المؤلفات - كتاب ومضات في الإسلام – الباب الثاني - الفقرة : 1 - المنهج القرآني في تقويم السلوك الإنساني

2005-06-27

 إن هناك تلازماً ضرورياً حتمياً بيْنَ التَّدَيُّنِ الصحيحِ والخُلُقِ القويمِ، فقد حدّد النبيُّ صلى الله عليه وسلم الغايةَ الأولَى مِنْ بعثته، والمنهجَ الأوَّلَ لدعوته، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ))

[ أخرجه الإمام أحمد والحاكم والبيهقي في السنن الكبرى عن أبي هريرة ]

 الهدفُ الأولُ لدعوته هو إرساء البناءِ الأخلاقيِّ للفردِ والمجتمعِ، لأنّ هذا البناءَ الأخلاقيَّ ثمنُ سعادةِ الدنيا والآخرةِ، والمُتَتَبِّعُ لنصوصِ القرآنِ الكريمِ، ولنصوصِ السنةِ المُطهرةِ الصحيحةِ يَجِدُ ذلك التلازمَ الضروريَّ بيْنَ التديُّنِ الصحيحِ وَالخُلُقِ القويمِ، وأَعْنِي بالتديُّن الصحيحِ الاتباعَ، قال تعالى:

 

﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2)﴾

 

( سورة الماعون)

 وقال سبحانه:

 

﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾

 

( سورة القصص الآية: 50 )

 وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: مَا خَطَبَنَا نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا قَالَ:

 

((لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ وَلَا دِينَ لِمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ))

 

[أحمد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]

 وقال أيضاً:

 

((الإيمان والحياء قُرنا جميعاً، فإذا رُفع أحدُهما رُفع الآخر))

 

[ أخرجه الحاكم وابن أبي شيبة في المصنف، والبخاري في الأدب المفرد عن أنس بن مالك ]

النبي الكريم هم النموذج الأسمى لاجتماع المبدأ والسلوك وتطابق القول مع العمل:

 أيها الأخوة الكرام ؛ الإيمانُ أساسُ الفضائلِ، ولِجَامُ الرذائل، وقِوامُ الضمائرِ، وقد بَيَّن النَّبِيُّ صلى اللهُ عليه وسلّم في أحاديثه الصحيحةِ أنّ أَحْسَنَ الناسِ إسلاماً أحسنُهم خُلُقاً، وأنَّ أكملَهم إيماناً أحسنُهم خُلُقاً، وأنّ مِن أَحَبِّ عباد الله إلى الله أحسنَهم خُلُقاً، وأنّ مِن أقربِ المؤمنين مجلساً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يومَ القيامةِ أحسنَهم خُلُقاً، وأنَّ خيرَ ما أُعْطِيَ الإنسانُ خُلًقٌ حَسَنٌ، وأنّ المؤمنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقه درجةَ الصائمِ القائمِ، بل إنَّ العبدَ لَيَبْلُغُ بِحُسْنِ خُلُقِه عظيمَ درجاتِ الآخرة، والخُلُقُ الحسَنُ يُذِيبُ الخطايا كما يُذيبُ الماءُ الجَليدَ، والخُلُقُ السيِّئُ يُفْسِدُ العملَ كما يُفْسدُ الخلُّ العسَلَ.
أيُّها الأخوة الأحباب ؛ هذه سنَّتُه صلى الله عليه وسلم القوليةُ، فماذا عن سنته العملية ؟
 إنّ النبيَّ صلى اللهُ عليه وسلم هو النموذجُ الأسمى لاجتماعِ المبدأ والسلوكِ، وتطابقِ المعتَقَدِ مع القولِ، وتطابُقِ القولِ مع العملِ، فإنّ أعظمَ المسلمين منه قرباً صلى الله عليه وسلم أولئك الذين ضاقتِ المسافةُ بين سلوكهم وبين مبادئِ الإسلامِ، وقِيَمِهِ، وتشريعاته، وآدابه.
أخوتي المؤمنين ؛ أعزّائي المستمعين، إنّ ظاهرةَ النفاقِ التي تحدَّث عنها القرآنُ الكريمُ، وتحدّثت عنها السُنَّةُ النبويةُ الصحيحةُ بشكل مطوَّلٍ تعني خللاً في مطابقةِ الأقوالِ للمعتقداتِ، وتعني خللاً في مطابقةِ الأفعالِ للأقوالِ ؛ فالنوعُ الأولُ هو النفاق الاعتقادي الذي يُخْرِجُ صاحبَه مِنَ المِلّة، والنوعُ الثاني هو النفاق العملي، الذي إنْ طال عليه الأمدُ كان وخيمَ العاقبة
 أيها الأخوة الأحباب ؛ إنّ أهمَّ مصدرٍ للسعادةٍ الحقيقيةِ انسجامُ حركةِ المرءِ في الحياةِ مَعَ مَا يعتقد، حيثُ يَشعرُ المرءُ بتيّارٍ يجتاحه مِنَ البَهْجة، والارتياحِ، والأمن، كلما تخطَّى عقبةً مِنَ العقباتِ التي تَحُولُ بينه وبين مُثُله وقِيَمِه العُليا. إنَّ الملذاتِ الحسِّيةَ لا تَخْتَرِقُ غِشَاءَ القلبِ، بل ولا تَحُومُ حولَه، لكنّ الذي يَصِلُ إلى أَعْماقِ القلب، ويغمُره بالسعادةِ والطمأنينةِ هو نَشْوَةُ الانتصارِ على الأهواء والمغريات، وضغوطِ الشهواتِ والمصالحِ.
 إنّ السعادةَ لا تُجْلَبُ مِنَ الخارجِ أبداً، إنّما هي شُعاعٌ مِن نورٍ، يُولَدُ ويَكْبُرُ في داخل الإنسان، ويُضيءُ جوانبَ الحياة كلَّها، ويَجعلُها أكثرَ انسجاماً ومنطقية، وأكثرَ تهيّئاً للنموِّ والتقدّمِ والاستمرارِ، كلُّ ذلك مرهونٌ بأوضاع تسودُ فيها القيمُ الأخلاقيةُ، ويعلو فيها صوتُ الالتزامِ والاستقامةِ، وتُرَفْرِفُ في أرجائها إشراقاتُ الاتِّصالِ بالله.

 

القاعدة الدينية الأخلاقية:

 

أيها الأخوة الكرام ؛ حضوراً ومستمعين، إنَّ القاعدةَ الدينيةَ الأخلاقيةَ في أيِّ مجتمعٍ هي التي تتحمّل الأثقالَ التي تنتج عن طبيعة الحياة المادية والاجتماعية، وعن الانتكاسات التي تُصابُ بها الأمةُ في ميادين الحياة المختلفة.
 إن هذه القاعدةُ الدينيةُ الأخلاقيةُ هي التي تُمَكِّنُ الناسَ مِن تحمُّلِ الظروفِ الصعبةِ دونَ أنْ يتحلَّلوا، ودون أو ينحرفوا ؛ فحينَ يُصابُ الناسُ بضائقةٍ شديدةٍ فإنّ القاعدةَ الأخلاقيةَ تدفعهم إلى إغاثةِ الملهوفِ، وإطعامِ الجائعِ، والصبرِ على المَدِينِ المُعْسِرِ، إلى جانبِ التمسُّك الشخصيِّ، وعدمِ الرضوخِ لمقتضياتِ الظروفِ الصعبةِ ؛ فنجدُ المُسْلمَ يمتنعُ عن كلِّ كسْبٍ حرامٍ مع فاقته الشديدة، وذلك اتكاءً على ما لديه من قيمٍ ومقاومةٍ روحيةٍ لدواعي التَّحلُّلِ.
 أيها الأخوة المؤمنون ؛ إنّ هذه القاعدةَ الإيمانيةَ الأخلاقيةَ هي الرصيدُ الاحتياطيُّ الضخمُ الذي تعتمد عليه الأمّةُ في ترميمِ العديدِ من جوانبِ شخصيتها وحياتها، ومِن هنا ندرك حجم الجريمة التي ارتُكبتْ في حقِّ هذه الأمّةِ حينما دُفعت دفعاً من قِبَلِ أعدائها المستعمرين ؛ على مستوى التنظير، وعلى مستوى التطبيق، إلى جعْلِ القيمِ الأخلاقيةِ الدينيةِ في المرتبة الدنيا مِن اهتماماتها ؛ فلما واجه الناسُ ما واجهوه من ضائقاتٍ في العيش، ومِن شحٍّ في متطلباتِ الحياة الكريمة، لم يجدوا لديهم سنداً خُلقياً كريماً يعتمدون عليه في الصمود أمام المغريات، ومحفِّزات الانحدار المختلفة، وأمام الضغوط الشديدة، ومسببِّات الاستسلامِ والسقوطِ.
 أيها الأخوة الأحباب ؛ إنّ الذين نُكِنُّ لهم عظيمَ الاحترامِ ليسوا أولئك الذين يملكون كثيراً مِنَ المال، وليسوا أولئك الذين يملكون الدهاءَ والمكرَ، وليسوا أولئك الذين يملكون القوةَ الجسديةَ الخارقةَ، وليسوا أولئك الذين يملكون الرقابَ، إنما أولئك الذين يملكون الخُلقَ الكريمَ، ويترفَّعون عن سفاسف الأمور، أولئك الذين انتصروا على التحدِّياتِ داخلَ نفوسهم، أولئك الذين يملكون قوةَ الانتظار، أولئك الذين يملكون التضحيةَ بالعاجلِ في سبيل الآجل، أولئك الذين يملكون الإيثارَ مع أمس الحاجة، أولئك الذين يملكون القلوبَ، هؤلاء نُكِنُّ لهم عظيمَ الاحترامِ.
إنّه بالإمكان القول: إنّ طابعَ الرقيِّ الحقيقي هو طابعٌ أخلاقيٌّ، أكثر مِن أنْ يكون طابعاً عمرانياً تنظيمياً، والجاذبيةُ التي تتمتع بها القرونُ الأولى من تاريخِ الإسلام تنبعُ بشكلٍ أساسيٍّ مِن طابعِ الاستقامة والنبل والتضحية، وليس مِنَ التفوّق في الحروب أو العلوم أو العمران.
ولعل الطريق الوحيد إلى كسر أغلال التبعية للغرب يكون عن طريق إحداث انتفاضة روحيةٍ أخلاقيةٍ يستعلي بها المسلمُ على المعطيات المادية للوضع الحضاري الراهن، ويلتفتُ إلى إثراء حياته بوسائلَ لا تحتاج إلى المال.

مصير الإنسان يتوقف دائما على علاقة الإنسان بربه وعلاقته بأخيه الإنسان:

 أيها المسلمون في كل البقاع ؛ إنّ دراسةَ الحضاراتِ الإنسانية تُوقِفُنا على حقيقة كبرى، هي أنّ مصيرَ الإنسان يتوقّف دائماً على أمرين: علاقتِه بربّه، وعلاقتِه بأخيه الإنسان، والبعدُ الروحيُّ والأخلاقيُّ هو المركزُ والمحورُ في هاتين العلاقتين، وحين يَنْحطّ الإنسانُ وينحطُّ المجتمعُ يتحوّلُ عن عبادته لربه إلى عبادته لذاته وشهواته، وتَسودُ علاقتَه بالآخرين القوةُ بدلَ الرحمة، والقمعُ بدلَ التفاهم، وينصرف عن العناية بالروح إلى العناية بالجسد، وعن الاهتمام بالمبدأ إلى الاهتمام بالمصلحة، ويتحوّلُ المجتمعُ كلُّه إلى غابةٍ يشعر كلُّ واحدٍ فيها أنّ مِن حقِّه افتراسَ الآخرين، كما أنّه من الممكن أنْ يكون فريسةً لواحد منهم.
أيها الأخوة الأحباب ؛ الطريقُ الوحيدُ للحيلولة دونَ هذه الحالة يكمن في تدعيم الرقابة الذاتية، وتعزيز علاقة العبد بربه جل وعلا، وتحفيز الإرادة الخيِّرة في الناس، وهذا الحلُّ وإنْ كان مُكْلِفاً على المدى القريب، فإنّه سفينةُ نوحٍ على المدى البعيد.
 لن يكون بإمكانِ أفضلِ النُظُمِ الاجتماعيةِ، ولا في إمكانِ أَقصى العقوباتِ الصارمةِ أنْ تقوِّم الاعوجاجَ، ولا أنْ تملأ الفراغَ الناشئَ مِن ذبولِ الرُّوح، وانحطاط القيم ؛ فالعقوبات لا تنشئ مجتمعاً لكنها تحميه، والنظم مهما تكن مُحكَمة ومتقَنة لنْ تحُولَ دون تجاوزِ الإنسانِ لها، وتأويلها بما يجهضها، وكل الحضارات المندثرة تركت تنظيماتها وأدوات ضبطها خلفها شاهدةً على نفسها بالعقم والعجز.
 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ لا بدَّ أنْ نكون على يقينٍ أنّ تيارَ الشهواتِ والنّزوات الجارفَ لا يمكن إلاّ أَنْ يقابَلَ بتيارٍ روحيٍّ متدفقٍ عارم مِنَ المشاعر والأحاسيس الإيمانية ؛ فوظيفةُ الفكر الدلالةُ على الطريق، وعلى الأساليب والأدوات المناسبة للعمل ؛ لكنّ الذي نستمدُّ منه الطاقةَ على الاندفاع في طريق الخير، والطاقة على كَبْحِ جِمَاحِ الشرِّ هو الروحُ والإيمانُ العميقُ، ورصيدُنا من المشاعر الحميمة، وإنّ كثيراً مِنَ الشبّان الذين جَرَفَهُم تيارُ الجنسِ والمجونِ والخلاعةِ لم يكونوا بحاجة إلى أدلّةٍ على فضلِ العفّةِ والاستقامةِ، وإنّما كانوا بحاجةٍ إلى شيءٍ مِنَ المعاني التي تفيضُ على القلب بسببِ تَذَوُّقِ طَعمِ العبودية الحقيقية لله، والإحساسِ الصادقِ بمعية اللّه تعالى واطّلاعِه عليهم.
 حين يبلُغُ التقدّمُ التقني أقصى مداه، ويشعر المرءُ بالتُخمة من أداوت التحكُّم عن بُعْدٍ وكل ما يجعل الحياة خالية من التحديات، آنذاك تنبعث أشواقٌ في النفس قديمة جديدة، هي أشواقُ الروح، وما وراء المادة، عالَم العودةِ إلى التراحمِ والتعاطفِ والتضحيةِ ببعض المكاسبِ من أجلِ استمرارِ حياةِ الجميع، وإنّ الأخلاقيين اليوم هم المستقبليّون غداً، وهل يُعرف فضلُ الماءِ إلا عند اشتدادِ الظمأ ؟!

 

النسبية الأخلاقية:

 إنّ الإسلامَ يعلِّمنا أنّه بالإِمكان تصحيحُ المسارِ قبل أنِ نرتطمَ بقاع الهاوية، كما يعلّمنا أنه بالإمكان أن نتحول من الخسارة إلى الربح قبل أن يصبح الرصيدُ صفراً ؛ ذلك إذا أصغينا إلى نداءِ الفطرة في أعماقنا، وضغَطْنا على بعض حاجاتِ الجسد مِن أجلِ إنعاشِ الروح، وفكّرنا مَلياً فيما هو آت، وفيما ينتظرنا.
 أيها السادة المستمعون، أيتها السيدات المستمعات، في العالَم المتخلِّف روحياً ودينياً تحوّلتْ مرجعيةُ الأخلاقِ من الوحي إلى العقل التبريري، الذي يرتبط بالمصالح والأهواء أكثرَ مما يرتبط بالمبادئ والقيم، لذلك طلعَ علينا الغربيون بما يسمى النسبية الأخلاقية، حيث يقولون: ما كان منكراً في زمن يصبح مقبولاً قي زمن، وما كان رذيلةً في مجتمع يصبح فضيلةً في مجتمع، وهكذا أصبح الطريقُ مُمَهّداً لتحويلِ الأخلاقِ الفاضلةِ إلى رذائلَ في ثوب فضائل، وهذه أخطرُ قضيةٍ في الأخلاق، النسبية الأخلاقية.
كلُّ ذلك بسبَبِ أنّ الناسَ الشاردين عن سرِّ وجودهم وعن غاية وجودهم رأوا أنّ النموَّ الاقتصاديَّ هو الصنمُ الذي ينبغي أنْ تُقدّم له كلُّ القرابين، هذا في المجتمع الدولي كلِّه، ولو كانت على حسابِ الدِّينِ والقيمِ. وصارت النجاةُ مِن تأثيراتِ ذلك التحوُّل الأخلاقي الكبيرِ صعبةً جدّاً ؛ فالتواصلُ الكونيُّ الهائلُ وَضعَ العالَمَ فيما يُشْبِهُ الخلاَّطة الكبيرة !
إضافةً إلى الضغوطِ الرهيبةِ التي تتعرض لها المبادئُ الأخلاقيةُ، يضاف إلى ذلك الصعوباتُ الحياتيةُ التي تواجه كلَّ مَن يرفض المساومةَ على أخلاقه واستقامته.
 إنّ كثيراً من الناس في هذه المجتمعات المعاصرةِ يعيش اليومَ دونَ أيِّ هدفٍ سامٍ، فتأمينُ الحاجاتِ الضروريةِ هو شُغْلُهُم الشاغلُ، وامتلاكُ بيتٍ صغيرٍ يُعَدُّ نصراً في معركة شرسة، لقد صار الواحدُ من هؤلاءِ في هذه المجتمعاتِ أشبهَ بالحيوان البرِيِّ الذي يقضي حياتَه في حديقة الحيوانات، فهو ليس معزولاً عن بيئته الطبيعية فحسب، بل إنه معزولٌ أيضاً عن أعماقِ ذاته !

 

 

أشار القرأن في أيات كثيرة إلى تخلف قو عاد الأخلاقي على الرغم من تقدمهم العلمي:

أيها الأخوة الأعزّاء ؛ هذا التردِّي الأخلاقيُّ الذي تعاني منه المجتمعاتُ المعاصرةُ لم يكن جديداً في تاريخ البشرية، فالتاريخُ يُعيدُ نفسَه، وإليكم الدليل.
 لقد ذكر اللهُ لنا في القرآن الكريم قَصصَ شعوبٍ كثيرةٍ في الماضي الغابر، مُشابِهةً للعديد من شعوب اليوم، وأخبرَ القرآن عن تخلِّفها الأخلاقيّ، ولكنّه أشاد بعظمة عمارتها للأرض، فمِن تلك الشعوب قومُ عادٍ، قال مشيراً إلى جبروت عمرانهم وقوّتهم المادية، فقال تعالى:

 

 

﴿ أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آَيَةً تَعْبَثُونَ (128)﴾

 

( سورة الشعراء )

 أما عن قوتهم العسكرية والقتالية فقال:

 

﴿ وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (130)﴾

 

( سورة الشعراء )

 وقال أيضاً:

 

﴿ فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾

 

( سورة فصلت )

 وقد أشار القرآن الكريم إلى تفوق عادٍ في شتى الميادين، فقال تعالى:

﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (8)﴾

( سورة الفجر )

وصف القرأن الكريم عاد وثمود بالذكاء والفهم والاستبصار:

 كذلك ثمود سبقوا الناسَ في خرق الجبال، وجَوْبها، ونحتِ المساكن وتجميلها، وبناءِ القصور في السهول، قال تعالى:

 

﴿ وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (9) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (10) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11)﴾

 

( سورة الفجر )

 وقال سبحانه:

 

﴿ وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً فَارِهِينَ (149)﴾

 

( سورة الشعراء)

 وقال:

 

﴿ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتاً﴾

 

( سورة الأعراف )

 وصف القرآنُ الكريمُ قومَيْ عادٍ وثمودَ بالذكاء والفهم والاستبصار قال تعالى:

 

﴿ وَعَاداً وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمَ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (38)﴾

 

( سورة العنكبوت )

عاد وثمود ومن لحقهم كانوا طغاة ومجرمين بغض النظر عن تفوقهم العمراني والحربي:

 ذكَر القرآنُ بشكلٍ عامٍّ عظمةَ العديد مِنَ الشعوب السالفة والماضية في العمران والقوة، فقال تعالى:

 

﴿ أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (9)﴾

 

( سورة الروم)

 على النقيضِ مِن ذلك نجد أنّ تلك الشعوبَ السالفةَ كانت منحطّةً أخلاقياً، ساقطةً دينياً، أو ببساطة بالغة، كانت مُفْسِدةً للأرض وللناس، مهلكة للبلاد والعباد، فمثلاً قال القرآن الكريم عن عاد وثمود وفرعون:

 

﴿ وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (10) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11)﴾

 

( سورة الفجر )

 وعن قوم نوح أنهم كانوا أطغى من عاد وثمود:

 

﴿ وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى (52)﴾

 

( سورة النجم )

 في ذلك إشارة إلى أن عاداً وثمودَ ومَن لحقهم كانوا طغاة ومجرمين بغَضِّ النظرِ عن تفوُّقِهم العمراني أو الحربي. إذاً ليس هناك علاقة بين التفوق الديني والأخلاقي من ناحية والتطور العمراني والعسكري من ناحية أخرى، فكم مِن شعوبٍ بلغت الذروةَ في البناء والتعمير والقوة العسكرية، ولكنها تسفّلت في الدين والأخلاق أيَّما تسفّل، ثم سقطتْ حضارتُها العمرانية العظيمة مُنهارةً إلى الأبد بسبب فسادها، ومَن يقرأُ ما سطروا لا يجد أحداً منهم يذكرُ الله إلا قليلاً، أمّا أصنامهم وآلهتهم فلا تكاد تحصى.

 

قصص القرأن الكريم عن الشعوب القديمة ليست عبثاً:

 قد يسأل سائل: ما الفائدةُ مِن تلك القصص ؟ فتلك شعوب قديمة هلكت وانتهت، نقول: مَن لا يفهم الماضي فلن يفهمَ الحاضرَ، ومَن لا يعتبر من أخطاء غيره فلا بدّ أنْ يقع فيها. وقَصصُ القرآنِ الكريم عن الشعوب القديمة ليست عبثاً، فما دام اللهُ جل جلاله قد ذكر تلك الأقوامَ القديمةَ في قرآن يُتلَى إلى يوم القيامة فلا بد مِن فائدة عظيمة، قال تعالى:

 

 

﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾

 

( سورة يوسف)

هذا الذِّكْرُ من أجل ألاّ تنبهر الشعوبُ الضعيفةُ اليوم بالغرب، بقوته العسكرية، ومنشآته العمرانية، وتقدُّمه الخطير في شتى الميادين، لئلا تراه مارداً قوياً وجباراً يفعل ما يريد.
 لكن أليست هذه الأممُ أمثالَ عادٍ وثمودَ تأكلُ حقوقَ الأمم مِن خلال هيئة الأمم ؟ أليست هذه الأمم أمثالَ عاد وثمود تَسلبُ أَمْنَ الشعوب مِن خلال مجلس الأمن ؟ أليست هذه الأمم المسيطرة أمثالَ عاد وثمود تبني مجدها على أنقاض الشعوب ؟ أليست هذه الأمم المسيطرة أمثالَ عاد وثمود تبني غناها على إفقار الآخرين ؟ لقد طغتْ، وبغتْ، وتغطرستْ، ونسيتْ وعيد الله لها، قال تعالى:

﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42)﴾

( سورة إبراهيم )

 وقال أيضاً:

 

﴿ لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (197)﴾

 

( سورة آل عمران )

ما يقوله تعالى للأقوام الذين ضلوا قدماء ومحدثين :

 لقد قالوا:

﴿ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾

( سورة فصلت الآية: 15 )

 كذلك تقول بعضُ الدول العظمى، أو بعضُ الدول التي تعتمد على دول عظمى، واللهُ يقول لهؤلاء جميعاً، قدماء ومحْدَثين:

 

﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾

 

( سورة فصلت )

 لو كنا نقرأُ القرآنَ كلّ يومٍ لعلَّمنا أنّ شعوباً كثيرةً كعادٍ وثمودَ وغيرِها قد تفوّقتْ في عمران الأرض كما يتفوّق الغربُ اليومَ، ولكنها ضلّت وأضلت، وفسدت وأفسدت، وطغت وبغت وشردت عن عبادة خالقها، وانحطّتْ أخلاقُها.
أيها الأخوة المؤمنون ؛ إنّ الإسلامَ ليس ضد العلمِ والعمل، بل يأمر بهما، ولكنه ضد الكفر وعبادة الطواغيت، والعلوّ في الأرض بغير الحق، والفساد والظلم، وأكلِ أموالِ الناسِ بالباطل، وإهلاكِ الحرثِ والنسلِ.

 

النتيجة التي تنتظر كل قوم كعاد وثمود:

 لكن ماذا كانت نتيجةُ عادٍ وثمودَ ؟ وهي النتيجةُ التي تنتظرُ كلَّ قومٍ كعادٍ وثمودَ، قال تعالى:

 

 

﴿ فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (5) وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (6) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (7) فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (8)﴾

 

( سورة الحاقة)

 وقال سبحانه:

 

﴿ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾

 

( سورة يونس )

الكيان الصهيوني هو مثال معاصرة من عاد وثمود:

 كمثلٍ معاصر من عاد وثمود، هذا الكيان الصهيوني الذي سلب أرض شعب، ونهب ثرواته، وانتهك حُرُماتِه، ودنّس مقدّساتِه، وداس كرامتَه، وقهر إرادتَه، وأفسد عقائِدَه، وفرّغ قيمَه، وزوّر تاريخَه، وحمله على الفساد والإفساد، ومارس عليه ألوانَ التجهيلِ، والتجويعِ، والتعذيبِ.
ثم إنّ تصعيدَ العدوانِ الوحشيِّ من قِبَلِ القيادة المجرمة للكيان الصهيوني على الشعب الفلسطيني، والأمة العربية، وعلى مواقعنا في لبنان، يدفع المنطقةَ إلى حافَةِ الحرب وأُتُونِها، فهل يُعقَل أن تُسْتَخْدَمَ أحدثُ الطائراتِ المقاتلةِ العملاقةِ لقصفِ شعب أعزلَ لا يملك إلا الحجارة ؟! لقد وصف أحدُ الصحفيين أحدَ الطغاةِ المجرمين بأنه ثور هائج مُصابٌ بجنون البقر.
 لقد شرَّف اللهُ الأمةَ العربية ببعثةِ النبيِّ الأعظمِ صلى الله عليه وسلم، فاستجابتْ لله وللرسول حينما دعاها لما يُحْيِيها، وجعلت الوحيَ مَرجعاً لمعتقدها، والشريعةَ الغراءَ منهجاً لحياتِها، والقيم الخلقية التي جاء بها القرآنُ هدفاً لطموحاتها، عندئذ أنجزَ اللهُ لها وعدَه بالنصر والتأييد والاستخلاف والتمكين، فامتدت الدولةُ الإسلاميةُ التي عاصمتُها دمشقُ، من الصينِ إلى إسبانيا، تنشرُ تعاليمَ الإسلامِ المستندةَ إلى مبادئِ التسامحِ والعدلِ والإخاءِ والمساواةِ، هذا ما قاله السيد الرئيس في خطابه في بلدية باريس خلال زيارته الأخيرة لفرنسا.
 أيها الأخوة المؤمنون ؛ إذا أردنا أنْ نستعيدَ دورَنا القياديَّ في العالم، وأنْ ننقل إلى الشعوب رسالةَ الإسلام الخالدةَ التي ذكرها السيدُ الرئيسُ في خطابه الآنف الذكر، فعلينا أن نستجيب لله وللرسول لِمَا يحيينا، وأن نجعل الوحيَ مرجعاً لمنطلقاتنا النظرية، والشريعةَ الغراءَ منهجاً لسلوكنا العملي، عندئذ يتحقَّق وعدُ الله لنا بالاستخلاف والتمكينِ في الأرض.