مكارم الأخلاق - الدرس : 04 - الاستقامة .

2003-11-03

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
 أيها الإخوة الكرام: الموضوع اليوم الاستقامة، وفي القرآن الكريم تسع وأربعون آية عن الاستقامة، وفي الأحاديث الصحيحة ما يزيد على عشرين حديثاً في الاستقامة، وفي الآثار عدد كبير جداً من الآثار التي تشير إلى الاستقامة.
 أيها الإخوة: بادئ ذي بدء، يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: " الاستقامة هي لزوم المنهج القويم "، قال تعالى:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ﴾

(سورة فصلت)

 وبيّن أيضاً أن الاستقامة بعدم الطغيان.

 

﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا﴾

 

(سورة هود)

 الآن هذا الذي أراد أن يستقيم له أحوال، فإن كان من أحواله أنه قوي، أو غني، أو أنه يتمتع بتمكين في الأرض أكبر منزلق له الطغيان، فقد يطغى الغني على الفقير، وقد يطغى القوي على الضعيف، وقد يطغى العالم على طالب العلم، الطغيان مذلة الأقوياء.
ثم يقول الله عز وجل:

 

﴿ وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾

 

(سورة هود)

 إذا أراد الضعيف أن يستقيم عنده منزلق آخر، المنزلق الآخر أن يركن إلى الذين ظلموا، ليأخذ من مالهم، أو شأنهم، أو ما عندهم من الدنيا، أو من دنياهم.
فلذلك أيها الإخوة: الذي أراد أن يستقيم إذا كان قوياً فالمال قوة، والعلم قوة، والسلطة قوة، إن كان قوياً فمزلقه الطغيان.

 

﴿ كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى (7)﴾

 

(سورة العلق)

 وإن كان ضعيفاً فمزلقه أن يركن إلى الذين ظلموا، فحينما أمر الله المؤمنين أن يلزموا سبيل الاستقامة ذكّرهم أن أمامهم منزلقين، هذان المنزلقان متعلقان بحال المستقبل، فالقوي منزلقه الطغيان، والضعيف منزلقه أن يركن على الذين ظلموا.
أيها الإخوة: الاستقامة تتعلق بالأقوال، والأفعال، والأحوال، والنيات، وقد قال بعضهم: كن صاحب استقامة لا طالب كرامة، فإن نفس الإنسان تتحرك في طلب الكرامة، والله عز وجل يطالبها بالاستقامة.
 قبل أن أتابع الحديث لابد من مثل يوضح الحقيقة، عالم التجارة لو أردنا أن نحصي أنواع النشاطات والحركات التي أراد أن يقوم بها التاجر، فهي عديدة جداً، لا تعد ولا تحصى، بدءاً من شراء محل ومستودع ومكاتب وفروع، وتعين موظفين، واستخدام شركات، وجلب البضاعة، وعرضها، وبيعها، وقبض ثمنها، والمحاسبة.
 لو ذهبتُ لأعدّد أنواع النشاطات التي يقوم بها التاجر فهي لا تعد ولا تحصى، كل هذه النشاطات إن لم تحقق في البداية ربحاً، لأن التجارة في النهاية تضغط بكلمة واحدة، التجارة يعني أن تربح، فإن لم تربح فلا معنى لكل هذه النشاطات.
 يقاس على هذا المثل أن الإنسان ضمن المجال الديني قد يقوم بآلاف النشاطات، فإن لم يكن مستقيماً فلا معنى لكل هذه النشاطات، كيف أن التجارة كلها ضغطت بكلمة واحدة هي تحقيق الربح، كذلك الدين يضغط بكلمة واحدة، هي تحقيق الاستقامة.

 

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾

 

(سورة فصلت)

 فما لم تكن مستقيماً فلا تنتظر من هذا الدين شيء، لك أن تقوم بأكثر شعائره، ولك أن تتزين، وتتباهى، وتؤلف، وتفعل ما تشاء، أما أن تحقق الهدف من الدين، فإن هذا الهدف لا يحقق إلا بالاستقامة، الآيات في الاستقامة كثيرة جداً، نكتفي بقوله تعالى:

 

﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا﴾

 

(سورة هود)

 والآية الثانية:

 

﴿ وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾

 

 

فالمستقيم ينبغي ألاّ يطغى، وألاّ يركن للذين ظلموا إذا كان ضعيفاً.
 أيها الإخوة: مما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمُ الصَّلَاةَ وَلَا يُحَافِظُ عَلَى الْوُضُوءِ إِلَّا مُؤْمِنٌ))

(سنن ابن ماجة)

 وهذا الحديث أصل في الاستقامة، أي أنك إذا استقمت لن تحصي الخيرات التي تأتيك من الله، الخير كله من الاستقامة، أنت تطلب من الله الكرامة، وهو يطالبك بالاستقامة، وقد ورد:

((استقيموا ونِعْم الاستقامة))

(ورد في الأثر)

 عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ قَالَ:

 

((قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قُلْ لِي فِي الْإِسْلَامِ قَوْلًا لَا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا غَيْرَكَ قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ بَعْدَكَ قَالَ قُلْ آمَنْتُ بِاللَّهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ ))

 

(مسند أحمد)

 النبي عليه الصلاة والسلام كما أنه يعلّم بأقواله فإنه يستخدم الوسائل المعينة بالتعبير الحديث، الآن هناك مادة في كلية التربية اسمها الوسائل المعينة، إيضاحات، مصورات...
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ:

 

((كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَطَّ خَطًّا وَخَطَّ خَطَّيْنِ عَنْ يَمِينِهِ وَخَطَّ خَطَّيْنِ عَنْ يَسَارِهِ، ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ فِي الْخَطِّ الْأَوْسَطِ فَقَالَ: هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ]وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ[))

 

(ابن ماجه، أحمد)

 الخط المستقيم هذه الاستقامة الموصلة إلى الله، وعن يمين هذا الخط خطوط مائلة وعن الشمال خطوط مائلة على رأس كل خط شيطان يدعو على هذا الطريق.
مثل آخر: عَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا وَعَلَى جَنْبَتَيِ الصِّرَاطِ سُورَانِ فِيهِمَا أَبْوَابٌ مُفَتَّحَةٌ وَعَلَى الْأَبْوَابِ سُتُورٌ مُرْخَاةٌ وَعَلَى بَابِ الصِّرَاطِ دَاعٍ يَقُولُ أَيُّهَا النَّاسُ ادْخُلُوا الصِّرَاطَ جَمِيعًا وَلَا تَتَفَرَّجُوا وَدَاعٍ يَدْعُو مِنْ جَوْفِ الصِّرَاطِ فَإِذَا أَرَادَ يَفْتَحُ شَيْئًا مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ قَالَ وَيْحَكَ لَا تَفْتَحْهُ فَإِنَّكَ إِنْ تَفْتَحْهُ تَلِجْهُ وَالصِّرَاطُ الْإِسْلَامُ وَالسُّورَانِ حُدُودُ اللَّهِ تَعَالَى وَالْأَبْوَابُ الْمُفَتَّحَةُ مَحَارِمُ اللَّهِ تَعَالَى وَذَلِكَ الدَّاعِي عَلَى رَأْسِ الصِّرَاطِ كِتَابُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالدَّاعِي فَوْقَ الصِّرَاطِ وَاعِظُ اللَّهِ فِي قَلْبِ كُلِّ مُسْلِمٍ))

(مسند الإمام أحمد)

 هذا مثل ضربه النبي عليه الصلاة والسلام، الطريق الموصلة إلى الله واحدة، إلى أن الطريق الموصلة لمرضاته، هذا الطريق متعدد، الطرق الموصلة لمرضاة الله عز وجل لا تعد ولا تحصى.
عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ:

 

((سَأَلْتُ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْتَتِحُ صَلَاتَهُ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ ؟ قَالَتْ: كَانَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ افْتَتَحَ صَلَاتَهُ اللَّهُمَّ رَبَّ جَبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ))

 

(صحيح مسلم)

أيها الإخوة: ماذا عن أقوال السلف الصالح، وعلى رأسهم الصحابة الكرام في شأن الاستقامة ؟
 عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه سئل عن الاستقامة فقال: " ألاّ تشرك بالله شيئاً "، فهم عن الاستقامة استقامة العقيدة، وسيدنا عمر عندما سئل عن الاستقامة قال: " أن تستقيم على الأمر والنهي، ولا تروغ روغان الثعلب "، الحيل الشرعية والفتاوى الضعيفة والتأويلات الباطلة، هذا رأي سيدنا عمر، وسيدنا عثمان قال: " استقاموا، أخلصوا العمل لله "، فسر الاستقامة بالإخلاص، وسيدنا علي فسرها بأداء الفرائض، وسيدنا الحسن قال: " استقاموا على أمر الله عملوا بطاعته، واجتنبوا معصيته" ، ومجاهد قال: " استقاموا على شهادة أن لا إله إلا الله حتى لحقوا بالله عز وجل "، وبعض العلماء يقول: " أعظم الكرامة لزوم الاستقامة "، ويقول أيضاً: " استقاموا على محبته وعبوديته، فلم يلتفتوا عنه يمنة ولا يسرة ".
 أيها الإخوة: كما قلت قبل قليل: يمكن أن يضغط الإيمان كله بعد الإيمان بالله بالاستقامة، ولأن تعريف العبادة: طاعة طوعية هي الأصل الطاعة، لكن سببها العلم، ونتيجتها السعادة، ففي العبادة جانب معرفي هو السبب، وجانب سلوكي هو الأصل، وجانب جمالي هو السمع.
 فما لم تستقم فلا يمكن أن تقطف الثمرة، وما لم تعلم فلا يمكن أن تستقم، الحقيقة ثلاثة حدود، تعرف الحقيقة فتستقيم، تستقيم فتسعد، وحينما خلقنا الله عز وجل خلقنا ليسعدنا بعبادته بعد أن نعرفه، تعرفه، فتطيعه، فتسعد بحبه، لن تستقيم على أمره إلا إذا عرفته، ولن تسعد بقربه إلا إذا أطعته، تعرفه تستقيم على أمره تسعد بقربه.
 فلذلك بالتعبير الدارج بين أصحاب المهن يقول: ضربة معلم، فإذا دعوت إلى الله، وركزت على الاستقامة فهذه ضربة معلم، هذا الإنسان إذا استقام اتصل بالله، وقطف كل ثمار الدين، شعر بالقرب والراحة والطمأنينة والأمن والتوفيق، شعر أن الله يحبه، كل ثمار الدين من الاستقامة.
 فيجب أن نلحّ على الاستقامة، أما إذا ألححنا على طلب العلم فقط، يوجد اتجاه خطر في الإسلام الآن يسمى بالتعبير المتداول إسلام صالونات، كل الأوراق الرابحة سقطت الآن، لم يبق في أيدي الناس إلا ورقة الدين، فالذي لا يلتزم منهج الله إذا جلس يتكلم باسم الدين، الآن بعد وقوع كل النظم والمبادئ الوضعية في الوحل لم يبق إلا الدين.
 فالذي أراد أن يرتفع بين الناس الآن يتكلم بالدين، ما من طريق لتعلو، إن أردت أن تؤلف كتاباً، وأن يروج يجب أن يكون كتابًا دينيًّا، فعلى مستوى الكتب والمحاضرات الدين، فكل من أراد العلو في الأرض ليس له من سبيل إلا الدين، فنشأ اتجاه جديد هو الإسلام، ولا علاقة له بالإسلام، إسلام فكري فقط، فهو لا يصلي، وينتهك معظم الحرمات، ولكن إذا أراد أن يتحدث تحدّث بقيم الدين كي يتعامل مع العملة الرائجة.
 فلذلك الدين في الأصل استقامة والتزام، ولزوم المنهج، فالإنسان حتى يوفر وقته، ويقطف ثمار اتجاهه لا يفكر أن يربح إذا بقي على مستوى الثقافة، لأن الدين من دون استقامة ثقافة أو عادات أو تقاليد أو فلكلور أو تراث، يقولون: التراث الإسلامي، الدين وحي أو التزام.
وفي القرآن الكريم ما يزيد على مئتي آية تتحدث عن الإيمان، ما من آية تحدثت عن الإيمان إلا وجاء بعد الإيمان العمل الصالح، وأوضح شيء قوله تعالى :

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾

 أن تقول: ربنا الله دون أن تستقيم لا معنى لذلك، وكنت أوضح هذه الحقيقية بإنسان مريض في جلده، وقد وصف له الطبيب أن يتعرض لأشعة الشمس، فجلس في غرفة قمئة بعيدة عن الشمس، هو متكلم فصيح أديب، فإذا أسمَعَنا من كلمات في مديح الشمس، يا لها من شمس ساطعة، إنها في كبد السماء، إنها شمس مطهرة لأمراض الجلد، مهما تحدثت عن الشمس وأنت قابع في الظلام فحديثك ليس له قيمة إطلاقاً، ولا يقدم ولا يؤخر، من أجل أن نوفر أوقاتنا، ومن أجل أن نقطف ثمار هذا الدين، ومن أجل أن نلقى الله سعداء بقربه يجب أن ينتقل النشاط الديني من نشاط الأقوال إلى نشاط الأفعال.
 فعندما يبقى الدين أقوالا يسمى ظاهرة صوتية، والصوت يختفي فجأة، أنت قد تأتي بأكبر آلة تسجيل، وترفع الصوت إلى أعلى مستوى، هذه الآلة تملأ المكان ضجيجاً ونغماً، يكفي أن تقطع الكهرباء عن هذه الآلة، فإذا بقي الإسلام ظاهرة صوتية أقلّ حدث طارئ يلغي الإسلام، أما الإسلام إذا كان استقامة فإنه يصمد كالجبال، (أَحَدٌ أَحدٌ) ما أساسها ؟
 المستقيم لا يصرفه عن دينه لا سبائك الذهب اللامعة، ولا سياط الجلادين اللاذعة، الدين استقامة، لأن بالاستقامة قطف ثمارها، إذا دعي إنسان لطعام، فحضر، لكن لم يأكل، المرة الثانية زهد في هذا الحضور لم يأكل شيئًا، فإذا كان على المائدة صحون وأدوات غالية الثمن جداً، ولا يوجد طعام إذا دعي مرة ثانية لا يأتي، المجيء مملٌّ، فإذا لم يتوج الإسلام بالاستقامة فهو مملّ، تألفُه، والله قال:

 

﴿ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾

 

(سورة النساء)

 وقال:

 

﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45)﴾

 

(سورة البقرة)

 الصلاة صعبة جداً، عشر ساعات يمضيها الإنسان في لهو دون أن يشعر، أما أربع ركعات فيجدها ثقالا ! قرأ الإمام: مدهامتان، قال: أطلت قال: كلمة واحدة في ركعة واحدة ! كل ركعة قل: مد هامة.

 

﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45)﴾

 

 فهذا الإسلام أساسه الاستقامة، فأنت حينما تستقيم تصبح مع الله، لذلك الأوراد والأذكار من دون استقامة مملّة، وثقيلة على الإنسان، لكن الأوراد والتلاوات مع الاستقامة مسعدة، فأنا اخترت هذا الموضوع في رمضان تحديداً، فما لم تستقم على أمر الله فلا تنتظر من الدين شيئاً، كيف تأخذ شهادة الحقوق ؟ معلومات، تتعلم القوانين والأحكام، مراتب المحاكم، أنواع الأحكام، معلومات.
إذا تركت الاستقامة فالدين لا يزيد على أن يكون ثقافة، هذا معه اختصاص طب، هذا هندسة، هذا شريعة، اختصاص من هذه الاختصاصات لا تقدم ولا تؤخر، لكنك إذا استقمت فأنت إنسان آخر.
 لذلك أيها الإخوة: كنهاية لهذا الموضوع هناك علم بالله، وبأمره، وبخَلقه، العلم بخلقه الجامعات في الأرض، فيزياء، كيمياء، طب، هندسة، فيزياء نووية، كيمياء عضوية..... هذه علوم الأرض، وعلوم خلقه، من اختصاص الجامعات في العالم.
 أنشتاين أعلم علماء الفيزياء مات، وانتهى بموته، والعلم بأمره كليات الشريعة، هنا معلومات، وقوانين، وهنا معلومات وقوانين، طالب الشريعة عنده مراجع ومصادر وكتب ومنهج بحث، وأدلة نقلية وعقلية، علم آخر كالفيزياء تماماً، لكن ما لم تعرف الله، والعلم بذاته، وتتقرب إليه، وتجاهد نفسك وهواك فلن تصل مع الله إلى شيء.
 فالحقيقة المُرة أفضل ألف مَرة من الوهم المريح، أحياناً تلاحظ أن الإنسان يتعلق بأشياء في الدين لا تكلفه شيء، يقوم ببعض العبادات، لكن عند الشهوات ضعيف، لذلك هذا لا يستطيع أن يتصل بالله عز وجل، يبقى الدين عنده نماذج أو عادات أو تقاليد، لكن في النهاية الدين من دون استقامة مملٌّ، وفيه تدهور، وتجده ينتقل من حال إلى أسوأ، إلى أسوأ منه، فيترك الصلاة.
أوضح مثل: طالب علم سافر إلى بلد غربي، أول أسبوعين لزم الصلاة، فلما أطلق بصره في الحرام تململ في الصلاة، ثم ارتكب الزنى، الآن بينه وبين الله حجب كثيفة من الصعب أن يخترقها.
 ثمة قصة سمعتها قبل أيام عن رجلٍ كان صالحاً جداً، فلما فارق الاستقامة انفتح عليه باب التدهور، وأنت متماسك ما دمت مستقيماً، فإذا خرقت الاستقامة فقدت هذا التماسك، فالذي أتمناه على نفسي وعليكم أن نلزم الاستقامة حتى يأتينا اليقين، وهو الموت، والإنسان أحياناً ينتكس، وقد ينتكس في وقت متأخر، فما لم يكن مع الله، ويلزم حدود الشرع ومجالس العلم يخسر كل شيء.
 والله أيها الإخوة، هذا المجلس أو أي مجلس علمي آخر هذا أحد الحصون التي تمنعك أن تنزلق، عملية شحن، وأنت شبّه نفسك بهذا الهاتف الخلوي، إذا لم تشحنه ينتهي، وأنت تحتاج إلى شحن مستمر حتى تتكلم، المجلس العلمي فيه شحن، الخطبة فيها شحن، التقيتَ مع إنسان صالح تُشحَن، لابد أن يكون لك مرجع أو شاحن، إذا سافرت تأخذ الهاتف مع الشاحن، إذا نسيت الشاحن فلا داعي للهاتف، أليس كذلك ؟ فالشاحن هو الاتصال بالله ومجلس العلم.