أحاديث متفرقة - الدرس : 011 - الخلق الحسن1 - وصايا النبي لأبي ذر الغفاري بتقوى الله…

1990-07-08

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة المؤمنون... الحديث حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم موضوعه اليوم ( الخلق الحسن).
 فعن أبي ذر رضي الله عنه أنه قال، قلت:
ـ يا رسول الله أوصني.
 ـ قال عليه الصلاة والسلام:

(( أوصيك بتقوى الله فإنها زين لأمرك كله))

 .. وفي رواية لابن حبان:

(( فإنها رأس الأمر كله ))

 ـ قلت: يا رسول الله زدني.
 ـ قال: عليك بتلاوة لقرآن وذكر الله عز وجل، فإنه ذكرٌ لك في السماء ونور لك في الأرض.
 ـ قلت: يا رسول الله زدني.
 ـ قال: عليك بطول الصمت فإنه مطردة للشيطان وعون لك على أمر دينك.
 ـ قلت: يا رسول الله زدني.
 ـ قال: إياك وكثرة الضحك فإنه يميت لقلب ويذهب بنور الوجه.
رـ قلت: يا رسول الله زدني.
 ـ قال: قل الحق وإن كان مراً.
 ـ قلت: زدني.
 ـ قال: لا تخف في الله لومة لائم.
 ـ قلت: زدني.
 ـ قال: ليحجزك عن الناس ما تعلم من نفسك.
 حديث طويل وله تتمة، اخترت لكم هذا الحديث لحقيقة واحدة وهي أن جوهر الدين الخلق الحسن. حينما فهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الدين مجموعة قيَم، مجموعة أخلاق فاضلة، الله سبحانه وتعالى أحبهم، ونصرهم، واستخلفهم في الأرض، حينما مسخ الدين وتقلص إلى بعض العبادات الشعائرية ؛ من صيام، وحج، وصلاة من دون تمثل لهذه القيم، عندئذٍ تخلى الله عن المسلمين، ربنا عز وجل يقول:

 

﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً (59)﴾

 

( سورة مريم )

﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾

( سورة مريم )

 فالنبي عليه الصلاة والسلام قال:

 

(( إنما بعثت معلماً ))

 

( من تخريج أحاديث الإحياء: عن " عبد الله بن عمرو " )

(( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ))

( من لجامع لأحكام القرآن )

 هذه النفس الإنسانية التي أودعها الله فينا مرتبطة بالجسد، فالجسد يحتاج إلى طعام، ويحتاج إلى جو لطيف في الصيف، وإلى جو دافئ في الشتاء، يحتاج إلى نصفه الآخر، هذا الجسد يحتاج إلى المُتَع التي أودعها الله فيه، والنفس مرتبطة مع هذا الجسد، إذاً الإنسان إما أن يستمد سروره ـ إن صح التعبير ـ من ارتباط النفس بالجسد، ومن تنعُّم الجسد بهذه المتع التي أودعها الله فيه، وإما أن تتصل النفس بربها، اتصالها بربها يسعدها، واتصال النفس بالجسد يطفي عليها اللذة، يمكن أن نسمي المتع الحسية التي تستمع بها النفس عن طريق الجسد لذائذ، ويمكن أن نسمي ذلك السرور الذي تنعم به النفس عند اتصالها بالخالق سعادة.
 فالإنسان بين أحد شخصين ؛ إما أن يؤثر المتعة من خلال الجسد، وهذا شأن الحيوان، وإما أن يؤثر المتعة من خلال اتصاله بخالق الأكوان، وهذا شأن الإنسان، الإنسان خلق ليسعد بالله عز وجل " عبدي خلقت لك ما في السماوات والأرض فلا تتعب ـ خلقت لك، الكون كله مسخر لك فلا تتعب ـ وخلقتك من أجلي فلا تلعب، فبحقي عليك لا تتشاغل بما ضمنته لك عما افترضته عليك ". أنت بين اتجاهين ؛ بين أن ترتقي إلى خصائص المَلَك وتفوق الملك، وبين أن تهبط إلى خصائص الحيوان وتسفل عن الحيوان، لما قال سيدنا علي: " ركب المَلَك من عقل بلا شهوة، وركب الحيوان من شهوة بلا عقل، ركب الإنسان من كليهما، فإن سما عقله على شهوته أصبح فوق الملائكة، وإن سمت شهوته على عقله أصبح دون الحيوان ".
 أنت دائماً في بيتك، في عملك، في حركتك اليومية، في نشاطك، بين أن تستمد السعادة من اتصالك بالله، وبين أن تستمد اللذة من تمتُّع جسدك بالشهوات الأرضية، ممارسة المُتَع الأرضية تعقبها كآبة، وتعقبها ندامة، في الدنيا قبل الآخرة..

 

﴿ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (14)﴾

 

( سورة الانفاطار )

 جحيم البُعد، جحيم تعذيب الضمير، لأن الإنسان خلقه الله على فطرة عالية، فإذا خالف فطرته شقي هو، شقي بذاته، أما إذا اتصل بخالقه سعد سعادة أبدية في الدنيا والآخرة.
 الآن، هذا الاتصال بالله ما ثمنه، ثمنه الخلق الحسن، فأنت في الآخرة لا تسعد إلا بالأعمال الطيبة التي أساسها مواقف أخلاقية ؛ في البذل، في الحلم، في العدل، في الرأفة، في اللطف، هذه المواقف الأخلاقية التي وقفتها في الدنيا، والتي وقفتها بسبب طاعتك لله عز وجل هي ثمن الجنة، ثمن سعادتك في الدنيا وثمن الجنة في الآخرة، بمجرد أن تطيع الله عز وجل، ولكن الشيء الدقيق هو أن طاعة الله عز وجل تحتاج إلى أن تضحي باللذائذ التي حرَّمها الله عز وجل.
 أودع بالإنسان شهوات، جعل لكل شهوة قناة مشروعة ؛ حب النساء، في قناة واحدة، في الإسلام في أم، في أخت، في ابنة، في زوجة، طريق المُتعة بالمرأة ليس لها إلا قناةٌ واحدة وهي قناة الزواج، طريق المتعة بالمال ليس له إلا طريق واحد هو الكسب المشروع، طريق العلو في الأرض ليس له إلا طريق واحد أن تكون في خدمة الخلق، وأن تكون قريباً من الحق، إذاً الموضوع دقيق، فهذا الإنسان إما أن تشده نوازعه الحيوانية ؛ فيغرق في الطعام، والشراب، والنساء، والمباهج.. إلخ، وإما أن تشده قيمه الخلقية فيسعد بقربه من الله عز وجل، ولكن قربه من الله عز وجل له ثمن، الله عز وجل عزيز، معنى عزيز لا يتجلى على قلب الإنسان بلا سبب، وبلا ثمن، والثمن ليس رخيصاً، سلعة الله غالية، الثمن أن تنهى نفسك عن الهوى..

 

﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41)﴾

 

( سورة النازعات )

 لذلك الإنسان في الدنيا يكون فقير، الفقر له أخلاق، أخلاق الفقير التجمُّل، والصبر، والتعفف، يكون غني والغنى له أخلاق، التواضع، والسماحة، والسخاء، يكون قوي والقوة لها أخلاق، أخلاق القوي العدل، والإنصاف، والتواضع، يكون ضعيف، أخلاق الضعيف الابتهال إلى الله عز وجل، وعدم القنوط من رحمة الله، فالموضوع موضوع يتعلَّق بسعادة الإنسان في الدنيا والآخرة.
 فلو أردت أن تلخص الدين كله ما زاد عن أنه الخلق الحسن، وأصحاب النبي عليهم رضوان الله فهموا حقيقة الدين، فهموا جوهر الدين، والدليل عندما سأل النجاشي سيدنا جعفر بن أبي طالب رئيس وفد المهاجرين قال له: ما الذي جاء به نبيكم ؟ هنا الشيء الدقيق هو أن هذا الصحابي الجليل ما قال: إننا نصلي ونصوم، قال:
 " أيها كنا قوماً أهل جاهلية ـ نحن أهل جاهلية ـ نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الرحم، ونسيء الجوار ـ هذه أخلاق الجاهلية، ملذات على حساب الآخرين، اقتناصاً للذائذ، بأية طريقةٍ، وبأي ثمن، مع ضرب عُرض الحائط بكل القيم الإنسانية، هذه الحقيقة حقيقة ثابتة، الإنسان الشهواني يريد شهوته بأي ثمن، من أي طريق، على حساب قيمه، على حساب دينه، على حساب القواعد الاجتماعية ـ حتى بعث الله فينا رجلاً ـ هذا النبي الكريم ما صفته، كم رصيده في البنك ؟ ـ نعرف أمانته، وصدقه، وعفافه، ونسبه ـ أربع أشياء، صدق، أمانة، عفاف، نسب ـ فدعانا إلى الله لنعبده ونوحده، وندع ما كان يعبد آباؤنا من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء ".
بربكم بماذا عرف هذا الصحابي الجليل الإسلامي ؟ بالأخلاق ؛ بالأمانة، والصدق، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء.
 فحينما نفهم الإسلام فهماً شعائرياً، صلى، وصام، وحج، وزكى وانتهى الأمر، وانطلق إلى شهواته، وإلى حظوظه، وإلى كسب المال، وكسب المال شطارة، إذا فعل هذا ليس من الدين في شيء، وإذا فهمت الإسلام مجموعة كبيرة جداً من القيم والأوامر والنواهي في كل شؤون حياتك، فأنت مسلم ورب الكعبة، لئلا تقول يا أخي الإسلام ألف مليون وليست كلمتهم هي العليا، لأنهم فهموا الدين فهماً غير الفهم الذي أراده الله عز وجل، فهموه طقوس، فهموه حركات يؤديها الإنسان في الصلاة، وهكذا تعريف بعض الناس، بعض كتب الفقه: أقوال وأفعال، مفتتحة بالتكبير، مختتمة بالتسليم، فإذا أديت الصلاة سقط الوجوب وإن لم يحصل المطلوب. تعالوا إلى كتاب الله، ماذا قال الله عن الصلاة ؟ هل قال عنها أقوال وأفعال تبتدأ بالتكبير وتختم بالتسليم، أم قال الله عز وجل:

 

﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ﴾

 

( سورة العنكبوت: من آية " 45" )

 لمجرد أن الصلاة التي تصليها لا تنهاك عن الفحشاء والمنكر فأنت لا تصلي، وهذه الصلاة التي تصليها ما أرادها الله أبداً، وما أمر بها، وليست هذه الصلاة هي التي تنجيك يوم القيامة. تعالوا إلى الصيام، " مَن لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه " إذاً الصيام انضباط، تعالوا إلى الحج " من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه " إذاً العبادات في أصلها أهدافها أخلاقية، والإنسان لا يرقى إلى الله إلا بالأخلاق.
 لذلك اخترت لكم هذا الحديث الشريف لأنه يدور حول مكارم الأخلاق، سيدنا أبو ذر رضي الله عنه قال، قبل أن أشرع في شرح الحديث يجب أن نوقن يقيناً قطيعاً أن هناك تلازماً ضرورياً، الحديد يتمدد بالحرارة هذا قانون، ما معنى قانون ؟ أي حتمي الحدوث، أي حديد في أي مكان وزمان على وجه الأرض إذا أصابته حرارة يتمدد، قانون، يجب أن نعتقد اعتقاد جازماً أن هناك تلازماً ضرورياً بين التدين الصحيح والخلق القويم، يؤكد هذا القرآن والسنة..

 

﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2)﴾

 

( سورة الماعون )

 هو نفسه..

 

﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾

 

( سورة القصص: من آية " 50" )

 " ألا لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له "..

(( أتدرون من المفلس ـ النبي الكريم سأل أصحابه ـ قالوا: من لا درهم له ولا متاع، قال: لا، المفلس من أتى يوم القيامة بصيام، وزكاة، وحج، وصدقة، وقد شتم هذا، وضرب هذا، وأكل مال هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإذا فنيت حسناته طرح عليه من سيئات فلان وفلان ثم يطرح في النار ))

( من الجامع لأحكام القرآن: عن " أبي هريرة " )

 هذا هو المفلس، فكل الذي أتمناه وأرجوه في هذا الدرس أن توقنوا أن الإسلام كله خلق حسن، إذا صح العمل صحَّت العبادة، فإن لم يصح العمل لم تصح العبادة، يؤكد هذا أيضاً أن هذه المرأة التي قيل للنبي عليه الصلاة والسلام: إنها تكثر من صلاتها، وصيامها، وصدقتها، غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها، فقال:

 

(( هي في النار ))

 لم يقل السائل: إنها تصلي، ولم يقل إنها تتصدق، ولم يقل إنها تصوم، قال: إنها تكثر، من صلاتها، وصدقتها، وصيامها غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها قال: هي في النار
 يعني إذا المسجد خرج أناساً قلةً متمسكين بدينهم تمسكاً صحيحاً كما أراد الله ورسوله، فهذا هو الفلاح كل الفلاح، هذا هو النجاح كل النجاح، هذا هو التفوق، هذا هو الفوز، هذه هي السعادة .
 فعن أبي ذر رضي الله عنه أنه قال، قلت: يا رسول الله أوصني قال عليه الصلاة والسلام: أوصيك بتقوى الله. فتقوى الله وردت بالقرآن الكريم ثلاثمائة مرة، في أدق تعاريفها، وفي أبسط تعاريفها، كلمة تقوى مصدر، من اتقى، واتقى فعل مزيد، مجرده وقى، فالتقوى وكل مشتقاتها من وقى، وكلمة وقى في معنى خطر، في معها خطر، أنا وقيت نفسي من النار، وقيت نفسي من الفقر، وقيت نفسي من المرض، وقيت نفسي من الجرثوم، إذاً حينما تقول: اتقِ الله، أي اتقي عذابه، اتقي نار جهنم، اتقي عذاب الدنيا، اتقي المصائب، اتقي الفقر، اتقي القهر، اتقي الذل، اتقي الهم، اتقي الحزن، اتقي الانقباض، اتقي الضياع، اتقي عذاب الآخرة، اتقي عذاب البرزخ، اتقي عذاب القبر، اتقي وإذا حذف المفعول به، أقول لك: اتقي الحجر. هذا الفعل مقيَّد بهذا المفعول، أما إذا حذفت المفعول أصبح الفعل مطلقاً، يا أخي اتقي، اتقي كل شيء، كل خطر، كل شقاء، كل حزن كل إحباط، كل إخفاق، اتقي، اتقي الله، الله عز وجل مصدر رحمة، اتقي الله اتقي عذابه اتقي عقابه، اتقي عدالته، اتقي البعد عنه، اتقي الشقاء من سخطه، لكن كيف أتقي هذا ؟ بطاعته.
 في أدق تعاريف التقوى، وفي أبسطها، وفي أجملها: أن تتقي عذاب الله بطاعته، أن تتقي الشرك بالتوحيد، أن تتقي الكفر بالإيمان، أن تتقي عقابه بطاعته، أن تتقي البعد عنه بالقرب منه، أن تتقي سخطه بإرضائه، كلمة واسعة، قال: أوصيك بتقوى الله، فإنها زين لأمرك كله، أمرك كله، بحياة المؤمن كم فصل في ؟ في فصل عمله، فإذا الإنسان اتقى الله في عمله يسعد بعمله ؛ ما كذب، فاليوم توفي أحد الإخوة الأكارم في اتصال بيني وبينه طيب وهو طبيب، عند القبر قام طبيب آخر وأبَّنه، ذكر خصاله الحميدة، الذي لفت نظري أن أناساً كثيرين جداً بكوا بحرقة، طبعاً هذا الطبيب أخلص في مهنته خمسين عاماً، مضى على تقاعده عشرين عاماً ولا يزال كرسيه محفوظاً في الجامعة، لأنه لمجرد أن يشعر بالنشاط يأتي إلى القسم في الكلية، أخلص إخلاص عجيب، فقد خرج أجيال من الأطباء، علمها الإخلاص قبل أن يعلمها علم الطب، بعد أن انتهت التعزية، وقف طبيب من تلامذة هذا الطبيب اللامع، قلت له: عملك المِهَنِيّ، أنا أقول كلمة دقيقة: العمل المهني إذا كان مشروعاً وإذا مارسته بطريقة مشروعة، وإذا ابتغيت به أن تكتفي أنت وأهلك، وإذا ابتغيت به خدمة المسلمين، هذا العمل المهني نفسُه كافٍ أن تلقى الله به، وأن يدخلك الجنة، وأن تسعد به إلى الأبد.
 إذا أنت طبيب ؛ ما غششت مريضاً، ولا ابتززت ماله، ولا أوهمته أن مرضه خطير كي يبق معك، ولا كلفته أن يحلل والمرض لا يستأهل التحليل، ولا كلفته أن يخطط، وأعراض قلبه لا تحتاج التخطيط، ولا أوهمته أنك الطبيب الأول في هذا الموضوع حتى يبقى معك، إذا لم توهمه بشيء غير صحيح، وأخلصت له، ونصحته، ولم تبتز ماله، ولبَّيت كل المرضى في كل الأوقات، إن هذا العمل المهني كافٍ كي يدخل الجنة.
 كذلك الصيدلي، المحامي، المدرس، الإنسان يبحث عن عمل صالح، ما في عمل أقرب له من مهنته، يبحث عن عمل صالح، مهنتك التي أنت فيها، التي أقامك الله فيها، تجارتك، كن صادق " التاجر الصدوق مع النبيين والصديقين يوم القيامة ".. " إن أطيب الكسب كسب التجار، الذين إذا حدثوا لم يكذبوا، وإذا وعدوا لم يخلفوا، وإذا ائتمنوا لم يخونوا، وإذا اشتروا لم يذموا، وإذا باعوا لم يطروا، وإذا كان لهم لم يعسِّروا، وإذا كان عليهم لم يماطلوا ". هذا كسب طيب، أنا أتمنى من كل واحد منكم يكون له أعمال صالحة كثيرة جداً، أعمال في رعاية الأيتام، وفي رعاية الأرامل، وفي إعانة الضعفاء والبائسين، وفي الدعوة إلى الله عز وجل، ولكن قبل كل شيء العمل المهني الذي أنت فيه، الذي أقامك الله فيه هذا العمل يجب أن تتقنه، لأن إتقان العمل جزءٌ من الدين، ويجب أن تخلص له، ويجب أن تنوي به خدمة المسلمين.
 فهذا الطبيب اليوم رأيته مثلاً صارخاً لإنسانٍ قضى كل حياته في خدمة مرضاه، والإخلاص لهم، وفي تخريج طلابٍ على شاكلته، رأيته بكاءً غير معقول، ليس من اقربائه لا، بل من طلابه الأطباء ممن يعرفه، قلت: والله هذا عمل يحتاج أن يذكر في المسجد، لأن كل منا له عمل، إذا استقام أكثر شيء في العمل الغش، والكذب، والاحتيال، والإيهام والتدليس، إذا أدَّيت عملك كما أراد الله عز وجل فأنت مرضي عنده.
 الحديث: أوصيك بتقوى الله، فإنها زين لأمرك كله، بعملك إذا اتقيت الله عز وجل لم تكذب، أما إذا كنت تعتبر أن كلام التجار قرآن، لا تنجح، يقول لك: إذا لم تكذب لا تربح يا أخي، هذه آية أم حديث، أنت ماشي بأقوال الناس ؟ هل أقوال الناس دستور لك ؟ إذا تاجر قال لك وهو أجهل الجُهَلاء: إذا لم تكذب لا تربح. أهذا الكلام منزل ؟ بل هذا كلام شيطان، اصدق وستربح بالصدق، لا تكذب، الله عز وجل ما كلفك من أجل رزق قسمه الله لك أن تعصيه، أبداً، لم يحملك فوق طاقتك، لك عنده رزق.
 أقول لكم دائماً مثل لكثرة تكراره أصبح عندكم مألوفاً: هذه التفاحة التي خلقها الله على هذا الغصن، في هذا الفرع، في هذا الجذع، في هذا البستان هي لك، أما كيف تصل إليها ؟ باختيارك ؛ يمكن أن تأخذها شراءً، ويمكن أن تأكلها ضيافة، ويمكن أن تأكلها هدية كله مشروع، ويمكن أن تأكلها سرقةً، وتسولاً، واغتصاباً وهكذا، فالطريقة بيدك أما الرزق مقسوم، " إن روح القدس نفثت في روعي أن نفساً لن تموت حتى تستوفي رزقها، فاتقوا الله عباد الله وأجملوا في الطلب واستجملوا مهنكم " إذاً هذا في عملك.
 الآن، في زواجك، إذا أنت عندك آيات قرآنية، الله عز وجل قال:

 

 

﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾

 

( سورة النساء: من آية " 19" )

 أنت لم تفعل هكذا، لسبب تافه أقمت عليها النكير، لسبب تافه سببتها وسببت أهلها، لسبب تافه أوقعت بها الأذى، فالعلماء يقولون: ما معنى قوله تعالى:

 

﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾

 

( سورة النساء: من آية " 19" )

 المعاشرة بالمعروف لا تعني أن تمتنع عن إيقاع الأذى بها، لا، تعني أن تحتمل الأذى منها، فرقٌ كبير جداً بين أن تمتنع من إيقاع الأذى بها وبين أن تحتمل الأذى منها، إذا أنت طبَّقت هذه الآية، والنبي الكريم يقول:

 

(( لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقاً رضي منها آخر ))

 

( من الجامع لأحكام القرآن: عن " أبي هريرة " )

 وطبقت الحديث الشريف:

 

(( ليس منا من وسع الله عليه ثم قتر على عياله ))

 

( من الجامع الصغير: عن " جبير بن مطعم " )

 لو طبقت هذه الحديث والآية والحديث أنت زوج ناجح، تسعد بزواجك، إذا لما النبي الكريم: " فإنها زين لأمرك كله " فالتقوى زين لك في عملك، زين لك في زواجك، زين لك في صحتك، لو اتقيت الله عز وجل في هذا الجسد، قال لك:

 

﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾

 

( سورة الأعراف: من آية " 31" )

 هذا أمر إباحة وليس أمر إلزام، قال لك:

 

﴿ وَلَا تُسْرِفُوا﴾

 

( سورة الأعراف: من آية " 31" )

 في كل شيء، لم يقل لك: لا تسرفوا في لاطعام والشراب، جاءت لا تسرفوا متأخِّرة، لتعود على الطعام والشراب ولتنتقل إلى كل شيء، حتى في المُتَع التي سمح الله لك بها، حتى في المباحات التي لا شائبة عليها لا تسرفوا، حتى هذا الجهاز يخدمك حتى الموت، وإلا تعمل عمليات بخريف العمر عمليتين ثلاثة إذا في إسراف، لا يوجد إسراف هذا الجهاز يخدمك إلى آخر لحظة..

 

﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾

القصد أنه زين لأمرك كله.
 هذا القلب يتحمل كثير، أما إذا حملته فوق طاقته " من أخذ من الدنيا فوق ما يكفيه، أخذ من حتفه وهو لا يشعر " إذا الإنسان ابتغى الأموال الطائلة جداً، هذه الأموال الطائلة إدارتها تحتاج إلى جهد كبير، تحتاج قلب قوي، قد لا يحتمل القلب الصدمات النفسية، فتجد بلحظات مفاجئة فقد الإنسان حياته، هكذا النبي الكريم قال:

 

 

(( خذ من الدنيا ما شئت وخذ بقدرها هماً ".. " ومن أخذ من الدنيا فوق ما يكفيه أخذ من حتفه وهو لا يشعر ))

 لو أن في وقت أو في صبر، الإنسان يتتبع أوامر الله عز وجل يجد في أوامر تخص النفس، تجد في أوامر تخص العقل، وهناك ما يخص القلب، الأعضاء، الأجهزة، الزواج، الأولاد، الجيرة، العمل، كسب الرزق، فإنها زين لأمرك كله، وفي رواية ابن حبان: فإنها رأس الأمر كله، لذلك ربنا عز وجل قال:

 

 

﴿ الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3)﴾

 ربنا عز وجل في هذه الآية قدَّم تعليم القرآن على خلق الإنسان، هذا التقديم لا يعني أن الإنسان تعلَّم القرآن قبل أن يخلق، لا، فهذا الترتيب ترتيب رُتَبِي، في ترتيب زمني، في ترتيب زمني، هذا الترتيب رتبي، أي أهمية المنهج أهم من وجود، وجودك من دون منهج تافه لا قيمة له، أحياناً تجد شخص ضائع، تعبر أنت عن هذا الإنسان أنه ضائع، فلتان، غير منضبط، لا يوجد عنده حرام وحلال، لا يوجد عنده عيب، ما عنده حياء، ما عنده ذوق، دابة فلتانة يريد مال وشهوات، هذا إنسان غير منضبط، فالإنسان من دون منهج خطير جداً.
 تصور سيارة من دون مقود ومندفعة بقوة محرك شديدة، حتماً في لها مشكلة هذه السيارة، لابد من أن تقتل أو أن يقتل صاحبها أما إذا في مقود، المقود هو العقل، الشرع هو الطريق، والمقود هو العقل، فالعقل مهمته إبقاء المركبة على الطريق، المقود هو العقل، والشرع هو الطريق، والشهوة المحرك فالشهوات إذا تحركت وأنت على الطريق، والمقود يسعى لإبقاء المركبة على الطريق فهذا أكمل شيء، في اندفاع ولكن في مقود وفي طريق، إذا لا يوجد اندفاع، المقود جاهز، والطريق جاهز لكن لا يوجد اندفاع، مستحيل، فالشهوة قوة محركة إذا معها مقود، وفي طريق وإلا قوة مدمرة.
 قلت: يا رسول الله زدني، هذا سيدنا أبو ذر رضي الله عنه طموح، لا إسراف في الخير، ولا خير في الإسراف، بالإسراف لا يوجد خير، أما لا إسراف في الخير ؛ في موضوع معرفة الله عز وجل، في حفظ القرآن، بخدمة الخلق، بالصدقات لا يوجد إسراف أما من دون أعمال صالحة الإسراف ليس خيراً، قال: عليك بتلاوة القرآن وذكر الله عز وجل فإنه، ذكر لك في السماء ونور لك في الأرض، يعني ما الطريق الذي يوصل إلى الله عز وجل ؟ أن تذكره..

 

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (42) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً (43)﴾

 

( سورة الأحزاب )

 فالأمر: اذكروا الله ذكراً كثيراً. فالإنسان إذا كل يوم خصص لنفسه كم صفحة قرآن كريم، جزء، نصف جزء، حزب، حزبين، تلاوة مع تدبر، هذا شيء إذا ألفه الإنسان أصبح جزءً من حياته، مر معي " أنك إذا أردت أن تناجي ربك فادعوه ـ أحياناً الإنسان ماشي بطريق ادعي الله عز وجل ـ وإذا أردت أن يناجيك فاقرأ القرآن " تحب الله يكلمك اقرأ القرآن، تحب تناجيه أنت ادعه، فخلي علاقتك مع الله عامرة بالدعاء وتلاوة القرآن، بالدعاء تناجيه، وبتلاوة القرآن يناجيك، وكل ما ارتقى الإنسان الإمام الغزالي بالإحياء، يذكر أن هناك مراتب لتلاوة القرآن، في مرتبة من هذه المراتب حينما تتلو كلام الله عز وجل لا تشعر إلا أن الله يخاطبك، في بعض الحالات ؛ أحوال أهل القرب إذا وقفوا إلى الصلاة لا يستمعون إلى القرآن إلا من الله عز وجل، هذه شفافية عالية جداً، النبي الكريم عندما قال لأصحابه:

 

(( لو بقيتم على الحال التي أنتم عليها عندي لصافحتكم الملائكة ولزارتك في بيوتكم ))

 

( من مختصر تفسير ابن كثير )

 إذاً عليك بتلاوة القرآن، التلاوة تحتاج إلى ضبط اللفظ، وتحتاج إلى فهم المعنى، وتحتاج إلى التدبر، وتحتاج إلى التطبيق، وكل هذا من تلاوة القرآن، فإنه ذكر لك في السماء ونور لك في الأرض، طبعاً نور لك في الأرض إذا وقعت في مشكلة ورأيت القرآن الكريم يحل لك هذه المشكلة، كأنه نوَّر لك الطريق، إذا قال الله عز وجل لك:

 

﴿ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾

 

( سورة القلم: من آية " 48" )

 أحياناً الإنسان كون متضايق، في مشكلة، ضغط نفسي عليه، شبح مشكلة، إذا قرأ قوله تعالى:

 

﴿ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾

 ألا تشعر أن الله عز وجل يأمرك أن تصبر، والصبر مفتاح الفرج.
قلت يا رسول الله: زدني، قال: عليك بطول الصمت فإنه مطردة للشيطان وعون لك على أمر دينك.
 المشكلة أن جزء كبير جداً من المعاصي أساسها اللسان، وقديماً قيل: " من كثر كلامه كثر خطأه " تلاحظ أحياناً بسهرة هو المتكلم الأول، يحكي كلام لطيف، أحياناً يغلط، أحياناً يغلط غلط كبير، أحياناً يقع بالغيبة وهو لا يدري، أحياناً يمزح مزحة تمس واحد يصير في انزعاج شديد، فالذي يتكلم دائماً يغلط، فلذلك الصمت من الوسائل التي تقي الإنسان من زلاَّت اللسان، خذ هذه القاعدة: إما أن تتكلم عن الله عز وجل وإلا فاسكت. " أمرت أن يكون صمتي فكراً، ونطقي ذكراً، ونظري عبرة " إذا لم يكن لديك ما تقول، فلا غناء في القول، هذا الكلام الفارغ كلام الناس، أحياناً الغيبة والنميمة هذه معاصي، لكن في موضوعات تافهة لا يوجد فيها غيبة، موضوعات مألوفة جداً متكررة، تافهة، لا تعني شيء فلما الإنسان يضبط لسانه، والأصح يخزن لسانه، ويستعد لإلقاء الموعظة، أو لإلقاء الذكرى أو لإلقاء الحق، هذا اللسان قال: أو نؤآخذ بما نقول ؟! قال:

 

 

(( ويحك يا معاذ وهل يكب الناس في جهنم على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم ))

 

( من الدر المنثور في التفسير بالمأثور )

 حتى في البيت الإنسان، لو أن امرأته بدأت تصف له فلانة، أين ماشية ؟!! هذه معصية كبيرة، أن تصف امرأة لزوجها امرأة ثانية، لو أن زوجتك تخطب لأخوها وقالي لك: والله شفنا فلانة، طولها كذا، وكذا. أين أنت تمشين ؟ هذا ممنوع في الدين، ممنوع منعاً باتاً فيه تحريم، أحياناً في سخرية، أحياناً في نقد، أحياناً في غيبة، أحياناً في نميمة، أحياناً في نقل من إنسان لإنسان، هذه كلها معاصي، قال:

 

(( فيك يا فلان خصلتان يحبهما الله ورسوله، ألا وهما الصمت وحسن الخلق ))

 الصمت، فالإنسان إذا في معه شيء يقوله فليقله، الحقيقة المتكلم بالحق أرقى من الصامت، أرقى بكثير، بل في بعض الأحيان " الساكت عن الحق شيطان أخرس "، وفي بعض أنواع الكذب، كذب سكوتي، فإنك لو حكيت تحل مشكلة، ولكن سكت سكوتك عمل مشكلة، السكوت هو الكذب، في كذب سكوتي، وفي بأصول الفقه إجماع السكوت، أحياناً الإنسان يتكلم بشيء والكل ساكتين أي موافقين، السكوت موافقة، على كل الذي ينطق بالحق أرقى من الذي يصمت، ولكن الذي يصمت أرقى بمليون مرة من الذي يقع في معاصي اللسان، " لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه ".
إذاً: عليك بطول الصمت فإنه مطردة للشيطان وعون لك على أمر دينك، قلت زدني، قال: إياك وكثرة الضحك فإنه يميت القلب ويذهب بنور الوجه.
 النبي عليه الصلاة والسلام جُلُّ ضحكه التبسُّم، الإنسان يضحك، أحياناً ربنا عز وجل يدخل على قلب الإنسان السرور، وسيدنا علي يقول: " روحوا القلوب ساعة بعد ساعة، فإن القلوب إذا كلت عميت " والنبي الكريم إذا دخل بيته كان بساماً ضحاكاً، وكان يمزح ولا يمزح إلا حقاً، كان يمزح، في أحياناً يكون الجو جو عبس وتولى، جو جاف، المؤمن مع أهله، مع إخوانه، في مرح، في طيب، في بشاشة، ولكن في مرح بريء، وفي مرح أساسه المزاح الرخيص، وفي مرح أساسه تقصي عيوب الآخرين، وفي مرح أساسه محاكاة الآخرين، أحياناً واحد ذكي جداً يقلد الآخرين، بجلسة واحدة يقلد مئة واحد، هذا بحركاته، هذا بكلامه، هذه كلها غيبة.
 بالمناسبة، الغيبة أنواع، هناك غيبة في القلب، في قصة مشهورة بعهد الإمام مالك: أن مغسلة كانت تغسِّل امرأة ـ ولا أدري مبلغها من الصحة وإلا أنها قصة لها مغزى ـ وهي تغسلها التصقت يدها بجسم الميتة، حاولت بجهد كبير نزعها، ولكن مستحيل، فلما يئست أخبرت أهل الميتة تعالوا، أهل الميتة وقعوا في حيرة، أنقطع جزءً من لحم الميتة، أم نقطع يد المغسلة، قضية محيِّرة. الإمام مالك يقال: أنه لا يفتى ومالك في المدينة. فالإمام مالك حينما رفعت له هذه القضية أمر أن تجلد هذه المغسلة ثمانين جلدة، قال: لقد اغتابتها بنفسها، وهي تغسلها، اتهمتها بعرضها، فجلدت ثمانين جلدة، ومع الضربة الثمانين نزعت يدها.
 في غيبة بالقلب، أنت لست متأكداً، اتهمته بالسرقة ولست متأكداً، اتهمته بالكذب ولست متأكد، حتى في القلب في محاسبة عليها، الآن في غيبة بالحركات، اللسان لم يتكلم إطلاقاً، إذا وضعت يك على فمك، أنك لا تريد الكلام عليه، فهذه غيبة، متأكد أن ذمته تعبانة ؟ الله أعلم لا نعرف، تكلمت كل شيء، ما خليت شيء لم تقله بهذ العملية، الله أعلم !! هذه غيبة، التقليد غيبة، إذا واحد يسلي رفاقه، فلان هكذا يتكلم، فلان يشمي هكذا هذه غيبة.
 لذلك قال: إياك وكثرة الضحك. فالضحك الذي أساسه نهش أعراض الناس، وتقليدهم والحديث عنهم، وإبراز عيوبهم هذا ضحك أساسه المعصية، فهذا الضحك يميت القلب، أما في ضحك آخر، النبي الكريم كان بساماً ضحاكاً، جاءه رجل وقع على امرأته في رمضان ـ والقصة مشهورة ـ قال له: يجب أن تعتق ربة، قال له والله ما معي، ـ ولا أذكر النص بالضبط ـ فقال له: يجب أن تصوم ستين يوم، قال له: لا أستطيع، قال له: تصدق. قال له: ليس معي. فالنبي الكريم أعطاه شيء من التمر لكي يتصدق به. قال له: والله ما في أفقر مني. قال له: كله وخلصنا، ضحك النبي كثيراً حتى بدت نواجزه.
 في مواقف مضحكة، لكن ما في إشكال، ممكن تكون أب ومعلم، وتكون مرح، وتكون بسام ضحاك، في شخص آخذ لحاله تكلف، من دون طعمة، فلازم الأولاد ينتظروا مجيئك، أما هناك أب يفرحوا الأولاد بغيابه، إذا كان طلع يتنفسوا الصعداء، طلع الأب من البيت، أما إذا كنت أنت مؤنس، النبي الكريم كان يعمل حاله جمل ويركب على ظهره الحسن والحسين، يقول:

 

 

(( نعم الجمل جملكما ونعم الحملان أنتما ))

 هكذا علمنا النبي، قال:

 

 

(( من كان له صبي فليتصابى له ))

 

( من الجامع الصغير: عن " معاوية " )

 بل إن في الجنة باباً لا يدخله إلا من أدخل الفرح على الصغار، ففي ضحك رحماني، وفي ضحك شيطاني.