ندوة قناة اليمنية : الندوةِ العالميةِ الأولى لتأهيلِ وتدريبِ الأيتامْ

2000-01-01

السيد رئيس الجمهورية ، وصحبه الكرام ، السادة العلماء الأجلاء ، أهل الفضل والإحسان ، المؤمنين الأعزاء ، الأخوة الحضور ...
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
من خلالِ هذه الندوةِ العالميةِ الأولى لتأهيلِ وتدريبِ الأيتامْ ، التي عُقِدت في هذا البلد الطيب ، وبرعاية كريمة من رئاسة الجمهورية ، اجتاحتني بعضُ الخواطر ، والأفكار والنصوص ، أستأذنكم أن أضعها بين أيديكم ، فإن أصبت فمن توفيق الله ، وإلا فمن تقصيري .

مقدمة :

أيها الأخوة الكرام ... إن الذين نُكِّن لهم عظيم الاحترام ، ليسوا أولئك الذين يملكون كثيراً من المال ، أو الدهاء ، أو المكر ، أو القوة َالعسكرية الخارقة ، وإنما نكن عظيم الاحترام ، لهؤلاء الذين حملوا همّ أمتهم ، وحاولوا التخفيف من متاعبها ، هؤلاء الذين يرون ما لا يراه الآخرون ، ويشعرون بما لا يشعرون ، يتمتعون بوعي عميق ، وإدراك دقيق ، لهم قلب كبير ، وعزم متين ، وإرادة صُلبة ، هدفُهم أكبرُ من حاجاتهم ، رسالتُهم أسمى من رغباتهم ، يملكون أنفسهم ، ولا تملكهم ، ويقودون أهواءهم ، ولا ينقادون لها ، تحكمهم القيم ، ويحتكمون إليها ، من دون أن يسخِّروها ، أو يسخَروا منها .
والأنبياء قمم لهذه النماذج التي نحترمها ، ولولا أن الأنبياء بشر تجري عليهم كل خصائص البشر ، لما كانوا سادة البشر ، فلذلك هؤلاء الأنبياء العظام أعطوا ولم يأخذوا ملكوا القلوب ، عاشوا للناس

من استخلف على الناس عليه أن يسد جوعتهم و يستر عورتهم و يوفر لهم حرفتهم :

أيها الأخوة الأحباب ... سيدنا عمر رضي الله عن عمر ، قال لأحد ولاته : إن الله قد استخلفنا عن خلقه لنسد جوعتهم ، ونستر عورتهم ، ونوفر لهم حرفتهم ، وهذا ما سمعته في هذا الملتقى ، فإن وفينا لهم ذلك تقاضيناهم شكرها ، إن هذه الأيدي خلقت لتعمل ، فإذا لم تجد عملاً في الطاعة ، التمست عملاً في المعصية ، فاشغلها بالطاعة ، قبل أن تشغلك بالمعصية ولا تغلق بابك دونهم ، فيأكل قويهم ضعيفهم
أيها الأخوة الأحباب ... تروي فاطمة بنت عبد الملك ، زوجة الخليفة الزاهد عمر بن عبد العزيز خامس الخلفاء الراشدين ، أنها دخلت على عمر يوماً في مصلاه فرأته واضعاً يده على خده ، ودموعه تسيل ، فقالـت له : ما بالُك ، وفيمَ بكاؤُك ؟ فقال : دعيني وشأني ، فلما ألحّت عليه ، قال لها : ويحك يا فاطمة ، إني قد وُليتُ هذا الأمر ، ففكرت في الفقيرِ الجائع ، والمريضِ الضائع ، والعاريْ المجهول ، واليتيمِ المكسور ، والمظلومِ المقهـور ، والغريب ، والأسير ، والشيخِ الكبير ، والأرملةِ الوحيدة ، وذي العيالِ الكثير ، والــرزقِ القليل ، وأشباهِهم في أطرافِ البلاد ، فعلمتُ أن الله سيسألني عنهم جميعاً يومَ القيامة ، وأن خصميْ دونهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فخشيت ألا تَثْبُت حجتي ، فلهذا أبكي .

 

هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلَّا بِضُعَفَائِكُمْ : في الحديث الشريف ملمحان دقيقان :

أيها الأخوة الكرام ... النبي عليه الصلاة والسلام يقول في حديث صحيح جامع مانع :

(( هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلَّا بِضُعَفَائِكُمْ ))

[ البخاري عن مصعب بن سعد ]

1 ـ ملمح توحيدي :

في الحديث الشريف ملمحان دقيقان : الأول ملمحٌ توحيدي : وهو أن القوي الذي مكنه الله في الأرض إذا نصر الضعيف ( واليتيم ضعيف )أطعمه إن كان جائعاً ، كساه إن كان عارياً ، آواه إن كان مشرداً ، وفر له عملاً إن كان عاطلاً ، عالجه إن كان مريضاً ، هيأ له سبل المعرفة إن كان جاهلاً ، ونصره إن كان مظلوماً ، عندئذٍ يكافئ الله القوي مكافأة من جنس عمله ، فينصره على أعدائه الأقوى منه .

2 ـ ملمح آلي :

الملمح الثاني ملمح آلي إن صحّ التعبير وهو : أن الأمةَ بنُصرة الضعيفِ تتماسكُ ، وتجتمعُ وتصبحُ سداً منيعاً ، فلا يستطيع العدو الخارجي أن يخرقَها ، ولا أن يُفَتِّتَ وحدتها ، ولا أن يَشّق صفوفَها ، أعطِ الإنسانَ رغيفَ خبزِه وكرامتَه ، وخذْ منه كلَّ شيء

التقوى في حياتِنا المعاصرة بحاجة إلى إثراءِ مفرداتِها لتتناولَ بعض الفروض الحضارية:

أيها الأخوة الأحباب ... كان النبي صلى الله عليه وسلم يُعالج المشكلات من أسبابِها لا من نتائجِها ، فقد دخل رجل بستاناً ، وأكل من شجرهِ من دون إذنِ صاحبه ، فساقَه إلى النبي على أنه سارق ، فقال عليه الصلاة والسلام : هلا علمتَه إن كان جاهلاً ، وهلا أطعمتَه إن كان جائعاً
وما دام الحديثُ عن التنميةِ المهنيةِ والاجتماعيةْ فنحنُ في أمس الحاجة إلى إيجادِ مدخلٍ جديدٍ لهذه التنمية ، يقوم على منحِ بعضِ الثوابتِ الأخلاقيةِ الإسلاميةْ معانيَ جديدة ، أو اهتماماتٍ خاصة ببعض مدلولاتِها ، بغيةَ التخفيفِ من وطأةِ التخلُّف الذي يجتاحُ حياةَ المسلمينْ فالتقوى في حياتِنا المعاصرة بحاجة إلى إثراءِ مفرداتِها ، كي تتناولَ بعض الفروض الحضارية ، كالإسراع إلى العمل ، وإتقان العمل ، وتطوير العمل ، والمحافظة على الوقت وحسـن إدارة الوقت ، والعملِ المؤسساتي ، والعمل الخيري ، وترسيخِ مفهومِ فريقِ العمل ، والالتزامِ بالمواعيد ، وحسنِ التصرّفِ بالإمكاناتِ المتاحة ، وترشيدِ الاستهلاك ، والتعاونِ والانتماءِ للمجموع ، وكلُّ هذه القيمِ المعاصرةْ لها أصولٌ ثابتة في القرآن والسنة

رَفْع المعاناة عن الأمة يتطلب أن يستخدمَ المرءُ عقلَه قبل يدِه :

أيها الأخوة الأحباب ... ويمكن من خلال التربيةِ المركزة أن نجعلَ المواطنَ يشعُرُ بحلاوة الإيمان ، وحلاوة الالتزام ، من خلال القيام بهذه الأعمال التي تُحّل بها مشكلات الأمة ، كما يشعر تماماً عندما يضع صَدَقة في يد فقير ، أو عندما يقوم الليل والناس نيام .
إن رَفْع المعاناة عن الأمة يتطلب عدداً كبيراً من المؤمنين الواعين المخلصين المضحين في جميع الميادين ، وهذا ما يجب السَّعْي إليه ، ولأن ينجح فرد في إعداد مجموعة من المواطنين إعداداً إيمانياً وعلمياً وخلقياً ونفسياً واجتماعياً وجسدياً أحبُ وأنفعُ من أن يُلقي بنفسِه في أُتون نارٍ تقول : هل من مزيدْ .
وكما أن الأمةَ بحاجة إلى من يموت في سبيل الله ، هي في أمسِ الحاجة إلى من يعيشُ في سبيل الله ، إن النجاح يكمُن في أن يستخدمَ المرءُ عقلَه قبل يدِه ، كما يفعل الطرف الآخر .

من مقتضيان الإيمان و مسلماته :

1 ـ زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين :

أيها الأخوة الكرام ... من مقتضيات الإيمان بالله ومسلماته ، أن زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين ، قال تعالى :

 

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً ﴾

( سورة النور الآية : 55 )

الشرط

﴿ يَعْبُدُونَنِي ﴾

﴿ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ ﴾

( سورة الأنفال الآية : 19 )

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾

( سورة الرعد الآية : 11 )

فالكرة في ملعبنا .

2 ـ قوى الأرض مجتمعة لا تستطيع أن تفسد على الله هدايته لخلقه :

من مقتضيات الإيمان بالله ومسلماته أن قوى الأرض مجتمعة لا تستطيع أن تفسد على الله هدايته لخلقه ، قال تعالى :

 

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ﴾

( سورة الأنفال الآية : 36 )

لذلك لا ينبغي أن نقلق على هذا الدين إنه دين الله ، ولكن ينبغي أن نقلق على أنفسنا ما إذا سمح الله لنا أو لم يسمح لنا أن نكون جنوداً له .
أيها الأخوة الكرام ... والباطل قديم قدم الإنسان ، ولكن بطولتنا ألا نسمح للباطل أن ينفرد بالساحة

3 ـ أية أمة قوية خططت لتبني مجدها على أنقاض الشعوب فهذا يتناقض مع وجود الله :

ومن مقتضيات الإيمان بالله ومسلماته أن أي أمة في الأرض مهما تكن قوية إذا خططت لتبني مجدها ورخاءها على أنقاض الشعوب ، وحريات الشعوب ، وثقافات الشعوب ، نجاح خططها على المدى البعيد لا يتناقض مع عدل الله فحسب ، بل يتناقض مع وجوده ، قال تعالى :

﴿ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

( سورة يوسف )

ما من شِدة إلا و يعقبها شَدة إلى الله عز وجل :

أيها الأخوة الكرام ... الأمة العربية والإسلامية تمر بمحنة عظيمة ، نرجو أن تكون وراءها منحة ربانية لا شرقية ولا غربية ، ولكن علوية سماوية ، وتعاني هذه الأمة من شدة لم تشهد مثلها في التاريخ الحديث ، نرجو أن يعقب هذه الشِدة شَدة إلى الله عز وجل تستحق بعدها أن تُستخلف ، وأن تُمكن في الأرض ، وأن تستعيد دورها القيادي بين الأمم فهي متحضرة بهذا الدين العظيم ، ونرجو أن تكون متطورة ، بينما العالم القوي متطور جداً ولكنه ليس متحضراً .

نماذج من حضارتنا الأخلاقية :

ومن نماذج حضارتنا الأخلاقية أن عمر بن الخطاب جاءه ملك الغساسنة جبلة بن الأيهم مسلماً ، فرحب به أجمل ترحيب ، وفي أثناء طواف جبلة حول الكعبة داس بدوي من فزارة طرف ردائه ، فالتفت جبلة نحو البدوي وضربه ضربة هشمت أنفه ، فما كان من هذا البدوي إلا أن شكا جبلة إلى عمر ، فاستدعى عمر جبلة إلى مجلسه ، ودار بينهما حوار ، صاغه أحد الأدباء المعاصرين شعراً ؛ قال عمر لجبلة : وقال له : أصحيح ما ادعى هذا الفزاري الجريح ؟
قال جبلة : لست ممن ينكر شياً ، أنا أدبت الفتى ، أدركت حقي بيدي .
قال عمر : أرضِ الفتى ، لابدّ من إرضائه ، مازال ظفرك عالقاً بدمائه أو يهشمن الآن أنفك ، و تنال ما فعلته كفك .
قال : كيف ذلك يا أمير ؟ هو سوقة ، وأنا عرش وتاج ؟ كيف ترضى أن يخر النجم أرضاً ؟
قال عمر : نزوات الجاهلية ، ورياح العنجهية قد دفناها ، أقمنا فوقها صرحاً جديداً ، وتساوى الناس أحراراً لدينا وعبيداً .
فقال جبلة : كان وهماً ما جرى في خلدي أنني عندك أقوى وأعز ، أنا مرتد إذا أكرهتني .
فقال عمر : عالم نبنيه ، كل صدع فيه يداوى ، وأعز الناس بالعبد بالصعلوك تساوى .

ثقافة أية أمة ملك البشرية جمعاء :

وختاماً أيها الأخوة الكرام ... نحن أمة منفتحة على الثقافات الأخرى ؛ لذلك ثقافة أية أمة ملك البشرية جمعاء لأنها بمثابة عسل استخلص من زهرات مختلف الشعوب على مرِّ الأجيال ، وهل يعقل إذا لدغتنا جماعة من النحل أن نقاطع عسلها ؟ .
لذلك نحن نفتح أبوابنا لتجديد هواء بيتنا ، ولكننا لا نسمح للرياح العاتية أن تقتلعنا من جذورنا

خاتمة :

أيها الأخوة الكرام ... نشكر هذا البلد الطيب ؛ رئاسة ، وحكومة ، ومؤسسات ، وشعباً على استضافتنا وإكرامنا ، في هذا الملتقى الإنساني الطيب ، ونرجو الله أن يحفظ هذا البلد ، وبلاد المسلمين من كيد الكائدين ، وعدوان المعتدين ، إنه سميع بصير

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته