الدرس : 5 - سورة الملك - تفسير الآيات 15 –19

1997-04-11

 تسخير الكون وعقوبة الغافلين
 الحمد لله رب العلمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الكرام... مع الدرس الخامس من سورة المُلك، ومع الآية الخامسة عشرة وهي قوله تعالى:

﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾

 هو أي الله جلَّ جلاله:

﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً ﴾

 آيات الأرض:
ومعنى أن الأرض ذلول ؛ أي: مُيسَّرة، فلو أن تربتها صخرية كيف يمكن لنا أن نزرعها ؟ و لو أنها مضطربة كيف سنستقرُّ عليها ؟ و كيف سنبني ؟ لو أن الماء كان غائراً فكيف سنستخرجه ؟ أو أن الحَر لا يُطاق فكيف سنعيش على سطح الأرض ؟ فجو الأرض مناسب لنا، و الهواء مناسب كذلك، نسب الأوكسجين إلى الآزوت هي نسب متوازنة، وقد أودع الله في الأرض الينابيع وأجرى الأنهار، فتت التُربة و جعلها صالحةً للزرع، خلق البذور و أرشد الإنسان إلى زرع النبات وإلى جني ثماره، أودع في الأرض فلذَّات المعادن فلو أن الحديد الذي يستخدمه الناس في كل شؤون حياتهم كان حديداً صرفاً فكيف نستخرجه ؟ لكنه جعله مخلوطاً بالتراب نستخرجه فلذَّات ثم نعالجه ونستفيد منه ونجعله حديداً صرفاً.
فلو درست حجم الأرض و دورة الأرض حول نفسها وحول الشمس، ولو درست مَيل محورها، و بعدها عن الشمس و حرارتها، لو درست قانون الجاذبية فيها و طبيعة تربتها، و طبيعة تضاريسها، و هواءها وماءها، و أنواع المخلوقات فيها ؛ من حيواناتٍ برِّية، و بحرية، وحيوانات تحلق في الجو (الطيور)، لو درست نظام الحياة فيها ونظام الفصول و نظام الليل والنهار، و نظام الشمس والقمر، لو درست الأرض لوجدَّتها مهيَّأَةً بشكلٍ كامل للإنسان، فالله جعلها ذلولاً..

﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً ﴾

 فأي شيءٍ متحركٍ صنعه الإنسان يضطرب، و لو أن الأرض تضطرب فمن الصعب أن نبني عليها بناء، فالأرض مستقرَّة وحينما تُزَلْزَل يصبح عاليها سافلها، وتفقد استقرارها واستقرار الأشياء عليها، وهي بحجمٍ يتناسب مع وزن الإنسان، فوزن الإنسان على القمر هو سُدس وزنه على الأرض، فمن يزن ستين كيلو غراماً وزنه على القمر عشرة كيلو غرام، إذاً جعلها بحجمها وكثافتها وشكلها و دورانها حول نفسها وحول الشمس، وتوزُّع اليابسة والماء فيها، وتنوع اليابسة من جبالٍ، إلى هضابٍ، إلى سهولٍ، إلى صحارى، إلى أغوار و كذلك التنوّع في التضاريس، و التنوع في الجو و المُناخ، كل ذلك جعل الأرض مهيأة للإنسان:

﴿ وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ﴾

( سورة الرحمن )

 أي وضعها خصيصاً لهذا الإنسان..

﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا ﴾

( سورة الملك: آية " 15 " )

 أيها الإخوة بعض الأماكن في الأرض صخرية كاللَّجاة عندنا، هي أرضٌ صخريةٌ لا يُنتفع بها، فهي لا تُزرع، ولا تُغِلُّ المحاصيل، ولا تقبل أن تستفيد منها بشيء، تصوَّر أن الأرض كلَّها صحارى أو صخور بازلتية، و تصور أن الأرض كلَّها منحدرات قاسية فكيف نستفيد منها ؟ تصور أن الأرض بحجمٍ أكبر و بدورةٍ أسرع، أو بليلٍ أقصر، و نهارٍ أطول فكيف نستفيد منها، إذاً هذه الآية معها مجالٌ رَحْب، يمكن أن تفكر في كل شيء على أن الله خلقه وسوّاه، فهو الذي:

 

﴿ خَلَقَ فَسَوَّى﴾

 

( سورة الأعلى )

 آيات النبات:
 فالنبات مذلل، تقطفه وأنت مرتاح، فإذا كانت الثمرة كبيرة جداً جعلها على الشجر، كما أنه جعل الشجر متناسباً مع طول الإنسان، وجعل الفواكه تنضج في أوقات متتابعة، وجعل الفاكهة الواحدة تنضج في شهرٍ أو شهرين لأنها لا تُخزَّن، فهذه آيةٌ واسعةٌ جداً:

﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً ﴾

 آيات الحيوان:
 ضرب لكم مثلاً ذكرته كثيراً: هذه البقرة من ذللها ؟ الله جلَّ جلاله، فحينما جُنَّت في بريطانيا اضطروا إلى إعدامها، أو إلى حرقها، و البقرة هيَ هي، فمع أنها تقدِّم للإنسان خدماتٍ لا تقدَّر بثمن، لكنها حينما تتوحَّش لا يستطيع الإنسان إلا أن يقتلها، وقد ذكرت لكم من قبل: أنَّ أخاً عنده بقرة توحَّشت فقتلت رجلين وهمَّت بقتل الثالث، فما كان من صاحبها إلا أن أطلق عليها النار، فحينما ترى بقرةً مذللة وجملاً مذللاً و غنمةً ذليلة، فاسأل نفسك، من ذللها ؟ هب أن الله ركَّب طباع الحيوانات المفترسة في الحيوانات الأليفة فكيف سننتفع بها ؟ فلو ركَّب طباع الضبع في الغنم فلن تنمكن من أن نستفيد منه.
 الماء الفرات:
 لو أن هذا الماء الذي نشربه كان ملحاً أُجاجاً فكيف نشربه ؟ كم يكلِّف تحلية اللتر منه ؟ إنه يكلف أغلى من ثمن البنزين.

﴿ عَذْبٌ فُرَاتٌ﴾

( سورة فاطر: آية " 12 من )

 فمن يحلِّيه لنا ؟ الله جلَّ جلاله، إن أصل هذه الأمطار من البحار والبحار ملحٌ أجاج، يموت الإنسان على سطح البحر عطشاً، فكم من باخرةٍ غرقت وركب بعض ركَّابها بقارب النجاة، وكم من إنسانٍ على قارب النجاة مات عطشاً وهو على سطح البحر، فالماء الملحٌ الأجاج على اتساع مساحته، وعلى عمقه لا ينتفع منه في الشُربِ فلا بدَّ من أن يُحَلَّى،و لا بدَّ من أن يُقَطَّر، فمن جعله عذباً فراتاً ؟ الله جلَّ جلاله، من أودعه في الينابيع ؟ الله جلَّ جلاله، ونحن حينما أردنا أن نُنشئ مستودعاً للماء قَلَّدنا فعل ربنا تقليداً فجعلناه تحت الأرض بأربع مائة متر، ومستودعات مياه عين الفيجة تتصل من منبعها إلى قريبٍ من حمص، ومن سِيْف البادية إلى منتصف لبنان، حوض هذا النبع الذي يروي هذه البلدة الطيبة، من الذي صمم مستودعه ؟ ومن جعله يعطينا كل ثانيةٍ ستة عشر متراً مكعباً من الماء ليروي هذه المدينة بأكملها ؟

﴿ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾

( سورة الحجر: آية " 22 " )

 الهواء مُسَخَّر ومذلل تستنشقه أينما ذهبت بنسبٍ دقيقةٍ جداً، فلو أن نسبة الأوكسجين في الهواء ارتفعت لاحترق كل ما على الأرض لأقل شرارة، لكن نسبة الأوكسجين إلى الآزوت نسب متوازنة في الهواء، والماء مُقَطَّر، لكن الماء المقطر تقطيراً كاملاً لا يصلح للشرب لا بدَّ من بعض المعادن التي تُذاب في الماء بنسبٍ دقيقةٍ جداً، فمن الذي جعل هذه النسب ؟ في بعض البلاد التي تُحَلَّى فيها مياه البحر لا تصلح فيها هذه المياه المحلاَّة للشرب إلا إذا خُلطت بمياه الآبار المعدنية، فالماء المقطَّر كلياً لا يَصلِّح للشرب أبداً، تقول: مياه معدنية فيها كالسيوم، فيها يود ومغانيزيوم وفوسفور، فمن صمَّم هذه المياه ؟ و من أودعها في هذه المستودعات التي لا تفسُد فيها ؟ كم من مستودعٍ للماء صنعه الإنسان يُسهم في إفساد هذا الماء، النتيجة هي أن كل شيءٍ مذللٌ لك.
 القمح:
 هذا القمح الذي تأكله من جعله ينضج في يومٍ واحد ؟ لو أنه ينضج كما تنضج الفاكهة تباعاً فكيف نحصده ؟ لكان حصاده أمراً شاقَّاً، فالمحاصيل تنضج في يومٍ واحد، و الفواكه تنضج تباعاً وكل نوعٍ من الفواكه ينضج أيضا على مدار شهرٍ أو شهرين، فمن صمَّم هذا ؟ الله جلَّ جلاله..

﴿ فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾

 هذا أمر إباحة، وتعلمون أن الأمر في القرآن الكريم إما أن يكون أمر وجوب..

﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ﴾

( سورة المدثر: آية " 20 من )

 وإما أن يكون أمر ندبٍ..

﴿ وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ﴾

( سورة النور: آية " 32 من )

 وإما أن يكون أمر إباحةٍ..

﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾

( سورة البقرة: آية " 187 من )

 وإما أن يكون أمر تهديدٍ..

﴿ قُلْ آَمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا﴾

( من سورة الإسراء: آية " 107 " )

 فيوجد إذاً أمر للوجوب و أمر للإباحة و أمر للندب و أمر للتهديد، أما هذا الأمر فهو للإباحة:

﴿ فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا ﴾

 معاني هذه الآية:
 أي تحرَّكوا، فالأرض مذللة وما عليكم إلا أن تسعوا في مناكبها.. و مناكبها أي جبالها
و جوانبها.. قال العلماء في معنى هذه الآية:

﴿ فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا ﴾

 1-أي امشوا في جبالِّها.
 2-وقيل: في طرقها وفجاجها.
 3-وقيل: امشوا حيث أردتم فقد جعلتها لكم مذللةٌ لا تمتنع، فلكم أن تزرعوا فيها، ولكم أن تبنوا، ولكم أن تنشئوا البيوت، ولكم أن تحفروا الآبار، ولكم أن تنشئوا الجسور،

﴿ فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا ﴾

  4- تحرَّكوا.
 5- وبعضهم قال: " امشوا في مناكبها دون أن تغوصوا فيها " أي خذ من الدنيا ما يكفيك،
و لا تطلب ما يُطغيك خذ ما يكفيك، عش في الدنيا كأنك مسافرٌ أو عابر سبيل، و لا تجعل الدنيا أكبر هَمِّك ولا مبلغ علمك..

﴿ فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا ﴾

 إما أن تحركوا أينما شئتم فقد ذُلِّلَت لكم، هذا معنى، أو امشوا في جوانبها دون أن تغوصوا فيها..

﴿ فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ ﴾

 الله خلقكم ثم رَزَقَكُم، فالفعل جاء ماضياً، والفعل الماضي له معنى دقيق ؛ أي: حينما خلقكم و رزقكم، لا تقلقوا من أجل الرزق..

 

﴿ أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ﴾

 

( سورة الزمر: آية " 36 من )

 بلى، الله جلَّ جلاله جعل أجل الإنسان ورزقه متعلِّقاً به وحده، فلا يستطيع إنسانٌ كائناً من كان أن يقرر أجلك ولا رزقك على وجه التحقيق هكذا، أما على وجه الوهم قد تتوهَّم أن زيداً أو عُبيداً بيده أجلك وبيده رزقك، والحقيقة أن الأجل والرزق بيدِ الله عزَّ وجل، من هنا كانت كلمة الحق لا تقطع رزقاً ولا تقرِّب أجلاً..

﴿ فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ ﴾

 أي أنَّ الله عزَّ وجل هو الرَزَّاق، هو الذي صمَّم البِذار التي تُنبت الثمار، و لولا هذا التصميم لم وجد ما نأكل، فهو الذي صمَّم أشعة الشمس تُبَخِّر البحار وتعود سحباً وأمطاراً في أماكن متعددة، و لولا أن الله شقَّ السماء بالماء وشقَّ الأرض بالنبات لما كان هناك مخلوقٌ على وجه الأرض..

﴿ وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ ﴾

 آيات النبات:
 البذور:
 و موضوع البذور موضوع من أدق الموضوعات، بل هو من أدق آيات الله الدالة على عظمته، فالرُشَيْم كائن حي له جُذَير، وله سويق، وله محفظة غذاء، فإن جاءته الرطوبة والدفء تحرَّك هذا الرُشيم، لقد أخرجوا من الأهرامات قمحاً زرع فنبت، هذا القمح عمره ستة آلاف عام، والرشيم كائن حي، أي لو أن هذا الرشيم مات فالقمح فلن ينبُت فهو كائن حي، فمن صمَّم هذا الرشيم ؟ من صمَّم له محفظة الغذاء ؟ و من جعل جذيره يخرِق الصخر أحياناً ؟ ربنا جلَّ جلاله جعل في نهاية الجُذير مادةً تذيب الصخر، ترى أحياناً الجذر ينفذ إلى شِقٍ في الصخر ليأخذ الماء، و نظام النبات نظامٌ عجيب، لقد قرأت في موسوعةٍ علميَّة أنَّ أعظم معملٍ صنعه الإنسان على الإطلاق يبدو تافهاً أمام الورقةِ الخضراء التي فيها من التعقيد، وفيها من الدقة، وفيها من الإعجاز الشيء الكثير.
 الخاصة الشعرية:
 هذا الماء الذي يأخذه النبات من الأرض فيه ما يزيد عن ثمانية عشر معدناً مذاباً فيه، فالماء وسيط تُذاب فيه المعادن ويَصعد إلى أعلى النبات، فما هي القوة التي تجعله يصعد نحو الأعلى بعكس الجاذبية الأرضية ؟ قالوا: إنها الخاصة الشعرية.. وشرحها يطول.. فشجرةٌ عملاقة طولها ثلاثون متراً تأخذ ماءها من الأرض، والماء يصعد إلى أقصى ورقةٍ فيها، هذا الماء أُذيبت فيه المعادن التي في التربة ؛ الحديد، و البوتاس والفوسفور، فهناك معادن كثيرة جداً على شكل أملاح مُذابةٌ في التربة، يحلّها الماء ويصعد بها عن طريق خاصةٍ شعريةٍ دقيقةٍ جداً، يقال: إن هذه الشعريات التي يصعد فيها الماء إلى أعلى النبات مصمَّمة بدساَّمات تسمح للماء أن يذهب نحو الأعلى دون أن يَرجع نحو الأسفل، فمن صمَّم هذه الدَسَّامات في أقنية هذا النُسُغ الصاعد ؟ الله جلَّ جلاله.
 النسغ النازل:
 هناك الورقة اليخضور و ورقة الآزوت، في الورقة تتم عملياتٌ كيميائيةٌ بالغة الدقة، فالماء المُذاب فيه بعض المعادن، وهذه الطاقة الشمسية التي تُختزن في الورقة ( الفوتون ) وهذه المادة الخضراء (اليخضور ) هذه كلها تتفاعل جميعاً وتصنع ما يسمَّى بالنُسُغ النازل، فالشجرة تنمو عرضاً، ولو أنها نَمَتْ عرضاً لضاقت لمعة الأوعية، لذلك كانت الأوعية مجهَّزة بألياف حلزونية تمنع ضيق لمعتها، تصميم من هذا ؟

﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً ﴾

 و هذا النُسُغُ النازل شيءٌ عجيب فهو سائلٌ موحَّد يصنع الورقة، ويصنع الجذر، ويصنع الجذع، ويصنع الفروع والأغصان، والأوراق والأزهار والثمار، هل عندنا في الأرض سائلٌ واحد يصنع كل شيء ؟ تَصُبُّه فيكون تارةً خشباً، وتارةً مطاطاً، وتارةً حديداً، وتارةً نُحاساً ؟ هذا شيء مستحيل، آية النبات آيةٌ دالةٌ على عظمة الله عزَّ وجل، من النبات تأكل، وتصنع الأثاث، و تصنع الدواء، و تصنع الأصبغة، و تصنع الأدوية، والأصبغة وأكثر الحاجات تُصنع من النبات..
 كما تعلمون أيها الإخوة... هناك نباتٌ مهمَّته تقديم الخشب، مائة نوعٍ من أنواع الخشب نستعملها، فهناك نوعٌ للنوافذ تتحمل المطر والبرد والحر وتقلب الحرارة والبرودة، و نوعٌ نستخدمه للأثاث، و نوعٌ نستخدمه للصناعة، و نوعٌ جماليٌ جداً نستخدمه للقصور والأَبْهاء، وهناك نوعٌ نستخدمه للأثاث، و نوعٌ نستخدمه للآلات.
 حدثني رجلٌ قال: استخدمت آلاتٌ نسيجية وضِعت على قواعد أسمنتية فلم أنجح في استعمالها، جيء بخبيرٍ نزع القواعد الأسمنتية ووضع لها قواعد من شجر التوت، هذا الشجر أليافه الخشبية متينة ومرنة فإذا تحرَّك المَكّوك في أثناء الآلة وارتطم بالطرف الأول امتص هذا الشجر أو هذا الخشب الصدمة فلم ينقطع الخيط، فهناك شجرٌ مصمَّمٌ للآلات، و شجر مصمم للأثاث، و شجر مصمم للصناعات الخشبية، أنواعٌ منوعة، حتى بعض الأبنية أساسها من الخشب إذا جاءه الماء توسَّع الخشب فكان متيناً، آيات الله لا تنتهي.
 إذاً الأرض مصممة، فمثلاً: حجاج بيت الله الحرام يطوفون في البيت الحرام، على أي شيءٍ يطوفون ؟ على رخام، وهذا الرخام حجر يمتصُّ أشعة الشمس المحرقة.. ستة وخمسين، ثمانية وخمسين، أربعة وخمسين.. فالرخام الذي في الحرم سابقاً لو وَضَعْتَ أصبعك عليه وقد بللتها بلعابك لسمعت صوتاً كصوت المِكواة تماماً، كيف يطوف الناس على هذا الرخام ؟ هناك رخامٌ في الأرض من أندر أنواع الرخام لا يمتصُّ الحرارة، تطوف على هذا الرخام وهو إلى البرودة أقرب والشمس فوقه مسلطةٌ عليه.. ستة وخمسين درجة.. فمن صمم هذا الرخام ؟ من الذي جعله مذللاً ؟ الله جلَّ جلاله، إذاً كل شيءٍ أنت بحاجةٍ إليه.
 فإذا أردت أن تضع حديداً على حجر فما الطريقة ؟ هناك معدن اسمه الرصاص ينصهر في الدرجة مائة فقط على موقد بسيط ينصهر هذا المعدن، هذا المعدن إذا صهرته ثم برد فإنه يتمدد، يكفي أن تحفر حفرة في الحجر وأن تضع الحديد عليه وأن تصب الرصاص، ليس هناك من قوةٍ يمكن أن تنزع الحديد من الحجر، فمن سخَّر هذا المعدن لتثبيت المعادن بالأحجار ؟ الله جلَّ جلاله.
 المعادن (الحديد والذهب والألماس ):
 أنواع المعادن التي بين أيدينا لا تعد ولا تحصى، فكل معدن له خاصة، هناك معدن قويٌ جداً خفيفٌ جداً لصنع الطائرات، هناك معدنٌ مرن لصنع النوابض، هناك معدنٌ يتأكسد لصنع أملاح المَعدن، و لولا أن الحديد يتأكسد لما كان هناك كائن حي على وجه الأرض، لأن الحديد مادةٌ أساسيةٌ جداً في خُضاب الدم، ولولا أن الحديد يتأكسد بالأوكسجين فيكون أملاح الحديد لما أمكن استخدامه، يوجد في كل إنسان منَّا حديد ما يكفي لصنع مسمار كبير.. ستة عشر ميلي.. و إذا كان الإنسان يعاني من فقر دم يعطى الحديد، وبعض الأدوية تنطوي على حديد، والنبات يحتاج إلى حديد، فمن جعل هذا الحديد يتأكسد ؟
 أما الذهب فإنه لا يتأكسد، فقد جعله الله معدناً يُستخدم كقيمة للتعامل.
 لقد نظرت إلى مقالة في مجلة تقول أن باخرة غرقت قبل مائة وخمسين عاماً وعليها خمسة أطنان من سبائك الذهب، وقد كان هذا الذهب قد استخرج قبل عامٍ أو أكثر وغسِل، فكان بلمعته كأنه قد سُكِب الآن، على الرغم من مضي مائة وخمسون عاماً عليه وهو في قاع البحر، هذا هو الذهب إنه لا يتأثر لا بالأحماض ولا بأي عامل من عوامل التأثير.
 أما الألماس، فإنهم قد حاولوا أن يصنعوا ألماساً مشابهاً تقليدياً لكن هذا الألماس الاصطناعي بعد الاستعمال ينطفئ وهجه، بينما الألماس الطبيعي له وهجٌ يفوق حدَّ الخيال، فمن أعطاه هذه الخاصة ؟
 بالمناسبة: الألماس فحم، لكن تحمَّل ضغطاً كبيراً وحرارةً عاليةً جداً فصار ألماساً، وهذا مثل يفيدنا، فإذا كان الإنسان جاءه ضغوط كثيرة وتحمَّلها، وجاءته مواقف صعبة جداً وتحمَّلها صار نادراً كالألماس، الله عزّ وجل يسوق الشدائد لعباده لكن هذه الشدائد رحمةً بهم من أجل أن تجعلهم أناساً متفوِّقين..

﴿ وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾

 أي أن الله الذي خلق لكم الأرض ذلولاً قادراً على أن يعيدكم إليه ليُحاسبكم، هذا المعنى أي هو الذي خلق لكم..

﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾

 الله الذي سخَّر لكم كل الأرض، وكل ما في السماوات من أجلكم قادرٌ على أن يعيدكم خلقاً آخر ثم يحاسبكم عن كل صغيرةٍ وكبيرة، ثم يقول الله عزَّ وجل:

﴿ أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾

( سورة الملك: آية " 16 " )

 الزلازل:
 حينما يعصي الإنسان الله عزَّ وجل فعلى أي شيءٍ يكون معتمداً ؟ كلكم سمع أخبار بعض الزلازل، بلدةٌ مستقرةٌ تعيش في بحبوحة، أبنية شاهقة، شوارع عريضة، أجهزة اتصال، خدمات رائعة، خمس درجات من الاهتزازات تجعل هذه المدينة قاعاً صفصفاً لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً، إذاً هذا الذي يأمن مكر الله إنسانٌ مغفَّل، فبأية لحظةٍ يمكن أن يصيب الزلزال أرضاً ما أو بلدةً ما فتكون خربةً كأن لم تغن بالأمس..

﴿ أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾

 أي تضطرب، فقد توجد أجهزة إنذار مبكِّر أحياناً، يقال: زلزلة أربعة ريختر، لا يحصل شيء به، فليس هناك خسائر ولكنه لفت للنظر، وهؤلاء الناس الذين غرقوا في المعاصي والآثام من يضمن لهم أن تبقى بيوتهم هيَ هي ؟

﴿ أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ ﴾

 هذا قارون الذي قال:

﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ﴾

( سورة القصص: آية " 78 " )

 قال تعالى:

﴿ فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ ﴾

( سورة القصص: آية " 81 " )

 وهذا درسٌ بليغٌ لنا، فإياك أن تعزو الأشياء إليك بل يجب أن تعزوها إلى الله عزّ وجل، إلى فضل الله، إلى رحمة الله، لا تقل: لقد أخذت احتياطاتٍ بالغة، فلا ينفع ذكاءٌ مع الله عزَّ وجل، ولا احتياطاتٌ لأن الحذر يؤتى من مأمنه.
 معاني ( من في السماء ):
 أما كلمة من في السماء فإنها تحتاج إلى شرحٍ دقيق..

﴿ أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ ﴾

 1- قدرته وسلطانه وعرشه ومملكته، هذا معنى.

﴿ أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ ﴾

 2- قيل: خصَّت السماء لا لأن الله في السماء وحدها، فهو في كل مكان، بل لأن الناس يعظِّمون أهل الدنيا في الأرض فكان لفت نظرهم إلى السماء.. هذا معنىً ثاني..
 3- المعنى الثالث:

﴿ أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ ﴾

 أي الملائكة الذين أوكل الله إليهم إنزال العذاب بالخلق أحياناً.
 4- وقيل:

﴿ أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ ﴾

 أي سيدنا جبريل وهو الملَك الموكَّل بالعذاب أحياناً.. هذا معنى رابع..

﴿ أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ ﴾

 أي أمنتك خالق من في السماء..

﴿ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ ﴾

 كما خسفها بقارون..

﴿ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾

 أيضاً..

﴿ أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ ﴾

 5- أي بمعنى من هو فوق السماء علواً وقهراً، الآية الكريمة:

﴿ فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ ﴾

( سورة التوبة: آية " 2 " )

 أي سيحوا على الأرض، وعلى تفيد الاستعلاء لا تفيد المَكانية بل تفيد القهر والسيطرة..

﴿ أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ ﴾

 6- المعنى أيضاً أن الله سبحانه وتعالى منزَّهٌ عن التحتِ وعن السُفْلِ تعظيماً لله عزَّ وجل، وقد وصِف الله بالعلو وبالعظمة لا بالأماكن والجهات والحدود لأنها صفات الأجسام، وإنما تُرفع الأيدي دائماً إلى الله نحو السماء، و السماء مهبِط الوحي، ومنزِل القَطْرِ، ومحل القدس، ومعدن المطهَّرين من الملائكة..

﴿ أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ ﴾

 7- إلى السماء تُرفع أعمال العباد، هذا أيضاً من معنى من في السماء، وفوق السماء عرشه وجنَّته، كما جعل الله الكعبة قبلةً للدعاء والصلاة، هذه بعض المعاني التي ترد في التفاسير حول قوله تعالى:

﴿ أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾

 أي أن المؤمن لا يأمن مكر الله، و لا يأمن مكر الله إلا القوم الكافرون، و المؤمن يرى أنه في قبضة الله دائماً، يرى أن صِحَّته و حركته وأجهزته و رزقه وسلامته بيد الله عزَّ وجل، فهو خاضعٌ له دائماً مفتقرٌ إليه، تائبٌ إليه، منيبٌ إليه، عندئذِ يحفظه الله عزَّ وجل، الإنسان أحياناً يجهل ويتوهَّم أنه مَلَكَ كل شيء، وفي أية لحظةٍ يمكن أن يجعل الله حياته جحيماً، فيجب أن تعرف مكانك.. " رحم الله عبداً عرف حده فوقف عنده ".. فأنت لست بشيء والله كل شيء، فإذا كنت معه كان معك، إن استعنت به أعانك، إن استنصرته نصرك، إن تقوَّيت به قواَّك، إن اعتمدت عليه لبَّاك، إن لجأت إليه ألجأك، إن خضعت له حماك..

﴿ أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾

 وأخبار الزلازل كثيرة.. فهناك زلازل ذهب ضحيتها مائتا ألف إنسان في ثوانٍ معدودات..

﴿ أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ ﴾

 هناك فندق في مدينة في المغرب عدد طوابقه ثلاثون، أصاب هذه المدينة.. وهي مدينة أغادير.. زلزال فسقط هذا الفندق بطوابقه الثلاثين في الأرض ولم يبق منه إلا الطابق الأخير الذي كُتب عليه اسم الفندق وكأن هذا الاسم شاهدةٌ على قبر هذا الفندق..

﴿ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾

 وعندي صور لبعض الزلازل شيء لا يُصدَّق ؛ مدن، أبنية شامخة أصبحت على الأرض في ثوانٍ معدودات، بناءٌ في القاهرة شامخ خلال ثوانِ أصبح كتلةً من الرُكام بمن فيه ؛ بأشخاصه، بأساسه، بكل ما فيه..

﴿ أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾

 أي إن هذه الزلازل تحت سمعنا وبصرنا، فما يمضي يوم إلا وهناك خبر عن زلازل في بعض بلاد العالَم، وأحياناً تأتي الزلازل بنسب مضعَّفة، ليس هناك أضرار مادَّية ولكنها لفت نظر.. يا عبادي انتبهوا، هذا أسلوب تحريك العصا..

﴿ أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾

( سورة الملك: آية " 17 " )

 قد تُمطِر السماء حجارةً..

 

﴿ وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ (3) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (4) ﴾

 

( سورة الفيل )

 أهلك الله أَبْرَهَة الذي أراد أن يهدم الكعبة..

﴿ وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ (3) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (4) ﴾

 وإذا لم توجد حجارة الآن فقد وجدت الصواريخ، ووجدت القنابل، و وجد القصف الجوَّي، ووجدت الطائرات المخيفة، ووجدت القنابل التي تركب أشعة الليزر، وتوجد طائرات لها أسماءٌ محيرة، وتوجد قنابل ذكية و قنابل عنقودية و قنابل تعمل على الرادار، أنواع لا تعد ولا تُحصى، هذا كلُّه من:

﴿ أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً ﴾

 أي حجارةً أو ريحاً فيها حجارةٌ، وقيل: سحابٌ فيها حجارةٌ..

﴿ فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾

 النذير: هو المنذر وهو النبي صلى الله عليه وسلم، فالإنسان أحياناً يتلقَّى دعوة الأنبياء دون أن يبالي بها، يقرأ القرآن دون أن يقف عند أمره ونهيه وعند حلاله و حرامه، أما حينما تأتي المصائب يعرف أن الله سبحانه وتعالى كان قد أنذره ولم يستجب، الحقيقة أن دعوة الأنبياء أحياناً تُصدَّق بعد أن يُحقق وعيدُ الله عزَّ وجل، لكن البطولة أن تؤمن بها قبل أن يأتي وعيد الله عزَّ وجل، الوعيد وَرَد لكن تحقيق الوعيد هو يحمل الإنسان على أن يؤمن بهذا الكتاب، فالبطولة أن تؤمن به قبل وقوع الوعيد، أما بعد وقوع الوعيد فالإيمان حتمي، ففرعون وهو يرى قال:

 

﴿ آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90) آَلْآَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (91) ﴾

 

( سورة يونس )

 من السهل أن تقرأ وعيداً في القرآن..

﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾

( سورة البقرة: آية " 279 " )

 هذا وعيد للمرابين لكن الإنسان قد يقرأ هذه الآية ولا يستجيب لله عزَّ وجل، أما حينما يُدمَّر ماله كلَّه يؤمن يقيناً أن هذا الوعيد قد وقع لكن الإيمان ساعتئذ لا قيمة له، فالبطولة لا أن تنتظر الوعيد حتى يقع البطولة أن تستجيب قبل أن يقع الوعيد.. هذه نقطة مهمة جداً.. فحينما يقع الوعيد كل الناس يؤمن من دون استثناء، وهذا الإيمان لا قيمة له ولا يُنجي صاحبه أبداً، أما هذا الذي يؤمن بالغيب، يؤمن بالوعيد قبل أن يقع..

﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾

 يستجيب لله قبل أن تأتي حرب الله عزَّ وجل، نتابع الآية الكريمة:

 

﴿ وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾

 

( سورة الملك )

 طبعاً الإنسان يستفيد من دروس الأمم السابقة، فالله سبحانه وتعالى كلَّما أرسل رسولاً لأمةٍ فكذَّبوا هذا الرسول أذاقهم العذاب الأليم، ينبغي أن نستنبط قانون أن الله سبحانه وتعالى إذا أنذر أعذر، فانظر إلى قوم عادٍ كيف أهلكهم الله عزَّ وجل، وإلى قوم ثمودٍ، وإلى قوم تُبَّع، وإلى فرعون، كل هذه الأمم التي كذَّبت أنبياءها استحقَّت الهلاك، ثم يُشير الله جلَّ جلاله إلى آيةٍ دقيقةٍ جداً وهي قوله تعالى:

﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾

( سورة الملك: آية " 19 " )

 طيران الطير من أعظم الآيات:
 كما جعل الله سبحانه وتعالى الأرض ذلولاً نمشي في مناكبها، فإنه جعل الجو مذللاً للطير يطير في أجوائه كيفما شاء، وطيران الطير آيةٌ عظمَّى من آيات الله.. عندي موسوعةٌ علميَّةٌ عن الطيران، في مقدمة هذه الموسوعة كُتِبت ملاحظةٌ تثير الدهشة، قال: إن أعظم طائرةٍ صنعها الإنسان حتى الآن، تزيد سرعتها عن سرعة الصوت، و هناك طائرات تحمل ستمائة وخمسين راكباً يأكلون و ويشربون ويستمتعون، و هناك طائرات بأحجام كأنها مدينة تطير، والطيران معقدٌ جداً بل هو خلاصة علم الإنسان، فستمائة وخمسين راكب يركبون في مكان واحد ويجلسون على مقاعد وثيرة، تأتيهم الأطعمة الطازجة، يستمتعون بكل شيء وهم على ارتفاع أربعين ألف قدم في الجو، هناك علمٌ كبيرٌ جداً، لأن ضغط الجو في الطائرة لا يسمح للإنسان أن يستنشق الهواء لا بدَّ من أن تُحْقَن الطائرة ثمانية أحجامها من الهواء كي يكون الضغط على هذا الارتفاع العالي مساوياً لضغط الأرض، فالأمور معقدة جداً.. كُتب على هذه الموسوعة: إنَّ أعظم طائرةٍ صنعها الإنسان تبدو ساذجةً وسخيفةً أمام الطائر.. طائر يطير سبعة عشر ساعة من دون توقُف !! طائر يطير أكثر من اثنتين وعشرين ألف كيلو متر من الشمال إلى الجنوب !! الشيء الذي يحيِّر حتى الآن وليس له جواب، فقد جهد العلماء خلال مئات السنين ليعرفوا أن هذا الطائر الذي يطير كيف يهتدي إلى هدفه ؟ هل عن طريق التضاريس ؟ فوجدوا أنه يطير على سطح البحر من دون تضاريس، أم عن طريق أشعة الشمس ؟ فوجدوا كذلك أنه يهتدي إلى هدفه من دون أشعة الشمس ليلاً، فما من نظريةٍ طُرِحَت إلا وثبت بطلانها، لذلك يقول العلماء: هناك قوةٌ خفيةٌ توحي لهذا الطائر بخطةِ سيره، لأن الطائر يقطع من سبعة عشر ألف كيلو متر إلى عشرين ألف كيلو متر، فلو أنه انحرف في طيرانه درجة واحدة.. فمثلاً إذا كان عشُّه في الشام ذهب إلى مصر، فلو انحرف نحو اليسار لذهب في العراق، درجة واحدة.. طبعاً هو يذهب من الشام مثلاً إلى جنوب إفريقيا ويعود في الشتاء إلى عشِّه، أو في الصيف إلى عشِّه، فهذا لو انحرف في طيرانه درجة واحدة يمشي فوق يابسة، فوق بحار، فوق بحيرات، فوق جبال، في الليل في النهار، البحوث عن الطيران شيء لا يُصدق، و هذا الطائر حينما يستنشق الهواء آلة تعمل باستمرار لا بدَّ لها من تبريد، لذلك الهواء الذي يستنشقه يتغلغل إلى كل أنحاء جسمه ليبرِّد عضلاته لأنه يطير باستمرار، فمن أودع في هذا الطائرة قوة إبصار تزيد ثمانية أضعاف عن قوة إبصار الإنسان ؟ السبب ؟ لأنه يريد أن يأكل، فلو أن بصره قاصر ينزل ليأكل فلا يجد طعاماً فيعود، لا ينزل إلى الأرض ليأكل إلا وقد رأى طعامه على الأرض من فوق مسافاتٍ شاسعة في الجو، لذلك العلماء قالوا: "ليس هناك أي نظرية ثبتت عندنا في موضوع حركة الطائر في السماء إلا أن تكون هناك قوةٌ خفيةٌ تُلهم الطائر ". فطائر ولِد حديثاً أُخِذ إلى شرق الأرض إلى استراليا فلمَّا كبر عاد إلى بريطانيا، إذا قلنا أن حركته جنوب شمال الآن أصبحت حركته شرق غَرب، فما من فرضيةٍ وضعت لطيران الطائر إلا وثبت عكسها، لذلك الآن استسلم العلماء، الجواب هو هذه الآية:

﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ ﴾

 أي أجنحتها..

﴿ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ ﴾

 أحياناً يأتي فعل الله بواسطة، أحياناً الإنسان يموت بحادث وأحياناً يموت مباشرةً بلا سبب ظاهر، أحياناً أفعال الله عزَّ وجل تبدو لنا عن طريق سبب، وأحياناً تبدو أفعل الله بلا سبب، فطيران الطائر وتحليقه في الأجواء، وانتقاله من قارةٍ إلى قارة، ومن شمال الأرض إلى جنوبها، ومن جنوبها إلى شمالها بلا بوصلة ولا توجيه.. أما الطيار فكيف يطير ؟ هناك محطَّات أرض تبثُّ للطائرات أماكن طيرانها.. و الطيار دائماً يعرف أين هو على سطح الأرض، في أي مكان في العالَم محطات أرضية تَبُث، هذه المحطة تقع على خط طول كذا وخط عرض كذا، فالطيار عن طريق بعض الأجهزة يعرف أين هو دائماً، فلا توجد طريقة ثانية، محطاتٌ أرضية تبث للطائرات أماكن طيرانها فلهذا الطيار يهتدي في الليل لأن معه رادار، معه أجهزة إنذار، معه أجهزة تحكم، أما هذا الطائر هل يتلقى من أجهزة أرضية أين هو في السماء ؟ من يدلُّه على طريقه ؟ لذلك هذه الآية تفسِّر هذا اللُغز المحيِّر الذي حار فيه العلماء..

﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾

 أيها الإخوة الأكارم... آية الطيران وحدها من آيات الله الدالة على عظمته.
 آية الأسماك:
 آية الأسماك لا تَقلّ عن آية الطيور، فسمك السلمون ينتقل من شواطئ أوروبا إلى رؤوس الأنهار في أمريكا، ينتقل السمك من شواطئ أوربا باتجاه الغرب، أيضاً لو انحرف درجة واحدة لجاء في أمريكا الشمالية، لو انحرف درجتين نحو الجنوب جاء في أمريكا الجنوبية، هذا السمك الذي انطلق من رأس النهر في أمريكا يعود إلى النهر ذاته ليموت هناك ويلد هناك.. أما سمك السلمون فله قصَّة.. إنه حينما يدخل إلى النهر الذي خرج منه يعكس أو يعاكِس تيار النهر، أحياناً يصعد في الشلال من تحت إلى أعلى ليصل إلى هدفه.
 و هناك سمك كالأفعى ينطلق من ينابيع النيل ليصل إلى البحر المتوسط فيتجه غرباً إلى مضيق جبل طارق وشمالاً ليُحاذي إسبانيا ثم يدخل مضيق المانش.. بحر المانش.. ليموت في بحر الشمال، هذه رحلةٌ يعجز عنها أكبر ربَّان سفينة، من منابع النيل إلى بحر الشمال، من يهديه إلى طريقه ؟

﴿ قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (49) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50) ﴾

( سورة طه )

 هذه هداية الله للحيوان، وأما هداية الله للإنسان أودع فيه هذا العقل الذي جعله أكرم مخلوقٍ على الله عزَّ وجل، أعطاه عقلاً هو أداة معرفة الله، وهو مناط التكليف.
 في الدرس القادم إن شاء الله ننتقل إلى قوله تعالى:

 

﴿ أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ﴾

 

( سورة الملك )