مختلفة لسورية الفضائية - الندوة : 09 - ندوة عن رأس السنة الهجرية.

2002-03-14

مقدمة :

﴿ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ * يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ ﴾

[ سورة التوبة: 20-21]

 أيها الأخوة والأخوات؛ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، اليوم نودع عاماً ونستقبل عاماً هجرياً جديداً، في مثل هذا اليوم وقبل أربعة عشر قرناً بزغ نور ساطعٌ أضاء سماء مدينة يثرب، مبشراً الأمة بقدوم النبي المصطفى محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم رسولاً ومبشراً ونذيراً، واستقبل النبي الكريم بالفرح العظيم من أهالي يثرب، وتعالت أصوات التهليل والتكبير ممتزجةً بزغاريد النساء وأهازيج الأطفال:

طلــــع البدر علينـــــا  من ثنيــات الـــــــوداع
وجــب الشـكر علينا  ما دعـــــــــــــــــا لله داع
أيها المبعوث فينـــــــا  جئت بالأمر المطــاع
جئت شرفت المدينـة  مـرحباً يا خيـــــر داع
***

 وبدأت منذ ذلك التاريخ رحلة الأمة في مسيرتها الحضارية نسجل كل يوم صفحةً جديدةً ناصعةً مليئةً بالأحداث الجسام والنتائج العظام.
 فالهجرة النبوية الشريفة حدث غيّر مجرى التاريخ، إنها المنطلق العالمي والموقف الحاسم في تاريخ هذه الأمة، وكل ما تحقق من منجزات ونجاحات وانتصارات محسوب عليها وراجع إليها، إنها مرحلة انتقال من أرض حجبت عنها أنوار الهداية والمعرفة إلى أرض سطع بها نور الإسلام بما يحمله من قيم الحق والمساواة والعدل، إنها الحدث العظيم الذي برهن على نتائج الصبر والثبات على المبدأ، إنها الحد الفاصل بين الباطل و طغيانه وبين الحق وعدالته وسلامه وسماحته.
 الهجرة النبوية الشريفة إنها تضحية كبيرة من النبي صلى الله عليه وسلم ومن صحابته المهاجرين الكرام عندما تركوا الأرض والمال والأهل، في سبيل الدفاع عن الدين الجديد بكل إيمان وعزيمة.
 فالهجرة قيام الدولة العربية الإسلامية على أسس حضارية راسخة وسليمة رسمت للحياة العربية وجهاً جديداً مشرقاً في كل شيء.
 أيها الأخوة والأخوات؛ حول المعاني والدروس والعبر التي تحملها هذه المناسبة العظيمة نفتح حواراً مع ضيفينا الكريمين فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي الأستاذ المحاضر بكلية التربية في جامعة دمشق وفضيلة الدكتور زياد الدين الأيوبي مدير إدارة الإفتاء العام والتدريس الديني في وزارة الأوقاف أهلاً وسهلاً بكما وكل عام وأنتم بخير.
 كما تقدم في مقدمة الندوة الهجرة النبوية الشريفة درس تاريخي عظيم، تعلمنا منه الكثير من الفضائل والقيم، إنها عنوان الحضارة العربية الإسلامية في كل ما تحمل هذه الحضارة من قيم إنسانية نبيلة، وإنها البداية لتاريخ الأمة العربية الإسلامية التي اتسع نورها في أرجاء الأرض، بداية وقبل أن نبدأ الحوار حول الدروس والعبر حول هذه الهجرة النبوية الشريفة لابد أن نستمع من الدكتور زياد إلى نبذة تاريخية سريعة لما كان عليه حال العرب والمسلمين قبل هجرة النبي عليه الصلاة والسلام.

 

نبذة تاريخية لما كان عليه حال العرب والمسلمين قبل هجرة النبي :

الدكتور زياد:
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين وعلى آله وأصحابه أجمعين.
 قبل الهجرة إلى المدينة المنورة بعث النبي صلى الله عليه وسلم، ومنذ البعثة الشريفة وهو يدعو ويؤسس لقيام المجتمع الإسلامي، وقيام المجتمع الجديد، ولا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم لاقى الكثير من الصعوبات، ولاقى الكثير من الصّد من القريب ومن البعيد، آمنت به مجموعة وكفرت به مجموعة، والمؤمنون قلة، والذين كفروا برسالته كثرة كثيرة، وقد قسم المؤرخون الفترة المكية التي عاشها النبي صلى الله عليه وسلم إلى قسمين اثنين؛ القسم السري والقسم العلني، وقال بعض المؤرخين والمفسرين بأن الفاصل بين هذين القسمين قوله تعالى:

﴿ فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ﴾

[ سورة الحجر: 94]

 لاشك أن مكة التي صعب عليها أن يخرج منها هذا الرجل وهو النبي صلى الله عليه وسلم يدعوها إلى الإيمان بالله، ويدعوها إلى ترك الوثنية، ويدعوها إلى التوحيد، وإلى النظام، ويدعوها إلى مكارم الأخلاق، ويدعوها إلى تغيير الكثير من مفاهيمها، وقفت أمام النبي بكل ما تملك من قوة، فتارةً تعرض عليه المال، وتارةً تعرض عليه الملك والسلطان، وتارةً تهدده، ولكن النبي صمد أمام كل هذه المغريات، وأمام كل هذه التهديدات، اضطر النبي صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة إلى المدينة المنورة أن يرسل أصحابه إلى أرض الحبشة على هجرتين سبقت الهجرة إلى المدينة المنورة، وما كان هذا الأمر لو أن أهل مكة انصاعوا وأطاعوا، ولكن لابد من أن تحمى الدعوة، فالنبي قوي بالله سبحانه وتعالى أولاً، ثم بأهله وعشيرته، وكان من المسلمين أناس يمكن للمكيين أن يقتلوهم وأن ينالوا منهم فكان لابد لهم أن ينتقلوا إلى أرض أخرى، وأن يتمكنوا من أن يقيموا شعائر دينهم بأرض الحبشة.
 النبي صلى الله عليه وسلم عرض نفسه على القبائل قبل بيعتي العقبة الأولى والثانية وفي بعض الروايات أن هناك ثلاثة لقاءات في العقبة، العقبة الأولى والثانية والثالثة، النبي صلى الله عليه وسلم واجه أقاربه، واجه أعمامه، واجه أرحامه، ومع ذلك كان لابد له من أن يصمد، وكان لابد له من أن يعيش هذا الواقع، انتهى الأمر بأن عذب أصحابه، وعلينا ألا ننسى ما فعل المشركون بآل ياسر؛ عمار وياسر وأمه سمية، ولا ننسى ما فعل المشركون بسيدنا بلال الحبشي، ولا ننسى ما فعلوا بالضعفاء من المسلمين.
 لما سقط من أيدي أهل مكة كل شيء قرروا أن يقاطعوا النبي عليه الصلاة و السلام، و كان تلك المقاطعة التي استمرت قرابة ثلاث سنوات تقريباً في شعب أبي طالب مقاطعة شديدة لا طعام، و لا شراب، و لا بيع، و لا شراء، و لا زواج، و لا أي شيء، و إنما أرادوا أن يقتلوهم في هذا المكان، و صمد النبي عليه الصلاة و السلام، و لما انتهى هذا الحصار كان النبي صلى الله عليه و سلم قد فكر بأن يخرج إلى أهل الطائف، و إلى أن يدعو ثقيفاً، عسى أن يجد من أهل ثقيف و من أهل الطائف السلم و الاستجابة، و لكن الطائف مع الأسف ردته أسوأ رد، و نذكر جميعاً الدعاء الذي توجه به النبي صلى الله عليه و سلم إلى الله تبارك و تعالى عندما رد: " اللهم إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني أم إلى قريب ملكته أمري؟- إلى نهاية الدعاء - إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي".
 عاد النبي صلى الله عليه و سلم إلى مكة، و مكة قد ازدادت حمية، و قد ازدادت مقارعة للنبي عليه الصلاة و السلام، النبي عاد إلى مكة و رأى أن لا جدوى من العمل في أرض مكة، و أن الأبواب أصبحت موصدة، و عرض نفسه على قبائل كندة، و عرض نفسه على قبيلة بني حنيفة، و عرض نفسه على قبائل كلب من قبائل العرب المشهورة، و عرض نفسه على مجموعة من القبائل، و كان عليه الصلاة و السلام يختار موسم الحج و أسواق العرب كسوق عكاظ، و كان بموسم الحج يلتقي بالناس ليبلغهم، تصور بأن النبي عليه الصلاة و السلام يلتقي بالناس و يدعوهم و يأتي عمه أبو لهب من خلفه ليقول للناس: لا تصدقوه فهذا يكذب.
المذيع:
 إذاً دكتور هذه لمحة موجزة سريعة لما عاناه النبي الكريم عليه الصلاة و السلام من عذاب و ألم قبل هجرته إلى مدينة يثرب، و قبل أن يؤسس لوجود دولة عربية إسلامية بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى في المدينة المنورة، هنا سؤال يطرح و كثير من المؤرخين يتساءلون لماذا النبي الكريم عليه الصلاة و السلام و هو رحمة للعالمين و قد أرسله الله سبحانه و تعالى لهداية البشرية لماذا لم يتح له المجال واسعاً و لم يفرش له الطريق معبداً لدعوته هذه؟ لماذا تجمع له كل قوى الشر كي تهبط هذه الدعوة و تفشلها؟ هنا الدكتور راتب ما هي الحكمة من هذا الجهاد الذي تعرض له النبي الكريم و أصحابه الكرام في بداية الدعوة إلى الدين الجديد؟

 

الحكمة من الأحداث التي تعرض لها النبي و أصحابه الكرام في بداية الدعوة :

الدكتور راتب:
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
 كلنا يعلم أن سنة النبي صلى الله عليه و سلم هي أقواله و أفعاله و إقراره، لو وقفنا عند أفعاله - و هجرته صلى الله عليه و سلم من أفعاله- لو لم يكن عندنا كتاب و لا سنة لكانت سيرة النبي و أفعال النبي وحدها منهجاً كاملاً لهذا الإنسان، ذلك أن الكون قرآن صامت، و القرآن كون ناطق، و النبي صلى الله عليه و سلم قرآن يمشي، فقد سئلت السيدة عائشة رضي الله عنها عن خلق النبي صلى الله عليه و سلم فقالت:

((سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ فَقُلْتُ: أَخْبِرِينِي عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَقَالَتْ: كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ))

[ متفق عليه عن عائشة]

 هناك نقطة دقيقة ذلك أن الأحداث التي وقعت في عهد النبي مقصودة بذاتها، لم تقع صدفة إنما وقعت لحكمة بالغة بالغة كي يقف النبي صلى الله عليه وسلم منها موقف المشرع، وموقف القدوة، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم قدوةً لنا، وبالمناسبة لعل من فضول القول أن نؤكد أن مهمة الأنبياء هي التبليغ، لكن في اعتقادي أن هناك مهمة أكبر بكثير من التبليغ هي أن يكون هذا الإنسان قدوةً، لأن الناس يتعلمون بعيونهم لا بآذانهم، وسبب أعمال الأنبياء التي لا تصدق هو أنهم طبقوا في أفعالهم ما قالوه بألسنتهم، قدوة متحركة، ذاق النبي صلى الله عليه وسلم الفقر فكان قدوةً للفقراء، وذاق النبي الغنى فكان قدوةً للأغنياء، وذاق النبي القهر في الطائف -كما تفضل الدكتور زياد - فكان قدوةً للمقهورين، وذاق النبي النصر في فتح مكة فكان قدوةً للمنتصرين، وذاق النبي موت الولد، وذاق النبي الهجرة، هذه الأفعال التي فعلها النبي صلى الله عليه وسلم هي بالحقيقة تشريع، بل إن هناك من يعتقد أن أفعال النبي صلى الله عليه وسلم أصدق بالتعبير عن فهمه لكتاب الله من أقواله، ذلك أن أقواله تحتمل التأويل بينما أفعاله لا تحتمل التأويل.
 إذاً نحن أمام مثل أعلى متحرك، ما يحتاجه المسلمون اليوم إلى مسلم متحرك لا إلى إسلام نقرؤه في الكتب، ولا إلى إسلام نسمعه بالمحاضرات، المسلمون يحتاجون إلى إسلام متحرك، شيء دقيق هو أن معرفة سنة النبي صلى الله عليه وسلم وبالذات أفعاله فرض عين على كل مسلم لماذا ؟ لأن الله عز وجل يقول:

﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾

[ سورة الأحزاب: 21]

 عندنا قاعدة أصولية؛ ما لا يتم الفرض إلا به فهو فرض، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، أرأيت إلى الوضوء لماذا هو فرض؟ لأن الصلاة لا تتم إلا به، الصلاة فرض إذاً الوضوء فرض، إذا قال الله عز وجل:

﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾

[ سورة الأحزاب: 21]

 كيف يكون النبي صلى الله عليه وسلم أسوةً لنا وهذا أمر إلهي إن لم نعرف سيرته؟ موقفه من أصحابه؟ موقفه من أعدائه؟ موقفه في بيته مع زوجاته مع أولاده مع جيرانه؟ في سلمه؟ في حربه؟ في إقامته؟ في سفره؟ في رضاه؟ في غضبه؟ النبي عليه الصلاة والسلام فضلاً عن توجيهاته الحكيمة التي قال عنها الله عز وجل:

﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾

[ سورة النجم: 3-4]

 النبي عليه الصلاة والسلام في حركته اليومية تشريع قائم بذاته، فكما قلت في بداية هذه الكلمة: لو لم يكن عندنا كتاب ولا سنة لكانت سيرة النبي عليه الصلاة والسلام ولاسيما أفعاله وحدها كتاباً وسنة.
المذيع:
 نحن من خلال هذه الندوة نستعرض بعض اللمحات من سيرة النبي عليه الصلاة والسلام وخاصةً أثناء هجرته الشريفة إلى المدينة المنورة، والتي تابع من خلالها مسيرة الدعوة إلى الدين الجديد دين الإسلام لينشره عبر كل القبائل العربية، ومن ثم الدول المجاورة حتى مرحلة الفتح الإسلامي، دكتور زياد قد وصلنا إلى مرحلة توقيت الهجرة إلى مدينة يثرب، النبي عليه الصلاة والسلام جاءه الأمر الإلهي أن يهاجر هو وأصحابه إلى المدينة المنورة بعد بيعتي العقبة الأولى والثانية، هنا مجريات الحدث العظيم هذا من الناحية التاريخية له دروس وعبر، له معان جميلة وعظيمة، كيف نفذ النبي عليه الصلاة والسلام الهجرة الشريفة وما هي الدروس التي كانت محيطة بتلك الليلة؟

 

الدروس و العبر المحيطة بالهجرة النبوية الشريفة :

الدكتور زياد:
 يمكن القول بأن الله تبارك وتعالى هو قادر على كل شيء، وكان بالإمكان أن يهاجر النبي عليه الصلاة والسلام دون أي تحضير معين، وأن يخرج كما حصل في الإسراء والمعراج، وأن يصبح في المدينة المنورة، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام اتبع السبل واتبع الأسباب التي من خلالها يمكن أن يعمل أي إنسان أكان نبياً أو لم يكن نبياً، أكان قوياً أو إن كان ضعيفاً، انتهى الأمر بأن قريش أفلست، واجتمعت بدار الندوة، وقررت أن تقوم بعمل ما لتقضي على النبي عليه الصلاة والسلام، وقد أحست بأن عدداً من المسلمين وصلوا إلى أرض يثرب، وأدركوا أن وصولهم إلى أرض يثرب أن قاعدة كبيرةً سوف تبنى، وأن هذه القاعدة يجب ألا يصل إليها النبي عليه الصلاة والسلام، وقد ذكر القرآن ذلك حينما قال:

﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ﴾

[ سورة الأنفال: 30]

 أي أن يقوموا بعملية الاعتقال أو يقتلوك أو يخرجوك... انتهى الأمر بأن الرأي الذي طرحه أبو جهل على زعماء قريش في دار الندوة بأن يقتل النبي عليه الصلاة والسلام، وأن يؤتى بحوالي أربعين شاباً أقوياء يقومون بحصار حول بيته، وأن يقوموا بضربه ضربة رجل واحد حتى يضيع دمه، ولا تقوم قبيلته بالقدرة على أن تقاتل كل القبائل وانتهى الأمر، الله تبارك وتعالى أخبر النبي عليه الصلاة والسلام وجاء جبريل ليأمر النبي عليه الصلاة والسلام بألا يبيت في بيته، وأن ينام على فراشه سيدنا علي كرم الله وجهه، فنام علي على الفراش، وتحرك النبي عليه الصلاة والسلام ليلاً من بيته، والناس قد أحاطوا به من كل جانب، وهنا يأتي قوله تعالى:

﴿ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ﴾

[ سورة الأنفال: 30]

 النبي عليه الصلاة والسلام خرج من بيته وهو يقرأ سورة ياسين إلى أن وصل إلى قوله تعالى:

﴿ وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُون ﴾

[ سورة يس: 9]

 فخرج النبي عليه الصلاة والسلام وشباب قريش وشباب العرب حوله، ووضع التراب على رأسهم واحداً واحداً، ثم توجه إلى بيت أبي بكر الصديق، وغادر إلى غار ثور، وأقام في ذلك الغار ثلاثة أيام، وكان أبو بكر قد أعدّ العدة، أعدّ الراحلة والزاد والمال والدليل الذي يدل النبي عليه الصلاة والسلام، وجلس النبي عليه الصلاة والسلام في الغار ثلاثة أيام متوالية، وهنا نستطيع القول إنه عندما جلس هذه الأيام الثلاثة التي تقابل مكوث سيدنا علي ثلاثة أيام في بيت النبي عليه الصلاة والسلام، سيدنا علي جلس في بيت النبي ليرد الودائع، لاحظ هذه القضية الإنسانية النبي عليه الصلاة والسلام يؤدي الأمانة لأنه هو رسول الأمانة، فأبقى علي في فراشه ليؤدي الأمانات إلى الناس.
 في غار ثور وصل المشركون إلى الغار وحاروا في أمرهم أيدخلون إلى هذا الغار والغار ليس عميقاً أم لا يدخلوا إلى هذا الغار، وقفوا في حوار، أبو بكر الصديق رضي الله عنه رآهم وهو يقول للنبي عليه الصلاة والسلام: يا رسول الله لو نظر أحدهم إلى مكان قدمه لرآنا فكان جواب النبي عليه الصلاة والسلام: لا تحزن إن الله معنا، هذه ثقته بالله عز وجل.
المذيع:
 نقف عند هذه النقطة دكتور زياد، عندما ذهب النبي الكريم ومعه صديقه الصديق رضي الله عنه، ودخل غار ثور مختبئاً ومتخفياً من مشركي قريش، هنا نلاحظ من خلال هذه القراءة أن النبي عليه الصلاة والسلام تعامل مع الهجرة تعامل الإنسان المعتمد على الله عز وجل، والمتخذ لكل الأسباب- الهداية والنجاح والفلاح والحماية- لم يعتمد اعتماداً مطلقاً على الله عز وجل، وأن يتجاهل أسباب النجاح، هنا درس كبير وعظيم يجب أن يتعلمه كل إنسان مسلم بأن يعتمد في نجاحه في كل شؤون حياته الدينية والدنيوية على اتخاذ الأسباب، بأن الله عز وجل قد جعل الدنيا كلها قائمة على الأسباب، دكتور محمد راتب النابلسي بعض الدروس المستفادة من الهجرة النبوية الشريفة والتي تحتاجها الأمة العربية الإسلامية الآن في صراعها مع أعدائها هل لك أن تعطينا بعض هذه الدروس التي يمكن أن تكون هادياً لنا في طريقنا ؟

 

الدروس المستفادة من الهجرة النبوية الشريفة :

الدكتور راتب:
 الحقيقة أنه ما من درس أمتنا العربية والإسلامية في أمس الحاجة إليه كهذا الدرس البليغ أن نأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، وأن نتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، فالنصر في القرآن الكريم يحتاج إلى شيئين إلى أخذ بالأسباب قال تعالى:

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ﴾

[ سورة الأنفال: 60 ]

 وإلى إيمان بالله عز وجل، قال تعالى:

﴿ وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة الروم: 47]

 وكلاهما شرط لازم غير كاف، والمسلمون لم يحققوا النجاح في معركتين؛ في أحد وفي حنين، ففي أحد كان هناك أسباب تكتيكية لم يطع الرماة على التلة في موقعة أحد أمر النبي عليه الصلاة والسلام، وفي حنين الأسباب كانت اعتقادية قالوا: لن نغلب من قلة، والإنسان عنده درسان بليغان؛ درس بدر ودرس حنين، فالمسلمون في بدر افتقروا إلى الله فتولاهم الله بالنصر، وفي حنين ظنوا أن قوتهم كافية فتخلى الله عنهم، فإذا قلت: الله، تولاك الله، وإذا قلت: أنا، تخلى الله عنك، لقد شاءت حكمة الله أن يجعل مبدأ السببية نظاماً أساسياً في الكون، كل سبب له نتيجة، وكل نتيجة لها سبب، ولكن مبادئ العقل أيضاً مبدأ السببية والغائية وعدم التناقض، فالعقل لا يفهم شيئاً من دون سبب، كما أنه لا يفهم شيئاً من دون غاية، ولا يقبل التناقض، فالحكمة بالغة بالغة جاءت قوانين الكون وفي مقدمتها نظام السببية، وجاءت مبادئ العقل ومن أهمها مبدأ السببية متوافقتين؛ إذاً مبدأ السببية أساس في نظام الحياة، ولكن في علم التوحيد السبب لا يخلق النتيجة إلا إذا أراد الله عز وجل، لذلك هناك أسباب تجتمع ولا تحقق شيئاً، وهناك نتائج واضحة من دون أسباب، إذاً ماذا نستنبط؟ ينبغي أن نأخذ بالأسباب تأدباً مع الله وكأنها كل شيء، ثم نتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، ماذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم؟ غطى كل الثغرات، هيأ من يأتيه بالأخبار، هيأ من يمحو الآثار، سار مساحلاً على خلاف الشيء المألوف، اختبأ في غار ثور أياماً ثلاثة، هيأ خبيراً للطريق وغلّب خبرته على ولائه، غطى كل الأسباب وأخذها تعبداً، ووصلوا إليه، لو أنه اعتمد عليها لانهارت قواه، لكنه أخذ بها طاعةً لله عز وجل وعبادةً له فلما وصلوا إليه قال: يا أبا بكر لا تحزن إن الله معنا.
 هذا الدرس أن آخذ بالأسباب وكأنها كل شيء وأن أتوكل على الله وكأنها ليست بشيء تماماً كما لو أن هناك طريقاً عن يمينه واد سحيق وعن يساره واد سحيق، فمن أخذ بالأسباب واعتمد عليها كشأن الغرب وقع في واد الشرك، ومن لم يأخذ بالأسباب وتوكل على الله كما هو شأن الشرق وقع في واد المعصية، الموقف الكامل أن آخذ بالأسباب، ويقيني القاطع أن الله هو الموفق، لأن الأخذ بالأسباب أدب مع الله، لأن الأخذ بالأسباب أدب مع واضع الأسباب وطاعة له، وهذا الدرس نحن في أمس الحاجة إليه ورد في بعض الأحاديث:

(( إِن الله يَلُومُ على العَجْز ))

[أبو داود عن عوف بن مالك ]

 أن أستسلم لمصيري، أن أقول انتهيت، ألا أفعل شيئاً:

(( ولكن عليكَ بالكَيْس، فإِذا غَلَبَك أَمر ، فقل حَسبيَ الله ونعم الوكيل ))

[ أبو داود عن عوف بن مالك ]

 أن تأخذ بالأسباب.

((عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَقَالَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ لَمَّا أَدْبَرَ حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ))

[ أبو داود عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ]

 لا أقول: حسبي الله ونعم الوكيل حينما أعجز عن تحقيق شيء ما دام هناك أسباب بين يدي؛ الأولى أن آخذ بالأسباب، نحن بحاجة إلى أن نأخذ بالأسباب لأن الأخذ بالأسباب أدب مع الله وأدب مع خالق الأسباب، أما إذا اعتمدنا عليها وقعنا في الشرك، إن لم نأخذ بها وقعنا في المعصية ينبغي أن نأخذ بها وكأنها كل شيء وأن نتوكل على الله وكأنها ليست بشيء .
المذيع:
 الحقيقة الدروس والعبر كثيرة جداً ولكن نحن الآن باستعراضنا للحدث العظيم حدث الهجرة النبوية الشريفة لابد أن ننتقل إلى دخول النبي مع صديقه أبو بكر الصديق إلى المدينة المنورة واستقبال الموكب النبوي من قبل أهالي المدينة بالفرح والتهليل والتكبير، هنا وجد النبي عليه الصلاة والسلام المجتمع الذي استقبله استقبالاً حاراً، استقبالاً فرحاً، وهنا جعل النبي وجوده في المدينة المنورة بدايةً لوجود كيان رسمي للعرب المسلمين الذين أنشؤوا الدولة الإسلامية.
 دكتور زياد ما هي الخطوات الأولى والأفعال الأولى التي قام بها النبي الكريم عند وصوله المدينة المنورة؟ وما هي الدلائل الأخلاقية والدينية من هذه الأفعال الكريمة ؟

 

الخطوات الأولى التي قام بها النبي الكريم عند وصوله المدينة المنورة :

الدكتور زياد:
 وصل النبي صلى الله عليه وسلم على أغلب الروايات في ضحى يوم الثاني عشر من شهر ربيع الأول، والناس قد خرجوا لاستقباله صلى الله عليه وسلم، و كما أسلفت في مقدمتك و في حديثك حتى النساء خرجن بالزغاريد، و ظهرت تلك القصيدة أو الأنشودة الجميلة التي نرددها: طلع البدر علينا من ثنيات الوداع، لكن أعود إلى ما قاله أستاذنا الدكتور راتب النابلسي بأن النبي استخدم الأسباب لم تخرج يثرب هكذا، و إنما سبق ذلك أن أخرج النبي صلى الله عليه و سلم الدعاة، أرسل مصعب بن عمير و ابن أم مكتوم و أرسل الرجال الذين يفتحون القلوب قبل البيوت، و يفتحون العقول قبل الأرض، لذلك كانت يثرب جاهزة لاستقبال النبي عليه الصلاة و السلام، لم أتحدث بالتفصيل حقيقة عن مجريات الهجرة إن صح التعبير من الناحية الجغرافية أو التاريخية و إنما أكتفي بالقول بأنه استقبل عليه الصلاة و السلام، و عندما استقبل قامت قبائل العرب من الأوس و الخزرج و طلبوا منه أن ينزل عندهم، أو في بيوتهم، أو في مضاربهم، و كان يركب ناقته و يقول: دعوها فإنها مأمورة، فنزل بجوار بيت أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه، و مكث في هذا البيت إلى أن قام ببناء أول مسجد في الإسلام و هو مسجد قباء، و جلس النبي صلى الله عليه و سلم في هذا المسجد، و أمر ببناء مسجده الشريف المسجد النبوي الشريف الذي يضم اليوم جسد النبي صلى الله عليه و سلم، أول ما قام به النبي عليه الصلاة و السلام قبل أن يأتي إلى يثرب أو إلى المدينة المنورة أو إلى طيبة و لها أسماء متعددة، أولاً: آخى بين المهاجرين مع بعضهم البعض، و هذه نقطة ربما غفل عنها بعض الناس، آخى بين المهاجرين أولاً، آخى بين القوي و الضعيف، آخى بين الحر و العبد، آخى بين القريب و البعيد، بين الغني و الفقير، لما دخل المدينة المنورة آخى بين الأنصار و بين المهاجرين، و هذه قضية هامة جداً حتى أن الأنصار شاطروا المهاجرين أموالهم و دورهم، و بالمناسبة كانت هذه المؤاخاة تورث إلى أن نزلت آيات المواريث، أي كان الرجل يورث من آخى النبي بينه و بين ذلك الشخص، و يورث أبناء هذا الشخص من بعده إلى أن جاءت آية المواريث.
 ثم قام النبي صلى الله عليه و سلم بقضية هامة و هي أن هذا المجتمع الجديد الذي وصل إليه مجتمع فيه أنصار و فيه مهاجرون؛ هؤلاء مسلمون و فيهم من أهل يثرب من لم يسلم بعد، و في يثرب يهود، و بالمناسبة اليهود في يثرب ليسوا من أهل يثرب الأصليين، و إنما هم لاجئون إلى أرض يثرب من خلال الصراع الروماني اليهودي الذي حصل، هرب اليهود و سكنوا في أرض المدينة المنورة، النبي صلى الله عليه و سلم لم يقم بقتلهم أو بقتالهم و إنما أعطاهم المواطنة لأسباب؛ أولاً: هم لجؤوا إلى هذه البلاد، ثانياً: هم لم يقولوا بأنهم أصحاب هذه البلاد، ثالثاً: هم تملكوا، رابعاً: لهم علاقات مع الأوس و الخزرج، فأقام ما يسمى بالوثيقة أو الاتفاقية، و لو قرأنا بنود هذه الاتفاقية لرأيناها من أرقى أنواع البنود الدولية في العالم التي تنظم العلاقات بين البشر رغم اختلاف ألوانهم و أجناسهم و معتقداتهم، و قد يقول قائل: لماذا النبي أخرج اليهود فيما بعد؟ هذا نتحدث عنه بأن اليهود أخلفوا بالعهود، و أخلفوا بالمواثيق، ثم أقام بناء المسجد و المسجد الذي أقامه النبي صلى الله عليه و سلم مسجد متواضع بسيط، و هذا المسجد كان يجمع الدنيا بالكامل، المسجد كان للحياة و للعبادة و للطاعة و للذكر و للصدقات و للموعظة و للدرس و لإصدار الأوامر و لعقد الرايات، و قد يقول قائل: يا أخي الصلاة تجوز في كل مكان فلماذا أقام النبي صلى الله عليه و سلم المسجد ؟ أقول: الأرض صحيح هي مسجد للنبي صلى الله عليه و سلم و لكن أراد أن يقيم بناء يجمع الدنيا في هذا البناء، و المسلمون اليوم عندما يتوجهون إلى بيت المقدس و عندما ينظرون إلى بيت المقدس المحتل المدنس لا ينظرون إليه فقط على أنه بناء، و لا ينظرون إليه فقط على أنه آثار، و إنما ينظرون إليه على أنه يمثل تاريخهم، و يمثل وحدتهم، و يمثل معتقدهم، و يمثل مسيرة النبي صلى الله عليه و سلم إلى ذلك المكان، إذاً أستطيع القول بأن النبي صلى الله عليه و سلم بدأ بمجموعة أعمال في المدينة المنورة من أجل قيام هذه الدولة على أسس صحيحة و سليمة.
المذيع:
 و هذه الأعمال المؤسسة في هذه الدولة الفتية هي الأعمال التي تعتبر مثالاً أعلى في كل عصر، و في كل زمان، لأي دولة حضارية راسخة تريد أن تنشر العلم و المعرفة و القيم الإنسانية النبيلة إلى العالم أجمع، و أنها قائمة على أسس من العدل و الحق و المساواة بين أبناء البشر دون النظر كما تقدمت إلى العرق أو اللون أو الدين أو ما شابه.
 دكتور راتب حقيقة الدروس لكل لقطة من لقطات الهجرة النبوية الشريفة تلاحقنا و تبرز أمامنا جلية واضحة، هنا الدرس الكبير العظيم الذي تجلى بحديث فضيلة الدكتور زياد حول قيام هذه الدولة العربية الإسلامية الفتية إبان وصول النبي الكريم محمد عليه الصلاة و السلام إلى المدينة المنورة، هنا الإيمان الذي يسمى الإيمان الحركي البعيد عن السكون، البعيد عن الجمود، لأن الحركة كما يقال بركة، و فيها تطور، و فيها نماء، هنا ما هو الدرس المستقى من هذه الحركة النبوية الشريفة التي ولدت هذه الدولة ؟

 

الدين في مجمله حركة نحو الحق و حركة نحو الخلق :

الدكتور راتب:
 أولاً: الإيمان حركة أن تعطي لله، و أن تمنع لله، و أن تغضب لله، و أن ترضى لله، و أن تصل لله، و أن تقطع لله، ما إن تستقر حقيقة الإيمان في نفس المؤمن حتى تعبر عن ذاتها بذاتها بحركة نحو الخلق، و من أدق الآيات الكريمة قال تعالى:

﴿ وَأَوْصْانِي بِالصّلاةِ والزَّكَاةِ مَا دُمْت حَيّاً ﴾

[ سورة مريم: 31]

 الدين في مجمله حركة نحو الحق اتصالاً و عبادة و ثقة و حركة نحو الخلق، النبي عليه الصلاة و السلام في أثناء هجرته تبعه سراقة ليقتله، و قد وضع مئة ناقة لمن يأتي بالنبي حياً أو ميتاً، كلمة لا يعقل أن نفهمها فهماً سطحياً قال له: يا سراقة كيف بك إذا لبست سواري كسرى ؟ ثقة النبي أنه سيصل و سيؤسس دولة إسلامية و سيحارب كسرى و ستأتيه كنوز كسرى و سيلبس هذا الذي يتبعه ليقتله سوارى كسرى، الإيمان حركة ذلك أن الله عز وجل في آية دقيقة لخص القرآن الكريم كله:

﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ﴾

[ سورة الكهف: 110]

 الدليل:

﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا ﴾

[ سورة الأنفال: 72]

 ما تحركوا، قنعوا بالإسلام، أعجبوا به، لكن لم يتحركوا:

﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا ﴾

[ سورة الأنفال: 72]

 أوضح هذه الفكرة بمثل أن إنساناً مصاباً بمرض جلدي هو بأمس الحاجة إلى أشعة الشمس، قبع في منزل قميء مظلم و قال: ما أشدّ ضياء الشمس! يا لها من شمس ساطعة! لو ملأ الدنيا مديحاً للشمس لا ينتفع بهذا المديح ما لم يتعرض لأشعتها، لذلك أكثر الآيات التي تحدثت عن الإيمان بالله اقترنت بالعمل الصالح.

 

معاني الهجرة :

 الشيء الدقيق الهجرة في مفهومها الضيق أن تنتقل من مكان لا تستطيع أن تعبد الله فيه لأن العبادة سرّ وجودنا:

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الذاريات: 56]

 والعبادة طاعة طوعية مسبوقة بمعرفة يقينية تفضي إلى سعادة أبدية، فحينما تكون في مكان لا تستطيع أن تعبد الله ينبغي أن تنتقل إلى مكان تعبد الله فيه كشأن مكة و المدينة، و لكن كما قال عليه الصلاة و السلام:

(( لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ...))

[متفق عليه عن ابن عباس]

 تبقى الهجرة قائمة إلى يوم القيامة بين كل مدينتين تشبهان مكة و المدينة هذا المعنى الضيق للهجرة، أما النبي عليه الصلاة و السلام فأعطاها معنى واسعاً:

((.....وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ ))

[متفق عليه عن عبد الله بن عمرو]

 و أنت في بلدك إذا تركت المعصية، تركت المنكر، تركت شيئاً مشبوهاً، تركت جلسة لا ترضي الله، تركت نزهة فيها سخط الله عز وجل، تركت كل شيء نهى الله عنه نوع من الهجرة، بل إنه في زمن الفساد حينما يصدق الكاذب، و يؤتمن الأمين، و يخون الصادق، في هذا الزمن كما قال عليه الصلاة و السلام فيما يرويه عن ربه:

((الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ ))

[ مسلم عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ]

المذيع:
 سيدي الكريم المعاني و العبر كثيرة و لكن أقف قليلاً عند الحديث النبوي الشريف الذي ذكرته قبل قليل:

(( لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ...))

[متفق عليه عن ابن عباس ]

 دكتور زياد هذا الحديث النبوي يعطينا درساً بليغاً لابد أن نفهمه فهماً عميقاً حتى نطبقه في حياتنا الآن و نحن نواجه أعتى عدو يحتل أرضنا، و يسوم شعبنا التعذيب و الاضطهاد دون وازع من ضمير، و دون أي رادع، هنا ماذا يجب على من احتلت أرضه أن يفعل تجاه عدوه ؟

ما يجب على من احتلت أرضه أن يفعل تجاه عدوه :

الدكتور زياد:
 الغريب أنه منذ فترة ظهرت بعض الأقوال لبعض الناس يطلبون من أهل فلسطين أن يغادروا أرضهم، و لمَ يغادروها؟ و لمن يتركوها؟ و النبي صلى الله عليه و سلم هو الذي قال و هذا حديث متفق عليه:

((لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ...))

[متفق عليه عن ابن عباس ]

 نحن الآن في مرحلة هجرتنا تكون عندما نقدم لشعبنا و لأهلنا و لإخواننا في فلسطين كل ما نملك، هجرتنا عندما ننهي التمزق و التشرذم من عالمنا العربي و الإسلامي، هجرتنا عندما ننتهي من التخلف و أدواته، و الجهل و أشكاله، و أن نأخذ بكل الأسباب التي تؤدي بنا إلى الرقي و الفلاح، بهذه المناسبة أتوجه أنا من خلال هذه الندوة إلى السيد الرئيس الدكتور بشار الأسد مهنئاً بعيد رأس السنة الهجرية، و مهنئاً و مباركاً جهده و جهاده و هجرته من بلد عربي إلى بلد عربي يجمع الصف العربي لمواجهة إسرائيل، و مواجهة اليهود و من يعينهم على أهلنا في فلسطين، نحن إن لم نفهم الهجرة كما تفضل الأستاذ الكريم بأنها حركة، و أن الذي لا يهاجر هو ميت، الميت عندما يموت انتهى، أما عندما يتحرك العرب و المسلمون باتجاه أهلهم في فلسطين، باتجاه النساء، باتجاه الشباب، باتجاه المقدسات، باتجاه الأرض، باتجاه الكرامة، فهؤلاء يمثلون قول النبي صلى الله عليه و سلم:

((لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ...))

[متفق عليه عن ابن عباس ]

 إذاً لابد لنا من أن نفهم حقيقة بأن كل من يطلب منا أن نبقى في حالة سكون أو أن نجبن أو أن نستسلم بأنه لم يعِ الهجرة، و لم يفهم الهجرة بحال من الأحوال.
المذيع:
 الحقيقة الكثير من الأسئلة تدور حول هذه المعاني، و حول هذه المناسبة العظيمة، و لكن الدقائق تمشي سريعاً في ندوتنا هذه، و يخطر في بالي الآن سؤال يطرح كثيراً في مثل هذه المناسبات و خاصة من بعض المستشرقين الذين يقولون بأن الهجرة النبوية الشريفة هي عبارة عن هروب، هروب من واقع مؤلم إلى واقع أفضل، ما هو تقييمكم لهذه المقولة التي لا تعبر طبعاً عن الحقيقة و إنما هي مجافية للحقيقة؟ ما هو تعقيبكم حول هذه المسألة التي تقرن ما بين الهجرة و الهروب؟

 

الهجرة نوعان؛ هجرة في سبيل الله و هجرة في سبيل الدنيا :

الدكتور راتب:
 الحقيقة أن سيدنا عمر رضي الله عن عمر و هو عملاق الإسلام قال مرة: كنت قد أعددت كلاماً قاله عني أبو بكر، و لخطورة هذه الفكرة في هذه الندوة المباركة أعددت كلاماً في هذا الموقف؛ هناك هجرة في سبيل الله و الدار الآخرة، و هناك هجرة في سبيل الدنيا، أنا أعتقد أن مفهوم الهجرة كهروب من واقع سيئ هو هجرة في سبيل الدنيا، فحينما يرفض المرء الحق و أهله و ينضم إلى الباطل و أهله فقد هرب من واقعه، و نجا بدنياه، و ضحى بآخرته، و حينما يؤثر المرء الدنيا الفانية على الآخرة الباقية فهذا نوع من الهجرة إلى الدنيا و ملاذها، و حينما يفضل الرجل مصالحه على مبادئه، و يفضل حاجاته على قيمه، فهي هجرة في سبيل الدنيا، و هي نوع من الهروب، و حينما تكون الهجرة لدنيا يصيبها أو لامرأة يتزوجها فهي نوع من الهروب و المتعة، و حينما تكون الهجرة بذلاً للخبرات و الطاقات لغير بلاد المسلمين فهي هروب من واقع المسلمين و التجاء إلى المتعة و اللذة، وحينما تكون الهجرة إضعافاً للمسلمين و تقوية لأعدائهم، الخبرات تبذل لأعدائهم، الطاقات تبذل لأعدائهم، فهي نوع من الهروب، و يدفع هؤلاء الذين هربوا ثمناً باهظاً لهروبهم، و حينما تكون الهجرة هروباً من تحمل المسؤولية و فراراً من البذل و التضحية فهي نوع من الهروب، و حينما تكون الهجرة و هذا شيء خطير تمكيناً للعدو من احتلال الأرض، و استثمار خيراتها، فهي نوع من الهروب، و حينما تكون الهجرة من بلد تقام فيه شعائر هذا الدين العظيم إلى بلد فرغت منه كل القيم، و المعاصي تقترف على قارعة الطريق، فهذا نوع من الهروب، و حينما تكون الهجرة تضييعاً للعرض و الدين و كسباً للدرهم و الدينار فهذا نوع من الهروب، إنها في سبيل الدنيا.

خاتمة و توديع :

المذيع:
 الفرق شاسع و كبير جداً ما بين الهجرة بمعانيها العظيمة و ما بين الهروب من واقع إلى واقع آخر.
 الحقيقة الدروس كثيرة و كثيرة و العبر لا تحصى من هذه الحادثة التاريخية العظيمة التي جعلت من أمتنا أمة موحدة مرهوبة الجانب، استمرت بعطائها وبحضارتها المؤسسة على القيم و المبادئ الإنسانية السليمة أربعة عشر قرناً، و ما زالت إلى الآن تعطي نوراً ساطعاً في كل أرجاء الكون، و تنشر الفضيلة و القيم الإنسانية في كل أرجاء المعمورة، نرجو أن نكون قد وفقنا في تقديم بعض اللمحات السريعة من حادثة الهجرة النبوية الشريفة، و ما يدور حول هذا الحدث العظيم من معاني و دلالات عظيمة.
 أعزائي المشاهدين في ختام هذه الندوة أشكر ضيفي الكريمين فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي الأستاذ المحاضر في كلية التربية بجامعة دمشق، و أشكر فضيلة الدكتور زياد الدين الأيوبي مدير إدارة الإفتاء العام و التدريس الديني في وزارة الأوقاف، و أشكر لكم متابعتكم.
 و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته و كل عام و أنتم بخير