المؤلفات - كتاب ومضات في الإسلام – الباب السابع - الفقرة : 1 - الصيام

2005-08-18

 إن الله جل جلاله قد امتن على عباده بموسم الخيرات، فيها تضاعف الحسنات، وتمحى السيئات، وترفع الدرجات، تتوجه فيها نفوس المؤمنين إلى مولاها.

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10)﴾

( سورة الشمس )

 وإنما خلق الله الخلق لعبادته فقال تعالى:

 

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)﴾

 

( سورة الذاريات )

 ومن أعظم العبادات الصيام الذي فرضه على العباد فقال:

 

﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183)﴾

 

(سورة البقرة)

 ورغَّبهم فيه فقال:

 

﴿ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (184)﴾

 

(سورة البقرة)

 وأرشدهم إلى شكره على فرضه فقال:

 

﴿ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185)﴾

 

( سورة البقرة )

 وحببه إليهم وخففه عليهم لئلا تستثقل النفوس ترك العادات وهجر المألوفات فقال:

 

﴿ أَيَّاماً مَعْدُودَةً﴾

 

( سورة البقرة )

 ورحمهم، ونأى بهم عن الحرج والضرر، فقال سبحانه وتعالى:

 

﴿ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾

 

( سورة البقرة )

 فلا عجب أن تقبل قلــوب المؤمنين في هذا الشهر على ربهم الرحيم يخافونه من فوقهم، ويرجون ثوابه، ويخشون عقابه.

 

الصوم عمل إختصه الله من بين سائر الأعمال:

 أيها الأخوة الكرام، حضوراً ومستمعين، الصوم عبادة من أجلّ العبادات، وقربة من أشرف القربات، وطاعة مباركة، لها آثارها العظيمة، والكثيرة، والعاجلة، والآجلة ؛ من تزكية النفوس، وإصلاح القلوب، وحفظ الجوارح من الفتن والشرور، وتهذيب الأخلاق، وفيها من الإعانة على تحصيل الأجور العظيمة، وتكفير السيئات المهلكة، والفوز بأعلى الدرجات.
أيها الأخوة الكرام، والصوم عمل اختصه الله من بين سائر الأعمال، ففي الحديث القدسي الصحيح عن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ اللَّهُ:

 

 

((كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ...))

 

[البخاري عن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ]

 كفى بذلك تنبيهاً على شرفه وعظم موقعه عند الله مما يؤذن بعظم الأجر عليه، فبإضافة الله تعالى الجزاء على الصيام إلى ذاته العلية تنبيه على عظم أجر الصيام، وأنه يضاعف عليه الثواب أعظم من سائر الأعمال، ففي صحيح مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

((كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعمئة ضِعْفٍ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجــَلَّ: إِلا الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي، لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ، فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ، وَلَخُلُوفُ فِيهِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ))

 

[مسلم عن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ]

 فما ظنك أيها الأخ الكريم بثواب عمل يجزي عليه الكريم الجواد بلا حساب.

 

﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (58)﴾

 

( سورة يونس)

الإخلاص أظهر في الصيام من غيره بين العبادات:

 أيها الأخوة الأحباب، الإخلاص أظهر في الصيام من غيره بين العبادات، فإنه سر بين العبد وبين ربه، لا يطلع عليه غيره، إذ بإمكان الصائم أن يأكل ويشرب متخفياً عن الناس، فإذا حفظ صيامه عن المفطرات ومنقصات الأجر دل ذلك على كمال إخلاصه لربه، وإحسانه العمل ابتغاء وجهه، ولذا يقول الله عز وجل في الحديث القدسي:

 

((يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي))

 

[مسلم عن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ]

 نبه سبحانه على وجهة اختصاصه، وبالجزاء عليه، وهو الإخلاص، والصيام جنة، يقي الصائم ما يضره من الشهوات، ويجنبه من الآثام التي تجعل صاحبها عرضة لعذاب النار، وتورثه الشقاء في الدنيا والآخرة، فعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ دَخَلْتُ مَعَ عَلْقَمَةَ وَالْأَسْوَدِ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَبَاباً لَا نَجِدُ شَيْئاً، فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

((يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ))

 

[البخاري عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ ]

 ومعنى ذلك أن الصوم قامع للشهوة فيقي صاحبه عنة العذوبة ومخاطرها، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَالَ اللَّهُ:

 

((كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ، وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلا يَرْفُثْ، وَلا يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلــَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا، إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ))

 

[البخاري عن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ]

روفي المسند عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((إِنَّمَا الصِّيَامُ جُنَّةٌ يَسْتَجِنُّ بِهَا الْعَبْدُ مِنَ النَّارِ، هُوَ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ))

[أحمد عَنْ جَابِرٍ]

فضائل الصوم:

1ـ الصوم من أسباب استجابة الدعاء:

 من فضائل الصوم أيها الأخوة حضوراً ومستمعين أنه من أسباب استجابة الدعاء، ولعل في قوله تعالى:

 

﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186)﴾

 

( سورة البقرة )

 مما تنبه هذه الآية على الصلة الوثيقة بين الصيام وإجابة الدعاء.

 

2ـ الصوم من أسباب تكفير الذنوب:

 ومن فضائل الصوم أنه من أسباب تكفير الذنوب، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ:

 

 

((الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ))

 

[مسلم عن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ]

3ـ الصوم يشفع لصاحبه يوم القيامة:

 ومن فضائل الصوم أنه يشفع لصاحبه يوم القيامة، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

 

((الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَقُولُ الصِّيَامُ: أَيْ رَبِّ مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهـــَارِ، فَشَفِّعْنِي فِيهِ، وَيَقُولُ الْقُرْآنُ: مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ، قَالَ: فَيُشَفَّعَانِ))

 

[أحمد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو]

4ـ فرح الصائم بما يسَّره الله له من الصوم في العاجل والآجل:

 ومن فضائل الصوم فرح الصائم بما يسَّره الله له من الصوم في العاجل والآجل كما في الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: قـَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

((لِلصَّائِمِ فَرْحَتَــانِ يَفْرَحُهُمَا، إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ بِفِطْرِهِ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ))

 

[أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ ]

 وهذا من الفرح المحمود، لأنه فرح بفضل الله ورحمته، ولعل فرحه بفطره لأن الله منَّ عليه بالهداية إلى الصيام، وبالإعانة عليه حتى أكمله، وبما أحله الله له من الطيبات التي يكسبها الصائمون لذة وحلاوة لا توجد في غيره، ويفرح عند لقاء ربه، حين يلقى الله راضياً عنه، ويجد جزاءه عنده كاملاً موفوراً.

 

5 ـ طيب عاقبته في الآخرة:

 ومما يدل على فضل الصيام، وطيب عاقبته في الآخرة حديثُ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

 

 

((كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، وَلَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ))

 

[صحيح البخاري عن أبي هريرة]

 وإنما كانت هذه الريح طيبة عند الله تعالى مع أنها كريهة في الدنيا، لأنها ناشئة عن طاعة، فهي محبوبة لديه، ولعل في الحديث الشريف ما يشير إلى أن هذا الخلوف يفوح يوم القيامة من فم صاحبه أطيب من ريح المسك، حين يقف بين يدي ربه، مثله مثل الشهيد حين يأتي يوم القيامة، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

((مَا مِن ْمَكْلُومٍ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَكَلْمُهُ يَدْمَى، اللَّوْنُ لَوْنُ دَمٍ، وَالرِّيحُ رِيحُ مِسْكٍ))

 

[البخاري عن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ]

6ـ اختص الله الصائمين بباب من أبواب الجنة لا يدخل منه سواهم:

 ومن فضائل الصيام أن الله اختص أهله باباً من أبواب الجنة لا يدخل منه سواهم فينادون منه يوم القيامة إكراماً لهم، وإظهاراً لشرفهم، كما في الصحيحين عَنْ سَهْلٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

 

((إِنَّ فِي الْجَنَّةِ بَاباً يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ، يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، يُقَالُ: أَيْنَ الصَّائِمُونَ ؟ فَيَقُومُونَ، لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، فَإِذَا دَخَلُوا أُغْلِقَ، فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ))

 

[البخاري عن سَهْلٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ]

 أيها الأخوة الكرام، انظروا كيف يقابل عطش الصائم في الدنيا بباب الريان في الجنة في يوم يكثر فيه العطش.

 

شهر رمضان شهر الصبر:

 أيها الأخوة الكرام، شهر رمضان شهر الصبر، فالبناء الأخلاقي أساسه الصبر، الذي هو قرين الصوم، وسميه حتى سمي الصوم صبراً، كما قال بعض المفسرين في قوله تعالى:

 

 

﴿ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾

 

( سورة البقرة )

 قالوا: الصوم والصلاة، وسمي رمضان شهر الصبر، والصبر جزاءه الجنة، وهو سيد أخلاق الإسلام، وبغيره لا يثبت المسلم أمام التحديات في دينه ودعوته، ولا يتحمل مشكلات الحياة وتبعتها ومصائبها التي لا ينفك عنها بحال، فالفوز في الآخرة والسعادة في الدنيا ثمرتان من ثمار الصبر.
 الصبر أيهـا الأخوة، هو إكسير الحياة الذي يحوِّل بإذن ربه الصعاب إلى رغائب، والهموم إلى أفراح، الصبر هو علاج كل داء، وحل كل مشكلة، وتذليل كل عقبة.

 

﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً﴾

 

( سورة آل عمران الآية: 120 )

الصوم عبادة يشترك فيها المسلمون في كل مكان مما يعمق معنى الإخاء الديني:

 ويتجلى البناء الأخلاقي في الرقي بالنفس إلى مدارج العبودية، والتخفف من أوزار الطين وثقل الأرض، لتستشرف النفس آفاق الإيمان، وتستشعر شيئاً من الأنس بالقرب من فاطرها وبارئها، وتسبح في ملكوتها. فالإنسان إنسان بروحه وشفافيته قبل أن يكون إنساناً بجسده:
أقبل على النفس واستكمل فضائلها فإنك بالروح لا بالجسم إنسان
* * *
 يتجلى أيها الأخوة في الإيثار، والإحسان، ومعايشة آلام الآخرين، ومقاسمتهم السراء والضراء، وذوق شيء مما يجدون، ولأن ذاقه الصائم تعبداً واختياراً فلقد ذاقه الفقراء عجزاً واضطراراً، ولئن عاناه الصائم وقتاً محدوداً فهو عندهم عناء ممدود، ولهذا كان رمضان شهر الزكاة كما سماه سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه، ونهايته زكاة الفطر التي يشارك المسلمون فيها الإحساس بفرحة العيد، فلا يدعون أحداً منه إلا وواسوه، حتى فقرائهم يخرجون زكاة الفطر إن قدروا ليذوقوا طعم الإنفاق ولو مرة في العام.
 أيها الأخوة الكرام، ويتجلى في الإمساك بزمام النفس عن اندفاعاتها وحماقاتها عن صاحبها، ومع الخلق فالصائم مقيد بشعور دائم يحمله على الكف عن ما يجمله ولا يليق، وربما أدرك كثير من الصوَّام هذا المعنى قبل أن يهل رمضان، كما يحقق الصوم معنى الانتساب الأممي وتبعاته ومظاهره، فهو عبادة يشترك فيها المسلمون في كل مكان مما يعمق معنى الإخاء الديني، والولاء الشرعي، ويذكر بوجوب الانعتاق من الروابط المنافية لذلك، وينهى أن توضع الروابط العادية البشرية في مكان غير صحيح، فلا تتحول إلى علاقة تساوي العلاقة الربانية بين أهل الإسلام، وكم يتمنى المرء أن يستطيع المسلمون توحيد صيامهم وفطرهم ليتعمق معنى الأمة الواحدة، ولتذوب الفواصل والعوائق التي تتراكم بمرور الزمان، فيكون الجسد الواحد رقعاً متناثرة يهدم كل طرف منها ما بناه الآخر.
أيها الأخوة الكرام، حضوراً ومستمعين، إن تجاوز هذه التناقضات يتطلب صدقاً وارتفاعاً عن المصالح الخاصة، والانتماءات الأرضية، وإيثاراً لروح الجماعة على أنانية الذات فهل نحن فاعلون ؟!

 

الصوم يذكر المسلم بالجهاد الذي هو حراسة هذا الدين:

 أيها الأخوة المستمعون، أيتها الأخوات المستمعات، الصوم يذكر المسلم بالجهاد الذي هو حراسة هذا الدين، وذروة سنامه، وسطوته على مناوئيه، فلقد كان تاريخه الشهري ملتبساً بالمواقع الفاصلة من بدر تاج معارك الإسلام إلى فتح مكة، التي كانت إيذاناً ببسط سلطانه على جزيرة العرب، إلى حطين، إلى عين جالوت، والكتاب الذي آذن المسلمون بأنه كتب عليهم الصيام هو الذي آذنهم بأنه كتب عليهم القتال، لكنه ليس قتالاً بنصرة عنصر ماجن، ولا لتسلط ظالم طاعن، ولا لجباية أموال حرام، ولا لاحتلال منابع الثروات، لكنه لتكون كلمة الله هي العليا، وحتى لا تكون فتنة، ويكون الدين كله لله.
 الجهاد أيها الأخوة، إيذان لأنه ليس كل الناس يؤمنون بالدعوة، بل هناك الرؤوس المتغطرسة مما لا يلين إلا بالقوة، والحديد بالحديد يفلح، ولهذا بعث الله رسوله بالكتاب وبالحديد فقال سبحانه:

 

 

﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (25)﴾

 

(سورة الحديد)

 أيها الأخوة الكرام، فالكتاب والبينات أصل الرسالة ولبُّها، والحديد سورها وحمايتها، والذين يقارعون البغي والظلم في فلسطين وغيرها من بلاد المسلمين التي احتلها الأعداء واستباحوا خيراتها هم النواب عن الأمة في الحفاظ على هذه الشريعة العظيمة، فحق على الأمة أن تكون من ورائهم بالنصرة الصادقة، وليس بالعاطفة وحدها.
 يقول السيد الرئيس في أحـد مؤتمرات القمة: " نشهد المزيد من إزهاق الأرواح في منطقتنا، ونرى الأمة العربية والإسلامية تضيف إلى رصيدها المزيد من الفقر والجوع، والكثير من الظلم والاضطهاد، كما رأيناها تبتعد أكثر فأكثر عن هويتها حتى تكاد تذوب في هويات الآخرين، وفي المقابل كانت دول أخرى تزداد طغياناً واستغلالاً، ويشرعن للغير قتلها وتدميرها، مما أدى إلى تزايد شدة التناقضات والمفارقات في مناطق مختلفة من العالم، يدمر العراق من أجل قرارات الأمم المتحدة، وتدمر قرارات الأمم المتحدة من أجل إسرائيل، ومن الأمور المؤسفة والمضحكة في الوقت نفسه أن بعض قرارات مجلس الأمن تفسر بحسب خطوط الطول والعرض، وبحسب الدول التي تطبق عليها ". انتهى النص المقتبس.

 

الصيام من أجل التقوى:

 هل يعود رمضان الذي عرفه المسلمون ينبض بالروح والحياة والعطاء، وليس بالنوم، وضياع الأوقات، والتسابق إلى الملذات، والسهر في الخيام التي ترتكب فيها المعاصي والآثام. جاء في تفسير في قوله تعالى:

 

 

﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21)﴾

 

(سورة البقرة)

 هذا تعليل لفرضية الصيام ببيان فائدته الكبرى وحكمته العليا، وهو أنه يعد نفس الصائم لتقوى الله عز وجل بترك شهواته الطبيعية المباحة الميسورة امتثالاً لأمره، واحتساباً للأجر عنده، فتتربى بذلك إرادته على ملكة ترك الشهوات المحرمة والصبر عنها فيكون اجتنابها أيسر عليه، وتقوى نفسه على النهوض بالطاعات والاصطبار عليها فيكون الثبات عليها أهون عليه، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم:

 

((الصيام نصف الصبر))

 

[ورد في الأثر]

 أيها الأخوة الأحباب، والصيام من أجل التقوى كما ورد في الآية، ومن عظيم إكرام الله عز وجل أنه جعل التقوى مخرجاً للإنسان من كل ضيق، قال تعالى:

 

﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (2)﴾

 

(سورة الطلاق)

 إعجاز هذه الآية في إنجازها، وبلاغها في إطلاقها. عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

(( إِنِّي لَأَعْلَمُ آيَةً لَوْ أَخَذَ بِهَا النَّاسُ لَكَفَتْهُمْ: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ))

 

[الدارمي عَنْ أَبِي ذَرٍّ ]

 حينمـا تضيق الأمور كما هي الآن، وتستحكم الحلقات، وتسد المنافذ، وتنتصب العقبات، ويقنط الإنسان تأتي التقوى فتتسع بها المضائق، وتحل بها العقد، وتفتح بها المسالك، وتذلل بها العقبات، فمن يتق الله عند نزول المصيبة، فيوحد الله، ويصبر لحكمه، ويرضى بقضائه، ويثبت على مبدئه واستقامته يجعل الله له مخرجاً من هذه المصيبة فيبدل ضيقه فرجاً، وخوفه أمناً، وعسره يسراً. فمن يتق الله، ولا يسمح للأفكار الزائفة أن تأخذ طريقها إلى عقله يجعل الله له مخرجاً من الضياع والحيرة والضلال وخيبة الأمل، ومن يتق الله فيبرأ ممن حوله، ويبرأ من حوله وقوته وعلمه يجعل الله له مخرجاً مما كلفه به بالمعونة عليه، ومن يتق الله فيقف عند حدود الله فلا يقربها ولا يتعداها يجعل الله له مخرجاً مما كلفه به من الحرام إلى الحلال، ومن الضيق إلى السعة، ومن النار إلى الجنة، ومن يتق الله في كسب رزقه، فيتحرى الحلال الذي يرضي الله عز وجل يجعل الله له مخرجاً من تقطير الرزق بالكفاية، ومن إتلاف المال بحفظه ونمائه، ومن يتق الله في اتباع السنة يجعل الله له مخرجاً من ضلال أهل البدع، ونتائج ابتداعهم، ومن يتق الله في اختيار زوجته وفي التعامل معها يجعل الله له مخرجاً معها من الشقاء الزوجي، ومن يتق الله في تربية أولاده يجعل الله له مخرجاً من عقوقهم وشقائه بشقائهم، ومن يتق الله في اختيار عمله وحسن أدائه يجعل الله له مخرجاً من إخفاقه فيه.

 

من أعظم ما يزكي النفس ويطوعها لطاعة الله عز وجل أن تدرب على الصبر:

 أيها الأخوة الكرام، أيتها الأخوات الكريمات: لما كانت النفس البشرية تتوق إلى تناول ما تشتهيه، وتنفر عن البعد عنه، فإن من أعظم ما يزكيها ويطوعها لطاعة الله عز وجل أن تدرب على الصبر عن تناول الطيبات التي أباحها الله تعالى إذا أمرها بتركها، ومن أعظم شهوات النفس الطعام والشراب وغيرهم، وقد حرم الله على المؤمن هذه الأمور التي لا يستغني عنها في حياته كلها في نهار شهر رمضان بأكمله، فإذا تركها مخلصاً لله في تلك المدة من الزمن، فإنه بذلك يكون جديراً بأن يكون من المجاهدين لأعدائه الملازمين وهم نفسه الأمارة بالسوء، والهوى المردي، والشيطان المغوي، والذي ينجح في هذا الجهاد الأكبر يسهل عليه الجهاد الأصغر، وهو قتال عدوه الخارجي، ومن لم ينجح في جهاد عدوه الملازم له يصعب عليه جهاد عدوه الطارئ، لأن الذي لم يروض نفسه على طاعة الله بامتثال أمره، واجتناب نهيه فيما هو أخف عليه كالصيام مثلاً، فمن الصعب عليه أن يقف في الصف لمقارعة الأعداء يستقبل بصدره ونحره قذائف المدافع، ورصاص البنادق، وأطراف الرماح، وحد السيوف.
حينما يكـون المسلمون استثناء سلبياً داخل مجتمعات أكثر تقدماً وتطوراً فهذا أمر في غاية الخطورة، لأنه يعطي الآخرين انطباعاً مباشراً، لأن سبب هذا التخلف يعود إلى تعاليم الدين ذاته، وهذا معنى قوله تعالى:

 

 

﴿ رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾

 

( سورة الممتحنة الآية: 5 )

أيها الأخوة الكرام، المشكلة تعود إلى اغترار بعض المسلمين بانتسابهم إلى هذا الدين، ظانين أنه بمجرد الحصول على لقب مسلم يعفيهم من الالتزام والتقيد بمنهج الله، أو أن الحصول على جانب من الصلاح يعفيهم من استكمال النقص، أو قبول النصيحة.

﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾

(سورة المائدة)

معنى الإعتبار:

 ذكر الله لنا قصص الأقوام السابقة للاعتبار، ولهذا قال سبحانه بعدما ذكر قصة بني النضير:

 

﴿ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ (2)﴾

 

(سورة الحشر)

 والاعتبار هو القياس، والنظر، وربط الشيء بمثله، فإذا كان الله سبحانه وتعالى يعيب على الأقوام السابقة من قبلنا ألواناً من الانحرافات والمخالفات، فما ذلك إلا لنتجنبها، ولهذا كان من ما يقرأه المسلم في كل صلاة بل في كل ركعة:

 

﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)﴾

 

( سورة الفاتحة )

 يقول العلماء: المغضوب عليهم هم الذين عرفوا وانحرفوا، والضالون هم الذين ما عرفوا وانحرفوا، أي من كان عنده علم وصدق في تصوراته ولكن لم يكن عنده عمل فهذا من المغضوب عليهم، ومن لم يكن عنده تصور صحيح وإنما عنده عمل على غير هدى الله وبصيرة فإنه من الضالين.

 

﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)﴾

 

( سورة الفاتحة )

من الحواجز التي تحول بين الناس وقبول النصيحة هو إدعاء العصمة وعدم رؤية العيوب:

 أيها الأخوة الكرام، إن من الحواجز التي تحول بين الناس وبين قبول النصيحة هو ادعاء العصمة، وعدم رؤية العيوب، لقد ورد في القرآن الكريم فضل هذه الأمة والثناء عليها، ولكن هذا الفضل ليس فضلاً يتوارثونه، لأنهم عرب، وعاشوا في الأمصار، وفي البلاد العربية، فالأرض لا تقدس أحداً، والقبيلة لا تقدس أحداً، إنما يقدس الإنسان بعمله ليس غير.
 أيها الأخوة الكرام، إن مئات الملايين من المسلمين اليوم يرون أن مجرد انتسابهم لهذا الدين يكفي لنجاتهم في الآخرة، ولصلاحهم في الدنيا، حتى لو لم يفهموا حقيقته ولم يطبقوا تعاليمه، ولم يتمثلوا قيمه، وربما تجد عند أحدهم من الثقة بالفوز والنجاة في الدار الآخرة أعظم من ثقة العشرة المبشرين بالجنة ! وأما ما يتعلق بالدنيا فربما تجد الواحد منهم يكدح فيها ليلاً ونهاراً، ويضني بدنه وجوارحه، ولكن من دون جدوى، لأنه لم يأخذ بالأسباب المعتبرة.

 

﴿ إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآَتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً (84) فَأَتْبَعَ سَبَباً (85)﴾

 

(سورة الكهف)

 أيها الأخوة، الكثيرون يطلبون قضاء حوائجهم، وتفريج كروبهم، وسداد ديونهم، وتزويج عوانسهم، وإزالة مشكلاتهم، ورد غيابهم، ونصرتهم على أعدائهم بدعاء من دون عمل، أو يتوقعون الفرج هدية رخيصة تأتي من دون ثمن، ولِمَ لا ؟ أو ليسوا بالمسلمين ؟! هنا موطن الخلل.

 

﴿ وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾

 

(سورة التوبة)

السنن والنواميس لا تحابي ولا تجامل أحداً:

 أيها الأخوة الكرام، إن السنن والنواميس لا تحابي ولا تجامل أحداً، والله سبحانه وتعالى يقول:

 

﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً (123) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيراً (124)﴾

 

( سورة النساء )

إن كوني من الصالحين لا يسمح لي صلاحي أن أجعل هذا الصلاح ترساً أرفعه في وجه كل من يريد نصحي، أو الاستدراك عليه، أو تصحيح خطأ مظنون أو مقطوع، وهل الصلاح إلا قبول النصيحة من الآخرين ؟
 أيها الأخوة الكرام، الإسلام نفسه دين عمل، العمل للدنيا، والعمل للآخرة، والعمل للنفس، والعمل للغير، وإلى هذا المعنى أشار السيد الرئيس في خطابه في مؤتمر القمة الإسلامي الذي عقد في الدوحة فقال: ليست المشكلة إثبات حسن النية فقط، فديننا هو دين النيات الطيبات، والأعمال الصالحات، أما الطاعة فهي لله وحده مع الالتزام بالإسلام، وكما قال الرسول الأعظم في حديثه الشريف، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ ))

[مسلم عن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ]

الإسلام يرفع من قيمة العمل:

 أيها الأخوة الكرام، وأن المرء يثاب على عمله حتى على عمله الدنيوي، ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه البيهقي عن عائشة رضي الله عنها وسنده جيد:

 

((إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه))

 

[البيهقي عن عائشة رضي الله عنها]

 وهذا يشمل كل عمل يقوم به المرء مما هو داخل في دائرة المباح، فضلاً عن المستحب أو الواجب، سواء كان وجوبه بأصل شرعي، أو كان لتحمله المسؤولية وتبعات المسؤولية بموجب العقد والاتفاق.
وفي الحديث الآخر قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

((إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَلْ))

 

[أحمد عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ]

وهكذا يرفع الإسلام من قيمة العمل حتى حين يتيقن الإنسان ألا ثمرة تحسب له من ورائه، ويوجه المسلم إلى احتساب الأجر والثواب وهو يغرس فسيلة قد ينتفع بها إنسان أو طير يحتسب هذا عند الله.
 أيها الأخوة الكرام، ومن الواجب الملّح التربية على هذا أن النسب الشريف للإسلام يتطلب أن يكون المرء على القدر الشرعي المقبول اللازم من أداء واجبات هذا الانتساب، وترك منهياته أو محرماته. ويجب أيضاً أيها الأخوة، أن يتم بوضوح الفصل بين الإسلام وبين ممارسة المسلمين أفراداً أو جماعة أو كياناً، فالإسلام دين رباني محكم مهيمن، وهو المرجعية للحكم على الأشياء وتصحيحها، أما عمل الناس وسلوكهم فهو قابل للنقض والمراجعة والتصحيح والملاحظة والنصيحة.