الخطبة : 0830 - الدعوة الصامتة .

2002-03-29

الخطبة الأولى:

الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقراراً بربوبيته وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله، سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

حاجة المسلمين اليوم إلى دعوة صادقة أساسها القدوة :


أيها الأخوة الكرام، مع أن الأنبياء و المرسلين جاؤوا بالكلمة الطيبة، جاؤوا بالكلمة فغيروا وجه الأرض، جاؤوا بالكلمة فأقاموا مجتمع العدل، جاؤوا بالكلمة فسعد الناس بكلمتهم، و لكن حينما تبتعد الكلمة عن الواقع، وحينما تكون الكلمة في واد والواقع في واد آخر، يزهد الناس بالكلمة، ولا يعطونها حقها، بل ويسخرون منها، في مثل هذه الأحوال الاستثنائية حينما يكفر الناس بالكلمة، ولو أنها صادقة، لأن هناك مسافة كبيرة جداً بين الكلمة و بين الواقع يحتاج الناس إلى عمل، يحتاج الناس إلى أن يعملوا :

﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾

[ سورة التوبة : 105]

لذلك المسلمون اليوم في أشدّ الحاجة إلى الدعوة، المسلمون قبل غيرهم، رواد المساجد قبل غيرهم يحتاجون إلى دعوة صحيحة، يحتاجون إلى تصحيح عقائدهم، و يحتاجون إلى تصحيح سلوكهم، و يحتاجون إلى أن يعرفوا المهمة الكبيرة التي أنيطت بهم، ويحتاجون إلى معرفة هويتهم، يحتاجون إلى أن تكون حركتهم وفق منهج الله عز وجل، لذلك ما من حاجة تشتد في هذه الأيام كحاجة المسلمين إلى دعوة صادقة، و لأن هناك مسافة كبيرة بين الكلمة و بين الواقع لابد من دعوة صامتة، هذه الدعوة الصامتة أساسها القدوة، السؤال الملح ماذا نعمل؟ هناك حالة إحباط عامة، هناك عدو متغطرس، هناك عدو لا يرحم، هناك عدو أعدّ لنا قبل أن نعد له، ماذا نعمل؟

 

على كل مسلم توطين نشاطاته وفق منهج الله :


أيها الأخوة الكرام، هؤلاء الذين أصبحت قوتهم طاغية في الجانب المادي فقط ثمن هذا التفوق عشرات السنين، بل مئات السنين، فنحن بحاجة ماسة إلى أن نعمل، وقبل أن نعمل ينبغي أن نعرف من نحن؟ ما هويتنا؟ لماذا نحن على وجه الأرض؟ أذكركم دائماً أن الذي يسافر إلى بلد، وينزل في أحد الفنادق، ويستيقظ في صبيحة اليوم الأول، ويرتدي ثيابه، و يسأل: إلى أين أذهب؟ ألا تعلم إلى أين تذهب؟ لماذا جئت إلى هنا؟ إن كنت جئت طالب علم فاذهب إلى المعاهد والجامعات، وإن جئت تاجراً فاذهب إلى المعامل والمؤسسات، وإن جئت سائحاً فاذهب إلى المقاصف والمتنزهات، لا تصح الحركة إلا إذا عرفت السبب، لماذا أنت هنا؟ لو وسعنا هذا المثل لماذا نحن على سطح الأرض؟ لماذا نحن في الأرض؟ لماذا خلقنا في الدنيا؟ أجابنا خالقنا العظيم قال :

﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾

[ سورة الذاريات : 56]


أي مسلم هذا يفقه حقيقة العبادة ويوطن نفسه أن يكون عبداً لله؟ ويشكل حياته وفق عبادة الله؟ ويجعل مهنته وحرفته وكل نشاطاته وكل مناسباته وفق منهج الله؟
أيها الأخوة الكرام، نحن في أمس الحاجة إلى العمل، إن لم يتح لك أن تجاهد كما ترى بعينيك فلا أقل من أن تجهز غازياً، عن زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

((مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَدْ غَزَا...))

[ متفق عليه عن زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ]

إن لم يتح لك أن تجاهد كما ترى بعينيك بإمكانك أن تخلف مجاهداً في أهله بخير، إن لم يتح لك أن تجاهد كما ترى بعينيك بإمكانك أن تسأل الله الشهادة صادقاً فيكتبها لك و أنت على فراشك، كرم ربنا عظيم، ولكن لابد من أن نعمل، معركتنا معركة أزلية أبدية بين الحق و الباطل، الناس رجلان رجل عرف الله، وانضبط بمنهجه، فسعد بالدنيا والآخرة، ورجل غفل عن الله، وتفلت من منهج الله، وأساء إلى خلقه، فشقي في الدنيا و الآخرة، و قمم البشر قمتان أنبياء وأقوياء، الأنبياء ملكوا القلوب بكمالهم، والأقوياء ملكوا الرقاب بقوتهم، والناس جميعاً أتباع لنبي أو لقوي.

 

البشر تابع و متبوع :


أيها الأخوة الكرام، الواقع يؤكد أن من البشر من هو تابع، ومنهم من هو متبوع، في كل حقول الحياة، في عالم الصناعة والتجارة والسياسة والقوة، وفي عالم العلم، تابع ومتبوع، هؤلاء المتبوعون، هؤلاء المتفوقون، هؤلاء الممكنون في الأرض، لهم عند الله سؤال كبير ما مكنهم إلا ليقيموا الصلاة :

﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾

[ سورة الحج : 41]

فأي واحد منكم مكنه الله باختصاص معين، بفكر معين، بطلاقة لسان، بقوة تأثير، بإتقان حرفة، بإتقان صنعة، يجب أن يضع هذا التفوق في خدمة المسلمين، و هذا نوع من الجهاد، هناك جهاد نقطف ثماره بعد خمسين عاماً، وقد لا يتح لمن يجاهد بهذه الطريقة أن يرى ثمرة جهاده، لكنه أرسى لبنة في بناء الأمة.

 

الاكتفاء بذاتنا و بناء أمتنا :


أيها الأخوة، مقومات كثيرة نحن في أمس الحاجة إليها، قال علماء الشريعة هناك فروض عينية و فروض كفائية، الفرض الكفائي إذا قام به البعض سقط عن الكل، أما إن لم يقم به البعض أصبح فرضاً عينياً على الكل، فنحن في أمس الحاجة إلى أن نكتفي بذاتنا، من منكم يصدق أن كل شيء يؤكل بذره مستورد؟ هذه حقيقة و إن كانت مؤلمة، حينما نبني أمتنا، نبني أبناءنا بناء صحيحاً، هذا نوع من الجهاد، لأن محصلة الجهاد الأكبر جهاد النفس و الهوى في الأمد البعيد نصر محقق، ذلك أن النصر أنواع ثلاثة نصر استحقاقي :

﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة الروم : 47]

﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾

[سورة آل عمران : 123]

﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾

[ سورة آل عمران : 126]


هذا النصر الاستحقاقي ينزل على أهل الحق حصراً، لكن الله سبحانه و تعالى كريم جعل هناك نصراً آخر، إنه نصر تفضلي، قال تعالى:

﴿غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾

[ سورة الروم : 2-4]

الروم وقتها كانوا أقرب إلى الله من الفرس فنصرهم، لا يعني نصراً استحقاقياً، لكنه يعني نصراً تفضلياً، و إذا سألنا الله النصر فمن هذا الباب نسأله أن ينصرنا نصراً تفضلياً، و النصر الثالث هو النصر التكويني؛ أي فئتان لا تعرفان الله إطلاقاً الأقوى ينتصر، صاحب السلاح الأكثر دقة ينتصر، صاحب الإعداد المتقن ينتصر، فهناك نصر تكويني بين أهل الكفر، و هناك نصر تفضلي بين من هو أقرب إلى الإيمان على من هو أبعد من الإيمان، و هناك نصر استحقاقي يتنزل على المؤمنين الصادقين.

 

لغة العمل أبلغ من لغة القول :


أيها الأخوة الكرام، عود على موضوع سابق، على موضوع الجهاد، جهاد الأعداء فرع من جهاد النفس و الهوى، و أنا أعني ما أقول، يا أيها الأخوة كل واحد منكم في موقعه إذا أتقن عمله، إذا نفع بعمله المسلمين، إذا نصح المسلمين، إذا ساهم في بناء صرح المسلمين، إذا نصح، إذا صدق، إذا أتقن، إذا كان أميناً، قد يكون الطالب و هو على مقعد الدرس مجاهداً إذا أتقن دراسته و نوى أن يكون علمه في خدمة المسلمين، و التاجر إذا جلب بضاعة جيدة و باعها بسعر معتدل، ونفع بها الناس فخفف عنهم متاعب الحياة، هذا التاجر وهو في دكانه مجاهد، و المعلم الذي يبني نفوس الصغار بناء صحيحاً على منهج الله وعلى قيم الدين وهو في صفه مجاهد، لا تدع ملايين الأعمال المتاحة أمامك، والتي تقربك إلى الله، والتي ترفعك عند الله، والتي تسهم في بناء أمة، لا تزهد بهذه الأعمال، وتتطلع إلى نوع من الجهاد ليس متاحاً لك الآن، هناك من يقوم به، وهناك من يهز كيان العدو، وهناك، وهناك، ولكن لا تقف، لا تقل ماذا أفعل؟
قل: أفعل هذا أم هذا؟ لابد من أن توازن بين فعلين، سيدنا عمر حينما كان على مشارف الشام وعلم أن في الشام مرضاً طاعوناً أحجم فقال له بعض أصحابه: يا أمير المؤمنين أفراراً من قضاء الله؟ قال : نعم، نفر من قضاء الله إلى قضاء الله، لو أن واديين أحدهما معشب و الثاني مجدب أين ترعى غنمك؟ إن رعيتها في الوادي المجدب رعيتها بقضاء الله، وإن رعيتها في الوادي المعشب رعيتها بقضاء الله، فينبغي أن تفر من قضاء الله إلى قضاء الله، فإذا كان الجهاد القتالي غير متاح للمؤمنين في شتى بقاعهم فلا أقل من أن يفدوا أمتهم، لا أقل من أن يتقنوا أعمالهم، لا أقل من أن يكونوا عادلين مع خصومهم، حينما تبني نفسك بناء صحيحاً و حينما تبني أسرتك بناء صحيحاً يمكن أن تكون عند الله مجاهداً، وحينما تخلف غازياً في أهله بخير، وحينما تجهز غازياً لابد من أن تكون مجاهداً، وحينما تتبنى طالب علم، وحينما تقيم الإسلام في بيتك لابد من أن تكون مجاهداً، أبواب الجهاد مفتحة على مصاريعها على أوسع زاوية، ينبغي أن نعمل، لغة العمل أبلغ من لغة القول لذلك أنا أدعو إلى دعوة صامتة، أدعو إلى دعوة أساسها أن تكون قدوة لغيرك، إن كنت أباً ينبغي أن تكون قدوة لغيرك، إن كنت معلماً ينبغي أن تكون قدوة لغيرك، و إن كنت صاحب متجر ينبغي أن تكون قدوة لغيرك.

الإنسان بعمله المتميز يكون أكبر داعية في الأرض :


الشيء الثاني : لابد من عمل متميز، حدثتكم مرات عديدة عن رجل فقير جداً ورث أرضاً أراد أن يبيعها جاء من يشتريها منه، ولم يدرِ أنها تشترى لتكون مسجداً، وهذا الذي ورثها فقير فقراً مدقعاً عنده ثمانية أولاد، ودخله أربعة آلاف، والقصة وقعت قبل عشر سنوات في دمشق، فجاء محسن كبير ليشتري هذه الأرض و ليجعلها مسجداً، أعطاه دفعة أولى سأله أين الدفعة الثانية؟ قال: عند التنازل، قال: أي تنازل؟ قال: ينبغي أن تتنازل عنها في الأوقاف لتكون مسجداً، مزق الشيك، و قال: أنا أبيع أرضاً تكون مسجداً!! أنا أولى أن أقدمها منك إلى الله عز وجل، يقول هذا المحسن الكبير ما صغرت في حياتي كما صغرت أمام هذا الإنسان الفقير الذي قدم أرضاً لتكون مسجداً، ولا يملك غيرها.
أيها الأخوة، أنت بعملك المتميز تكون أكبر داعية في الأرض، لو لم تكن طليق اللسان، لو لم تكن فصيح البيان، لو لم تُحصّل علوماً شرعية طويلة، يكفي أن تعمل عملاً متميزاً حتى تكون من أكبر الدعاة إلى الله عز وجل.
أيها الأخوة الكرام، نحن في أمس الحاجة إلى بطولات، نحن في أمس الحاجة إلى التعاون، نحن في أمس الحاجة إلى التعاضد، نحن في أمس الحاجة أن يحب بعضنا بعضاً، نحن في أمس الحاجة أن نتقن عملنا، نحن في أمس الحاجة أن نبتعد عن الترف، لأنك إن كنت تشكو ضيق دخل لك بيت تسكنه، ولبيتك سقف يغطيه، أما هذا الذي فقد بيته و هو في العراء، هو في أمس الحاجة إلى معونتك.

أبواب العمل الصالح لا تعد و لا تحصى :

أيها الأخوة الكرام، و الله الذي لا إله إلا هو في هذا الزمن الصعب أبواب العمل الصالح لا تعد و لا تحصى، و المؤمن الصادق لا يطلب عملاً مستحيلاً و يقعد، لا، يقوم بفعل آلاف الأعمال كلها متاحة لك، أليس متاحاً لك أن تربي ابنك لأن ابنك هو المستقبل؟ إن كنت غيوراً على مستقبل هذه الأمة فمستقبل هذه الأمة بيد أبنائك الصغار، ألا تستطيع أن تربيهم تربية صحيحة؟ أن تربي عقيدتهم؟ أن تربي خلقهم؟ أن تربي أجسامهم؟


أن تربي نفسيتهم؟ أن تربي عقولهم؟ تربية الأولاد من أعظم الجهاد في سبيل الله، إتقان العمل، وخدمة المسلمين، أذكر لكم لو أنك استوردت حديداً سيئاً يوجد فيه شوائب فحمية، أو استوردت حديداً جيداً، يمكن أن تستخدم الحديد الجيد بنصف الكمية، أما الحديد الذي فيه شوائب فيضطر المهندس إلى أن يضع ضعف الكمية لينام مستريحاً، فإذا كنت أنت في مصنع الحديد، ولم تتقن عملك كلفت الأمة ضعف ما تستحق دون أن تشعر، و الله أيها الأخوة أرى أمامي أعمالاً لا تعد و لا تحصى تجعلنا أمة قوية، هذه القوة التي يتمتعون بها حصيلة مئات السنين، حصيلة انضباط، حصيلة إتقان عمل، حصيلة فريق عمل لا يوجد تنافس أبداً، عندهم إيجابيات يجب أن نقر بها، نحن عندنا تنافس ليس عندنا تعاون، لا يصلح أكثرنا أن يعمل كعضو في فريق عمل، تنافس، لابد من أن تحطم من حولك كي تبقى وحدك، هذا أكبر خطر يهدد مستقبلنا، لو أردت أن تجلس و تكتب ما هو الذي متاح لك أن تفعله، وتكون عند الله مجاهداً، والله متاح لك أن تفعل أشياء لا تعد ولا تحصى، بدءاً من أن تعتني بصحتك، هل تصدقون أن بلدنا الطيب يستهلك كل يوم دخان بأربعمئة مليون؟ ستة عشر ملياراً في العام بعضه مستورد و بعضه يوجد فيه سموم، فهذا الذي يدخن هو يهدم أمته، ويهدم وطنه، ويهدم دينه، الأموال التي تنفق بلا جدوى لا تعد و لا تحصى، لو وُفرت هذه الأموال لبناء وطننا، بناء أمتنا، أنا أتكلم أي ما تمنيت في يوم من الأيام أن أصمت كهذا اليوم، ماذا أقول؟ الواقع سيئ جداً، أمة العرب اجتمعت كلها، وقررت، وعرضت منهجاً رُفض، وأعمال العدو على قدم وساق، أي يبالغون في إجرامهم.

أيها الأخوة الكرام، لابد من أن نعد، أنا أضع لكم مشروعاً واقعياً كل شخص أن يعد نفسه في حرفته، في موقعه، طالب؛ إتقان دراستك إعداد لعدوك، صانع؛ إتقان صنعتك إعداد لعدوك، تاجر؛ أن تنصح المسلمين و أن تبيعهم بضاعة جيدة بسعر معتدل هو جهاد لعدوك، نحن في أمس الحاجة إلى أن نبني أنفسنا، أما هذا الذي يجري حولنا واللهِ القلب يدمى له، و الله من لم يحمل همهم ليس منهم، و الله من لم يحمل همّ المسلمين ليس منهم، و الله من لم يبكِ لما يرى ليس من المسلمين، و لكن قد يكون الرد على ذلك أن تعد لهم ما استطعت من قوة، الآن القوة المنوعة أيها الأخوة قوة السلاح، وقوة الاقتصاد، وقوة الصناعة، وقوة التجارة، وقوة العلم، هناك أشواط طويلة، وأقول لكم مرة ثانية: لا تنتظروا أن يتنزل نصر الله عز وجل على أمة لا تستحقه، و لا نستحق نصر الله عز وجل إلا إذا كنا كما أراد الله، ابن آدم كن لي كما أريد أكن لك كما تريد، كن لي كما أريد ولا تعلمني بما يصلحك، كن لي كما أريد و لا تعلمني بما يصلحك.
أيها الأخوة الكرام، هذا كلام عام لكن أقوله من قلب مقروح، لابد من العمل، أنا أخاطب نخبة الأمة، رواد المساجد، هؤلاء لماذا أتوا إلى المسجد؟ لأنهم يعتقدون أن لهم خالقاً عظيماً، و أن هذه فريضة إسلامية، و هذه الخطبة جزء من العمل الدعوي، فينبغي أن نأخذ للأمر استعداده، ينبغي أن نعد أنفسنا، لا تقل الجهاد القتالي ليس متاحاً لنا، متاح لك ألف جهاد و جهاد، متاح لك جهاد لا ترى في اليوم التالي ثماره، لا ترى ثماره إلا بعد حين.

تصحيح أحوال الأمة يحتاج إلى وقت و لكنه ينطلق من تصحيح حالك الشخصي :


أيها الأخوة الكرام، نقطة دقيقة أحب أن أضعها بين أيديكم، تصحيح أحوال الأمة يحتاج إلى وقت و لكنه ينطلق من تصحيح حالك الشخصي، فلا أقل من أن تكفي الأمة نفسك، إذا كل شخص كفى الأمة نفسه، الآن إذا أهمل صحته حمل أمته ما لا تطيق، يحتاج إلى دواء و إلى أطباء وإلى تحاليل وإلى أشياء مستوردة، أما إذا طبق السنة في طعامه وشرابه، وطبق السنة في حركته وفي العناية بجسمه، فأنت حينما تعتني بصحتك أنت مجاهد في سبيل الله، لأنك كفيت الأمة نفسك هذه واحدة، حينما تعتني بأولادك كفيت الأمة أولادك، ما كانوا مشردين، ولا مجرمين، ولا جهلاء، ولا عابثين في الأرض، حينما تكفي الأمة نفسك فأنت مجاهد، و حينما تكفي الأمة أولادك فأنت مجاهد، وحينما تتقن عملك فأنت مجاهد، وحينما تكون زوجاً كاملاً فأنت مجاهد، وحينما ترعى أسرتك فأنت مجاهد، أبواب مفتحة على مصاريعها، وهذا لا يمنعك من أن تمد لهؤلاء المجاهدين بعون منك، لا يمنعك من أن تخلف غازياً في أهله بخير، لا يمنعك من أن تجهز غازياً، هذا فرض على كل مسلم.

على كل مسلم المساهمة في بناء النصر و إن لم يرَ النتائج بنفسه :


أيها الأخوة الكرام، ليس من شروط النهضة أن تتم في مدى عمرك، أنت مؤمن بالآخرة، نبي الله عز وجل، سيد الخلق، وحبيب الحق أخبره الله عز وجل قال له :

﴿فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾

[ سورة غافر : 77]

أنت حينما تسهم في بناء الأمة ليس ضرورياً أن ترى بنفسك نتائجها، أجدادنا فتحوا هذه البلاد، وضعوا اللبنات الأولى، سيدنا محمد عليه الصلاة و السلام لم يرَ بعينيه فتوح بلاد فارس و الروم، ما رأى إلا نصراً محدوداً، لذلك أنت لا يعنيك أن ترى النصر النهائي بعينك، أنت ساهم في بناء هذا النصر.
أيها الأخوة، الوعد هو بنصر الحق، فإن لم تنتصر فراجع نفسك، زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين، الله عز وجل وعد بنصر الحق، فإن لم تنتصر راجع نفسك، كن من أهل الحق، اجهد بأن تكون من أهل الحق حتى تستحق وعد الله بالنصر.
أيها الأخوة الكرام، العاقل يستخدم عقله قبل أن يستخدم يده، لو استخدم يده قبل عقله تعب كثيراً، أما إذا استخدم عقله ثم استخدم يده فربح كثيراً.

المفاضلة بين الناس تكون بأيهما أصلح للأمة :

أيها الأخوة، لا تسأل ماذا أفعل؟ إن سألت ماذا أفعل أي أنت خالي الذهن ليس عندك منهج، ولا طريق، ولا تصميم، ولا تخطيط، اسأل أفعل هذا أم هذا؟ لذلك الله عز وجل قال:

﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾

[ سورة هود : 7]

المفروض أن تعمل، المفروض أن تعمل عملاً صالحاً، و لكن التفوق في أن يبلو الله البشر أيهم أحسن عملاً، و هذا ملمح دقيق في الآية، المفروض أن تعمل، و المفروض أن تعمل عملاً صالحاً، لكن المفاضلة بين الناس في أيهما كان أصلح للأمة؟
أيها الأخوة الكرام، إذا حملت نفسك فوق ما تحتمل كنت المسؤول عن الإخفاق، دائماً خطط إذا أردت إنفاذ أمر تدبر عاقبته، بشؤون حياتك كلها، أحد أسباب الإخفاق أنك حملت نفسك ما لا تحتمل، أو أن تخطيطك ضعيف.

أيها الأخوة الكرام، ليس لي ما أقوله لكم إلا أن نقلب لغة القول إلى لغة العمل، وضعت بين أيديكم طبعاً بعد معرفة الله ومعرفة منهجه مسارب كي تعبر عن ذاتك، وكي ترضي الله عز وجل، لأنك ترى كما قال عليه الصلاة والسلام فيما يروى عنه:" يذوب قلب المؤمن في جوفه مما يرى، ولا يستطيع أن يغير، إن تكلم قتلوه و إن سكت استباحوه" هكذا عند أعدائنا إن تكلم أحدهم قتلوه، وإن سكت استباحوه، يريدون غطرسة وقوة ظالمة، والويل لمن يتحرك، هذا كله ترونه بأعينكم.
أيها الأخوة الكرام، يجب أن نكون في مستوى المسؤولية، و يجب أن نكون مسلمين حقيقة، ومؤمنين حقيقة، ولابد من أن نطلب العلم، أي مثلاً هل يمكن أن تتحرك حركة صحيحة دون أن تكون على علم دقيق؟ إذاً حينما تقتطع من وقتك وقتاً لمعرفة الله، لمعرفة منهج الله، لمعرفة حكم الله عز وجل في أية قضية هذا جزء من الجهاد في سبيل الله، هذا جزء من جهاد النفس والهوى، أن تقتطع وقتاً لطلب العلم، من هذا الذي يقتطع وقتاً لطلب العلم؟ أن تقتطع وقتاً لأن تعمل بما علمت، أن تقتطع وقتاً لأن تدعو إلى ما علمت، و الدعوة إلى الله فرض عين، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً...))

[ البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ]

انقل خطبة، أعر شريطاً، ائت بإنسان إلى مسجد تقنع أنت بخطيبه، تحرك، إن لم تتحرك لابد من أن الحكم عليك قاس جداً، الإيمان ما إن يستقر في النفس إلا أن يعبر عن ذاته بذاته بحركة نحو الخلق، لابد من أن تتحرك :

﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾

[ سورة الأنفال : 72]

من صبر على ما أصابه فله عند الله أجر لا يحصى :

أيها الأخوة الكرام، حينما تصبر على ما أصابك بسبب عقيدتك، بسبب إيمانك، بسبب تمسكك بمبدئك، هذا الصبر له عند الله أجر لا يحصى :

﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾

[ سورة الزمر : 10]


لذلك هذه السورة التي قال عنها الإمام الشافعي : "لو أن الناس تدبروها لكفتهم" هي قوله تعالى :

﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾

[ سورة العصر: 1-3]

أركان النجاة أن تطلب العلم، و أن تعمل بما علمت، و أن تدعو إلى ما علمت، و أن تصبر عن الشهوة وعلى الطاعة وعلى قضاء الله وقدره، إن حققت هذه الأشياء الأربعة حققت أركان النجاة من الخسارة المحققة.
أيها الأخوة، بنود كثيرة يمكن أن تضعها كل يوم، خطط عديدة يمكن أن تضعها كل يوم.
أيها الأخوة الكرام، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، و زنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، و اعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، و العاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني، و الحمد لله رب العالمين.

* * *

الخطبة الثانية :
الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

قوة المسلمين تنبع من تمسكهم بدينهم و الدفاع عنه :


أيها الأخوة الكرام، ديننا هويتنا، ديننا أصالتنا، ديننا جذورنا، فإذا تخلينا عن ديننا فقدنا هويتنا، و فقدنا أصالتنا، وفقدنا جذورنا، عندئذ يسهل على الطرف الآخر أن يقتلعنا، قوتنا في تمسكنا بهذا الدين، كما قال السيد الرئيس في خطابه في مؤتمر القمة : قوتنا في تمسكنا بهذا الدين، قوتنا في الدفاع عنه، قوتنا في الدعوة إليه.
و هذا الدين من عظمته أنه كلما أردت أن تطفئه تأجج، و كلما أردت أن تقمعه قوي، وهؤلاء الطرف الآخر لشدة غبائهم حينما يريدون قمع الدين يزيدون الناس تمسكاً به، وهذا الذي يحصل، فصائل كثيرة من المقاومة أعلنت إسلامها، وقادتها ذهبوا إلى الحج، و عادوا تائبين لأنهم رأوا أن الخلاص في الإسلام وحده، و أن الإسلام يهب الإنسان قوة تفوق حدّ الخيال، امرأة تدفع ابنها كي يقيم عملاً يهز أركان العدو
امرأة تدفع ابنها بنفسها، و تشكر الله أنه استشهد، و العالم الغربي الآن يدرس هذه الظاهرة، تدعو الله طوال الليل أن يوفق ابنها، أن تكون يد الله بيده، أن يوفقه، والذي نجح في عمليته كانت شاكرة لله عز وجل، إذا كان عندنا مثل هؤلاء النساء تفاءلوا بالخير أيها الأخوة، هذه الأنصارية التي فقدت زوجها و فقدت ابنها و فقدت أخاها و فقدت أباها، شيء لا يصدق، من أقرب الناس إلى المرأة؟ أخوها وأبوها وابنها وزوجها، وهي تقول : ما فعل رسول الله؟ إلى أن اطمأنت على سلامته قالت : يا رسول الله كل مصيبة بعدك جلل، بمثل هؤلاء النساء فتح المسلمون أطراف الدنيا، نحن أيها الأخوة نحتاج إلى أن نكون عند الله مستحقين للنصر، نحتاج أن يرى الله فينا حبنا له، و طاعتنا، و تعاوننا، و عملنا الطيب، كفانا قولاً، و الله كما قلت قبل قليل ما تمنيت في حياتي أن أصمت كهذا اليوم، لا يوجد شيء باليد، كل الأمة اجتمعت على أن تقدم حلاً، والحل رفض، وهناك مبالغة في القتل والتدمير وهدم البيوت، هل تعلم نعمة أن لك بيتاً تسكنه، إذا هدم البيت أين تسكن؟ ينبغي أن نتعاطف مع هؤلاء الذين تُهدم بيوتهم، تُقتلع أشجارهم، يُذبح آباؤهم، تُقتل نساؤهم، مع الغطرسة و الكبر، إلى الله نشكو و لا شكوى إلا إلى الله عز وجل، و لكن أيها الأخوة كما حدثنا النبي عليه الصلاة و السلام عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يَدْعُو لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ إِلَّا قَالَ الْمَلَكُ وَلَكَ بِمِثْلٍ ))

[ مسلم عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ]

دعوة الأخ لأخيه بظهر الغيب لا ترد، ادعوا لهم في سجودكم، في قيام ليلكم أن ينصرهم، أن يقويهم، أن يقويهم على أعدائهم، أن يجعل تدمير أعدائهم في تدبيرهم.

 

الدعاء :

اللهم اهدنا فيمن هديت، و عافنا فيمن عافيت، و تولنا فيمن توليت، و بارك اللهم لنا فيما أعطيت، و قنا و اصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق و لا يقضى عليك، و إنه لا يذل من واليت، و لا يعز من عاديت، تباركت ربنا و تعاليت، و لك الحمد على ما قضيت، نستغفرك و نتوب إليك، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك، اللهم أعطنا و لا تحرمنا، أكرمنا و لا تهنا، آثرنا و لا تؤثر علينا، أرضنا و ارض عنا، أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، و أصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، و أصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، و اجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، و اجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، و بطاعتك عن معصيتك، و بفضلك عمن سواك، اللهم لا تؤمنا مكرك، و لا تهتك عنا سترك، و لا تنسنا ذكرك يا رب العالمين، اللهم بفضلك و رحمتك أعل كلمة الحق و الدين، و انصر الإسلام و أعز المسلمين، و أذلّ الشرك و المشركين، خذ بيد ولاتهم إلى ما تحب و ترضى، إنك على ما تشاء قدير و بالإجابة جدير.