الدرس : 4 - سورة الرحمن - تفسير الآيات 26-30

1996-01-05

 الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً وأرنا الحق حقاً وارزقنا أتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الأخوة المؤمنون: مع الدرس الرابع من سورة الرحمن، ومع الآية التاسعة والعشرين.

 بسم الله الرحمن الرحيم

 يقول الله عزّ وجل في الآية السادسة والعشرين:

﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾

 ظن الملائكة بأن كل من على الأرض فان فقط:

 ماذا نستفيد من هذه الآية ؟ ربنا سبحانه وتعالى يُعلِمُنا أن كل من على الأرض فان، لأن الله سبحانه وتعالى في مطلع السورة قال:

﴿ وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ﴾

 فلما قال:

 

﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا﴾

 الهاء هنا تعود على الأرض.

 

﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾

 فظن الملائكة أن كل من على الأرض فجاء قوله تعالى:

﴿ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾

( سورة القصص: آية 88 )

 فوائد فناء الخلق:

1 ـ الخلق كلهم متساوون:

 أيها الأخوة: يجب أن نقف وقفةً متأنيةً عند هذه الآية، فناء الخلق ماذا يفيدنا ؟ أول فائدةٍ تُستفاد من فناء الخلق أن الخلق كلَّهم سوف يتساوون، فالموت يُلغي غِنى الغَني، ويلغي فقر الفقير، ويُلغي قوة القوي وضعف الضعيف، يلغي صحَّة الصحيح ومرض المريض، يُلغي وسامة الوسيم ودمامة الدميم، كل شيءٍ يُلغى في الموت، يعود الإنسان كأي إنسانٍ خلقه الله عزّ وجل ؛ العظماء، الكبراء، الأغنياء، الجبابرة، الملوك، الضعفاء، المَرضى، المقهورون، المستضعفون..

﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾

 هذا هو المعنى الأول.

 2 ـ فناء الخلق سبب لانتقالهم إلى الدار الآخرة:

 المعنى الثاني أيها الأخوة: أن الإنسان حينما يفنى فناؤه سببٌ لانتقاله من دارٍ إلى دار، إن فناء الخَلق سببٌ لانتقالهم إلى الدار الآخرة، وشتَّان بين الدارين، دارٌ دُنيا، ودارٌ عُليا، دارٌ أساسها الفناء، ودارٌ أساسها البقاء، دارٌ أساسها الهمّ والحزن، ودارٌ أساسها الطُمأنينة والأمل، دارٌ أساسها الكَدُّ والسَعْيُ، ودارٌ أساسها العطاء، دارٌ أساها التكليف ودارٌ أساسها التشريف، دارٌ أساسها العمل ودارٌ أساسها الجزاء، فلولا الفناء لما انتقلنا إلى الدار الآخرة.
 والحقيقة: الدنيا إعدادٌ للآخرة لكن الحياة التي تُمثِّل كَرَمَ الله عزّ وجل وعطاءه الأبدي السرمدي هي الدار الآخرة، العظيم إذا أعطى لا يأخذ، لكن كل عطاء الدنيا سوف يؤْخَذ، هل يبقى شيء ؟ هل يبقى المال ؟ هل يبقى العزُّ والسلطان ؟ هل يبقى الشباب المتألِّق ؟ هل يبقى التمتُّع بملاذ الدنيا ؟ أتتناسب الدنيا مع كرم الله عزّ وجل ؟ الموت يُنهي كل شيء ؛ ينهي غنى الغني، ينهي فقر الفقير، ينهي قوة القوي، ينهي ضعف الضعيف، ينهي صحة الصحيح، مرض المريض، وسامة الوسيم، دمامة الدميم، يُنهي كل شيء.

﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾

 الأحمق من يعلق آماله على الدنيا:

 الشيء الأول الذي يُستفاد من فناء الخَلق أنهم سوف يتساوون مساواةٌ تامّة، ما الفرق بين أن يموت إنسانٌ فقيرٌ ضعيفٌ ويوضع في حفرةٍ، وبين أن يموت ملكٌ قوي ويوضع في حفرة وينتهي الأمر، وبعد حين تفنى الجُثتان ؟ استوى العظيم مع الصغير، استوى الغني مع الفقير، الموت يسوِّي بيننا جميعاُ، الموت سببٌ لانتقال الإنسان من دار العمل إلى دار الجزاء، من دار التكليف إلى دار التشريف، من دار الفناء إلى دار البقاء، من دار المتاعب إلى دار الطُمأنينة، النبي عليه الصلاة والسلام في إحدى خطبه يقول:

(( إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء، ومنزل ترحٍ لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى وجعل الآخرة دار عُقبى ))

 الآخرة دار استواء و فرح، فالذي يلفت النظر أن الإنسان يعلِّق آماله الكبيرة على الدنيا وحياته منوطةٌ بسيولة دمه فإذا تجَمَّد بضعٌ من دمه في شرايينه يقول لك: أصابته جلطةٌ ومات، إذا تجمَّدت نقطة دمٍ في دماغه يقول لك: خثرة دماغية، شُل شللاً نصفياً، غاب عن الوعي، فقد نُطقه، فقد ذاكرته، فهذا الذي يُعَلِّق الآمال على الدنيا على أي شيءٍ يرتكز:

 

﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾

 

 الوقت أغلى شيء في حياة الإنسان:

 أيها الأخوة: والله العقل كل العقل، والفلاح كل الفلاح، والذكاء كلُّ الذكاء، والتوفيق كل التوفيق، والتفوُّق كل التفوق في العمل للآخرة، ألم يقل النبي عليه الصلاة والسلام:

(( الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ ))

( من سنن الترمذي: عن شداد بن أوسٍ )

 نحن في هذا المسجد المتواضع كم أخ غادرنا في هذه السنوات العشرين ؟ كم أخ كان معنا ثم غادرنا ؟ هكذا الحياة الدنيا، من منا يضمن أن يعيش ساعةً بعد هذه الساعة ثانية ؟ الموت يأتي بغتةً، فلذلك عندما يقول ربنا عزّ وجل:

﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾

 أي أن أيها الإنسان احرص على الوقت، الإنسان حينما يستيقظ معنى ذلك أن الله سمح له أن يعيش يوماً جديداً، ما من يومٍ ينشَقُّ فجره إلا وينادي: يا ابن آدم أنا خلقٌ جديد وعلى عملك شهيد فتزوَّد مني.

 العمل الصالح أساس النجاة من النار:

 لو أن الإنسان حاسب نفسه كل يوم مساءً، ماذا فعلت من عملٍ ينفعني بعد الموت ؟ ماذا فعلت من عملٍ ينفعني في الدنيا ؟ فالإنسان في حركة دائمة، يتحرَّك دائماً لكسب المال، لتحقيق مصالحه في الدنيا، ولكن السؤال المُحْرِج هذا اليوم قد انقضى قبل أن ينام: ماذا فعلت فيه من عملٍ ينفعني بعد الموت ؟ هل طلبت علماً ؟ هل علَّمت علماً ؟ هل أمرت بمعروف ؟ هل نهيت عن منكر ؟ هل قرأت القرآن ؟ هل ذكرت الواحد الديَّان ؟ هل نصحت مسلماًُ ؟ هل أعنت فقيراً ؟ هل عُدت مريضاً ؟ هل شَيَّعت جنازةً ؟ هل مسحت رأس يتيم ؟ هل اعتنيت بامرأةٍ أرملةٍ من أقربائك من محارمك، اعتنيت بها، أمَّنت لها حاجاتها ؟ ماذا فعلت من عملٍ ينفعك بعد الموت ؟

﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾

 المعاصي و الطاعات تنتهي و يبقى المسؤولية و الثواب:

 توجد ملاحظة ثالثة أيها الأخوة: المعاصي إذا توهَّم المتوهِّمون أن لها لذائذ فإن هذه اللذائذ تنقضي وتبقى المسؤولية.

﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾

 والطاعات إن كانت ذات كُلفة وذات مشقَّة تنقضي المشقَّة ويبقى الأجر والثواب، تماماً كما لو أن طالبين أحدهما أمضى العام الدراسي مع أصدقائه وفي نزهاتٍ وفي سهراتٍ باطلةٍ، ثم جاء الامتحان، والثاني أمضى العام الدراسي في جِدٍ وتعبٍ واجتهاد وسهرٍ وكَد، الامتحان هو الفيصل الذي نجح بتفوق ينسى كل أتعابه وتبقى لذَّة الفوز، والذي رسب ينسى كل لذائذه ويبقى خزيّ الرسوب.

﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾

 الفناء يسوِّي بين الناس.

﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾

 الفناء سبب لنقلة الإنسان من دار الفناء إلى دار البقاء:

 الفناء سببٌ لنقلة الإنسان من دار الفناء إلى دار البقاء، فالإنسان أحياناً يكون ساكناً في بيت صغير قميء مظلم، متألمِّ أشد الألم، ضيِّق، فجأةً لسببٍ أو لآخر ينتقل لبيتٍ واسع مشرف له إطلالة وفيه كل حاجات الإنسان.
 أيها الأخوة: هذا السبب الذي نقله من هذه الدار إلى تلك الدار سببٌ مؤلمٌ أم مفرح ؟ مفرح. لذلك المؤمن ينتقل من الدنيا إلى الآخرة كما ينتقل الجنين من ضيق الرحم إلى سعة الدنيا، كيف أن المؤمن ينتقل من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، الدُنيا ضيِّقة إلى سعة الآخرة كما ينتقل الجنين من ضيق الرحم (سبعمئة وخمسين سنتيمتر مكعب) إلى سعة الدنيا، يسافر إلى كندا، إلى اليابان، يركب الطائرات، يرى القارَّات الخمس، يرى البحار، كان في الرحم، وكذلك المؤمن ينتقل من ضيق الرحم إلى سعة الدنيا، كذلك المؤمن ينتقل من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة كما ينتقل الجنين من ضيق الرحم إلى سعة الدنيا، فالفناء سبب الانتقال، والفناء سبب المساواة، والفناء يعني أن الوقت محدود.

 الموت نهاية العمل الصالح:

 تصور طالباً في الامتحان معه ثلاث ساعات (الآن ساعتين) وهذه مادة أساسية ويعلِّق آمالاً عريضةً على نجاحه في هذه المادة، هل من الممكن في هاتين الساعتين أن يصلِّح ساعته ؟ أو أن يعبث بقلمه ؟ أو أن يُصلح ثوبه ؟ أو أن يمتنع عن الكتابة ؟!! الوقت محدود، ما دام هناك نهاية للوقت وهذا الوقت ثمين وفيه مهمة خطيرة، فلما ربنا عزّ وجل يقول لنا:

﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾

 يعني أيها الإنسان إنَّك ميت وعندما يموت الإنسان يُختَم عمله، ليس هناك من عملٍ صالحٍ بعد الموت، لا توجد أعمال صالحة ؛ لا يوجد مال، لا يوجد وقت تصلِّي فيه، ولا في وقت تتعلم فيه، ولا في وقت تعلِّم فيه، ولا في وقت تنصح الناس، ولا في وقت تبذل مالك، ولا في وقت بالأساس تنفقه.

﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾

(سورة الفاتحة )

 خُتِم العمل.

 العاقل من يستعد للموت بالتوبة النصوح:

 عندما يقول ربنا عزّ وجل:

﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾

 أي أن الوقت ضيق، والحقيقة أيها الأخوة الكرام نحن زمن، نحن في حقيقتنا الأساسية زمن، ومُضِيُّ الزمن يستهلكنا، وكل واحد كلّما عاش يوماً قلَّ عمره يوماً، تماماً كقطارٍ انطلق من محطةٍ وسيقف في المحطة التالية، فكل دقيقة تقرِّبه من المحطة التالية، فالأولى بالإنسان أن يَعُدَّ عمره عدَّاً تنازُلياً، وكل واحد وصل إلى الأربعين هناك سؤال محرج وسؤال خطير، وهذا السؤال: هل بقي بقدر ما مضى ؟ فكلكم يعلم كلما مات رجل فاسألوا عن عمره، اثنين وستين، تسعة وخمسين، ثلاثة وخمسين، تسعة وأربعين، أربعة وسبعين، أما ثمانين قلائل جداً، النبي يقول: معترك المنايا بين الستين والسبعين. سيِّد الخلق عاش ثلاثة وستين سنة، فإذا شخص بلغ الأربعين معنى هذا أن الذي بقي أقل مما مضى، والذي مضى فإنه مضى كلمح البصر، إذاً الذي بقي يمضي مثله، فهذا الموت آتٍ لا محالة، كلّما ازداد عقلك، وكلّما ازدادت بصيرتك تستعد له، لا أحد يستطيع أن يُلغي الموت، ولا أحد يمكن أن يُنكر الموت، لا إنكار ولا إلغاء، ولكن الإنسان يستعد للموت بالتوبة النصوح، بالعمل الصالح، بطلب العلم، بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بالدعوة إلى الله، بخدمة الخلق، بعملٍ تبتغي به وجه الله.

 إشارات الله إلى الإنسان بأن اللقاء قد اقترب:

 أيها الأخوة الكرام: بعض الأحاديث أكررها كثيراً، يقول عليه الصلاة والسلام:

(( بادروا بالإعمال الصالحة فماذا ينتظر أحدكم من الدنيا ))

 هذه الدنيا لو تمتَّعت بها ؛ بالمال، بالصحة، بالجاه، بالزوجة، بالأولاد، كل شيء على ما يُرام، سؤال واقعي: هل بإمكانك أن تعيش على هذه الحال إلى أبد الآبدين ؟ هل من الممكن أو هل في الإمكان أن تستيقظ كل يوم كاليوم السابق لا يوجد فيك شيء ؟ لا، فالذي أراه من خلال التجارب عندما الإنسان يدنو أجله يُصاب بعطب في أجهزته، قد يبدأ العَطب من كُليتيه، أو من كبده، أو من قلبه، أو من دماغه، أو من أعصابه، أو من جرثومٍ أصابه، أو من حادثٍ حدث له، فالموت لا بُدَّ واقع وله مقدِّمات، ولكن من رحمة الله جلَّ جلاله علينا أن الإنسان بعد الأربعين خَطُّه البياني يهبط، يضطر إلى وضع نظارة على عينيه، يشيب شعره، ينحني ظهره، يشعر بألمٍ في مفاصله أحياناً، ما معنى ذلك ؟ كان من الممكن أن تبقى نشيطاً شاباً إلى ساعة الوفاة، لكن الله أراد للإنسان أن ينزل خَطُّه البياني لعلَّه يتذكَّر أنه سيلقى الله، فهذا ضعف البصر، وضعف السمع أحياناً، ووهن القِوى، وانحناء الظهر، وشيب الشعر، إشاراتٌ لطيفةٌ لطيفة من الله أن يا عبدي قد قَرُبَ اللقاء فماذا أعددت لهذا اللقاء ؟

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾

 

(سورة الحشر )

 محاسبة الله للإنسان يوم القيامة:

 ماذا أعددت للدار الآخرة ؟ ماذا أعددت ليوم القيامة ؟ ماذا أعددت وأنت واقفٌ بين يدي الله عزّ وجل ؟ يقول لك: يا عبدي منحتك الوجود، منحتك السمع والبصر والفؤاد، أعطيتك مالاً، أعطيتك زوجةً، رزقتك أولاداً، ماذا فعلت ؟

﴿ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾

( سورة المدثر )

 الناس ركَّبوا صحون فركبنا صحناً، سهروا حتى الساعة الخامسة بعد الفجر ولم يصلوا وفعلنا مثلهم.

﴿ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (47) فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾

( سورة المدثر )

 يقول الله عزّ وجل لعبدٍ أعطاه مالاً:

(( أن عبدي أعطيتك مال فماذا صنعت فيه ؟ يقول: يا رب لم أنفق منه شيئاً مخافة الفقر على أولادي من بعدي، فيقول الله له: ألم تعلم بأني الرزاق ذو القوة المتين ؟ إن الذي خشيته على أولادك من بعدك قد أنزلته بهم...))

( ورد في الأثر )

﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾

 القلب ينبض فاغتنم القيام بالأعمال الصالحة:

لا أحد منَّا سيبقى بعد مئة عام وربما بعد خمسين عاماً لا يبقى أحد، وقد أتى في الدهر يومٌ لم نكن نحن جميعاً شيئاً مذكوراً وسيأتي يومٌ ننتهي، كلنا تحت أطباق الثرى، ألا تقرءون التاريخ، أين الرومان ؟ أين الأقوام السابقة ؟ الآراميين، الكَلدانيين، الكَنعانيين، أين هؤلاء الذين كانوا في هذه البلاد طولاً وعرضاً ؟ طواهم الردى وأصبحوا خبراً، والله قال:

﴿ وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾

(سورة المؤمنون: آية 44 )

 نحن الآن في حياة، القلب ينبض، فأنت الآن حر، أنت الآن تملك الوجود، أنت موجود وتملك حرية الاختيار، وتملك طلب العلم، وتملك معرفة الحقيقة، فماذا تصنع ؟ أم ماذا كنتم تعملون ؟

 معرفة كتاب الله هدف لا يعلو عليه هدف:

 أيها الأخوة الكرام: والله ما من عملٍ أخطر ولا أعظم من أن تعرف الحقيقة، أن تعرف من أنت ؟ أنت كائن لماذا خلقك الله عزّ وجل ؟ لماذا جاء بك إلى الدنيا ؟ فهل يوجد إنسان يسافر إلى بلد على وجه الأرض وينام في أحد الفنادق ويستيقظ ولا يدري لماذا هو في هذا البلد ؟ يوجد هدف كبير يقول لك: رحلة سياحية (سائح )، رحلة تجارية (تاجر) رحلة علمية، توجد كلمة واحدة، سافر إلى فرنسا ليدرس الطب في جامعة السوربون، من أول حركة ؛ إعداده لأوراقه، نشاطه، مخططه، هدفه طلب العلم، والثاني هدفه التجارة، والثالث هدفه السياحة، فإنسان في الأرض هو في الأرض ؛ يأكل، ويشرب، وينام، ويعمل، ولا يدري لماذا هو في هذه الدنيا ؟ هذا هو أجهل الجَهل، وهذا هو الجهل الخطير ألاَّ تعرف لماذا أنت في الدنيا، هذا الذي يتحرَّك بحكم أنه حيّ.

(( مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين ))

( رواه النسائي عن ابن عمر )

(( مثل المنافق في الصيام كمثل الناقة حبسها أهلها فلا تدري لا لما حبست، ولا لما أطلقت ))

 يعيش على هامش الحياة، إنسان الله أودع فيه عقلاً، أعطاه حرية اختيار، أنزل له كتاباً من السماء فيه بيان كل شيء، هذا القرآن منهجنا، كتابنا، كتاب ربنا، بيَّن لك آياته، بيَّن لك تشريعه، بيَّن لك المصير، الماضي السحيق، المستقبل البعيد، آياته الكونية والتكوينية والتشريعية، بيَّن كل شيء، لذلك معرفة هذا الكتاب هدفٌ لا يعلو عليه هدف.

 المؤمن الصادق من يطلب العلم:

 أنا أرى أن المؤمن الصادق يشكِّل حياته وَفْقَ مجالس العِلم، الأصل مجالس العلم، ولا يحضر هذه المجالس على فراغه، لا، عندك ضيف أنا عندي مجلس علم إنني أعتذر، أحياناً الإنسان يرتِّب أوقاته كلّها ومواعيده كلّها على أساس أن هذه المجالس لا بدّ من أن يحضرها وأن يتابعها لأنها كلام ربنا عزّ وجل، هذه مائدة الله عزّ وجل، إذا أردت أن تعرف حقيقة الإنسان فاقرأ كتاب الله، قال لك:

﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾

 الدنيا محط رحال الكافر:

 هذا الحديث الشريف:

(( بادروا بالإعمال الصالحة فماذا ينتظر أحدكم من الدنيا ))

 كل يوم كاليوم السابق ؟ لا، في يوم مفاجأة، يقول لك: استيقظت فلم أرَ بعيوني، استيقظت فإذا وجع في صدري، أبداً اسأل الناس، إنه يُفاجأ إما بألم في صدره، أو بخلل في بصره، أو في وهن في قوَّته، أو في ضعف في حركته:

(( فماذا ينتظر أحدكم من الدنيا ))

 هذا الكلام موجَّه لغير المؤمنين، هذا الكلام موجَّه لمن أحبوا الدنيا، لمن ركنوا إليها، لمن جعلوها مَحَطَّ رحالهم، لمن جعلوها غاية آمالهم، لمن جعلوها دَيْدَنهم، لمن جعلوا الدنيا كل شيء.

 ماذا ينتظر الإنسان من الدنيا ؟

 1 ـ فقراً منسياً:

 قال عليه الصلاة والسلام:

(( بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سَبْعًا: هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلَّا فَقْرًا مُنْسِيًا...))

(أخرجه الترمذي والحاكم في المستدرك عن أبي هريرة)

 أحياناً لحكمةٍ أرادها الله عزّ وجل يمحق الله المال.

 

﴿ فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ﴾

 

(سورة القلم )

 أحياناً الإنسان يتعلَّق بالمال فالعلاج عند الله فقد هذا المال، يكون عنده مزرعة يضمنها كل سنة بسبعمئة ألف، صقيع خلال دقائق يدَمِّر كل هذه المزرعة، أحياناً تجارة تخسر، مال يُصادَر، بيت يُستملك، مزرعة تحترق.

 

﴿ فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ﴾

 

((هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلَّا فَقْرًا مُنْسِيًا ))

 ألا تعرفون رجلاً كان غنياً كبيراً فافتقر ؟ كان قوياً فأصبح ضعيفاً:

((هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلَّا فَقْرًا مُنْسِيًا ؟ أَوْ غِنًى مُطْغِيًا.))

 2 ـ غنى مطغياً:

 وهل تصدِّقون أيها الأخوة أن النبي عليه الصلاة والسلام عدَّ الغني المُطغي من أكبر المصائب، الإنسان حينما يغتني يتكبَّر، وحينما يتكَبَّر يبحث عن الشهوات، يريد أن يستمتع بالشهوات المُحَرَّمات، السبب هو الغنى، عندما كان فقيراً كان مستقيماً فلما اغتنى فَجَر، فهذا الغنى نعمةٌ أم مصيبة ؟ إنه مصيبة.

 3 ـ مرضاً مفسداً:

 قال:

(( هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلا فَقْرًا مُنْسِيًا أَوْ غِنًى مُطْغِيًا أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا ))

 أحياناً مرض يجعل حياة الإنسان جحيماً، خلل في أجهزته الخطيرة، خلل في بعض حواسِّه يجعل الحياة جحيماً.

 4 ـ هرماً مفنداً:

(( أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا أَوْ هَرَمًا مُفَنِّداً ))

 ثم يُرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم من بعد علمٍ شيئاً، أليس هناك رجال بلغوا أرذل العمر فصاروا يعيدون القصة مئات المرَّات، ويحشرون أنفهم في كل صغيرةٍ وكبيرة، أصبحوا عبئاً على أُسرهم وتمنى أهلهم خلاصهم ورحيلهم إلى الدار الآخرة.

 

(( أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا أَوِ الدَّجَّالَ فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ أَوِ السَّاعَةَ فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ ))

 

(أخرجه الترمذي والحاكم في المستدرك عن أبي هريرة )

﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾

 العاقل دائماً يعيش المستقبل، والأقل عقلاً يعيش الحاضر، والجاهل الغبي يعيش الماضي.

 الموت لا يعرف كبيراً أو صغيراً:

 أيها الأخوة: الموت له قاعدة ؟ أحياناً الإنسان يبقى في فراشه ثلاثين عاماً مشلولاً، وأحياناً يُخْطَفُ وهو في أوج قوته، أليس هناك شبابٌ ماتوا في الثلاثين، وفي الخامسة والعشرين، وفي العشرين، وفي السبعة عشر، الموت لا يعرف كبيراً ولا صغيراً، ولا إنسان عقد عقده ولم يدخل، و نال شهادته ولم يُعين بموجبها، الموت لا يعرف، لذلك يقول الله عزّ وجل في سورة الرحمن:

﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾

 مرَّةً قرأت كتاب قِصَص العرب (أربعة أجزاء) قصص كلّها واقعية عن ملوكٍ، وعن وزراء، وعن قواد، وعن ضعفاء، وعن فقراء، وعن أغنياء، وعن أذكياء، وعن حمقى، وعن أُجَرَاء، إلخ، كتاب في أربعة أجزاء فيه قصص ما هبَّ ودبَّ، استفدت من قراءة هذا الكتاب حقيقةً واحدة: أن كل هؤلاء الذين قرأت عنهم ماتوا، وكلّهم تحت أطباق الثرى، وكلّهم انقلب إلى الدار الآخرة وسيلقى جزاء عمله إن خيراً فخير وإن شراً فشر.

 تعليق المؤمن و الكافر يوم القيامة و جزاؤهما:

 ماذا يقول من أوتي كتابه بشماله ؟ يقول:

﴿ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (25) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (26) يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (27) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (28) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾

( سورة الحاقة )

 يقول الله عزّ وجل:

﴿ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (30) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (31) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ (32) إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ﴾

( سورة الحاقة )

 إلى آخر الآيات. لكن:

 

﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (19) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (20) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (21) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (22) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (23) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾

 

( سورة الحاقة )

 الحظوظ في الدنيا موزعة توزيع ابتلاء:

 كلمة:

﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾

 ينبغي أن نقف عندها مَلِياً، الموت يسوِّي بين الناس لذلك الحظوظ في الدنيا ؛ المال حظ، الذكاء حظ، العلم حظ، القوة حظ، الصحة حظ، الزوجة الجيدة حظ، الأولاد حظ، الحظوظ موزَّعة في الدنيا توزيع ابتلاء.

﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾

(سورة الإسراء: آية 21 )

 يوجد أستاذ جامعة، ويوجد أستاذ معيَّن في قرية، يوجد مستورد كبير، يوجد بائع متجول، يوجد طبيب جرَّاح عمليته بأربعمئة وخمسين ألفاً، يوجد ممرِّض يتقاضى راتباً لا يكفيه أياماً، يوجد رئيس أركان ويوجد مجنَّد، يوجد صحيح ويوجد مريض، يوجد قوي ويوجد ضعيف.

 

﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً﴾

 

(سورة الإسراء )

 العبرة قربك من الله تعالى لا حجمك المالي في الدنيا:

 إخوانا الكرام: فكرة دقيقة جداً ملازمة لهذه الفكرة، الحظوظ موزَّعة في الدنيا توزيع ابتلاء وسوف توزَّع بعد الموت في الآخرة توزيع جزاء، حظوظ الدنيا لا تعني شيئاً، قد يكون الفقير أقرب إلى الله من الغني، وقد يكون الضعيف أغلى على الله من القوي، وقد يكون المريض أكثر قُرباً من الله من الصحيح، وقد يكون الذكي مُستحقاً لغضب الله بينما الأقل ذكاءً مستحقاً لرضاه، الحظوظ موزعة في الدنيا توزيع ابتلاء لكنها سوف توزَّع في الآخرة توزيع جزاء، الحظوظ في الدنيا مؤقَّتة ولا تعني شيئاً لكن الحظوظ في الآخرة أبدية وتعني كل شيء، أي أن الغنى هنا موَقَّت، والقوة مؤقَّتة، والذكاء موقَّت، والجمال موقَّت، كلّه موقت في الدنيا، أما توزيع الحظوظ في الآخرة أبدي سرمدي، فالعبرة لا أن يكون لك موقعٌ متميزٌ في الدنيا، العبرة أن يكون لك مقعد صدقٍ عند مليك مقتدرٍ في الآخرة، العبرة قربك من الله لا حجمك المالي، لذلك الآية الكريمة:

﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾

 صفات الجلال و الكمال تخص الخالق وحده:

 وجه ربك أي ذاته.

﴿ وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (19) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (20) وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾

(سورة الليل )

 الوجه هنا الذات الكاملة.

 

﴿ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾

 الجلال أي أن الله عزّ وجل قوي، غني، مهيمن، عزيز، جبَّار، متكبِّر، منتقم، والإكرام ؛ رحيم، لطيف، ودود، رؤوف، مُعطي، عفو، كريم، صفات الجلال وصفات الإكرام، كُلنا في الحياة الدنيا قد نُعْجَبُ بإنسانٍ ولا نحبُّه، ذكي، في اختصاصه متفوِّق لكنه لئيم، وقد نحب إنساناً لا نعجب بذكائه، شخص له قريب طيب جداً لكن محدود، فأنت قد تجد إنساناً تعجب بذكائه ولا تحبُّه، وقد تحبُّه ولا تُعجب بذكائه، لكن البطولة أن تعرف الله لأن الله جلَّ جلاله بِقَدْرِ ما له من صفات الجلال له من صفات الكمال، جليلٌ وكريم، قويٌ ورحيم، جبَّارٌ وعفو، بطشه شديد ومغفرته واسعة، لذلك أسماء الله الحُسنى كله يمكن أنة تنضوي تحت زُمرتين: زمرة الجلال، وزمرة الكمال، فربنا سبحانه وتعالى:

 

 

﴿ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾

 

 الإنسان عبد لله لا عبد لعبد لئيم:

 بعضهم قال: إنه مُكَرَّمٌ عن أن يقع في نقص، مُكَرَّمٌ عن أن يتصف بشيْ لا يليق به. هذا معنى أورده بعض المفسرين، مكرمٌ عن أن يتصف بما لا يليق به لكن السياق يقتضي أن الله سبحانه وتعالى ذو الجلال وذو الإكرام فهل تنصرف عن الله إلى غيره ؟ هل يمكن أن تكون أنت مجيَّراً لإنسان، محسوباً على إنسان ؟ هل في الأرض كلَّها إنسان يليق بك أن تكون تبعاً له ؟ أنت لله فلا يليق بك أن تكون لإنسان ينبغي أن تكون للواحد الديَّان، لا تكون خطأ إنسان، لا تكون تابعاً لإنسان، لا تكون عبداً لعبد، بل كن عبداً للخالق، كن عبد الله لا تكن عبد عبدٍ لئيم، أنت أعظم وأكرم من أن تكون تبعاً لإنسان لأن هذا الإنسان لا ينفعك.
مرَّة أحد الولاة سأل سيدنا عمر فقال له: إن أُناساً قد اغتصبوا مالاً ليس لهم لست أقدر على استخراجه منهم إلا أن أمسَّهم بالعذاب فإن أذنت لي فعلت، فقال له عمر: يا سبحان الله أتستأذنني في تعذيب بشر ؟ وهل أنا لك حصنٌ من عذاب الله ؟ وهل رضائي عنك يُنجيك من سخط الله ؟ أقم عليهم البينة فإن قامت فخذهم بالبينة، فإن لم تقم فادعوهم إلى الإقرار، فإن أقروا فخذهم بإقرارهم، فإن لم يُقِرُّوا فادعوهم لحلف اليمين، فإن حلفوا فأطلق سراحهم، وَيْمُ الله لأن يلقوا الله بخيانتهم أهون من أن ألقى الله بدمائهم. فلا يليق بك أن تكون لإنسان، أنت لله، كن حراً.

 التوحيد عين الإيمان:

 مرَّة والي البصرة كان عنده التابعي الجليل الحسن البصري ويبدو أنه جاءه توجيه من يزيد لا يُرضي الله، فوقع هذا الوالي في حيرة وفي صراع ماذا يفعل ؟ أينفِّذ أمر الخليفة فيُغضب الله عزّ وجل، أم يمتنع عن تنفيذ أمر الخليفة فيغضب الخليفة ويعزله ؟ قال: يا إمام ماذا أفعل إلى جانبه الحسن البصري ؟ قال: ماذا أفعل ؟ والله أجاب هذا الإمام التابعي الجليل إجابةً تُكتب بماء الذهب ويمكن أن يستخدمها الإنسان طوال حياته، قال له بإيجازٍ بليغ: إن الله يمنعك من يزيد ولكن يزيد لا يمنعك من الله.
 الذي أمرَّك بمعصية فإن الله عزّ وجل يمنعه منك لكنك إذا أرضيته وعصيت الله لا يمنعك من الله، أي إذا الله عزّ وجل سمح لبعض الخلايا أن تنمو نمواً عشوائياً في منطقة حرجة من يمنعها ؟ يمنعك صديقك القوي الذي أعطاك رقم هاتفه لتتصل به عند الضرورة ؟! تقول له: والله ظهر نمو سرطاني (فدبره)، هذا الذي تعتز به هل يمنع خلايا الإنسان أن تنمو نمواً عشوائياً ؟ بلا سبب ساعة يقول لك: سرطان في الدماغ، ساعة في العظم، ساعة في الدم، ساعة في الأمعاء، ساعة في القولون، ساعة في المعدة، أليس كذلك ؟ قال له: إن الله يمنعك من يزيد ولكن يزيد لا يمنعك من الله. هذا هو التوحيد وما تعلَّمت العبيد أفضل من التوحيد.

﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (27) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾

 الافتقار إلى الله عز وجل:

 ثم يقول الله عزّ وجل في الآية التالية:

﴿ يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾

 قال العلماء: يسألونه بألسنتهم وأحياناً يسألونه بلسان حالهم. ذكر لي أخٌ أنه قد بلغت كمية الأمطار قبل أسبوع ثلاثين ميليمتراً، في الفترة السابقة من العام الماضي بلغت مئة وثمانين ميليمتراً، ثلاثين من مئة وثمانين، في هذه الأيام الثلاثة نزل ثلاثين ميليمتراً كأمطار الموسم هذا كلِّه، فالله عزّ وجل نسأله، إما أن نسأله بألسنتنا: اللهمَّ اسقنا الغيث، وإما أن يسأله الناس بلسان حالهم، وكل إنسان بحاجة إلى شيء فإن حاجته إلى الشيء نوعٌ من السؤال، لذلك الله جلّ جلاله يحتاجه كلُ شيء في كلِ شيء، فإما أن تسأله بلسانك، وإما أن تسأله بلسان حالك، وإما أن تكون محتاجاً إلى هذا الشيء، فالحاجة سؤال، والاستعداد لقبولها سؤال، فكل الخلق مفتقرون إلى الله عزّ وجل، يحتاجه كلُ شيء في كلِ شيء.
 الشجرة إذا قلَّ ماؤها وذَبُلَت أوراقها كأنها تسأل الله المطر، الدابَّة إذا جاعت تبحث عن الطعام فإن هذا البحث كأنها تسأل الله الطعام، الإنسان، الطفل يبكي، لماذا يبكي ؟ لأنه جائع، بكاؤه سؤال، فإما السؤال من عاقل، أو سؤال من نبات أحياناً، سؤال من حيوان أحياناً.

 شأن الخالق مع كل مخلوق شأن في منتهى الحكمة و الكمال:

﴿ يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾

 لكن كل يوم هو في شأن، أي أن شأنه مع المستقيم تمام، وشأنه مع العاصي المُعالجة، وشأنه مع الكريم الإعطاء، ومع البخيل الإتلاف، الله عزّ وجل حكيم له مع كل مخلوقٍ وفي كل وقتٍ شأن، شأن حكيم، له مع كل مخلوقٍ وفي أي وقتٍ بحسب حال المخلوق شأن.
 فأنت أب لك ابن صحته طيبة ولا يشكو شيء تقول له: كُلْ يا بني، كل ما شئت، لكن أنت أب (أنت أنت)، والابن مريض معه التهاب أمعاء شأنك معه أن تمنعه من هذا الطعام، وأن تجعل له طعاماً خاصاً به، شأنك مع ابنك المتفوِّق أن تُكرمه، ومع ابنك الكسول أن تؤدِّبه، شأنك مع ابنك الصادق أن تُثني عليه، ومع ابنك الكاذب أن تزجره وأن تعنِّفه، شأنك مع من يرضيك أن تُرضيه، وشأنك مع من يعصيك أن تؤدِّبه، فالله عزّ وجل يغفر وينتقم، يرحم ويغضب ويرضى، يعطي ويمنع، يرفع ويخفض، يصل ويقطع، ويُعز ويُذل، الإعزاز شأن، والإذلال شأن، والإعطاء شأن، والمنع شأن، والقبض شأن، والبسط شأن، والإكرام شأن، وإلقاء التجلِّي في قلب المؤمن شأن، وحجبه عن هذا التجلِّي شأن، يعطي ويمنع، يخفض ويرفع، يُعز ويُذل، يقرِّب ويبعد، يقطع ويصل، يتجلِّى ويمنع تجليه، له نفحات تأتي إليك وقد يمنعها عنك (شأن) ربنا عزّ وجل حكيم وعليم وغني وقدير، شأنه مع كل مخلوقٍ شأنٌ في منتهى الحكمة والكمال.

﴿ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾

 شأن الله مع العباد شأن حكيم:

 الآن تروي القصص أن سيدنا موسى دعا الله بالسُقيا (لا توجد أمطار) فأوحى الله إليه: أن يا موسى إنَّ فيكم عاصياً، فقال موسى عليه السلام لمن حوله: من كان عاصياً لله فليُغادرنا، ما غادره أحد والأمطار هطلت، قال: يا رب من هذا الذي يعصيك من بيننا ؟ قال: عجبت لك يا موسى أستره وهو عاصٍ وأفضحه وهو تائب ؟!!
 فأحياناً يستر، وأحياناً يعطي، من لا شيء صار كل شيء، من الفقر صار غنياً، من الضعف صار قوياً، من البلادة صار ذكياً، شأنه مع العباد شأن حكيم.

﴿ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾

 فالآن طبيب (شيء من العلم) مرَّ على المرضى في المستشفى فنظر وأمر هذا الضغط عالي أوقفوا عنه الملح، وللثاني الضغط منخفض أعطوه ملح زيادة، يوجد عنده انهدام بالخلايا أطعموه لحماً، هذا معه شحوم زائدة بالدم أوقفوا المواد الدسمة أعطوه خضراوات فقط، طبيب في بدايته كل مريض بحسب تحليل الدم يعطيه أمر، أوامر متناقضة، طبعاً الذي ضغطه عالي لا يعطيه ملحاً، ضغطه منخفض يعطيه ملحاً، الشحوم زائدة يعطيه خضراوات، البروتين ضعيف يعطيه لحوماً، مع كل مريض له شأن.

 

﴿ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾

 

( سورة النحل: آية 60)

 الإكرام عاقبة الشكر و القصم عاقبة الكفر:

﴿ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾

 إذا تبت له شأن معك، لم تتب له شأن معك، دعاك إليه بالبيان فإن استجبت له شأن وإن لم تستجب يوجد شأن ثانٍ، يوجد تأديب، تضرَّعت له شأن، لم تتضرَّع له شأن ثالث (إكرام إستدراجي) شكرت في شأن، لم تشكر في قصم.

﴿ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾

 أنفقت زكاة مالك شأنه معك أن يحفظ لك مالك، بخلت بزكاة المال شأنه معك أن يُتلِف المال، أقمت زواجك على طاعة الله شأنه معك أن يوفِّق بينك وبين زوجتك، أقمت الزواج على معصية الله شأنه معك أن يُفرِّق بينكما، كسبت المال الحلال شأنه معك أن يبارك لك في هذا المال يكفيك هذا المال، درهم من حلال يكفي لأن فيه بركة، الله عزّ وجل من الشيء القليل يهب الشيء الكثير، بكسب المال هناك شبهة شأنه معك إتلاف المال، طبَّقت الشريعة في طعامك وشرابك شأنه معك حفظ أجهزتك، خالفت الشريعة شأنه معك إتلاف الأجهزة.

 عدل الله المطلق في كل شؤونه:

﴿ يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾

 شأنه أن يغفر الذنب، وأن يقبل التوبة، وأن يعفو عما مضى، وأن يؤدِّب، وأن يُعاقب، وأن يُعالج، وأن يُغني وأن يُفقر، وأن يعطي وأن يمنع، وأن يرفع وأن يخفض، وأن يعز وأن يذل، هذا شأن الله لكن بالعدل المطلق، والحكمة المطلقة، والرحمة المطلقة.

﴿ يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (29) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾