المؤلفات - كتاب ومضات في الإسلام – الباب الرابع - الفقرة : 3 - قصة جبلة بن الأيهم

2005-08-09

 

 وفي خلافته رضي الله عنه وأرضاه، جاءه إلى المدينة جبلة بن الأيهم آخر ملوك الغساسنة يعلن إسلامه، فرَحَّب به عمر أشد الترحيب، وفي أثناء طواف هذا الملك حول الكعبة داس بدوي طرف إزار الملك الغساني، فيغضب الملك ويلتفت إلى هذا البدوي فيضربه ويهشم أنفه، فما كان من هذا البدوي من فزاره إلا أن توجه إلى الخليفة الراشد عمر بن الخطاب شاكياً، فيستدعي عمر رضي الله عنه الملك الغساني إلى مجلسه ويجري بينهما حوار صيغ على الشكل التالي: " قال عمر: جاءني هذا الصباح، مشهد يبعث في النفس المرارة، بدويٌّ من فزارة، بدماء تتظلَّم بجراح تتكلَّم، مقلة غارت وأنف قد تهشم، وسألناه فألقى فادِحَ الوزر عليك، بيديك، أصحيح ما ادَّعى هذا الفزاري الجريح ؟ قال جبلة: لست ممن ينكر، أو يكتم شيئاً، أنا أدَّبتُ الفتى، أدركتُ حقي بيدي، قال عمر: أيُّ حقٍّ يا ابن أيهم، عند غيري يقهر المستضعف العافي ويظلم، عند غيري جبهة بالإثم والباطل تُلطَم، نزوات الجاهلية، ورياح العنجهية، قد دفناها وأقمنا فوقها صرحاً جديداً، وتساوى الناس أحراراً لدينا وعبيداً، أرض الفتى، لابد من إرضائه مازال ظفرك عالقاً بدمائه، أو يهشمن الآن أنفك، وتنال ما فعلته كفك، قال جبلة: كيف ذاك يا أمير المؤمنين، هو سوقة وأنا صاحب تاج، كيف ترضى أن يخر النجم أرضاً، كان وهماً ما مشى في خلدي، أنني عندك أقوى وأعز، أنا مرتد إذا أكرهتني . قال عمر: عالم نبنيه، كل صدع فيه بشبا السيف عندك أقوى وأعز، أنا مرتد إذا أكرهتني . قال عمر: عالم نبنيه، كل صدع فيه بشبا السيف يداوى، وأعز الناس بالعبد بالصعلوك تساوى " .
 أما جبلة فلم يستوعب هذا المعنى الكبير في الإسلام، وفَرَّ من المدينة هارباً مرتداً، ولم يبالِ عمر ولا الصحابة معه بهذه النتيجة، لأن ارتداد رجل عن الإسلام أهونُ بكثير من التهاون في تطبيق مبدأ عظيم من مبادئه، وخسارة فرد لا تقاس بخسارة مبدأ .
أيها السادة المستمعون أيتها السيدات المستمعات، ومن ثمرات إنسانية الإسلام اليانعة دعوته إلى السلام بأوسع معاني هذه الكلمة ؛ بمعانيها الفردية والجماعية، والمادية والروحية، والدنيوية والأخروية .
قال تعالى:

﴿ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾

[سورة المائدة: الآية 16 ]

 إنّ الإنسان ـ أيَّ إنسان ـ في أي زمان ومكان، مفطور على حبِّ وجوده، وعلى حبِّ سلامة وجوده، وعلى حبِّ استمرار وجوده، وعلى حب كمال وجوده ؛ وبكلمة موجزة: مفطور على حب سلامته وسعادته، وهذان المطلبان الثابتان لدى أي إنسان لا يتحققان إلا حينما يطبق منهج الذي خلقه، فهو خبير بأسباب سلامته وسعادته، قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾

[سورة البقرة: الآية 21 ]

 وقال عزو جل:

﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾

[سورة فاطر: الآية 14 ]

 وأين نجد منهج الذي خلقنا، وهو الخبير بأسباب سلامتنا وسعادتنا، إننا نجده في كتابه العزيز، وسنة نبيه الكريم في كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والذي يهدي للتي عي أقوم، وهو هدىً وبيان وموعظة وبرهان، ونور وشفاء، وذِكْر وبلاغ ووعد ووعيد، وبشرى ونذير، يهدي إلى الحق، وإلى الرشد، وإلى صراط مستقيم، يُخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد، ويحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، فيه تبيان لكل شيء وهو شفاء لما في الصدور، فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم ؛ من ابتغى الهدى في غيره أضله الله فهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، لا يشبع منه العلماء، ولا يَخلق عن كثرة الردِّ، ولا تنقضي عجائبه، مَن قال به صدق، ومَن حكم به عدل، ومَن عمل به أُجر، ومن دعا إليه هُدي إلى صراط مستقيم، قال تعالى:

﴿ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾

[سورة المائدة: الآية 16 ]

 فمَن أراد رضوان الله، والنعيم المقيم الذي أعده الله للإنسان المستقيم، فعليه أن يهتدي بهدي القرآن الكريم ـ ولا هدي سواه ـ قال تعالى:

﴿ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾

[سورة البقرة: الآية 120]

 وقال:

﴿ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾

[سورة آل عمران: الآية 73 ]

 وقال:

﴿ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ ﴾

[سورة يونس: الآية 32 ]

 فيعتقد بما جاء به القرآن،وعليه أن يحل حلاله، وأن يحرم حرامه، قال تعالى:

﴿ كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾

[سورة الأحزاب: الآية 36 ]

 عندئذ يهديه الله سبل السلام ؛ بأوسع معاني هذه الكلمة، يهديه سبل السلام مع نفسه، فلا كآبة، ولا انقباض، ولا شعور بالذنب، ولا حسرة، ولا ندم، ولا سقوط.
ويهديه سبل السلام مع أهله، فلا شقاء ولا شقاق، ولا عقوق ولا عصيان، ولا تفكك ولا انهيار، ولا مذمة ولا عدوان .
ويهديه سبل السلام مع مجتمعه، فلا عداوة ولا بغضاء، ولا إثم ولا عدوان، ولا إحباط ولا إخفاق، ولا مكر ولا كيد .
ويهديه سبل السلام مع ربه، فلا حجاب ولا نكوص، ولا جفوة ولا فتور، ولا غضب ولا سخط .
هذا على المستوى الفردي ؛ فماذا على المستوى الجماعي ؟ قال تعالى:

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾

[سورة الأنفال ]

 قال علماء التفسير: ما دامت سنة النبي صلى الله عليه وسلم مطبَّقة في مجتمع ما ؛ مطبقة في بيوتهم، وفي أعمالهم، وفي تجارتهم، وفي أفراحهم، وفي أتراحهم، وفي حلّهم، وفي ترحالهم، وفي علاقاتهم، فهم في مأمنٍ من عذاب الله بكل أنواعه ومستوياته، قال أحكمُ الحاكمين:

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَءَامَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾

[سورة النساء]

 وقال عزَّ مِن قائلٍ:

﴿ وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا*لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾

[ سورة الجن: الآية 16-17 ]

 وقال أيضًا:

﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾

[ سورة المائدة ]

 وماذا عن المستوى الدولي ؟ الأمة التي تطبق منهج الله، يهديها الله سبل السلام، فيجعلها الله مستخلفة، ممكنة، آمنة مطمئنة، قال تعالى مذكِّرًا بهذه الحقيقة:

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾

[ سورة النور: 55 ]

 والأمة التي لا تطبق منهج الله في حياتها تنطبق عليها هذه الآية الكريمة انطباقًا كاملاً، قال تعالى:

﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَي﴾

[ سورة مريم: الآية 59 ]

هذا عن سبل السلام في القرآن الكريم، فماذا عن سبل السلام مع الجيران ؟
 إن السلام الذي نُدعَى إليه نحن حريصون عليه، راغبون فيه على أن يكون سلاماً عادلاً، تسترد قبله الأرض، وتؤدَّى معه الحقوق وتتوافر فيه الكرامة، هذا بَعد أن نستوعب مضمونَ الآية الكريمة وأن نعمل بها:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾

[ سورة محمد: الآية 7 ]

ونحن ندعو العالم العربي والإسلامي إلى مزيد من الوعي واليقظة والتماسك وإزالة أسباب الخلافات فيما بين المسلمين حتى يتفرغوا بحق لمواجهة المكائد والمؤامرات التي تحاك ضدهم وضد دينهم وضد مستقبل أبنائهم فضلاً عن حاضرهم وتراثهم .
 وإن تعنُتَ إسرائيل أوصَلَ عمليةَ السلام إلى طريقٍ مسدودٍ، كما قال السيدُ الرئيسْ في لقائه مع الرئيس الفرنسي فهي ترفض رفضاً مطلقاً كلَّ مقومات السلامِ وتنهج نهجَ المراوغةِ والخداعِ، وتستفزّ الضميرَ الإسلاميَ والعربيَ والإنسانيَ بإنشاءِ مزيدٍ من المستوطناتْ، ويضيف السيدُ الرئيسُ قائلاً: إن الخلاص يكون في الإسلام الذي عندما كنا متمسكينَ به، لم يستطع أحدٌ أن يُذلَّنا، الإسلام دين الحق والعدالة و المساواةِ بين البشر، الإسلام مصدُر قوةٍ لنا جميعاً، إن هذا يفرِض علينا أن نناضلَ بكل قِوانا وبصدقٍ و إخلاصٍ لحماية الدين الحنيفِ من هذه المؤامراتِ الاستعماريةِ لنحفظ له مهابتَه وجلالَه وليبقى مصدر عزة و قوةٍ للمسلمين و ليبقى حافزاً لتقدُّمِهم في كل مجال، ويضيف السيد الرئيس قائلاً: العالمُ الإسلاميُ اليومَ يواجه تحدياتٍ كبيرةً تستهدفُ الإسلامَ وما يمثِّلُه من قيمٍ نبيلةٍ، وما يدعو إليه من أخوةٍ وعدالةٍ ومساواةٍ وحرية، وإذا كان من واجبنا أن ندافعَ عن ديننِا فإن لنا فيه يَنبوعَ قوةٍ ومصدر إلهام في مواجهةِ كلِّ ما يقابلُنا من أخطارٍ وتحدياتْ
 أيها الإخوة ... حضوراً ومستمعين، خَطَبَ النَّبيُّ صلى اللَّه عليه وسلم يَوْماً فَقَالَ في خُطْبَتِهِ:

(( أَلاَ إِنَّ الدُّنْيَا عَرَضٌ حَاضِرٌ، يأكُلُ مِنْهَا الْبرّ والْفَاجر، ألاَ وإنّ الآخِرَةَ أجلٌ صَادِقٌ، يَقْضِي فِيهاَ مَلِكٌ قَادِرٌ، ألاَ وإنَّ الْخَيْرَ كُلَّه بِحَذَافِيرهِ في الْجنَّةِ، ألاَ وإنَّ الْشّرَ كُلَّه بِحَذَافِيرهِ في النّارِ، ألاَ فاعْلَمُوا، وأنْتُمْ مِنَ اللَّهِ عَلَى حَذر، واعْلَموا أنَّكُمْ مُعْرَضون عَلَى أعمَالكم، فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّة خَيْراً يَرَه، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرَّا يَرَه))

[ رواه بهذا اللفظ الشافعي في الأم، والبيهقي في السنن الكبرى عن شداد بن أوس ]