أحاديث متفرقة - الدرس : 013 - نضر الله عبداً .…

1990-07-22

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة المؤمنون... حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا اليوم حديثٌ دقيقٌ جداً، يدعو المؤمنين إلى تحقيق مهمتهم التي خلقوا من أجلها، وقبل أن نقرأ الحديث، وقبل أن نمضي في شرحه بفضل الله عزَّ وجل، أحب أن أمهد له بكلامٍ دقيق.
 الإنسان في الدنيا مكلَّف، معنى مكلف أي أن أمانةً وضعت بين يديه، لابد من أن يزكيها إنها نفسه، ولن تزكو النفس إلا إذا عرف الله عزَّ وجل، أن يكون عملك في هذه الدنيا وفق المخطط الذي أراده الله عزَّ وجل، هذا يحتاج إلى علم، إذاً طلب العلم فريضة.
 يعني أول نقطة: إذا أردنا أن نعرِّف العبادة، حيث أن الله سبحانه وتعالى يقول في كتابه العزيز:

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)﴾

( سورة الذاريات )

 يعني الله سبحانه وتعالى خلق العباد، وأمرهم أن يعبدوه، إذا أردنا أن نفهم حقيقة العبادة ؛ هي منتهى طاعة الله عزَّ وجل، غاية الطاعة مع غاية الحب، ولكن أين هذا ؟ متى أكون طائعاً، ومتى أكون محباً ؟ في أدق تعريفات العبادة، في أجمع تعريفات العبادة: غاية الطاعة مع غاية الحب. لن تكون في غاية الطاعة، ولا في غاية الحب، إلا إذا عرفت الرب.
 إذاً أخطر شيءٍ تفعله في حياتك الدنيا، قد يقول أحدكم: إن أخطر شيء أن أشتري بيتاً أن أتزوَّج، أن يكون لي عمل يدر عليَّ ربحاً، قد يقول أحدكم هذا، ولكن والذي نفس محمدٍ بيده، والله الذي لا إله إلا هو، لو عرفتم قيمة المهمة التي أنتم فيها وخطورتها، لجمَّدتم كل شيء، واتجهتم إلى معرفة الله عزَّ وجل، لأن كل شيءٍ بعد معرفة الله يسعد ويجدي، أي شيءٍ قبل معرفة الله حركةٌ عشوائيةٌ ضالةٌ عابثة، من هنا ورد في بعض الأحاديث الشريفة أن:

 

(( لا إله إلا الله لا يسبقها عمل ))

 

( من الجامع الصغير: عن " أم هانئ " )

 العمل قبل التوحيد فيه شرك، افعل ما تشاء، افعل من الخيرات ما تشاء قبل التوحيد، إن هذه الأفعال مشوبةٌ بالشرك، لو دعوت الناس إلى طعام، قد يخطر في بالك: لأريهم ما عندي. ليس هذا هو العمل الذي يقبله الله عزَّ وجل، لو فعلت الخير ؛ تملأ الدنيا ضجيجاً بهذا الفعل، لأنك تريد أن تأخذ ثمن هذا الفعل، قبل معرفة الله عزَّ وجل، قبل أن توحّده ليس هناك عمل، فالعداد لا يعمل قبل أن تعرف الله عزَّ وجل.
 ذاً، إذا قلنا: أن العبادة هي غاية الحب مع غاية الطاعة. لن تكون في غاية الحب، ولا في غاية الطاعة إلا إذا عرفته، اعرف، تطع، وتحب، عندئذٍ تسعد. إذاً أنت هنا في الدنيا من أجل عملٍ كبير ألا وهو العمل الصالح، ولكن العمل الصالح لابد من أن يسبق بمعرفة، من هنا قال عليه الصلاة والسلام:
 عن جبير بن مطعم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخَيْف ـ مكان مسجد الخيف في منى ـ يقول:

 

(( نضَّر الله عبداً سمع مقالتي، فحفظها ووعاها وبلغها من لم يسمعها، فربَّ حامل فقهٍ إلى من هو أفقه منه، ثلاثٌ لا يغل عليهن قلب مؤمن ؛ إخلاص العمل لله تعالى، والنصيحة لأئمة المسلمين، ولزوم جماعتهم فإن دعوتهم تحفظ مَن وراءهم ))

 هذا حديث اليوم.
 نضَّر الله عبداً... الوجه النضر هو الوجه المتألِّق..

 

 

﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23)﴾

 

( سورة القيامة )

 وقال العلماء: الوجه صفحة النفس. أنت أيها الأخ الكريم تقرأ في وجه أخيك الرضا، وتقرأ السرور، وتقرأ الخوف، وتقرأ القلق، وتقرأ الحَيْرة، وتقرأ الطمأنينة، وتقرأ السعادة وتقرأ الترقُّب، وتقرأ الحُزن. كل انفعالات النفس، لحكمةٍ أرادها الله عزَّ وجل، تنطبع على صفحة الوجه، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

 

(( لو أن الوجه الحسن رجلٌ لكان رجلاً صالحاً، ولو أن الوجه السيء رجلٌ لكان رجلاً سيئاً ))

 لأن خبث الإنسان، حقده، ضغينته، شهوانيَّته، أنانيته، لحكمةٍ أرادها الله عزَّ وجل تنطبع على وجهه، من هنا يقول عليه الصلاة والسلام، فيما روي عنه:

 

 

(( اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر ينور الله وينطق بتوفيق الله ))

 

( من الدر المنثور: عن " ثوبان " )

 إذاً، نضر الله عبداً...ترى المؤمن له وجهٌ مقبول، له وجهٌ حسن. قد يظن أحدكم أن الوجه الحسن خطوطٌ دقيقة، جاذبيةٌ في تقاطيع الوجه، لونٌ أزهر، لا، هذا لا أعنيه أبداً، هذه صفات الحُسن المادية ولكن صفات الحسن الروحية هذه يعرفها أهل القلوب، الوجه المقبل على الله عزَّ وجل كأنه كوكبٌ دري، والوجه المُعرض فيه فتور، فيه رتابة ـ إن صح التعبير ـ فالنبي عليه الصلاة والسلام يدعو، يدعو لمن ؟ يدعو للمؤمن الذي يتمنى أن ينتشر الحق.
 يعني الواحد منا يحضر مجالس العلم سنوات طويلة، هناك سؤال دقيق جداً يجب أن يسأل نفسه به: أنا ماذا نقلت من هذا الحق ؟ هذا الحق الذي سمعته ؛ إن في تفسير كتاب الله عزَّ وجل، إن في فهم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن في بعض مواقف الصحابة الكرام، إن في مواقف النبي عليه الصلاة والسلام، إن في بعض الأحكام الفقهية، هذا الذي تعلَّمته من كتاب الله، ومن سنة رسول الله، ومن شرع الله، ومن مواقف أصحاب رسول الله ماذا فعلتُ به ؟
 يعني كلكم يعلم أنه لا تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يسأل عن أربع، عن عمره فيما أفناه ؟ وعن شبابه فيما أبلاه ؟ وعن علمه ماذا عمل به ؟ وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه؟ يعنينا من هذا الحديث عن علمه ماذا عمل به ؟.
 فخطر في بالي قبل أيام أن العلم ليس هدفاً في ذاته، العلم نفسه، العلم وسيلة كي تسعد به في الدنيا والآخرة، فإذا شغلت وقتك في طلب العلم فقط، وعملك في وادٍ وأنت في وادٍ آخر، تعلَّمت كل شيء ولم يترجم علمك إلى عمل، تعلَّمت أصول الصلاة، ولم تصلِ تلك الصلاة، تعلمت ما الذي يزكي النفس، ولم تعمل على تزكيتها، إذا كانت هذه المعلومات هدفاً لذاتها فهي مصيبةٌ كبرى، يعني هذا الأعرابي الذي سأل النبي عليه الصلاة والسلام قال:
ـ يا رسول الله عظني ولا تطل.
ـ قال:

 

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ (8)﴾

 

( سورة الزلزلة )

 ذكر النبي له آيةً، قال:
ـ كفيت.
ـ فقال عليه الصلاة والسلام: فَقُهَ الرجل.
 يعني معنى هذا أنه وفق هذا الحديث القضية لا تحتاج إلى كثير علم، ولا إلى طول حديث ولا إلى محاضرات طويلة، ولا إلى تفاسير مطولة، ولا إلى غوص، القضية تحتاج إلى نفس مصممة على التطبيق، فهذه الآية هكذا أفهم، والذي نفس محمدٍ بيده ـ كما يقول النبي ـ كما يقسم النبي عليه الصلاة والسلام لو لم يكن في كتاب الله إلا هذه الآية لكفت..

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً (1)﴾

 

( سورة النساء )

 تكفي..

 

﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (14)﴾

 

( سورة الفجر )

 تكفي..

 

﴿ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123)﴾

 

( سورة طه )

 تكفي. فنحن يجب أن يكون التركيز لا على تحصيل أكبر قدر من العلم. من عمل بما علم ورَّثه الله علم ما لم يعلم، إذاً التركيز على العمل، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: نضَّر الله عبداً... ماذا فعل هذا العبد حتى نضر الله وجهه ؟ حتى أصبح وجهه كالكوكب الدري ؟ ماذا فعل هذا العبد حتى استحق رضوان الله عزَّ وجل ؟ ماذا فعل هذا العبد حتى استحق أن يتجلى الله على قلبه، وأن ينير وجهه ؟ نضَّر الله دعاء من النبي، فأنت إذا رأيت مؤمناً صادقاً تعرفه بسيماه..

 

﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾

 

( سورة الفتح: من آية " 29 " )

 من شدة الإقبال على الله، من شدة الإذعان لله، من شدة الدعاء، من شدة الاتصال ترى وجهه كالكوكب الدري ؛ متألق، كأنك شمسٌ، يصبح شمس، يصبح هذا المؤمن باتصاله بالله شمس.
 نضَّر الله عبداً ـ فماذا فعل هذا العبد ؟ قال ـ سمع مقالتي ـ سمع حديثي ـ فحفظها ووعاها... دقة الحديث، أنت إذا سمعت تفسير آيةٍ، أو حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، يبين فيه النبي حقيقةً في كتاب الله، أو حقيقةً في شرع الله، أو حقيقةً عن الله عزَّ وجل، أنت لك مهمتان ؛ المهمة الأولى: أن تحفظها. نقف وقفةً يسيرة عند قول النبي فحفظها.
 يعني إذا سمعت حديثاً شريفاً وكنت في غاية الانسجام في أثناء سماع الحديث، الحديث رائع، دقيق، عميق ـ فهذا جيد جداً ـ فإذا لم تحاول حفظه، وجلست مع أصدقائك، مع جيرانك، مع إخوانك، مع أهل بيتك، مع أولادك، وقالوا لك: يا أبانا حدثنا ماذا سمعت في هذا الدرس ؟ والله يا أخي درس رائع، لكن.. ماذا فعلت ؟ هذا الذي قال مرة ـ وهي طرفة ـ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من كان فيه خصلتان دخل الجنة. فسأله المستمع: ما هما ؟ قال: أما الأولى فقد نسيها الراوي، وأما الثانية فقد نسيتهما أنا. إن شاء الله ماذا حدثتنا ؟ ماذا يفيد أهلك، وأقرباءك، وإخوانك، وأصحابك، وزملاءك، ومن معك ومن حولك، ماذا يفيدهم أن تقول: درس رائع، أو خطبة عظيمة ؟ هذا كلام عام لا يقدِّم ولا يؤخِّر، دائماً الأحكام العامة لا معنى لها، أخي والله هذا الكتاب عظيم، ما معنى عظيم ؟ لا تعني شيئاً، قل له: في هذا الكتاب حقيقةٌ دقيقة هي كذا كذا كذا، شيء جميل، أخي القرآن عظيم، هذا حكم عام لا يعني شيئاً، لكن بيِّن له أن القرآن ذكر هذه الناحية، وأحدث نظريات العلم الآن كشفتها، إذاً هذا كلام الله عزَّ وجل، يعني أنت بنيت عند هذا السامع لبنة في أن هذا القرآن كلام الله، هذا عن إعجازه.
 دائماً الكلام العام ابعد عنه، الكلام العام لا يعني شيئاً، تضيعٌ للوقت، هذه الألقاب الكبيرة ؛ درس عظيم، وخطبة عظيمة، وكتاب عظيم، ويا أخي شيء يأخذ العقل، كل هذا كلام فاضي، فالنبي الكريم قال: فحفظها... أنت يجب أن تحفظ، آية رائعة جداً احفظها يا أخي، احفظ حديث، ما هو قانون الحفظ ؟ هو الاهتمام.
 لو سألتني: لماذا أحفظ هذا الشيء، وأنسى هذا الشيء ؟ فاسأل تاجر يوجد عنده عشر آلاف صنف في محله، إذا كان في محلات قطع تبديل مثلاً، لماذا هذا التاجر يحفظ صنفاً صَنفاً، وقياساتهم، يقول لك: بقي قطعة اصعد وأتي بها يا ابني على السقيفة، بذاكرته كل ما في المحل من بضاعة، وأصنافها، وأنواعها، وأسعارها، والصوافي، فكيف يحفظ؟ اهتمام، إذا كان اهتمامك بكتاب الله عزَّ وجل، إذا كان اهتمامك بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم اهتماماً كافياً، تحفظه، لذلك كلمة واحدة، قانون الذاكرة يساوي الاهتمام.
 يمكن تلتقي مع شخص مهتم بمصلحته، لذلك أية فكرةٍ يقرأها، أو يسمعها، أو يخبرها يحفظها، موضوع آخر لا يحفظه، فأقول لك هذا الكلام: قل لي ماذا تحفظ، أقل لك من أنت. إذا مؤمن سمع تفسير آية، وتفاعلت نفسه مع التفسير تفاعل شديد، أنا أرجح، وأنا متيقن أنه يحفظها لأول مرة. يمكن شخص يسمع موضوعات في الإسلام دقيقة جداً، قالوا: ماذا قال آنفاً ؟ والله ما فهمت شيء، ما تذكرت شيء، فدرس ساعة ونصف ما ذكرت منه ولا فكرة ؟ ولا حديث ؟ ولا آية ؟ ولا موضوع ؟ ولا لقطة ؟! إذاً النبي الكريم قال: فحفظها... فالحقيقة يجب أن تستخدم ذاكرتك في طلب العلم، إذا كان حديث جميل جداً تفاعلت معه سجِّله، حاول تحفظه، وحاول تلقيه على أصدقائك وعلى إخوانك، إلى أن يصبح هذا الحديث ملكك، فأنت ليس كل شيءٍ تسمعه تحفظه، أما إذا بلغ اهتمامك بالدين، وبكتاب الله وبسنة رسول الله، تتجه هذه الذاكرة إلى حفظ الذي نسمعه، فالنبي الكريم قال:
 نضَّر الله عبداً ـ يدعو له بنضارة الوجه، وبنورانية القلب، وبالفلاح في الآخرة، هذه دعوة للنبي لمن ؟ ـ لمن سمع مقالتي... طبعاً أنت إما أن تسمع من النبي عليه الصلاة والسلام، وإما أن تسمع ممن يسمعك عنه، فالذين عاصروا النبي عليه الصلاة والسلام سمعوا منه، لكن الذين جاءوا بعد النبي عليه الصلاة والسلام سمعوا من علماء نابوا عنه في تبليغ الحق، وإذا قرأت كتاباً في الحديث الشريف، فكأنما النبي عليه الصلاة والسلام يبلِّغك هذه الأحاديث، أنا لا يهمني الطريقة، هذا القول الذي قاله النبي قد تسمعه من خلال درس علم، وقد تقرأه في كتاب، وقد تسمعه في شريط، طُرق نقل المعلومات متعددة، وقد تسمعه من خطيب مسجد، وقد تقرأه في مجلة حديث شريف، إذاً المقصود بسمعته، نضر الله عبداً سمع مقالتي... يعني سمعها مني، أو سمعها مما ينوب عني في إبلاغ العلم، أو في إبلاغ سنتي..
 ... فحفظها... بدأ النبي بالحفظ، يا أخي أنا ذاكرتي ضعيفة، هذا كلام مقبول إلى حدٍ ما لكن لو بلغ اهتمامك بهذا الموضوع كما تهتم بعملك، وبالأشياء التي تحبها وتحرص عليها، لوجدت أنك تحفظ هذه الأحاديث بيسرٍ وطلاقة، وشيء آخر: ماذا قال عليه الصلاة والسلام؟ قال:

 

(( إنما العلم بالتعلم))

 

( من الجامع الصغير: عن " أبي الدرداء " )

 ماذا تعني صيغة التعلم ؟ يعني محاولة طلب العلم مرةً بعد مرة، تعلم. بالمناسبة في عندنا التعلُّم وفي عندنا التعليم، وهناك فرقٌ كبيرٌ بينهما، التعلم فيه نشاط ذاتي، والتعليم فيه نشاط مبذول من قِبَل الآخرين، وأحدث نظرية في التربية والتعليم أن الإنسان يتعلم ولا يعلَّم، يعني تلقي عليه آلاف المحاضرات إلى أن يختبر بنفسه هذه القضية التي مارسها، والتي جرَّبها، والتي دفع ثمنها إنه لا ينساها أبداً، أحياناً يقول لك واحد: هذه القضية الفلانية دافع ثمنها، لا أنساها ما حييت. ما الذي يثبت الحقائق في نفسك ؟ أن يرافقها تجربة، ممارسة، لذلك ماذا قال الشعراء ؟ قالوا:
لا يعرف الشوق إلا من يكابده ولا الصبابة إلا من يعانيها
* * *
 ماذا قال الإمام العُكْبُرِيّ ؟ إمامٌ جليل ألف كتاباً في إعراب القرآن، قال هذا الإمام الجليل عن القرآن الكريم: تؤخذ ألفاظه من حفَّاظه، وتؤخذ معانيه ممَّن يعانيه. مثلاً: لو أن إنسان بلا بيت، تزوج وعمل عقد قران، وبيت أهله مزدحم بالإخوة والأخوات، وما في عنده ولا محل، وعمل عقد قران وهو يبحث عن بيت، مضى أسبوع وأسبوعان، وشهر وشهران، وعام وعامان، يكاد يتمزَّق، يريد مأوى يؤويه، إذا قرأ الدعاء النبوي الشريف، الإنسان إذا دخل بيته في دعاء:

 

(( الحمد لله الذي آواني وكم ممن لا مأوىً له))

 هذا الدعاء بعد معاناة سنتين، عثر على بيت، وسكنه، واستقر فيه، إذا دخل هذا البيت، وقرأ هذا الدعاء، يحسُّ أن كل خليةٍ في جسده، كل شعرةٍ في جلده، كل قطرةٍ في دمه، تصدق هذا الدعاء. هذا التفاعل، أحياناً يكون في خبرة، في تجربة، في معاناة، فإذا قرأت نصاً يعبِّر عن هذه المعاناة تتفاعل معها تفاعلاً لا حدود له، مثلاً إذا واحد أصابته آلام الكلية ـ معه بحصة ـ وفي ليلة من الليالي ما نام الليل حتى الصُبح، وآلام لا تحتمل، فإذا قرأ في كتاب، أو في مقالة، أو سمع من إنسان كلام عن موضوع آلام الكلية يقول لك: إيه والله، تحس كلمة إيه والله طالعة من أعماقِ أعماق أعماقه، لأن هذا الكلام عبَّر عن تجربة.
 إذاً، ما الذي يجعلك تتعلم ؟ أن تمارس هذه التجارب، فمثلاً:

 

 

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30)﴾

 

( سورة فصلت )

 أنا متأكد لو ألقيت على ألف شخص معنى هذه الآية ألف مرة، لا تؤثر فيهم، أما أحدهم إذا استقام على أمر الله تماماً، وشعر بالطمأنينة ، وشعر بالقُرب، وشعر بالأمن، هذه الاستقامة، وهذا الشعور المكافئ للاستقامة، هذا يجعله يفهم الآية فهماً أبدياً.
 لذلك أيها الأخ الكريم، إذا دعوت إلى الله عزَّ وجل، لا تتكلم عن معلومات درستها وقرأتها، بل تكلم عن خبرات مارستها، عاينتها، لأنك إذا عبَّرت عن تجربةٍ، عن خبرةٍ، عن معاناةٍ، فإنك تفعل في الناس فعل السحر، هل تحب الله فعلاً ؟ إذا كنت تحب الله فعلاً عبِّر عن هذه المحبة، تجد الناس يبكون من كلامك، يعني الإنسان إذا تكلم ليتكلم من قلبه، من خبرته، من معاناته، من تجربته، من شيءٍ يحسه، من شيءٍ ينبض به قلبه، هذا الذي يؤثر، أنا أدلكم ـ كما قال النبي الكريم: نضر الله عبداً سمع مقالتي فحفظها... كيف يحفظها ؟ إذا طبقها، مثلاً هذا الحديث الشريف المعروف:

 

(( ما ترك عبدٌ شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه ))

 

( من الجامع لأحكام القرآن )

 لو قرأت هذا الحديث آلاف المرات، لو استمعت إلى تحليلٍ لغوي دقيقٍ دقيق عنه، لا يعلق في ذهنك إلا في حالةٍ واحدة، إذا تركت شيئاً لله فعلاً، ورأيت أن الله سبحانه وتعالى أكرمك إكراماً لا حدود له، تقول له: صدق النبي عليه الصلاة والسلام، إيه والله. هذا الذي يثبِّت المعاني في قلبك، " من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم "، فأحياناً يكون هذا الحديث في قلبك، في مشاعرك، في وجدانك، في عقلك، في كل ما تحس به، هذا الذي قاله النبي عليه الصلاة والسلام.. نضر الله عبداً سمع مقالتي فحفظها... إذاً أساس الحفظ الاهتمام والتطبيق، إذا طبقت الله عزَّ وجل يلقي في قلبك هذه المشاعر..
 فحفظها ووعاها... لذلك الوعي مهم جداً، الله عزَّ وجل يقول:

 

﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24)﴾

 

( سورة محمد )

 الوعي ؛ أن تعي أبعاد هذا الحديث، أن تعي أبعاد هذه الآية، لذلك حضور مجلس العلم مسؤولية كبيرة جداً، كلما حضرت مجلس علم، ووعيت ما يقال فيه، وحاولت أن تحفظه، ودرسته، لهذا الله عزَّ وجل يقول:

 

﴿ قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ﴾

 

( سورة سبأ: من آية " 46 " )

 كلام رب العالمين، كلام خالق الكون..

 

﴿ قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ﴾

 

 ما هذه الواحدة ؟

﴿أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾

 يعني أنت حضرت درس، اسأل كل طلاب الجامعات: ما الذي يجعل الطالب ينجح نجاحاً متفوقاً ؟ يقول لك: قبل المحاضرة قرأتها، وبعد المحاضرة درستها. لأن هذا العلم أنت سمعته، كل ما ليس في القرطاس ضاع، هواء كلام بكلام، أما إذا كتبت هذا الحديث، جلست مع نفسك ساعة أو نصف ساعة، مع أخوك، مع صديقك يحكوا في العمل أحياناً زميلين من جامع واحد، أحياناً أخوين من جامع واحد، أحياناً جارين، جلست مع أخوك، أحياناً جاء أخوه وزوجته، يقعد مع زوجته ربع ساعة ما موضوع الحديث ؟ ماذا قيل عن هذا الحديث ؟ عملية مذاكرة فيما قيل، هذه المذاكرة تثبِّت، حديث كان طائر فاصطدته، كان شيء متفلِّت قيدته، لذاك المذاكرة..

 

﴿ قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾

 يعني فكر في هذه الدعوة، جاءتك دعوة من الله عزَّ وجل، فهل من الممكن إنسان على وجه الأرض يأتيه مكتوب، فيمزقه رأساً دون أن يفتحه ؟ افتحه يا أخي، اقرأه وبعدها كذبه اقرأه ثم قل: لا يعنيني، اقرأه ثم قل: فيه كذب، لكن اقرأه، لأن الإنسان ماله حق يحكم على الدين قبل أن يطلع عليه، اقرأ القرآن، افهم معاني القرآن، اقرأ ما قاله النبي، افهم معاني ما قاله النبي ثم احكم، إذاً حضور مجلس العلم شيءٌ خطير في حياة الإنسان، والحقيقة الشيء الذي أتمنى عليكم أن تكونوا في مستواه أنه:

 

 

(( أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل))

 

( من مختصر تفسير ابن كثير: عن " السيدة عائشة " )

 فحضور الإنسان درس، مع درس، مع درس، تجد المعلومات تنو، تنمو، تنمو تماماً كما لو كان هناك ميزان خمسة كيلو، وميزان ثاني خمس غرامات، ما تحرك الميزان ولن يتحرك، هذه الشهوات خمسة كيلو، سمعت درس خمس غرامات، درس ثاني خمسة، درس ثالث، رابع، خامس، صاروا مائة غرام، خمسمائة، مائتين، ألف، خمسة آلاف وبعدها غض بصره، هذه البضاعة تركها، هذه السهرة تركها، هذا اللقاء تركه، هذا الصديق تركه، هذا الغناء تركه، زوجته انتبه لها ؛ خروجها، نظامها، صلاتها، أولاده، تحرك، القناعات تراكمت، أما أن يأتي درس يغيب ثلاثة، فتحنا على البرميل الحنفية، ففي الدقيقة نصف لتر، بعد جمعة نشفوا، تبخروا، فتحنا لتر، وأوقفنا جمعتين، تبخروا، يجب أن يمتلئ البرميل، تراكمْ تراكم.
 إذاً، نضر الله عبداً سمع مقالتي فحفظها ووعاها وبلَّغها من لم يسمعها... إذاً بلغها، حضرت درس، تكلَّفت، بذلت وقت، بذلت جهد، الطريق ساعة ونصف، والدرس ساعة وربع، والرجعة ساعة ونصف، فهذا الشيء ينبغي أن تستثمره، ألا تحب أن ينتشر الحق ؟ فأنا أقول لكم كلمة: الله يحاسبك عن جيرانك، يحاسبك عن أقرباءك، عن إخوتك، عن أخواتك، عن أصهارك، عن زملاءك في عملك، واحد إنسان مفكر اسأله سؤال، بيِّن له حديث، أخي ما فيه خير، مَن قال لك ما فيه خير ؟ احكي له، ما قولك إذا أصغى لك، وتأثر، وجاء معك إلى المسجد، واستقام على أمر الله، هذا خيرٌ لك من الدنيا وما فيها. " لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيرٌ لك من الدنيا وما فيها ".
 صدقوني، أنا لا أتصور مؤمن ليس في برنامجه اليومي أن يسعى لهداية الناس، مؤمن محب لله عزَّ وجل، الله عزَّ وجل نور قلبك، عرفك بمهمتك، بين لك الطريق الصحيح، والمنهج القويم، أفهمك كتابه، أفهمك كلام نبيه وتظل ساكت ؟ تحكي بالأسعار، أخي حر الدنيا، خير وإذا كان حر ؟ يعني موضوعات كلها لا تقدم ولا تؤخر. " إن الله يحب معالي الأمور ويكره سفسافها ودنيها ". يعني أريد أن أقول لك بالمختصر المفيد: لك عند الله حجم بحجم عملك الصالح. أنا لا أنسى مرة، حضرت تشييع جنازة، أحد العلماء أبَّن هذا المتوفى، وقف وقال: يا إخوان هذا أخوكم أبو فلان كان مؤذن ترحموا عليه. أنا أعرفه فلان له نشاط واسع في الدنيا، وعنده طموحات، ما تمكن يحكي عنه إلا كان مؤذن ترحموا عليه.
 أنا انتبهت أنه إذا واحد مات وأراد إنسان أن يؤبنه ماذا سيحكي عنه ؟ والله يا أخي بيته مائتي متر، هذه لا تحكى، والله كان عنده ست سيارات، لا تحكى، والله يا أخي كان طويل وكان وسيم الشكل، ما لها قيمة الآن، بعدما مات انتهى، والله يا أخي عامل ترتيب في بيته رائع جداً، أي شيء متعلق في الدنيا لا يحكى عند الموت، أما والله يا أخي هذا الرجل ترك علم نافع، ترك أولاد صالحين، كان له مساعي في خدمة الناس، فالإنسان يجهد إذا كان توفي يتمكن الآخرون التحدث عنه خمس دقائق وليس كلمة واحدة، عشر دقائق، ربع ساعة في أشخاص أعلام كبار تتكلم عنهم ساعات ولا تنتهي.
 فحجمك عند الله بحجم عملك، ماذا عملت أنا، ماذا قدمت ؟ أكلت لك، أخي أكلنا، وشربنا، وتنزهنا، وسكنا، ورتبنا بيتنا، والبيت عملنا سهرات وصار كثير من التجلي، صار في سرور الحمد لله، الله تجلنا علينا، وبعد ذلك ؟ ماذا فعلت ؟ الموت قادم ماذا قدمت لهذه الساعة ؟ بمن أنت أثرت ؟ من هديت إلى الله عزَّ وجل ؟ هذا الحق لمن نقلته ؟ كيف نقلته ؟ الآن في أخ أحياناً يكون كثير مخلص لله عزَّ وجل، والله ما آتاه لسان طليق، ولكن آتاه شيء ثاني، عنده إمكانيات فيكرم الناس ويجلبهم إلى المسجد، هذا كأنه هداهم تماماً." لا حسد إلا في اثنتين: رجلٍ آتاه الله مالاً فهو ينفقه ـ في طاعة الله ـ ورجل آتاه الله علماً ".
 يعني إذا كان واحد الله ما آتاه لسان طليق، لكنه استطاع بماله، أو بقوته، أو بوجاهته فالله عزَّ وجل كل إنسان آتاه شيء، ما في إنسان الله ما آتاه شيء، عندك حرفة، خدمت الناس بحرفتك، أي حرفة إذا أتقنتها، وكنت واقعي، ومعتدل، وخدوم، أنت داعية وأنت لا تشعر، هذا الذي يفسر قول النبي:

 

(( التاجر الصدوق مع النبيين والصديقين يوم القيامة))

 

( من الجامع لاحكام القرآن: عن " ابن عمر " )

 ما هذا الكلام ؟ تاجر باع واشترى، فإذا أنت بعت بإخلاص، البضاعة جيدة، والسعر معتدل، ما كان في كذب، ولا تدليس، ولا غش، وكنت لطيف مع الناس، والناس انسروا منك، يا أخي والله هذا تاجر عظيم، هذا مؤمن، الآن، أكبر دولة في العالم الإسلامي ما هي من حيث العدد ؟ إندونيسيا، مائة وخمسين مليون، العرب كلهم مائة مليون وإندونيسيا مائة وخمسين مليون، كل هذه الملايين إنما تمت هدايتها على يد التجار، طبعاً تاجر صدوق أمين، وفي، لا يكذب، لا يغش، لا يدلس، لا يعسر على الناس، الحديث معروف عندكم.

 

(( الذين إذا حدثثوا لم يكذبوا، وإذا وعدوا لم يخلفوا، وإذا ائتمنوا لم يخونوا، وإذا اشتروا لم يذموا، وإذا باعوا لم يطروا، وإذا كان لهم لم يعسروا ـ طول بالك، لا الآن، وإذا كان لهم لم يعسروا ـ وإذا كان عليهم لم يمطلوا ))

 

( من الجامع الصغير: عن " معاذ " )

 " مطل الغني ظلمٌ يبيح عرضه."يعني لك حق أن يحكي عليه، معه ولا يعطيك هكذا يعذبك، مطل الغني ظلمٌ يبيح عرضه، هناك حديث أدق من ذلك لم أحفظه، إذاً أنت إذا ما كان عندك لسان طليق تحكي ما قاله النبي بفصاحة، وطلاقة، ودقة، وعمق، وتحليل في عندك شيء ثاني، من خلال حرفتك اخدم الناس، فإذا خدمتهم، يمكن يدخل إلى بيتك دهان يدهن لك بيتك ويكون هو الداعي إلى الله وأنت لا تعرف ؛ عفيف، غض بصر، على إتقان في العمل، على أدب جم، من أين هذا ؟ أين ربي هذا الدهان ؟ حتماً في جامع رباه، أخي دلنا على جامعك، أنت من خلال استقامتك بعملك، جعلت صاحب المنزل يأتي إلى الجامع، فأبواب الدعوة إلى الله واسعة جداً، فليست كل الدعوة كلام، في شيء ليس كلام، في شيء عمل، إتقان، سعر معتدل، نُصح.." الدين النصيحة ".
إذاً: نضر الله عبداً سمع مقالتي ـ مشافهةً الصحابة، نحن قراءةً أو سماعاً من دعاة ـ فحفظها... لاهتمامه وهذا أول عامل، العامل الثاني بالتطبيق. عوامل الحفظ شيئين: الاهتمام والتطبيق..
 ووعاها... فهم أبعادها، انتبه انتباه شديد، سأل، عمل مذاكرة، الآن إلا ما يلتقي أخ مع أخ بحكم الجوار، بالمنزل، بالعمل، بالقرابة اعمل بالجمعة ساعة مع صديقك، مع أخوك، مع أحد رواد المسجد تذاكروا بهذا القرآن، ماذا قيل يوم الجمعة، يوم الأحد، بالخطبة ماذا قيل؟ تذاكروا، عود لسانك على أن يذكر الله عزَّ وجل، اجعله طليقاً بذكر الله، قال له: خبي فحماتك الكبار لعمك آذار، قال له: هذه آية أم حديث ؟ ما هذا الكلام، ما فيه يحكي آية يضبطها، ما فيه يحكي حديث، عود اللسان عوضاً أن تحكي بموضوعات تافهة تحكي عن الله عزَّ وجل.
 إذاً، فحفظها ووعاها وبلغها من لم يسمعها... أقول لكم الصراحة: كل واحد يحضر مجلس علم هذا رسول لمن لا يحضرون، الآن في أشخاص كثيرين، أو معظم الناس أن يأتي على المسجد يسمع درس علم، لا يدخلة في برنامجه، برنامجه يغتسل ويصلي الجمعة في الجامع فقط، أما يفتح كتاب، يفهم شيء من كلام ربه، شيء من حديث نبيه، لا، ليس داخل في برنامجه أن يحضر مجلس علم، إذاً أنت هذا مكلف فيه ؛ بعملك، بسكنك، بحكم قرابتك، صهرك، ابن عمك، ابن خالتك، قريبك، صانع عندك، إذاً: وبلغها من لم يسمعها... مرة قرأت أربع كلمات بمجلة، في بعض المجلات تنتهي المقالة بنصف صفحة، نصفها فراغ، يضعوا حكمة، ما تفاعلت بحياتي مع أربع كلمات كهذه الكلمات، قال: إذا أردت أن تسعد فأسعد الآخرين، فأنت أسعدهم. الإنسان تبنى ـ بالتعبير الدارج ـ تبنى إستراتيجيته، الإنسان له إستراتيجية، له أهداف أساسية على الأخذ أو العطاء، إذا أردت أن تعرف من أنت، هل أنت من أهل الدنيا أم من أهل الآخرة ؟ إذا كنت تحب الأخذ، فأنت من أهل الدنيا، فإن كنت تحب العطاء، فأنت من أهل الآخرة.
مقياس دقيق جداً، هل تحب أن تكون أحس واحد ؟ النبي عليه الصلاة والسلام ما ترك بعد أن توفاه الله شيئاً، قال:

 

(( ما لي وللدنيا إنني أنا كمسافر استظل في ظل شجرة ثم رحل عنها ))

 " خذ من الدنيا ما شئت وخذ بقدرها هماً ".. " من أخذ من الدنيا فوق ما يكفيه أخذ من حتفه وهو لا يشعر ".
 حدثني صديق عنده محل يبيع مفروشات قال لي: جاءني واحد من كبار التجار موسوس كثير يريد غرفة نوم، قال لي شهرين ثلاثة يقلب جرنالات، بعدها انتقى موديل رائع جداً، يريد أن يرى خشبها، راح اشترى خشب جوز، ويبسه سنتين حتى لا تفتل، بعدها بدأ الشغل، قال لي: زارني عشرات المرات أثناء التصنيع، وفي مرة من المرات انبطح تحت التخت انبطاح خاف أن يكون في عقدة من الداخل، خلصت حتى وجد المسكات شهر، انتهت الغرفة، ووضعها البائع بصالون العرض لأنه خاف أن تباع، يأتوا أُناس يحبوه، ولهم قيمتهم، ويطلبوها، أخي تعال خذها ما كان يأخذها، تعال خذها، بعد ذلك قال له: أخي ادهن الغرفة، أول وجه، وثاني وجه، ست أوجه، وبعدها هنا في لمعة، هلك الدهان، بعدما انتهى الدهان، أتى بالمنجد عمل الستائر، خبرهم: تعالوا خذوها، قال لي: سمعت وأنا أخبرهم بكاء، جاءت امرأة قالت له: أخي مات صاحبها، ثلاث أو أربع سنين يصممها هذه الدنيا ؛ تخسر كل شيء بثانية واحدة، كل شيء، أما إذا واحد مهيأ أعمال صالحة..

 

 

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾

 

( سورة فصلت: من آية " 30 " )

 يعني الموت عرس المؤمن، أجمل لحظات المؤمن عند لقار ربه عزَّ وجل.
 وبلغها من لم يسمعها ـ هنا أجمل ما في الحديث ـ فربَّ حامل فقهٍ إلى من هو أفقه منه... يعني أنت سمعت هذا الحديث، وفهمته، وعقلته، وتفاعلت معه، وحكيته لواحد، قد يكون هذا الشخص أوسع أفق منك، وتفاعل معه أكثر، ونشره، فاهتدوا على يد من نقلت له الحديث مائة، المائة كلهم لك، أنت نقلته نقل بسيط، نقل موجز، وغير مفصَّل، أما هذا الذي نقلته وهو أفقه منك، إذا اهتدى على يده آلاف الأشخاص، كلهم في صحيفتك.. فربَّ حامل فقهٍ إلى من هو أفقه منه... لا تعرف، هذه الكلمة الطيبة صدقة..

 

﴿ وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً﴾

 

( سورة المائدة: من آية " 32 " )

 آخر تعليق على الحديث الشريف: أحياناً أخ كريم يحضر درس أو خطبة ويتأثر تأثر شديد، يتمنى هذا الدرس ينقله لزوجته أو لأقربائه، يقول لك: أنا آخذ لهم شريط أسمعه لهم فهذا العمل كذلك عمل طيب، لأنك من حرصك على هدايتهم أسمعتهم الدرس كما هو، أحياناً يطلع خير من نقل كلمة ـ هذه الكلمة الطيبة صدقة ـ في حديث آخر يقول:
" ما من صدقةٍ أفضل من كلمة الحق ".
 أعظم صدقة.. وفي بعض الأحاديث أيضاً بهذا المعنى يعني الإنسان والآية الكريمة:

 

﴿ وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾

 هذه آية كريمة..

 

 

﴿ فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً﴾

 

( سورة المائدة: من آية " 32 " )

 إذا أنت الله وفقك تهدي إنسان، تجعله يستقيم على أمر الله، فهل أنت تعرف ما في وراء هذا الإنسان ؟ أول شيء زوجته، أولاده، إخوته، أصهاره، يمكن تغيبه خمس ست سنوات تجد حوله مائتي رجل، كلهم يمشون مستقيمون، كلهم في صحيفتك، هذا الذي أقوله دائماً، والله حديث له ثلاث روايات، لو يفهم الإنسان هذا الحديث فهم عميق..

 

(( يا علي لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيرٌ لك من الدنيا وما فيها))

 

( من الجامع الصغير )

(( خيرٌ لك ممن طلعت عليه الشمس ))

(( خيرٌ لك من حمر النعم ))

 وإذا سمح الله لك أن تعلِّم الناس، أو أن تدعو إليه، فاعلم أن هذه صنعة الأنبياء، عندما ربنا عزَّ وجل قال لسيدنا موسى:

 

﴿ وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (41)﴾

 

( سورة طه )

 يعني يمكن واحد مؤمن يكون غالي على الله عزَّ وجل ؛ يكون وقته، وحياته، وذكاؤه، وخبراته، وثقافته، ومطالعاته، ونشاطه كلها في سبيل الله، هؤلاء..

 

﴿ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (12) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (13) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآَخِرِينَ (14)﴾

 

( سورة الواقعة )

 قلَّة، أن يبيع الواحد نفسه لله عزَّ وجل، الإنسان لماذا لم يكن طموح ؟ المنيح أحسن منك ؟ " يا سعد لا يغرنك أنه قد قيل خال رسول الله، فالخلق كلهم عند الله سواسية، ليس بينه وبينهم قرابة إلا طاعتهم له ". باب مفتوح، فضل الله عظيم يسع جميع الناس، فالإنسان يكون طموح، ويكون عنده همة عالية كما قال النبي:
" علو الهمة من الإيمان ".
 يعني تعلم، وعلِّم، وابذل جهد، وعندئذٍ يسمح الله لك أن تكون مقرباً..

 

﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (54) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (55)﴾

 

( سورة القمر )

 لك مكان عالي عند الله عزَّ وجل، أما أهل الدنيا..

 

﴿ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً (105)﴾

 

( سورة الكهف )

 لهم صغارٌ عند الله..

 

﴿ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15)﴾

 

( سورة البقرة )

 أما أهل الآخرة..

 

﴿ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (55)﴾

 

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً (96﴾

( سورة مريم )

 والله إذا الواحد التقى مع شخص مهم، وأخذوا له صورة، يطير عقله، يضعها في جيبه على طول، دائماً يقول: كنا معه وصافحني، فكيف لو واحد له مع الله مودة ؟ مع خالق الكون، لذلك كما قال النبي الكريم:
" لي مع ربي ساعةٌ لا يسعني فيها نبيٌ مرسل ولا ملكٌ مقرب ".

 

( من الجامع لاحكام القرآن )

 

﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (26)﴾

( سورة المطففين )

﴿ لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (61)﴾

( سورة الصافات )