مختلفة لسورية الفضائية - الندوة : 04 - العيد 2 العيد يقوي روح الجماعة.

1997-02-09

ـ المقدم:
 سنتحدث الليلة عن الإنسان، هذا المخلوق الأول، المكلف وهو أيضاً مكرم، ما المقصود بعبارة مكلف، وعبارة مكرم، وما هي مقومات التكليف، نبدأ بقضية الإنسان مكلف.
ـ الأستاذ راتب:
ربنا سبحانه وتعالى يقول:

﴿ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)﴾

[ سورة آل عمران] ]

 الله جل جلاله كلفنا بعبادته، يبدو أن سعادتنا كلها بطاعته والوصول إلى جنته، العبادة التي كلفنا بها هي أن نسمو بنفوسنا، لأن الله عز وجل يقول:

 

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9)﴾

 

[سورة الشمس]

 وردت كلمة قد أفلح في القرآن في أربع آيات فقط أحد هذه الآيات قد أفلح من زكاها، تزكية النفس أن تُعرِّفَها بربها وأن تَحملها على طاعته وأن تصطبغ بصبغة الله عز وجل كما قال الله جل جلاله:

 

﴿ صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (138)﴾

 

[سورة البقرة]

 ذكرت في الحلقة السابقة البارحة أن الإنسان يطيع الله عز وجل لكن هذه الطاعة لابد لها من معرفة، لن تكون طاعة قبل أن تكون معرفة المعرفة هي السبب والطاعة هي الأصل أما السعادة هي الثمرة فالطاعة أصل والمعرفة سبب والسعادة ثمرة، الحقيقة لما الإنسان يتحرك في كليات الدين الثلاث معاً، في جانب معرفي وجانب سلوكي وجانب جمالي يتفوق، أما إذا ركز على جانب دون آخر يتطرف.
 يمكن أن يميز الفرق بين التفوق والتطرف، التفوق أن تتحرك في الخطوط الثلاث، الإسلام جانب علمي، ما اتخذ الله ولياً جاهلاً لو اتخذه لعلمه، كن عالماً أو متعلماً أو مستمعاً أو محباً ولا تكن الخامسة فتهلك، فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم، كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، لعالم واحد أشد على الشيطان من ألف عابد العلم لابد منه هذا جانب في الإسلام، الجانب السلوكي الطاعة لله عز وجل، إن لم تنضبط بمنهج الله لن تقطف ثمار هذا الإسلام:

 

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30)﴾

 

﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (112)﴾

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (20)﴾

﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً (71)﴾

[سورة فصلت ـ سورة هود 112ـ سورة الأنفال ـ سورة الأحزاب]

 الجانب الجمالي الإنسان المؤمن الملتزم سعيد في الدنيا.. جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الله عز وجل.

 

فلو شاهدت عيناك من حسننـــا  الذي رأوه لما وليت عنا لغيرنا
ولو سمعت أذناك حسن خطابنا  خلعت عنك ثياب العجب وجئتنا
ولو ذقت من طعم المحبــة ذرة  عذرت الذي أضحى قتيلاً بحبنـا
ولو نسمت من قربنا لك نسمــة  لمت غريب واشتياقاً لقربنـــــــا

 الحقيقة في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الله، في بعض الآيات الكريمة:

 

 

﴿ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (6)﴾

 

[سورة محمد]

 في الدنيا ، هو على جانب من السعادة كيف لا يسعد فهو مع ربه الله سبحانه وتعالى هو كل شيء كل شيء بيده:

 

 

﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (123)﴾

 

 

[سورةهود ]

ـ المقدم:
 والسلامة والسعادة مطلبان ثابتان للإنسان.
ـ الأستاذ راتب:
 أي إنسان على وجه الأرض له مطلبان ثابتان، السلامة والسعادة من منا يحب المرض من منا يحب الفقر، من منا يحب أن يكون في مكان دني، هذا شيء ترفضه النفس البشرية ولكن قد يغيب عن الإنسان أن سلامته في طاعة ربه سلامته في تطبيق تعليمات الصانع، الإنسان إذا انطلق من حبه لذاته يطيع الله، لأن الإنسان مفطور على حب وجوده وسلامة وجوده وكمال وجوده واستمرار وجوده، أي إنسان مفطور على حب وجوده وسلامة وجوده وكمال وجوده واستمرار وجوده، وهذا الوجود وسلامته وكماله واستمراره لا يتحققان إلا بتطبيق تعليمات الصانع، فالإنسان قد ينطلق من حبه لذاته فيطيع ربه، هذه السلامة أما السعادة فلا تكون إلا بالقرب من الله عز وجل، بتطبيق منهج الله يسلم بالاقتراب منه يسعد، بالطاعة يسلم بالعمل الصالح يسعد:

 

﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (110)﴾

 

سورة الكهف]

 إذاً السلامة والسعادة مطلبان ثابتان لكل الناس، لماذا يشقى الإنسان يشقى لأنه يبحث عن السعادة في غير مظانها، من بحث عن اللؤلؤ في الصحراء لن يجد لؤلؤاً، إن لم تبحث عن السعادة في مظانها فلن تصل إليها، السعادة في القرب من الله، دققوا في هذه الآية:

 

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124)﴾

 

[سورة طه]

 و من أعرض عن ذكري فإن له معيشةً ضنكا، هذا كلام خالق الكون

 

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97)﴾

 

[سورة النحل]

 فالحياة الطيبة في طاعة الله والحياة الضنك المتعبة في مخالفة منهج الله، فكل إنسان بفطرته يبحث عن سلامته وسعادته، ولكن المؤمن عرف أسباب السلامة وعرف مظان السعادة.
ـ المقدم:
 ويقال أيضاً أستاذ راتب لا يسعد الإنسان إلا إذا صح عمله ولا يصح عمله إلا إذا عرف سر وجوده، فسر لنا هذا القول لو سمحت.
ـ الأستاذ راتب:
أكبر سؤال يطرح على الإنسان لماذا أنت في الأرض ؟
 ذكرت البارحة، إنسانٌ سافر لماذا هو في هذا البلد، إن كان جاء هذا البلد طالب علم يتحرك نحو الجامعات والمدارس، إن كان جاء هذا البلد تاجراً يتحرك نحو المؤسسات والمعامل، وإن كان جاءه سائحاً يتحرك نحو المقاصف والمتنزهات، الحركة لا تصح إلا إذا عرفت سر وجودك في الأرض، الإنسان موجود ليعبد الله، يعرفه ويطيعه ويسعد بقربه، أريد ألح على هذا التعريف الثلاثي، كلمة يعبد الله يعني يعرفه فيطيعه فيسعد بقربه في الدنيا والآخرة، هذا ملخص الملخص، فحركة الإنسان لا تصح إلا إذا عرف سر وجوده، الإنسان قد يظن السعادة في المال، يعطى المال كل شيء، في وسط حياته يرى أن المال شيء وليس كل شيء، أما في نهاية المطاف يرى أن المال ليس بشيء، هذه الأوهام التي يعيش بها الإنسان أحياناً:

 

﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً (104)﴾

 

[سورة الكهف]

 موضوع التكليف بعبادة الله عز وجل هو الذي يعين الإنسان على إسعاد نفسه وعلى طلب سلامته.
ـ المقدم:
 أستاذ راتب في هذا الشهر الفضيل الذي مر تتبلور سلوكيات محددة ينتهي رمضان ويأتي العيد ويكافئ الإنسان نفسه أو يكافئه رب العالمي بالفرح والسعادة، لماذا لا يكون في حياة الإنسان أشهر أخرى مشابهة جداً أو رمضان آخر ؟
ـ الأستاذ راتب:
 والله أعلم .. حينما أمرنا الله عز وجل أن نعبده في رمضان وأن نتدرب على طاعته لكي تصفو نفوسنا مع ربنا أراد من هذه العبادة أن تنسحب على بقية الشهور، كأني أرس ذلك في خط بياني قفزة نوعية في رمضان مستمرة طوال العام إلى رمضان ثان، قفزة نوعية ثانية مستمرة أما هذا الذي ينضبط في رمضان ويتفلت بعد رمضان كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً، وهذا أن المنافق كالناقة حبسها أهلها فلا تدري لا لما حبست ولا لما أطلقت، لا لما صام ولا لما أفطر، هذا الصيام الذي فيه ترك الطعام والشراب فقط، هو المستوى الأدنى الذي لا يقبل من الصائم، " من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه ".
 أرادنا الله أن نصفوَا معه في رمضان لينسحب هذا الصفاء إلى بقية العام، اصطفى البيت الحرام ليشيع الصفاء في كل مكان، اصطفى سيد الأنام ليكون كل إنسان على شاكلة هذا الصفاء، الحقيقة لا يعقل أن يستقيم الإنسان في رمضان ويتفلت بعد رمضان، إذاً ما فعل شيئاً، هذا لا يليق بإنسانيته، أراده الله أن يتابع، يفطر عن الطعام والشراب أما يستمر في كل الطاعات التي التزمها في رمضان.
ـ المقدم:
 أيضاً بالنسبة إلى العيد، العيد عالمياً له الصبغة أو الصفة الجماعية وهنا نلاحظ شيئاً من الفردية، فرد أو مجموعة أو أسرة، لكن هناك فرح بيت واسع ساحات، أرجو أن نقارن هذه هل هذا السبب، العيد حالة جماعية في مختلف دول العالم، وعندنا أيضاً تاريخياً كان له الصفة الجماعية، الآن نراه محدود جداً.لماذا ؟
ـ الأستاذ راتب:
 الإنسان إذا تراجع عن منهج ربه ينتمي إلى فرديته، وإذا أقبل على طاعة ربه ينتمي إلى روح الجماعة التي أودعها الله في، فالإنسان بين فرديته وجماعيته، وهناك توازن بينهما، فطاعة الله تقتضي أن تكون مع الناس،الأنبياء عاشوا مع الناس كي يعرفوا مشكلاتهم كي يأخذوا بيدهم إلى الله عز وجل، هذا الذي يخرج من المجتمع، يتقوقع ببيته لا يعنيه أحد، ورد ببعض الأحاديث أنه " من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم "، إذا الإنسان حينما ينتمي إلى فرديته يبتعد عن المجتمع، أما إذا اقترب من المجتمع بنية إصلاحه، لأن الله عز وجل قال:

 

﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108)﴾

 

[سورة يوسف]

 فالإنسان إذا أراد أن يدعو إلى الله لابد أن يعيش بينهم ويضع يده على جراحاتهم على مشكلاتهم كي يعالجها، سيدنا عمر رضي الله عنه ادخل أحد الشعراء السجن لأنه قال بيتاً أهجى بيتاً قالته العرب، ما هو البيت:
دع المكارم لا ترحل لبغيتها وقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
 أن دع المكارم لا ترحل لبغيتها وقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي، هذه مشكلة كبيرة، الإنسان المؤمن يخرج من ذاته إلى الآخرين، يبدو أن المقياس الذي يرفع الإنسان عن الله بمقدار نفعه للمجتمع، الأنبياء ماذا فعلو، أعطوا كل شيء ولم يأخذوا شيء، يا من جئت الحياة فأعطيت ولم تأخذ شيئاً.
ـ المقدم:
 هناك موضوع هام للغاية يذكر في خطبته يقال أن جون كندي قال عبارة مشهورة، أيها الأمريكيون لندع التفكير بما نستطيع أن نأخذه من هذا البلد ونفكر فيما نستطيع أن نعطيه، عبارة هامة جداً.
ـ الأستاذ راتب:
 قدم أحدهم كتاباً حول سيرة النبي الكريم فقدم هذا الكتاب بعبارات أعجبتني:
ـ يا من جئت الحياة فأعطيت ولم تأخذ.
ـ يا من قدست الوجود كله ورعيت قضية الإنسان.
ـ يا من زكيت سيادة العقل ونهنهت غريزة القطيع.
ـ يا من هيأك تفوقك لتكون واحداً فوق الجميع فعشت واحداً بين الجميع
 ذكرت لك أن النبي الكريم في غزوة بدر كانت الرواحل قليلة فالصحابة الكرام ألف والرواحل ثلاثمائة، فقال كل ثلاثة على راحلة وأنا وعلي وأبو لبابة على راحلة، ركب النبي الناقة نوبته، فلما جاء دوره في المشي توسلا صاحباه أن يبقى راكباً، فقال عليه الصلاة والسلام ما أنتما بأقوى مني على المسير ولا أنا بأغنى منكما عن الأجر فروح الجماعية جزء من الدين
ـ المقدم:
 الإنسان هو الأساس في كل العملية الروحانية والسلوكية والدينية نرى أن الإنسان هو غاية الحياة لنعلق على هذا الموضوع.
ـ الأستاذ راتب:
 الإنسان إذا كان معذباً كان شقياً ما قيمة التقدم العمراني ما قيمة أي تقدم إن لم يكن الإنسان هو الأصل وهو مركز الثقل في كل حركة نحو الأحسن، أيمكن أن تكون حياة على أنقاض الإنسان، أبداً، الإنسان هو الأصل، ورد في بعض الأحاديث، لئن أمشي مع أخٍ في حاجته خير لي من عبادة شهر وصيامه، كان بن عباس صحابي جليل معتكف في مسجد رسول الله، رأى رجلاً كئيباً، قال مالي أراك كئيبا، قال والله ديون لزمتني لا أطيق سدادها، قال لمن قال لفلان، قال أتحب أن أكلمه لك، قال إذا فعلت، فخرج ابن عباس من معتكفه، فإنسان فضولي كما هي العادة في كل مجتمع، قال له يا ابن عباس أنسيت أنك معتكف، قال لا والله أنا معتكف وما نسيت ذلك، ولكني سمعت صاحب هذا القبر والعهد به قريب ودمعت عيناه، " والله لئن أمشي مع أخ لي في حاجته خير لي من صيام شهر واعتكافه في مسجدي هذا "، المؤمن الحق يخرج من ذاته إلى خدمة عباد الله، هذا مقياس أساسي، " الخلق كلهم عيال الله وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله "، وهذا مقياس التفوق في الآخرة
ـ المقدم:
 هذا المجتمع يحتاج إلى نهضة إلى حالة تماسك إلى حال قوة وخاصة أنَّ كل فرد فيه مستهدف، فنحن نعيش حالة غير عادية أمام عدو يستهدف وجودنا، أي شيء في هذه المناسبة بالذات، لا نتذكر الفرح السعادة فقط بل نتذكر الأشياء الأساسية التي تستهدفنا، أرجو التحدث في هذا الموضوع.
ـ الأستاذ راتب:
 لابد من أن يقوم المجتمع على أسس سليمة الإنسان حينما يكون معززا مكرماً تلبى حاجاته، نحن في رمضان نذكر آية الزكاة:

 

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103)﴾

 

[سورة التوبة]

 الفقير حينما يرى مجتمعه يهتم به، والغني حينما يعطي من ماله ويشعر بنمو في نفسه، هذا المال الذي يعطيه الغني للفقير، أولاً تزكو نفس الفقير و تشعر بقيمتها، وتزكو نفس الغني، يشعر أنه قدم شيئاً ثميناً، ليس بالخبز وحده يحيى الإنسان، الإنسان يحيى بعمل صالح يشعر بقيمته يؤكد ذاته بعمله صالح.
ـ المقدم:
مرحلة تكافل وتضامن اجتماعي.
ـ الأستاذ راتب:
 نعم و تطهره هذا المال يطهر نفس الفقير من الحقد، الإنسان حينما يكون معذباً، سيدنا علي يقول " كاد الفقر أن يكون كفراً "، ما ذهب الفقر إلى بلد إلا قال له الكفر خذني معك، النبي الكريم أثنى على الذي يعمل بجد ونشاط، " المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير " الإنسان حينما يرى مجتمعه مهتماً به، إذا كان هناك تكافئ فرص دائماً، و العبرة أن نفجر طاقات الإنسان، كيف نفجرها، بأن نعلمه وأن نهيئ له حياته الكريمة، أعط الإنسان رغيف خبزه وكرامته وخذ منه كل شيئ، حتى الإنسان يعطي يجب أن تعطيه حقه، أنا أذكر أن المجتمعات الإسلامية في العصور المزدهرة كانت في درجة من التكافل والتضامن والتعاون من الصعب أن يتصورها الإنسان بسبب أن هذا المنهج الصحيح طبق، لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.
ـ المقدم:
 على الصلح وعلى فكرة التطوير والانتعاش أو العافية الاجتماعية نلاحظ في مجتمعنا ظاهرة تسيب، لا اهتمام، فردية، بعض الأشياء التي يجب أن لا نخجل بالحديث عنها، أرجو مخاطبة هذا الموضوع بالذات ولا أقول ماذا يجب أن نفعل ولكن تشخيص لهذه الحالات وأيضاً توصيف لأسس أو منهجية يثق بفكر الإنسان عقل الإنسان، يكون عقله آلي يتعامل مع آخر المبتكرات خالقاً منهجية محددة، أرجو إيضاح ذلك
ـ الأستاذ راتب:
 في الإنسان وازع ورادع، الوازع داخلي والرادع خارجي، انقطعت الكهرباء في مدينة نيويورك منذ عدة أعوام تمت مائتا ألف سرقة في ليلة واحدة، فمجتمع مبنيٌ على الروادع الخارجية هذا المجتمع منهار من الداخل، لكن حياناً تجد في مجتمع ملتزم أمور بسيطة جداً، أنا أضرب مثلاً، سيدنا بن عمر رأى راعي شياه قل بعني هذه الشاة وخذ ثمنها قال ليست لي، قال قل لصاحبها ماتت، قال ليست لي قال خذ ثمنها قال والله إنني لفي أشد الحاجة إلى ثمنها ولو قلت لصاحبها ماتت أو أكلها الذئب لصدقني فإني عنده صادق أمين لكن أين الله. أنا أرى أنه لابد أن ينمو الوازع الداخلي حتى نعالج قضية التسيب وقضية الهدر وقضية الهروب من المسؤولية، وقضية أن تبني مجدك على أنقاض الناس هذه يحتاج إلى وازع داخلي، الروادع الخارجية قد لا تكفي، مهما تقدم العلم ووصل إلى طريقة للضبط، في بعض الطرق بأمريكا هناك أجهزة رادار تكشف السرعة الزائدة، والإنسان ذكي اخترع جهاز يكشف عمل الجهاز فاضطر المسؤولون أن يخترعوا جهازاً يكشف هذا الجهاز الذي في السيارة، معركة لا تنتهي بين عقلين، أما إذا كان المنهج إلهي والإنسان بنى حياته على وازع داخلي، انتهى التسيب انتهى الانحراف انتهى التجاوز انتهى كل شيء، لأن هذا المنهج منهج خالق الإنسان علاج التسيب أن ننمي الوازع الداخلي، لن نكون مع هذا العامل في معمله.
ـ المقدم:
 وكيف ننمي هذا الوازع الداخلي والحياة مليئة بالمغريات والحياة مليئة بالأشياء التي تكرس حالة الأنانية، وكيف ينمو والعقل الإنساني ومنهجية هذا العقل لا تُستخدم وللأسف ؟
الأستاذ راتب:
 لابد من أن نرجع إلى ما قلنا سابقاً العلم لا يمكن أن يبدأ النهوض إلا عن طريق تعليم الصغار، لا يمكن أن نتقدم إلا أن نبدأ بهؤلاء الصغار، نغرس فيهم الروح الجماعية، النظرة الموضوعية، الإحساس الأخلاقي، الاعتزاز بماضي هذه الأمة، لابد من وازع داخلي يحرك الفرد، الإنسان آلة يتحرك بسرعة عجيبة، إذا ما في مقود فالحادث حتمي، الشهوات قوة اندفاع شديدة جداً، تحتاج إلى عقل والى مثبت والى روادع والى حوافز وإلا نقع في شر أعمالنا، نحن نريد أن نبني جيلاً على أسس سليمة على أسس من النظرة الموضوعية العلمية، من الإحساس الأخلاقي من الشعور الجماعي من إدراك المسؤولية من أن نعيش كواحد في فريق، الإنسان أيام يستقطب، والإنسان يحمله الناس.
ـ المقدم:
في المدرسة ماذا نفعل ؟
ـ الأستاذ راتب:
 يجب أن نعتني قبل كل شيء بالمعلمين، هؤلاء هم الذين سيبثون كل شيء، المعلم الابتداء هو حجر الزاوية في الإصلاح، المعلم ينبغي أن يكون موفور الكرامة واسع الأفق واسع الثقافة يرى مهنته رسالة وليست حرفة يرتزق منها، لابد من أن يرى عمله رسالة يؤديها مقدسة جداً لأن من شب على شيء شاب عليه ومن شاب على شيء مات عليه ومن مات على شيء حشر عليه، هذا الذي أرجو أن يكون واضحاً.
ـ المقدم:
 يبدو أستاذ راتب أخذنا الحديث بموضوع آخر ونسينا إلى حد ما الحديث عن مقومات التكليف وهو موضوع حساس وأساسي أرجو أن تحدثنا عنه.
ـ الأستاذ راتب:
 الله جل جلاله ما كلفنا أن نعبده وما أمرنا بتزكية نفوسنا إلا بعد أن أعطانا مقومات هذا التكليف، أول هذه المقومات كون مسخر للإنسان تسخير تعريف وتكريم، رد فعل التعريف الإيمان ورد فعل التكريم الشكر، وقد قال الله عز وجل:

 

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً (147)﴾

 هذا الكون، أحدث خبر اطلعت عليه من محطة أخبار عالمية أنه أرسل مركبة إلى المشتري بقيت تسير ست سنوات بأعلى سرعة وصلها الإنسان أربعين ألف ميل بالساعة، على هذه المركبة مرصد عملاق اكتشف أبعد مجرة تبعد عنا ثلاثمائة ألف مليون بليون سنة ضوئية، قال تعالى:

 

 

﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76)﴾

 

[سورة الواقعة]

 بينما أقرب نجم ملتهب إلى الأرض يبعد عنا أربعة سنوات ضوئيـــــــة( ثلاثمائة ألف بليون ) لو أردنا أن نصل إلى هذا النجم لاحتجنا إلى خمسين مليون عام، النجم القريب، فكيف البعيد، هذا الكون ينطق بوجود الله ووحدانيته وكماله.
 الإنسان في رأسه ثلاثمائة ألف شعرة في كل شعرة وريد وشريان وعصب وعضلة وغدة دهنية وغدة صبغية، في دماغ الإنسان مائة وأربعين مليون خلية استنادية سمراء لم تعرف وظيفتها بعد، القلب يضخ ثمانية أمتار مكعبة في اليوم، ( وفي أنفسكم أفلا تبصرون) هذا الكون مسخر للإنسان تسخير تعريف وتكريم، فإذا عرف الله وشكره حقق الغاية من وجوده، عندئذ يتوقف العلاج

 

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً (147)﴾

 

[سورة النساء]

 هذا المقوم الأول، الثانية العقل، العقل أداة معرفة الله، مبادئه ثلاث مبدأ السببية والغائية وعدم التناقض، هذه المبادئ تتوافق مع أنظمة الكون.
الشيء الثالث الفطرة، تحدثت عنا البارجة، فالإنسان مجبول جبلة تكشف خطأه ذاتياً.
الشيء الرابع التشريع، التشريع مقياس مركزي نقيس به العقل والفطرة، الحسن ما حسنه الشرع والقبيح ما قبحة الشرع.
 ثم الشهوات أودعها الله بنا لنرقى بها إلى رب الأرض والسماوات هي حيادية، إلا أنها سلم نرقى به أو دركات نهوي بها، كالوقود السائل في السيارة إذا كان في مستودعاته المحمية وسال في أنابيبه المحكمة وانفجر في الوقت المناسب وفي المكان المناسب ولد حركةً نافعة، أما إذا خرج عن مساره وأصابت المركبة شرارة أحرقت المركبة ومن فيها فالشهوات قوة انفجار لابد من ضبطها بمنهج.
 ثم حرية الاختيار من أجل تثمين العمل بالشهوات نرقى إلى الله نرقى مرة صابرين ومرة شاكرين، وما أودع الله فينا شهوة إلا وجعل لها قناةً نظيفة تسري خلالها، أما الاختيار من أجل أن يثمن عملنا، نحن إذا أُجبرنا على الطاعة بطل الثواب ولو أجبرنا على المعصية بطل العقاب ولو تركنا هملاً لكان عجزاً في القدرة إن الله أمر عباده تخييراً ونهاهم تحذيراً وكلف يسيراً ولم يكلف عسيراً وأعطى على القليل كثيراً.
فالكون والعقل والفطرة والمنهج وحرية الاختيار والشهوة هذه مقومات التكليف وهذه تحتاج إلى بسط وتفسير.
ـ المقدم:
 الحقيقة أستاذ راتب كل كلمة من الكلمات التي قلتها في مقومات التكليف تحتاج إلى ساعات وساعات من التمحيص والتدقيق والشرح والاستبانة.