أحاديث قدسية - الدرس : 15 - تكفل الله لمن جاهد في سبيله...

2002-11-20

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

الجهاد من فرائض الإسلام الكبرى :

 أيها الأخوة الكرام: جاء في صحيح الإمام مسلم في فضل الجهاد في سبيل الله:

((تَكَفَّلَ اللَّهُ لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ لَا يُخْرِجُهُ مِنْ بَيْتِهِ إِلَّا جِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ وَتَصْدِيقُ كَلِمَتِهِ بِأَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ أَوْ يَرْجِعَهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ مَعَ مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ ))

[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]

 أيها الأخوة، في بعض الأحاديث يقول عليه الصلاة والسلام: من لم يجاهد ومن لم يحدث نفسه بجهاد مات على ثلمة من النفاق، لأن الحق يحتاج إلى قوة، ويحتاج لتضحية، فإن لم يفعل المسلمون هذه الفريضة حالهم كما ترون ليست كلمة الله هي العليا.

﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾

[ سورة البقرة : 190 ]

 والقتال في سبيل الله من أجل أن يكون الدين لله، هناك دعوة وجهاد، فالدعوة توسع رقعة السماء، والجهاد يوسع رقعة الأرض، فأكمل شيء في حياة الأرض ألا تكون أرض بلا سماء، ولا سماء بلا أرض، كل بقاع الأرض مغطاة بالحق، وكل الحق يسقط على أرض فيها مسلمون، الجهاد من فرائض الإسلام الكبرى، وحينما قصر المسلمون في هذه الفريضة في غفلة من الزمن قوي أعداؤهم، وملكوا ناصية الأرض، وأملوا إرادتهم الظالمة والطاغية، وأملوا ثقافتهم الإباحية وعولمتهم على أهل الأرض.
 فلذلك ما يعانيه المسلمون اليوم هو ثمن باهظ لتقصير في تطبيق منهج الله، ذلك أن هذا المنهج تفصيلي، لا يمكن أن نقطف ثماره إلا إذا أخذناه كله، أما أن ننتقي منه ما نريد، أن ننتقي منه الأشياء السهلة التي لا تكلفنا شيئاً، فهذا لا يجدينا إطلاقاً.

 

من لا يفكر بالجهاد إطلاقاً يموت على ثلمة من النفاق :

 أذكركم بأن عبد الله بن رواحة - رضي الله عنه - عينه النبي قائداً ثالثاً في معركة مؤتة، القائد الأول سيدنا زيد؛ حمل الراية - لواء الجهاد - وقاتل حتى قتل، تسلم لواء القيادة سيدنا جعفر جاءته ضربة على يمينه فقطعت، فأخذ الراية بشماله فجاءته ضربة على شماله فقطعت، فأخذ الراية بعضديه ثم قتل واستشهد! جاء دور الثالث تردد قليلاً وكان شاعراً فقال:

يا نفس إن لم تقتلـي تموتي  هذا حمام الموت قد صليتِ
إن تفعلي فعلهمـا رضــيت  وإن تـوليت فـقد شقـيتِ
***

 وأخذ الراية وقاتل بها حتى قتل، ثم سئل النبي عليه الصلاة والسلام عما جرى قال: أخذ الراية أخوكم زيد فقاتل بها حتى قتل، وإني لأرى مقامه في الجنة، ثم أخذ الراية أخوكم جعفر فقاتل بها حتى قتل وإني أراه يطير بجناحين في الجنة، لذلك سمي جعفر الطيار ببشارة النبي، ثم سكت النبي! فلما سكت النبي عليه الصلاة والسلام قلقوا على أخيهم عبد الله قالوا: يا رسول الله ما فعل عبد الله؟ قال: ثم أخذها عبد الله وقاتل بها حتى قتل وإني لأرى في مقامه ازوراراً عن صاحبيه!
 هبط مقامه درجة لأنه تردد! أحصيت كم من الثواني تستغرق هذه الكلمات؟

يا نفس إن لم تقتلـي تموتي  هذا حمام الموت قد صليتِ
إن تفعلي فعلهمـا رضــيت  وإن تـوليت فـقد شقـيتِ
***

 حوالي خمس عشرة ثانية، لأنه تردد في بذل روحه خمس عشرة ثانية كان في مقامه ازورار عن صاحبيه !
 فهذا الذي لا يفكر بالجهاد إطلاقاً يموت على ثلمة من النفاق !

 

مراتب الجهاد :

1 ـ جهاد النفس و الهوى :

 أيها الأخوة، الجهاد مراتب، أهم مرتبة - الآن هناك مصطلح جديد أحدث من سنتين هو التعليم الأساسي؛ دمجوا الإعدادي بالابتدائي وسموه تعليماً أساسياً- الجهاد الأساسي الذي لا يعفى منه مسلم جهاد النفس والهوى، أنت حينما تنتصر على نفسك يمكن أن تواجه عدوك، حينما تنتصر على نفسك، وشهواتك، ونزواتك، وأهوائك، و بشريتك.

2 ـ الجهاد الدعوي :

 الآن تخطيت مرحلة القبول اجتزت المسابقة بنجاح، بعد أن تنتصر على نفسك يمكن أن تفكر بجهاد آخر هو الجهاد الدعوي، والله عز وجل سماه جهاداً كبيراً قال تعالى:

﴿ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً ﴾

[ سورة الفرقان: 52 ]

 لأن الجهاد الدعوي هو الأصل، وما الجهاد القتالي إلا تمهيد للجهاد الدعوي، يقول: قصف تمهيدي، لابد أن تحتل الأرض بقوات برية، إلا أن القصف الجوي تمهيد لاحتلال الأرض، والجهاد الدعوي هو الأصل، حينما تحول قوة غاشمة قاهرة بين الحق وانتشاره، تقاتل هذه القوة لتعطي الحرية للناس أن يختاروا الدين الذي يرونه.

﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ﴾

[ سورة البقرة: 256 ]

 إطلاقاً لم يشرّع الجهاد من أجل أن نكره الناس أن يكونوا مؤمنين، لكن يشرع الجهاد من أجل أن تمنع قوة طاغية تحول بين الناس وبين أن يعتنقوا دين الحق فقط، طبيعة هذا العصر لك أن تتكلم ما شئت، وتعقد المؤتمرات، وتلقي الخطب، وتؤلف الكتب، فأول شيء جهاد النفس والهوى، ثاني شيء الجهاد الدعوي.

 

3 ـ الجهاد القتالي :

 وإذا أتيح للمسلمين في مستقبل بعيد أو قريب أن يكتسبوا شرف الجهاد القتالي فهذا والله من أعظم المراتب، لكن النبي عليه الصلاة والسلام أعطانا قنوات قال:

((مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَدْ غَزَا وَمَنْ خَلَفَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِخَيْرٍ فَقَدْ غَزَا))

[البخاري عن زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم]

أبواب نشر الحق واسعة جداً و مفتحة على مصارعها :

 يؤلمني أن أقول لكم: هناك من يقول: لا يجوز نقل زكاة المال إلى غير بلد كسب مال الزكاة، الناس في معظم بلاد المسلمين لهم بيوت، وحوانيت، وأعمال، ومركبات، أما المسلمون الذين هدمت بيوتهم، واقتلعت أشجارهم، وردمت آبارهم، ودمرت أدويتهم، وأصبحوا يموتون من الجوع، ولا حياة عند هؤلاء إلا من يخبر اليهود عن حركات المقاومين، الخبر الواحد يعطونه ثلاثة آلاف دولار! هم يريدون أن يموت الناس من الجوع ولا يحيا إلا من كان موالياً لهم، هؤلاء المؤمنون المسلمون أولى أن تقدم لهم بعض أموال الزكاة، إن وجدت قناة نظيفة آمنة مطمئنة فلا تقصر.
 الآن هذا الكلام تمهيد:

((مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَدْ غَزَا وَمَنْ خَلَفَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِخَيْرٍ فَقَدْ غَزَا))

[البخاري عن زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم]

 من دعا لهؤلاء الذين يغزون، يقاومون، يدافعون عن دينهم وأمتهم، إن لا تملك أن ترسل لهم شيئاً، أو لا تملك تجهيز غزاتهم، أو لا تملك أن تخلف أبناءهم بخير، إن دعوت لهم بجوف الليل، فإن الله سبحانه وتعالى قد يستجيب لك، دعوة الأخ لأخيه بظهر الغيب لا ترد، يا رب هؤلاء مسلمون ويقتّلون هم وأولادهم ويذبّحون، ممكن أن تفعل شيئاً بطريقة إتقان عملك، وتضع جزءاً منه في خدمة المسلمين، أنت بهذا تقوي أمر المسلمين، لذلك:

(( تَكَفَّلَ اللَّهُ لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ لَا يُخْرِجُهُ مِنْ بَيْتِهِ إِلَّا جِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ وَتَصْدِيقُ كَلِمَتِهِ بِأَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ أَوْ يَرْجِعَهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ مَعَ مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَة))

[البخاري عن أبي هريرة رَضِي اللَّه عنه]

 وفي حديث آخر:

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَضَمَّنَ اللَّهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَإِيمَانًا بِي وَتَصْدِيقًا بِرُسُلِي فَهُوَ عَلَيَّ ضَامِنٌ أَنْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ أَوْ أَرْجِعَهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ نَائِلًا مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ مَا مِنْ كَلْمٍ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَهَيْئَتِهِ حِينَ كُلِمَ لَوْنُهُ لَوْنُ دَمٍ وَرِيحُهُ مِسْكٌ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْلَا أَنْ يَشُقَّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مَا قَعَدْتُ خِلَافَ سَرِيَّةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَبَدًا وَلَكِنْ لَا أَجِدُ سَعَةً فَأَحْمِلَهُمْ وَلَا يَجِدُونَ سَعَةً وَيَشُقُّ عَلَيْهِمْ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّي وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي أَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأُقْتَلُ ثُمَّ أَغْزُو فَأُقْتَلُ ثُمَّ أَغْزُو فَأُقْتَلُ))

[ مسلم ععن أبي هريرة]

 نسأل الله سبحانه وتعالى أن يتيح لنا في وقت ما أن ندافع عن هذا الدين وننشره، لكن أبواباً واسعة جداً لنشر الحق مفتحة على مصارعها الآن، لك أن تدعو إلى الله، وتذكره، وتقرأ القرآن، وتعلم القرآن، هذا الحديث المتعلق بالجهاد في سبيل الله.

 

عفو النبي عليه الصلاة والسلام عن حاطب بن بلتعة :

 لابد من قصة تقترب من هذا الموضوع: قال عليه الصلاة والسلام حينما جاءه الوحي وأخبره أن حاطب بن بلتعة أرسل كتاباً لقريش يخبرهم فيه بأن محمداً سيغزوهم فليأخذوا حذرهم.
 أيها الأخوة، هذا في عرف جميع الأنظمة في العالم شرقية أو غربية خيانة عظمى، وجزاء هذا الإعدام في كل أنظمة العالم أن تخبر العدو عن تحركات الجيش، فجاء النبي بحاطب بعد أن أرسل من يأتي بالمرأة التي معها الكتاب في منتصف الطريق، وأعيدت الرسالة إلى المدينة، وقرأها النبي وهي من حاطب:

(( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا حَاطِبُ مَا هَذَا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا تَعْجَلْ عَلَيَّ إِنِّي كُنْتُ امْرَأً مُلْصَقًا فِي قُرَيْشٍ يَقُولُ كُنْتُ حَلِيفًا وَلَمْ أَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهَا وَكَانَ مَنْ مَعَكَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ مَنْ لَهُمْ قَرَابَاتٌ يَحْمُونَ أَهْلِيهِمْ وَأَمْوَالَهُمْ فَأَحْبَبْتُ إِذْ فَاتَنِي ذَلِكَ مِنَ النَّسَبِ فِيهِمْ أَنْ أَتَّخِذَ عِنْدَهُمْ يَدًا يَحْمُونَ قَرَابَتِي وَلَمْ أَفْعَلْهُ ارْتِدَادًا عَنْ دِينِي وَلَا رِضًا بِالْكُفْرِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَا إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكُمْ فَقَالَ عُمَرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ فَقَالَ إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَى مَنْ شَهِدَ بَدْرًا فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ السُّورَةَ ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ ) إِلَى قَوْلِهِ، فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ اسَّبِيلِ ))

[البخاري عن علي رضي الله عنه]

((امْرَأً مُلْصَقًا فِي قُرَيْشٍ....لست من أرومتهم يقول: كُنْتُ حَلِيفًا وَلَمْ أَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهَا وَكَانَ مَنْ مَعَكَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ مَنْ لَهُمْ قَرَابَاتٌ يَحْمُونَ أَهْلِيهِمْ وَأَمْوَالَهُمْ فَأَحْبَبْتُ إِذْ فَاتَنِي ذَلِكَ مِنَ النَّسَبِ فِيهِمْ أَنْ أَتَّخِذَ عِنْدَهُمْ يَدًا يَحْمُونَ قَرَابَتِي وَلَمْ أَفْعَلْهُ ارْتِدَادًا عَنْ دِينِي وَلَا رِضًا بِالْكُفْرِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَا إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكُمْ....وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَى مَنْ شَهِدَ بَدْرًا فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ...))

 سيدنا عمر أراد أن يقطع رأسه وقال:

((... قَالَ عُمَرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ فَقَالَ إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا.... هذا وفاء النبي وأخلاقه وقال: إني صدقته فصدقوه ولا تقولوا فيه إلا خيراً))

 هذا من أعلى درجات كرم الأخلاق، أن من كان مع النبي، وقد أخبر الأعداء بحركاته، سأله وحقق معه ورآه صادقاً وقال:

((إني صدقته فصدقوه ولا تقولوا فيه إلا خيراً))

 أخلاق النبوة شيء لا يصدق، فأخلاقهم قمة في الخلق، الأنبياء كانوا قمم البشر.
 أيها الأخوة، نحن ماذا نقول؟ احضر دروس العلم، التزم، كن صادقاً، أميناً، التكاليف التي على المسلمين في بلاد لا يحاربون فيها سهلة جداً، ومع ذلك هناك تقصير، وتسيب، وتفلت، وعدم التزام وانضباط، وكذب، ونفاق، وعلاقات غير مقبولة عند الله، لأنه تأخر عشر ثوان عن تلبية نداء القيادة كان في مقامه ازوراراً عن صاحبيه!

 

من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم :

 لذلك أيها الأخوة، لا يمكن أن نقاوم عدواً إلا إذا انتصرنا على أنفسنا، فنحن قبل كل شيء ينبغي أن ندعو بعضنا بعضاً إلى الالتزام.
 فيما مضى في عهود الإسلام المزدهرة كان الطرف الآخر يحتاج إلى دعوة إلى الله، أما الآن فالمسلمون أنفسهم ولا أحد سواهم يحتاج إلى هذه الدعوة! وهذا الفضل من الله عز وجل، وباب الدعوة مفتوح، ونحن في نعمة لا تقدر بثمن.
 أقول لكم: إن بعض البلاد الإسلامية يكفي أن تدخل إلى المسجد مرة واحدة لتساءل! بيوت الله عامرة وطافحة بالمصلين، ندرس ونذكر الله، وهذه نعمة لا يعرفها إلا من فقدها، فاستغلوا هذه النعمة أن الأمور ميسرة، فربِّ أولادك وعلم العلم لمن حولك، انقل ما سمعته لزملائك، وأصدقائك، وإخوانك، وأقربائك، وجيرانك، حاول أن تأتي بالناس إلى المساجد، وأن يكون المسجد مركزاً إسلامياً فيه دعوة متوازنة، من لم يجاهد مطلقاً في جهاد النفس والهوى، أو الجهاد الدعوي، أو الجهاد القتالي، أو من لم يحدث نفسه بالجهاد مات على ثلمة من النفاق.
 والمنافق تعلمون أنه في الدرك الأسفل من النار، حينما تتعاطف مع هؤلاء المجاهدين، وتدعو لهم في منتصف الليل، وتقدم لهم شيئاً مما تملك من قناة نظيفة آمنة، وتشاركهم مآسيهم، هذا نوع من الاهتمام، من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم.

قضية النصر لا تأتي بين عشية أو ضحاها :

 أيها الأخوة، جاء دورنا في الحياة في زمن ضعف المسلمين، لكن أنتم ما رأيتم يوم كان المسلمون أعزة، عندما أرسل هارون الرشيد إلى إمبراطور الروم كتاباً قال له: "من هارون الرشيد إلى كلب الروم! ما تراه لا ما تسمعه! وأرسل جيشاً وفتح بلاد الروم وأنقذ هذه المرأة التي قالت: وا معتصماه".
 جاء دورنا لحكمة بالغة في وقت ضعف المسلمين، لكن أجدادنا عاشوا أيام النصر.
 مرة ذكرت في خطبة عن وضع القدس حينما فتحها صلاح الدين، وحينما ألقيت أول خطبة بعد تسعين عاماً من احتلالها، والخطبة تهز رمال البيد.
 شيء مفرح أن يسمح الله لنا أن نرى النصر، يجب أن يعمل كل واحد منا، بإتقان عمله بنى لبنة في النصر، إذا المدرس درس بإخلاص، والطبيب طبب بإخلاص، والبائع باع بإخلاص واعتدال، ولم يغش المسلمين يكون كل منهم بنى لبنة.
 أخواننا الكرام: قضية النصر لا تأتي بين عشية أو ضحاها، عندنا سذاجة كبيرة جداً، النصر الذي أحرزه صلاح الدين هناك من يحلل أنه سبقه إعداد يزيد عن عشرين عاماً، إزالة المنكرات، إقامة الحدود، الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، إنشاء المدارس الشرعية، هذا النصر لم يأت بين عشية أو ضحاها بل بعد تمهيد طويل، نحن الآن نفرح حينما نرى إنساناً يقدم حياته في سبيل الله، نطرب، لكن هذا بمجموعه لا يشكل نصراً، النصر يحتاج لقاعدة متينة، ولعقيدة سليمة، يطبق منهج الله في بيته وعمله، ويسهم في حل مشكلات المسلمين، عندما يكون هناك قاعدة متينة وعمل منضبط بمنهج الله، لعل الله سبحانه وتعالى يسمح لنا قبل أن نموت أن نرى النصر الذي يفرح له المؤمنون.