوف ندوة اليوم فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي الأستاذ في كلية التربية في جامعة دمشق، وفضيلة الشيخ عبد الغني مكاري خطيب مسجد عمر بن الخطاب والمدرس في ثانويات اللاذقية أهلاً وسهلاً بالأساتذة الكرام ومرحباً بكم اسمحوا لي بداية أن أتلو قول الله سبحانه وتعالى بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم:

 

﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (4) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (5)﴾

 

[ سورة القدر ]

 بداية أتوجه إلى فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي ليبين لنا ولو باختصار طبيعة ليلة القدر بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين أستاذ ميسر جزاك الله خيراً على هذه الندوة ليلة القدر ينطلق مفهموها الشمولي من قوله تعالى:

 

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً (12)﴾

 

[ سورة الطلاق: الآية 12 ]

 هذا اللام لام التعليل أي أن علة خلق السموات والأرض أن نعرف الله عز وجل يدعم هذا المعنى قوله تعالى:

 

﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾

 

[ سورة الأنعام: الآية 91 ]

 فمعرفة الله أصل في الدين:

 

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً (12)﴾

 

[ سورة الطلاق:: الآية 12]

 وقد نتسأل لماذا اختار الله من بين أسمائه الحسنى اسمين فقط العلم والقدرة، يبدو أن الإنسان حينما يعلم ويوقن أن علم الله يطوله وحينما يعلم ويوقن أن قدرته تطوله لا يمكن أن يعصيه فإذا أطاعه سعد في الدنيا والآخرة، وكل إنسان على وجه الأرض من دون استثناء يبحث عن سلامته وسعادته، والشقاء يكون من سوء التصرف بل إن أهل النار وهم في النار ماذا يقولون:

 

﴿ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10)﴾

 

[ سورة الأنعام: الآية 10 ]

 إذاً ينطلق مفهوم ليلة القدر الشمولي من أن معرفة الله سبحانه وتعالى أصلٌ في الدين، نعم فضيلة الدكتور هذه النقطة الهامة جداً أرى فضيلة الشيخ عبد الغني أيضاً له إضافة في تعريف هذه الليلة ثم إذا سمحت نعود لهذه النقطة الهامة جداً في موضوع هذه الليلة ما ذكرت التعريف الشمولي لعل الأستاذ الجليل يتحدث عن التعريف الدقيق وفضيلة الشيخ عبد الغني إذا تكرمتم أيضاً فكرة عن طبيعة هذه الليلة المباركة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وأصلي وأسلم على سيدنا محمد الهادي البشير الذي أرسله الله للعالم رحمة فهدى به الأمة وكشف به الغمة وعلى آله وأصحابه أجمعين وبعد:
 إن من فضل الله وكرمه على هذه الأمة المحمدية الذي جعل لها مواسم للخير يتسابق فيها المتسابقون ويتنافس فيها المتنافسون، ومن إكرام الله لهذه الأمة أنه خصص لها هذه الليلة تسمى ليلة القدر وليلة القدر هذه من إكرام الله لهذه الأمة فقد ورد أن النبي عليه الصلاة والسلام:

 

(( وريَ أعمار الأمم السابقة فتقاصر أعمار أمته))

إنهم كانوا يعيشون المئات من السنين، ويعملون الأعمال الكثيرة أن أمته صلى الله عليه وسلم فأعمارها قصيرة فخاف ألا تستطيع أمته أن تقوم بأعمال كثيرة كالأمم السابقة، وقد ورد عن مجاهد رحمه الله:
 أن رجلاً من الأمم السابقة كان يحمل السلاح أو يلبس السلاح ألف شهر في سبيل الله فتقاصر النبي عليه الصلاة والسلام أعمار أمته فقال يا رب جعلت أمتي أقصر الأمم أعماراً وأقلهم أعمالاً فأعطاه الله ليلة القدر هذه كرامة من الله عز وجل ليلة القدر هذه هي ليلةٌ غراء مشرقة هي غرة الليالي في حقيقتها وكما فضل الله عز وجل بعض الشهور على بعض ففضل شهر رمضان وجعله سيد الشهور بسبب نزول القرآن الكريم فيه، وبسبب أن العبادة فيه تعدل الفريضة فيما سواه، والفريضة فيه تعدل سبعين فريضة فيما سواه، وكما فضل بعض الأيام على بعض فجعل يوم الجمعة سيد الأيام فيه خلق آدم وفيه قبض وفيه أدخل الجنة وفيه أخرج منها وفيها ساعة لا يوافقها عبدٌ مسلم يطلب من الله شيء من خيري الدنيا والآخرة إلا آتاه ذلك ما لم يكن إثماً أو قطيعة رحم وكما فضل بعض البقاع عن بعض ففضل المسجد الحرام وجعله خير البقاع حيث تعدل الصلاة فيه بمئة ألف صلاة فيما سواه، كذلك فضل بعض الليالي على بعض ففضل ليلة القدر على سواها، بسبب نزول القرآن الكريم فيها، فإذن هي غرة الليالي أو إن شئت قل هي رئةٌ يتنفس منها الوجود كله ملء الكون ضياءها وعبيرها ونورها وإن سألت عن طبيعتها فهي ذو شقين هي أولاً وقبل كل شيء هي ليلة القدر بكل ما تحمله هذه الليلة من معنى ليلة القدر أي ليلة الشرف والمكانة والرفعة، ليلة القدر هذه الليلة حصلت على مكانتها وشرفها بسبب نزول القرآن جملةً واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العز في السماء الدنيا في هذه الليلة ومن المعلوم أن قدر الأيام ليس بساعته ولا قدر الليالي بأعدادها وإنما يكون فيها أو يتمخر فيها من خير للبشرية، ونفع إسعاد للإنسان والإنسانية، فهذا ما يدل على مكانة ليلة القدر في هذا الإسلام، وهل هناك أعظم من نزول القرآن إلى السماء الدنيا تمهيداً لنزوله للأرض، ليكون دستوراً ومصلحة ونفعاً وعدالة بين الناس قاطبة هذه نقطة ويقول الله تعالى فيها:

 

 

﴿ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10)﴾

 

[ سورة الإسراء: الآية 9 ]

 وأما النقطة الثانية في طبيعة هذه الليلة فهي لأناس كأدوية تجري صدق قلوبهم وما علق بها من ذنوب وآثام ومعاصي وسيئات ففي هذه الليلة يتطهر المذنبون من ذنوبهم، ويغسلون أواني النفوس مما علق بها من آثام و أقدار، وهي لأناس آخرين كأغذية، تغذي قلوبهم باستحضار عظمة الله سبحانه وتعالى ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم، وهي لفئة ثالثة وهي النسبة الممتازة من البشر هي معاريج لأرواحهم، نحو الكمال المطلق فيشعرون بحلاوة القرب من الله سبحانه وتعالى ويتلذذون بعبادتهم لله سبحانه وتعالى، ويلتمسون العزة لله في ذل العبودية لله سبحانه وتعالى، وكأن لسان حال هؤلاء يقول:
ومما زادني شرفاً وتيــهاً وكدت بأخمصي أطأ الثريا
دخولك تحت قولك يا عبادي وأن صيرت أحمد لي نبياً
فإذاً ليلة القدر هي عبارة عن أدوية لأناس وأغذية لأناس آخرين مع معاريج لإناس.
 فضيلة الشيخ إذاً من خلال ما تقدمت به ومن خلال هذه الطبيعة التي يجب أن يدركها الإنسان فلا يمكن أن يدرك الإنسان عظمة هذه الليلة إلا إذا أدرك عظمة الخالق سبحانه وتعالى، فنحن إذاً أن نعرف الله حتى نعرف مفهوم هذه الليلة المباركة، لذلك أتوجه إلى فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي إذا تكرمتم أن نعود إلى هذه النقطة كيف يمكن أن نعرف الله سبحانه وتعالى.
الحقيقة في سورة القدر

 

﴿ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3)﴾

 

[ سورة القدر: الآية 3 ]

 الألف شهر تساوي ثمانين عاماً كأن من ملامح هذه الآية أن هناك عابد وعالم والعالم الواحد أشد على الشيطان من ألف عابد، يعني أن تقدر الله حق قدره أن تنطلق إلى طاعته والتقرب إليه بأن تعرف سر وجودك وغاية وجودك هذا خير من أن تعبد الله عبادة جوفاء سطحية خيرٌ من ألف شهر فشتان بين عبادة بجهلٍ و بين عبادة بعلم، فالعبادة مع الجهل صاحبه مقاومته هشة أدنى ضغط يخرجه عن استقامته وأدنى إغراء يخرجه عن استقامته، فكأن الله سبحانه وتعالى يريدنا أن نعرفه لذلك مرت الدعوة الإسلامية بمرحلتين المرحلة المكية والمرحلة المدنية في المرحلة المكية لفت نظر الناس إلى عظمة خالق السموات والأرض يعني مرحلة تركيز حقائق الإيمان:

 

﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (1)﴾

 

[ سورة الشمس: الآية 1 ]

﴿ وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (2)﴾

[ سورة الفجر ]

﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (1)﴾

[ سور الليل: الآية 1 ]

 في المرحلة المدنية مرحلة تشريعية، فنحن في دعوتنا إلى الله حينما نغفل المرحلة المكية النبي يقصد معرفة الخالق نقع في إشكال كبير ذلك أن الإنسان إذا عرف الآمر وعرف الأمر تفانى في طاعة الآمر أما إذا عرف الأمر ولم يعرف الآمر تفنن في التفلت من الأمر هذه مشكلة العالم الإسلامي اليوم، أمر الله بين أيدي الناس يقرأونه ليلاً نهاراً يشاهدون المحاضرات ليلاً نهاراً لكنهم ليسوا على ما يرضوا الله عز وجل إذاً أزمة المسلمين تمت بمعرفتهم بالخالق ضعيفة، ومعرفتهم بالشرع كثيرة فلا بد من توازن بين معرفة الله ومعرفة أمره، إذاً هناك معرفة بالخلق وهذا من اختصاص جامعات العالم، وهناك علم بالأمر وهذا من اختصاص كليات الشريعة في العالم الإسلامي لكن هناك علم به في القرآن الكريم ألف وثلاثمئة آية تتحدث عن الكون هل يعقل أن تكون هذه الآيات لا هدف لها، إن هدفها الأول أن نتعرف إلى الله من خلال الكون أنت بالكون تعرفه وبالشرع تعبده والدين معرفة الله وطاعة له عقيدة وشريعة فالله عز وجل لا تدركه الأبصار فكيف نعرفه ؟ نعرفه من خلال الخلق كل ما في الكون ينطق بوجودي وبوحدانيته وكماله ونعرفه من أفعاله ونعرفه من كلامه.
لا بد من فضيلة الدكتور من أمثلة حول هذه الأمور التي تتفضلون بها لكن قبل ذلك أن ما تتفضل به يدل على أن الناس تعرف أن هناك ليلة القدر ولكن لكونها لا تدرك عظمة الله لا تدرك الله جل الله سبحانه وتعالى لم تعرف ربها المعرفة اليقينية لن تتوصل بتفكيرها إلى هذا اليقين يضعف تمثلها لليلة القدر قبل أن نأتي بهذه الأمثلة أتوجه إلى الشيخ عبد الغني ليبين لنا ما سبب تسمية هذه الليلة بليلة القدر ؟
أولاً أريد أن أضيف تأييداً لكلام أخي الدكتور المعرفة هي المطلوبة معرفة الله تعالى الخلق هي المطلوبة هذا يؤيده قول الله تعالى:

 

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)﴾

 

[ سورة الذاريات: الآية 56 ]

 فقد ورد في تفسير ليعبدون أي ليعرفوني إذاً المعرفة هي المطلوبة أما إذا كانت العبادة جوفاء فارغة لا قدر لها لا قيمة لها فالإنسان يصلي ويخرج من صلاته وكأن شيئاً لم يكن لا يتقدم ومن لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزل من الله إلا بعده، هذه لأن الصلاة فارغة ولأن معرفة الله بعيدة عن هذا الإنسان أما ما تفضلتم به من هذا السؤال بسبب تسميتها لليلة القدر فقد روي عن ابن عباس وغيره أن الله سبحانه وتعالى يقدر في هذه الليلة ويقضى في هذه الليلة من تلك السنة من مطر ورزق وإحياء و إماتة إلى العام القادم إلى السنة القادمة أرزاق العباد و آجالهم تقدر في هذه الليلة، أما معناها أن إظهار تقدير الله تعالى لملائكته موكلين لتنفيذ هذه الكونيات و إلا تقدير الله تعالى أزلي بهذه المخلوقات قبل خلق السموات والأرض هذه النقطة وقيل أيضاً سبب تسميتها ذلك أنها كناية عن الشرف القدر والمكانة والرفعة كناية عن الشرف حينما نقول فلان له قدر عند فلان أي أن له مكانة وقيمة عنده، وبها قال الإمام الزهري رضي الله عنه ورحمه الله، وقيل أيضاً في تسميتها أن الإنسان إذا أدى عبادة الله في هذه الليلة صار له قيمة وقدراً عند الله عز وجل، وقيل أيضاً بسبب تسميتها أن نزل فيها قرآناً ذو قدر، بواسطة ملك ذي قدر، على نبي ذي قدر، وعلى أمةٍ ذات قدر، وقال الخليل ابن أحمد معنى كلمة ليلة القدر أي ليلة الضيق أخذها من بعض و من قدر عليه رزقه ومن قدر أي ضيق عليه رزقه فقال سميت بهذه الليلة لأن الأرض تضيق بالملائكة بسبب نزول الملائكة في هذه الليلة حتى أن كثيراً من الملائكة لا ينزلون إلى الأرض إلا في هذه الليلة تضيق الأرض بهم من كثرتهم سماها ليلة الضيق، هذا ما ورد في سبب تسميتها إذا حتى ندرك قدر هذه الليلة نعود لنسأل الدكتور راتب هل من أمثلة لمعرفة الله سبحانه وتعالى من خلال الكون.
يقول الله عزوجل:

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾

 

[ سورة البقرة: الآية 26 ]

 لا أعتقد أن في الأرض مخلوقاً هين على البشر أكثر من بعوضة لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

 

(( عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ كَانَتْ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ ))

 

[ الترمذي، ابن ماجه ]

 نقتلها ولا نشعر بشيء إطلاقاً هذه البعوضة التي ذكرت كآية دالة على عظمة الله حوله العجب العجاب اختيار البعوضة لا يوحي بأن فيها هذا الشيء الدال على الله سبحانه وتعالى، البعوضة وزنها ميلي غرام واحد يعني واحد على الألف من الغرام، وهي أنثى التي تلدغ الإنسان أنثى وهل يستطيع إنسان كائن من كان أن يفرق بين الذكر والأنثى في البعوض قال الله تعالى:

 

﴿ فَمَا فَوْقَهَا﴾

 

[ سورة البقرة: الآية 26 ]

 لم يقل فما فوقه أثبت العلم أن الذي يلدغ هي الأنثى البعوضة في رأسها مئة عين هذا الرأس الصغير وفي فمها ثمانية وأربعين سناً والشيء الذي لا يصدق أن في البعوضة ثلاثة قلوب قلب مركزي، وقلب لكل جناح وفي القلب أذينان و بطينان ودسامان والبعوضة تملك جهازاً لا يصدق جهاز استقبال حراري هي ترى في الليل بالأشعة تحت الحمراء ترى الأشياء بألوان تتناسب مع حرارتها لذلك تتجه إلى جبين الصبي مباشرة أو إلى أي شيء من جسمه إذا كان مكشوفاً إذاً البعوضة تملك جهاز استقبال حراري حساسيته واحد من الألف من الدرجة المئوية لكن ما كل دم يناسبها إذا تملك جهاز تحليل للدم فقد ينام طفلان على سرير واحد يستيقظ الأول و قد ملئ جسمه بلسع البعوض و الثاني سليم معافى، إذاً معه جهاز تحليل دم، ومع جهاز رادار أي جهاز استقبال حراري، يعمل بالأشعة تحت الحمراء والإنسان لا يملك هذا الجهاز لكن حين تقف على جلده قد يقتلها مع جهاز تخدير تخدره والإنسان حينما يضرب يده تكون قد طارت يكون قد انتهى مفعول جهاز التخدير، إذاً معها رادار أي جهاز استقبال حراري حساسيته واحد بالألف من الدرجة المئوية، ومعها جهاز تحليل للدم، فما كل دم يناسبها ومعها جهاز تخدير لكي لا يشعر بها، ثم معها جهاز تميع ما هو جهاز التميع ؟ أن دقة خرطومها تحتاج إلى سيولة عالية جداً، لذلك في مكان لسع البعوضة يميع الدم، ليمر بهذا الأنبوب الدقيق، الآن في خرطومها ست سكاكين أربع سكاكين تحدث جرح مربع وسكينان الأخريان يتلاءمان على شكل أنبوب فيغرس إلى أن يصل إلى الدم ست سكاكين أربع سكاكين لإحداث الجرح في خرطوم البعوضة، وسكينان ليتلاءمان على شكل أنبوب يمتص به الدم، البعوضة يلف جناحها عدد كبير مستوى الطنين في الثانية الواحدة، عدد كبير لأن له قلب مستقل، والبعوضة فوق كل ذلك لها مخالب إذا وقفت على سطح خشن ولها محاجم على أساس الضغط إذا وقفت على سطح أملس، أي عندما تقف على سطح من البلور تستخدم المحاجم وحينما تقف على سطح خشن تستخدم مخالبها والبعوضة تشم رائحة عرق الإنسان من ستين كيلو متراً:

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾

 

[ سورة البقرة: الآية 26 ]

 هذا المخلوق البسيط يضرب الله سبحانه وتعالى مثلاً بمخلوق بسيط نرى فيه هذه القدرة، هذه الدقة، هذه العظمة، ونحن نرى البعوضة بصغري حجمها وخرطومها بهذا الشكل من السكاكين ومن الأجهزة هذا إذا كانت البعوضة فماذا في مخلوقاته الأكبر شأناً ؟

 

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ﴾

 

[ سورة آل عمران ]

 وجاء الفعل مضارع أي أن التفكر سمة أساسية من حياة المسلم أي أنه كلما عرف الله كلما بادر إلى طاعته، كلما عرف الله بادر إلى خدمة عباده ، كلما عرف الله بادر إلى الإقبال عليه، والستة آلاف مليون إنسان في الأرض يسعون بشكل أو بآخر إلى سلامتهم وسعادتهم لذلك المؤمن عرف من خلال الوحيين الكتاب والسنة طريق سلامته في طاعة الله، أنت إذا أطعته سلمت إن عملت العمل الصالح سعدت:

 

﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً﴾

 

[ سورة الكهف: الآية 110]

 ليلة القدر من أجل أن تعرفها لتقدره حق قدره إذا عرف عظمة الخالق لا بد أن يعرف قدر هذه الليلة أتوجه إلى فضيلة الشيخ عبد الغني ليبين لنا الحكمة من إخفاء ليلة القدر حيث أن الرسول عليه الصلاة والسلام ذكر أحاديث متعددة وتارة يقال أنها كانت في العشر الأوائل من رمضان، وتارة في العشر الأواخر ويرجح البعض العلماء الأيام المفردة من ليالي الوتر من ليالي رمضان فما هي الحكمة من أن لا تكون محددة بليلة محددة من رمضان ؟ أريد أن أضيف كلمة صغيرة على ما تفضل به الدكتور راتب بشأن هذه البعوضة وما تحدث عنها من عجائب الخلق في هذا المخلوق الصغير نقول هذه ليست عجائب لماذا لأنها من خلق الله، الله تعالى يقول:

 

﴿ هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾

 

[ سورة لقمان: الآية 11]

 إذا هذا المخلوق الضعيف فيه كل هذه الأجهزة وكل هذه الماكينات الحقيقة التي تعمل بهذا المخلوق هذا لو أوجده إنسان لتعجب من ذلك، لكن أوجده الله تعالى والله تعالى قادر على كل شيء ولهذا يستطرد الله تعالى أن يقول في هذه الآية:

 

﴿ هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾

 

[ سورة لقمان: الآية 11]

 إذاً لا تتعجبوا من خلق الله تعالى لأنه قادر على كل شيء ولكن فضيلة الشيخ هذا يدل على عظمة الله عز وجل لا شك في ذلك، دعنا نتصور جهاز تحليل وجهاز تخدير وجهاز قطع وجهاز تمييع هذه الأجهزة لو أراد الإنسان أن يفكر بصنعها والكل والقلوب وثلاثة قلوب وكل هذه الأشياء مهما فكر الإنسان لا يستطيع أن يصل إلا أن يستوحي من عظمة الله سبحانه وتعالى فيصنع من خلال استحيائه لقدرة الله سبحانه وتعالى، ما يشبه ذلك مع الشبه البعيد جداً نحن لو تصورنا هذا الرسغ وما فيه من حركة دائرية وأمام وخلف وفوق وتحت إذا أردنا أن نصنع آلة تحرك مثل هذه الحركة نحتاج إلى مثل هذا الأستديو من القطع حتى تقوم بهذا العمل إنما أريد أن أقوله تعليقاً وتنبيهاً للناس أن عليهم أن يخضعوا لعظمة الله سبحانه وتعالى لهذا المخلوق الضعيف خذوا درساً من هذا المخلوق الضعيف لتعلموا أن الله على كل شيء قدير، إذاً عليهم أن يخضعوا وأن يلتزموا لطاعة الله عز وجل، لأنه هو الوحيد القادر على هذا الخلق هذا ما أردت أن أضيفه، أما بشأن السؤال هذا سبب إخفاء ليلة القدر نعم إن الله تعالى أخفى عنا ليلة القدر وقد وردت روايات كثيرة في هذا الأمر روايات تقول أنها في العشر الأول من شهر رمضان، وروايات تقول أنها في العشر الأوسط، وروايات وأنها الأكثر تقول أنها من العشر الأخير، الحكمة من إخفائها هو أن يجتهد الإنسان في طاعة الله، أن يستمر في طاعة الله، لو حددنا له ليلة معينة أو وقت معين أو لم يخف الله سبحانه تعالى لحظة الموت بالنسبة للإنسان يعلم أنه يموت بعد سن الخمسين أو في سن الخمسين، قد يتقاعس عن الطاعة عن العبادة حتى يقترب من سن الخمسين فيطع الله تعالى يكون قد أضاع عمره كله وأخفى عنا ساعة الإجابة يوم الجمعة حتى يستمر الإنسان في طاعة الله في هذا اليوم المبارك، كذلك أخفى عنا ليلة القدر كما قلت هناك روايات كثيرة أكثر هذه الروايات أنها في العشر الأخير من رمضان، وفي ليال الوتر فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه الإمام أحمد والترمذي ومسلم عن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

 

(( عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْوِتْرِ مِنْ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ ))

 

[ البخاري، مسلم، الترمذي، أحمد ]

 تحروا ليلة القدر أي ابحثوا عنها في العشر الأخير، وفي الوتر هل هناك مرجح لليلة السابعة والعشرين من ليلة القدر أيضاً، نحن نقوم بذلك نحن نقول أن ترجيح العشر الأخير من رمضان بدون تحديد ليلة محددة هذا يرجح على الأشهر الأول والثاني، لكن من جمع هذه الروايات، الروايات كلها صحيحة كيف نريد أن نجمع هل هو في العشر الأول أو الأوسط أو الثاني أو الثالث فهذه الليلة السابعة والعشرين الكثير من الصحابة ركزوا عليها، وأشاروا إليها بأن سيدنا عمر سيدنا حذيفة رضي الله عنهما كما قال عنهم أبو ذر الغفاري كانوا لا يشكون في أنها الليلة السابعة والعشرين، هناك استأنس من كلام بعض العلماء أنه استنبط من سورة ليلة القدر دليلين على أنها من ليلة السابعة والعشرين، الدليل الأول أنه قال إن كلمة ليلة القدر عبارة عن تسعة أحرف ليلة القدر تسعة أحرف وذكرت في السيرة ثلاث مرات فإذا ضربنا حروف هذه الكلمة وعدد تكرارها لكانت السابعة والعشرين، تسعة ضرب ثلاثة يساوي سبعة وعشرين، ودليل آخر قال أن سورة القدر هي عبارة عن ثلاثين كلمة، ثلاثون كلمة، الكلمة السابعة والعشرين منها هي كلمة هي، سلام هي، وكلم هي ضمير يشير إلى ليلة القدر، فاستنبط منها على أنها هي المقصودة من هذا الأمر، ودفع العلماء بهذا إلى أن ينظر إلى جلالة القدر على عدد سبعة، كأنه عدد ثان، لكن السماوات السبع، والأرضين السبع، والرجم سبعاً، إذاً لتكون في الليلة السابعة، والسجود على سبعة أعظم، هذا ما يدفعني فضيلة الشيخ لأقول بأن كل هذه الاستنباطات جميلة لتدفع الإنسان إلى العمل، إلى الطاعة يوماٍ أو ليلة معينة، لكننا نعود لنقول أن إخفاءها أو سر إخفاءها أن نجتهد في كل رمضان ما في شك، أو ربما نحرك هذا القلب من خلال الطاعة في أيام رمضان يصل إلى ذروة عطائه وذروة حركته وذروة تفاعله مع الله عز وجل حينما يصبح في العشر الأخير من رمضان فيزيد اجتهاده في هذه الفترة من رمضان، وكما أخفيت عنا ليلة القدر عن يوم معين أيضاً حتى نعرف الله سبحانه وتعالى أخفي من عظيم صنعه علينا الشيء الكثير وخاصةً في هذا الكون، ففضيلة الدكتور راتب هل لكم من بيان ما أخفي من عظمة الله عز وجل بصنع هذا الكون، يقول الله عز وجل:

 

﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾

 

[ سورة الرعد: الآية 2]

 أي بعمد لا ترونها، وهذا مفهوم المخالفة، هذه الأعمدة التي لا نراها هي قوى التجاذب فالأرض تدور حول الشمس في مسارٍ إهليلجي مغلق، وبحسب قوانين الجاذبية، إذا اقتربت الشكل الأهليجي له قطران قطر أصغر وقطر أكبر فإذا اقتربت الأرض من القطر الأصغر رفعت من سرعتها كي ينشأ من سرعتها قوة نابذة تكافئ القوة الجاذبة فلا تنجذب إلى الشمس وتتبخر في ثانية واحدة، وحينما تصل إلى القطر الأبعد تقل سرعتها حتى تبقى مرتبطة بالشمس لئلا تكون القوة النابذة أقوى من الجاذبة من يرفع من سرعتها، ومن يخفض من سرعتها في الوقت المناسب و إلا انتهت الحياة، ذلك أن ارتفاع السرعة وانخفاضها يتم بتسارع وتباطؤ طبيعي، ولو تم رفع السرعة بتسارع شديد وخفض السرعة بتباطؤ بطيء لانهدم كل ما على الأرض، الأرض مرتبطة بالشمس بقوى التجاذب عبروا عن هذه القوة بمليون مليون حبل فولاذي قطر كل حبل خمسة أمتار هذا الحبل يقاوم من قوى الشد ما يزيد عن مليوني طن، أي أن الأرض مرتبطة بالشمس بمليون مليون حبل وكل حبل مليوني طن، هذه قوة جذب الشمس للأرض، لأنها تجذبها فهي بمسار مغلق حولها، لو أنها تفلتت من مسارها حول الشمس لسارت في الفضاء الكوني و لأصبحت حرارتهم 270 تحت الصفر، وانعدمت الحياة فيها من أجل أن تبقى مع الشمس، لو أنها تفلتت كيف نعيدها فرضاً، لا بد من مليون حبل فولاذي نضعها في الوجه المقابل للشمس لنسحبها، لو وضعنا مليون حبل فولاذي على الأرض وربطناها في الشمس يكون بين الحبلين خمسة أمتار إذاً انعدمت أشعة الشمس وانعدمت الحياة وانعدمت المواصلات والبناء وكل شيء، من هنا قال الله سبحانه وتعالى:

 

﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾

 

[ سورة الرعد ]

 هل يستطيع الإنسان أن يبني بناءً عملاقاً بلا أعمدة في الهواء، هكذا السماء من خلال معرفة عظمة الله سبحانه وتعالى نصل لسؤال أخير باختصار مع الشيخ عبد الغني ماذا نفعل بليلة القدر الوعظ على الإنسان المسلم أن يستغل هذه المناسبات وخاصة ليلة القدر أن يستغلها في طاعة الله عز وجل أن يكثر من الطاعة والعبادة والذكر وقراءة القرآن يقول الإمام سفيان الثوري: الدعاء في هذه الليلة أحب من الصلاة لكنه استطرد فقال إذا جمع الإنسان بينهما فهذا حسن، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يجمع بين التلاوة وبين العبادة أي الصلاة وبين التفكير كان يقرأ قراءة مرتلة إذا مر بآية عذاب استعاذ إذا مر بآية رحمة طمع برحمة الله عز وجل فعلى الإنسان أن يكثر من الطاعة والعبادة في هذه الليلة، قد يخطئ بعض الناس فيظنوا أن إحياء هذه الليلة أن لا ينام أبداً وهذه ما يتعبه ويتعب جسده لا يستطيع القيام بالطاعة على الوجه الأكمل لا يجب أن ينام أول الليل ثم يستيقظ في النصف الأخير إن شاء أو الثلث الأخير إن شاء، ويقوم بهذه الطاعة على الوجه الكامل من قراءة قرآن من دعاء خالص لله عز وجل من مجلس علم قد يكون في المسجد، خلال هذه الليلة من توجيهاً لإخوانه الموجدين معه ليعرفهم حقيقة هذه الليلة وحقيقة الطاعة والعبادة لله سبحانه وتعالى شكراً لكم لا يسعني في نهاية هذا اللقاء إلا أن أتقدم بالشكر الجزيل لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي الأستاذ في كلية التربية في جامعة دمشق ولفضيلة الشيخ عبد الغني مكاري خطيب مسجد عمر بن الخطاب والمدرس في ثانويات اللاذقية شكراً لكم أيها المشاهدون الكرام والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.