الدرس : 8 - سورة الجن - تفسير الآيات 22-28

1997-11-07

 مهمة الرسول
 الحمد لله رب العلمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الكرام... مع الدرس الثامن والأخير من سورة الجن ومع الآية الثانية والعشرين، وهي قوله تعالى:

﴿ قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً ﴾

( سورة الجن )

 إن الآية التي قبلها تقول:

﴿ قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً﴾

( سورة الجن )

 أي: لو أنني أشركت واتبعت أهواءكم وداهنتكم فلن يجيرني من الله أحد..
 قصة:
 أريد أن أروي لكم قصةً مختصرةً هنا عن والي البصرة الذي جاءه كتابٌ من يزيد يأمره بأمرٍ لا يرضي الله عزَّ وجل وكان عنده الحسن البصري، فوقع في حيرةٍ من أمره، فإن هو نفَّذ أمر يزيد أغضب الله عزَّ وجل، وإن لم يعبأ بأمر يزيد أغضب يزيداً وربما عزله، فقال للحسن البصري: ماذا أفعل ؟ فأجابه بكلمة ينبغي أن تكون نصب عيني كل مسلم وكل مؤمن، لقد قال الحسن البصري: " إن الله يمنعك من يزيد، ولكن يزيد لا يمنعك من الله ".
 لا أحد يمنعك من الله:

﴿ قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ﴾

 من منا يملك سيولة دمه ؟ قد يتجمد الدم في عروقك في أية لحظة، فمن من البشر يستطيع أن يمنع خثرة دم في دماغه ؟ و من منهم يملك دوام عمل صمامات قلبه و كليتيه وكبده ؟ و من منهم يملك أن يبقى عقله في رأسه ؟ و من منهم يملك ألا يخسر أحد أعضائه في ثانيةٍ واحدة ؟ إننا في قبضة الله، ولن يجيرنا من الله أحد، فإذا ذهبتم إلى أي مكان في العالم فإنكم ستجدون أن له أدوية خاصة، كلُّ بلدٍ بحسب ظروفه، كما أن لله عزَّ وجل أدوية خاصة يؤدِّب بها عباده في كل بلد، فلو انتقل الإنسان من بلدٍ إلى بلد لينجو من تأديب الله كان الله معه أينما كان، فالله تعالى لا منجى منه إلا إليه، ولا ملجأ منه إلا أن يتوب المرء إليه، فلا ملجأ من الله إلا أن تصطلح معه و تطيعه، فيجب أن تخاف و تفر منه، كما يجب عليك أن تتحصَّن به منه، و بطاعته من عذابه..

﴿ قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ﴾

 والقصص على هذه الآية لا تعدُّ ولا تحصى، فقد يعتمد الإنسان على ماله فتأتي مصيبةٌ فلا يستطيع المال أن يفعل شيئاً، وقد يعتمد الإنسان على جماعته فتأتي مصيبةٌ فلا يستطيع من حوله أن يفعل معه شيئاً، وقد يعتمد الإنسان على مكانته، ثم لا تنفعه مكانته في مكانٍ ما أوفي ظرفٍ دقيق، وقد يعتمد الإنسان على علمه فيَحْجُبَ الله تعالى عنه علمه في لحظةٍ ما فيرتكب حماقةً ما بعدها حماقة،وأي شيءٍ تعتمد عليه من دون الله لن ينجيك من عذاب الله،
فقد يعتمد بعض الاختصاصيِّن في بعض الأمراض على علمهم، فيمرضون باختصاصهم، وقد يعتمدُ المحامون على سعة اطلاعهم في القانون، فيخسرون دعوة وهم أربابٌ في هذا الاختصاص، و مجرد اعتمادك على غير الله يجعلك لا تنجو من عذابه، فنحن في قبضة الله، و شعور المؤمن أن الله عزَّ وجل على كل شيء قدير يؤدِّبه، فيجعله أديباً في حركاته وسكناته وكلامه..

﴿ قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ﴾

 فلا ينفع مال ولا مكانة ولا علم ولا ذكاء، و إذا أراد ربُّك إنفاذ أمرٍ أخذ من كل ذي لبٍ لبَّه، فيعطِّل له خبرته و ذكائه و عقله وإمكاناته، فإن أردت أن تكون قوياً فكن مع الله، فهو القوي، و إن أردت أن تكون غنياً فكن مع الغني، و إن أردت أن تكون عزيزاً فاكن مع العزيز.

اجعل لربك كلَّ عـز زك يستقرُّ ويثْبُتُ
فإذا اعتززت بمن يمو ت فإن عزَّك ميِّتُ

 قال عليه السلام:

(( سبحانك إنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت))

 وقال تعالى:

﴿ قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ﴾

 فكم من آياتٍ باهراتٍ لله عزَّ وجل، كانت مع أُناسٍ اعتمدوا على غير الله فخيب الله ظنَّهم، وكان اعتمادهم على غير الله كحال من يبني قصراً أساسه ملح، فإذا جاء المطر ذاب الملح، والحياة الدنيا مليئة بالمواعظ، و لكن ما أكثر المواعظ وما أقل المتَّعظين ! و ما أكثر العبر وما أقل المُعْتَبرين !!
 أفعال الله تدل على منهج متكامل:
 لقد قلت لكم أيها الإخوة لو أننا تصورنا تصوراً أن ليس في حياتنا قرآنٌ ولا سنة، ثم تأمَّلنا أفعال الله لاستنبطنا من أفعال الله منهجاً كاملاً، فالله عزَّ وجل يوفِّق المستقيم ويؤيَّده ويحصِّنه ويحفظه ويدْعمه ويدافع عنه، ويخيِّب كل من أشرك به، و يجعل الله تدميره في تدبيره، و يجعل الدائرة تدور عليه..

﴿ قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ﴾

 سبحان من قهر عباده بالموت، ونحن لا نعلم متى يأتي الموت، ولا من أي سبب، فقد يأتي من أتفه الأسباب، وقد يأتي من جهةٍ لم نكن لنتوقعها، فما دامت حياتنا و صحتنا وقوتنا بيد الله فكيف نعتمد على غير الله ؟ وكيف نطيع غير الله ؟
 الحاجة إلى الله تعالى:

﴿ قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ﴾

 أي: أن الله عزَّ وجل إذا أراد أن ينصرك نصرك على سببٍ صغيرٍ جداً، وإن أراد أن يدمِّر إنساناً فإنه يدمِّره على سببٍ صغيرٍ جداً، فقد لا نصدق أن هذه الخسارة الكبيرة كانت بسبب هذا السبب الصغير، فلذلك قال عليه السلام:

(( لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك))

 أي: يجب عليك أن تفرَّ إليه منه، لأنك كائن به، فنحن بالله وإليه، وإن من أبلغ أدعية النبي عليه الصلاة والسلام قوله:

(( نحن بك))

 لأنك ما دمت تمشي على قدميك فقوتك بالله، و ما دام عقلك برأسك يحترمك الناس، فاحترام الناس لك سببه أن عقلك برأسك، وإذا سمح الله لهذا العقل أن يعمل عملاً صالحاً عمل، لكن إذا اختلَّ العقل، توسط أقرب الناس إلى هذا الإنسان المختل ليجعله في مستشفى المجانين، فأنت محترم لأن العقل في الرأس، كما أنك محترم لأنك تمشي على قدمين، فلو كان الإنسان طريح الفراش تمنى أقرب الناس إليه بعد عدة سنوات موته، وقد يسمعه هذه الكلمة بأذنه، فيقول له: الله يخفف عنك، فمكانتك تأتي من استقامة عقلك و قوتك، كما أنها تأتي سماح الله لك بأن تكتسب رزقاً وتنفق على من حولك، فلو ألجأك إليهم لاختلف الأمر، فكم من أبٍ يقف أمام ابنه ذليلاً ليأخذ منه ما يأكل، وكم من رجلٍ كان غنياً فافتقر، وصار يتمنى أن يأخذ أقل دخلٍ في الشهر.
 وسائل العلاج الإلهية:
 إن ربنا عزَّ وجل يقول:

﴿ قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ﴾

 والوسائل التي قد يعالجك الله بها لا تعدُّ ولا تحصى، ففي الجسم وحده مئات الألوف بل عشرات مئات الألوف من الأجهزة والخلايا والأعضاء، التي لو أصابها خللٌ بسيط لاختل هذا الجسم، فلو أن قناة الدمع سُدَّت لكنت مضطراً إلى أن تمسك منديلاً وتمسح دمعك الذي يفيض على خدِّك طوال النهار والليل، وهكذا إلى أن يحفر الدمع أخدوداً في الخد، و قناة الدمع من أدق القنوات فلو انسدت أصيبت العين بخلل، ولو حدث هذا معك لنسيت كل شيء سوى عينك المصابة، ولو أصبح في حركتك بُطْئاً أو شعرت بشعورٍ لم تكن تشعر به من قبل فإنك ستنسى كل شيء أيضاً، فقل: لن يجيرني من الله أحد، فإذا تحرك إنسان في الحياة حركة مع معصية وكان قوياً شديداً صحيح البنية فهذا استدراج من الله عزَّ وجل له، وإذا رأيت الله يتابع نعمه عليك وأنت تعصيه فاحذره، لأن هذا استدراج..

﴿ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (44) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (45) ﴾

( سورة القلم )

 ضعف الإنسان:
 أيها الإخوة.. إن المتانة في اللغة هي صفةٌ توصف بها قوى الشد، أما القساوة فهي تقاوم قوى الضغط، فالصفة التي تقاوم قوى الشد المتانة، وحبال الفولاذ أمتن عنصر في الأرض، والألماس أقسى عنصر، وإن ربنا قال تعالى:

﴿ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾

( سورة القلم )

 فالإنسان مربوط بحبل لكن الحبل مُرْخى، فيتوهم الإنسان لجهله أنه طليق، وقد يشدُّ الحبل في أية لحظة، ومهما تحرك الإنسان فإن لن الحبل ينقطع، وذلك لأن الحبل متين جداً قال تعالى:

﴿ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ﴾

( سورة القلم )

 أيها الإخوة.. إن هذه الرؤية يجب أن تكون مستمرة، لأنها تحملك على طاعة الله، كما تحملك على أن تكون كاملاً، و تحملك على أن تتصل بالله لترى ضعفك، و إن كمالك في ضعفك، فقد قال أحدهم:

 

مالي سوى فقري إليـــك  فبالافتقار إليك فقري أدفع
مالي سوى قرعي لبابك حيلة  فإذا رددت فأي بابِ أقرع

 فإن أردت أن تكون أغنى الناس فكن بما في يدي الله أوثق منك بما في يديك،وإن أردت أن تكون أقوى الناس فتوكَّل على الله، و إن أردت أن تكون أكرم الناس فاتق الله.
 لا تعتمد إلا على الله:

 

﴿ قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ﴾

 أي: لن يجيرني زوجة ولا ولد ولا أموال مكدَّسة في أكثر من جهة، فهناك أناس يضعون في كل بلد رصيد كبير، وقد تأتي مصيبة فلا تنفعهم كلُّ هذه الأموال، وهناك إنسان يقيم علاقات متينة جداً مع أقوياء ليشعر بالأمن، فلا ينفعه كلُّ هؤلاء الأقوياء في لحظة واحدة، فقد يضعه الله عزَّ وجل في ظرفٍ لا يستطيع فيه أن يتصل بواحدٍ منهم، وذلك لحكمةٍ يريدها، وهذا هو التوحيد، وديننا هو دين التوحيد.. فلن يجيرك من الله إلا أن تكون على منهجه، و لن يجيرك من الله إلا أن تكون في طاعته، و لن يجيرك من الله إلا أن تكون مقبلاً عليه خاضعاً لحكمه، فلو جاءك ضرٌ فمن ينجيك ؟ قال:

﴿ قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً (22) ﴾

( سورة الجن )

 الملتحد: الملجأ، وقد أوتي النبي عليه الصلاة والسلام جوامع الكلَم، ففي حديثٍ مختصرٍ قصيرٍ جداً يقول عليه الصلاة والسلام:

 

(( لا يخافَنَّ العبد إلا ذنبه، ولا يرجوَنَّ إلا ربه ))

 فالشيء الذي يسبب لك المتاعب هو الذنب فقط، أما كل قوى الأرض فلن تستطيع أن تصل إليك إذا كان الله معك، وكل القوى الشريرة لن تستطيع أن تنالك بأذىً إذا كنت مع الله وكان الله معك، كما أن أقرب الناس إليك قد يسبب لك من المتاعب ما لا يعدُّ ولا يحصى إذا لم تكن مع الله، و هذه المعادلة دقيقة جداً..

 

 

كن مع الله ترى الله معك  واترك ما لك وحاذر طمعك
وإذا أعطاك من يمنعه  ثم من يعطي إذا ما منعك ؟

 فمن يعطيك سوى الله ؟ومن يرحمك إذا أبعدك عن رحمته ؟ و من يدْعمك إذا خذلك الله عزَّ وجل ؟ و من يُعِزُّك إذا أذلك الله عزَّ وجل ؟ و من يشفيك إذا أمرضك الله عزَّ وجل ؟

 

 

إن الطبيب له علمٌ يُدِلُّ به  إن كان للناس في الآجال تأخيرُ
حتى إذا ما انقضت أيام رحلته  حار الطبيب وخانته العقاقير

 إن الإيمان أن ترى أنك بيد الله، فإذا أعطاك الله حرفة تكسب منها مالاً ثم سئلت ماذا تعمل ؟ فقل بفضل الله ورحمته أعمل كذا، والله مكَّني من وظيفة أو اختصاص في طب، أو في هندسة أو محاماة أو التجارة أو الصناعة أو الخدمات، و الله عزَّ وجل أعانني على إتقان حرفة ويسَّر لي سبيل الرزق منها، و هذا الكلام الصحيح، فإذا لك بيت وكان معك مفتاح بيت، وكان في بالبيت زوجة وأولاد لك فهذا شيء ثمين جداً.
 نعمة الزواج:
 أريد أن أقول لكم أيها الإخوة: لا تكفروا بنعمة الزواج، فعلى الزوج ألا يستهين بنعمة الزوجة، كما إنني أخاطب الزوجات فأقول لهن: لا ينبغي للزوجة أن تكفر نعمة الزوج، فهناك عددٌ كبير من النساء يتمنَّيْنَ أن يكنَّ زوجاتٍ لأزواج، فنعمة الزوج نعمةٌ عظمى، ونعمة الزوجة نعمةٌ عظمى، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

 

 

((إني أكره المرأة تخرج من بيتها تشتكي على زوجها ))

 وقال

 

((: لا ينظر الله إلى امرأةٍ لا تشكر زوجها وهي لا تستغني عنه ))

 وقال:

(( أيما امرأةٍ سألت زوجها الطلاق من غير بأسٍ لم تُرَح رائحة الجنة ))

 قال تعالى:

﴿ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً ﴾

( سورة الجن )

 لا تخف إلا ذنبك:
 لا يوجد ملجأ غير الله، فقد تجد الطبيب أحياناً يده بيد الله، فإن أراد الله لهذا المريض شفاءً وفَّق الطبيب، وإن أراد له عقاباً أخطأ الطبيب، والخطأ كله موظَّف في الخير المطلق، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية بشكل مختصر.

 

((لا يخافن العبد إلا ذنبه ولا يرجون إلا ربه ))

 فمهما يكن في الحياة الدنيا قِوَى شريرة فلا تخف منها، فإنك قد تنام في مكانٍ خالٍ فيه عقارب و أفاع، وهذه المخلوقات كلها بيد الله، وقد يكون هناك إنسان شرير يستطيع أن يفعل بك ما يفعل لكنه لا يستطيع لأنه مُلْجَم.
 التوحيد:
 يجب أن تؤمن أن الله خالق كل شيء، و أنه على كل شيءٍ وكيل، فهو الذي خلق والزمام بيده، كما يجب عليك أن تؤمن أن الله له الخلق والأمر، وأن كل شيء خلقه أمره بيده، كما يجب أن تؤمن، بهذه الآية:

 

﴿ مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ ﴾

( سورة فاطر: آية " 2 " )

 هذا هو التوحيد، وديننا دين توحيد، بل إن فحوى دعوة الأنبياء جميعاً واحدة.

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾

( سورة الأنبياء )

 إن هذه العبارة تضغط الدين كله بل أن تضغط كل الأديان في كلمتين، أي: اعتقد أنه لا إله إلا الله واعبده ووَحِّده وأطعه، فالسلوك طاعة، والاعتقاد توحيد، وهذا هو الدين كله.

﴿ قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً ﴾

( سورة الجن )

 إني أقوله كثيراً: إنك حينما تعتمد على مالك أو أولادك أو زوجتك أو ذكائك أو حرفتك، أو علمك أو من حولك من الأتباع، فإن الله تعالى يجعل تأديبك في أن يخيِّب ظنك هذا الذي اعتمدت عليه فتفاجأ، وذلك لحكمةٍ أرادها الله، فلا تُفاجأ لأن هذا هو تأديب الشرك الخفي.

﴿ قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً ﴾

( سورة الجن )

 الاستثناء في هذه الآية:
 مهمة الرسول:

﴿ إِلَّا بَلَاغاً ﴾

 الحقيقة أن هذا الاستثناء ليس من هذه الآية بل من آيةٍ قبلها، كما قال المفسرون، وهي:

﴿ قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلَا رَشَداً ﴾

( سورة الجن )

 لقد ذكرت في الدرس الماضي أن الرسول عليه الصلاة والسلم لا يملك لأحد ضراً ولا نفعاً ولا غَيَّاً ولا رشداً، وهذه الأشياء الأربعة قد اختصرت في كلمتين، فقال الله تعالى: قل إني لا أملك لكم أن أضرَّكم ولا أملك لكم أن أنفعكم، لأن الضر والنفع بيد الله، كما أني لا أملك لكم أن أضلَّكم ولا أن أهديكم، فقد قال تعالى

﴿ لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾

 وقال:

﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ﴾

 وقال:

﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ﴾

 وقال:

﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (104) ﴾

 وقال:

﴿ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ (22) ﴾

( سورة الغاشية )

 إذاً ما الذي يملكه لنا ؟ إنه لا يملك لنا نفعاً لا ضراً ولا غياً ولا رَشَدَا، و رُشْد: مصدر أيضاً، أما الآية فقد ورد فيها الرَشَد، فما الذي يملكه لنا ؟ قال:

﴿ إِلَّا بَلَاغاً ﴾

﴿ قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً (22) إِلَّا بَلَاغاً مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ ﴾

( سورة الجن: آية " 22، 23 " )

 إنه يقول: إن مهمتي هي التبليغ، أما الهدى فهو بيدكم، وهو قرار من اختياركم، فأنتم تختارون الهدى أو الضلال،أما أنا أبلغكم:

﴿ إِلَّا بَلَاغاً مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ ﴾

( سورة الجن: آية " 23 " )

 فهذا البلاغ من الله، لذلك كان الأنبياء مؤَيَّدون بالمعجزات والوحيد والعصمة، فهم معصومون، ويوحى إليهم، ومعهم معجزاتٍ تؤَكِّد أنهم أنبياء.

﴿ إِلَّا بَلَاغاً مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ ﴾

 فالله عزَّ وجل يبلغنا أنه هو خالقنا عن طريق الأنبياء، فقد خلقنا لنعبده، والمصير إليه، ثم أعطانا رسالة مفصَّلة، ورد فيها: افعل ولا تفعل، فقد قال لك: أنا موجود وهذا منهجي، لذلك كان عليك عندما تؤمن بالله أن تتعرف إلى منهجه، وأنت بالكون تعرفه، وبالشرع تعبده، فيجب عليك أن تعرفه وأن تعرف أمره، كما يجب عليك أن تعرفه من خلال خلقه و من خلال أفعاله و كلامه، ثم عليك أن تطيعه من خلال تشريعه.
 أشياء لا بد للمؤمن من أن يعرفها:
 و كما قلت في الخطبة اليوم: يجب ألا يعلو شيء في حياة المؤمن على أن يعرف المنهج التفصيلي الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، فلو قلت لك مثلاً: يجب أن تتقرب من فلان بطاعته، فإنك تسأل: أين أمره ونهيه، إن هذا شيء يسمونه تحصيل حاصل، فما لا يتمُّ الواجب إلا به فهو واجب، و ما لا يتم الفرض إلا به فهو فرض، و ما لا تتم السنة إلا به فهو سنة، فلو أنني قلت لواحد من الناس: أطع الله، فإنه يقول لك: علِّمني أمره ونهيه حتى أطيعه، فهذا شيء بديهي جداً بالنسبة لك إن استقرت حقيقة الإيمان في قلبك، فماذا بقي عليك ؟ لقد بقي عليك أن تتعلم أمره ونهيه كي تطيعه، فمن لوازم طاعة الله معرفة أمر الله، لذلك كانت معرفة الحكم الشرعي فرض عينٍ على كل مسلم.
 وقد ذكرت في خطبة سابقة أن معرفة المظلة تحتاج إلى مجموعة معلومات عن المظلة، وبعض هذه المعلومات ضروري كما أن بعضها غير ضروري، فهل المظلة دائرية أم مربعة أم مستطيلة ؟ و ما نوع قماش المظلة ؟ هل هو من خيوط صناعية أم طبيعية ؟ يا تُرى ما لونها ؟ و كم حبل بها ؟ و ما قطر هذه الحبال ؟ و ما ألوان هذه الحبال ؟ و مم صنعت هذه الحبال ؟ إن هذه معلومات لو جهلها المظلي لنزل سالماً، أما كيف نفتحها ؟ فهذه حقيقة مصيرية أساسية خطيرة، وهذه حقيقةٌ يجب أن تُعْلَمُ بالضرورة، فإن لم يعرفها المظلي نزل ميِّتاً، ففي الدين أشياء إذا عرفها البعض سقطت عن الكل، وهناك أشياء علمها فرض عين على كل مسلم ؛ سواء أكان مثقفاً أو غير مثقف، وسواء كان اختصاصه عالي أم متوسط،... أمي أو متعلم، غني أو فقير، هي فرض على أي إنسان بصرف النظر عن جنسه ؛ ذكراً كان أم أنثى، كبيراً أم صغيراً، مثقَّفاً أم غير مثقف، وهذه الأشياء هي الحلال والحرام و الأمر والنهي و التشريع، فطلب الفقه حتمٌ واجبٌ على كل مسلم، قال تعالى:

﴿ قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً (22) إِلَّا بَلَاغاً مِنَ اللَّهِ ﴾

( سورة الجن: آية " 22، 23 " )

 لقد أبلغني الله من خلال الأنبياء والرسل أنه موجود وواحدٌ وكامل، و هذه الرسالة منهج، فإذا فتحت كتاب الفقه وجدت أحكام الزواج والطلاق و أحكام الخطبة، و أحكام البيع ؛ كبيع الغرر، وخيارات البيع، و هذه كلها مستنبطة من الكتاب والسنة أساساً، فالطلاق، والزواج و الإيجار و الأمانة و الحوالة و الكفالة و اللُقْطة و كل أحكام الفقه هي تنظيم لحياتنا فإذا سار الإنسان على منهج الله عزَّ وجل ضَمِنَ توفيق الله له.
 جزاء الإشراك:

﴿ إِلَّا بَلَاغاً مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ﴾

( سورة الجن )

 أي: إن من يعص الله ورسوله ويمت عاصياً لله عزَّ وجل فلن يغفر له الله سبحانه، والمقصود بالمعصية هنا بالشرك، لأن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك.
 مثل:
 لقد ضربت مرة مثلاً، وفي إعادة هذا المثل فائدة..
 إذا كان هناك إنسان له مبلغ كبير جداً في حلب يبلغ الملايين، وكان عليه أن يكون في هذه المدينة في الساعة الثانية عشر، فإذا ركب قطاراً فإنه قد يرتكب في هذا القطار عشرات الأخطاء، فقد يشتري بطاقة من الدرجة الأولى، وقد يجلس في الدرجة الثالثة بخطأ منه، كما أنه قد يجلس عكس اتجاه القطار فيصاب بالدوار، وقد يجلس مع أُناس غير مهذبين فينزعج انزعاجاً شديد، وقد يتلوَّى من الجوع وينسى أن في القطار مطعماً صغيراً، وقد..وقد.. ورغم كل هذه الأخطاء فإنه لا يزال في طريق إلى حلب وسيأخذ هذا المبلغ، لكن هناك خطأ قد يرتكبه فلا يغتفر، وهو أن يركب قطار درعا، فهذا الخطأ لا يغتفر، لأن المبلغ في الشمال، ومهما كان هذا القطار فخماً ومريحاً ومكيفاً، حتى إن له نوافذ تفتح أوتوماتيكاً، فإنه لا يصلح للوصول إلى الهدف، فيجب عليك أن تمشي باتجاه هدفك، فإن الله لا يغفر أن يشرك به ؛ فإن اتجهت إلى غيره و عبدت غير وعلِّقت الأمل على غيره وخفت من غيره، فالطريق أمامك مسدود، و ليس هناك مغفرة، أما إذا وحَّدْتَه وتعرَّفت إليه فإنه قد يفغر لك بعض الأخطاء مع المعالجة، فيعالجك ويغفر لك، لكن أكبر هو غلط أن تشرك بالله عزَّ وجل، و أن تتجه إلى غير الله.

﴿ إِلَّا بَلَاغاً مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ﴾

( سورة الجن )

 الخوف من علامات العقل:
 إذا مات عاصياً مشركاً فإن له نار جهنم خالد فيها أبداً، فهل يحس الإنسان يا ترى إذا قرأ هذه الآية بخوف ؟ إن الخوف من علامات العقلاء، فكلما هبط ذكاء الإنسان، وهبط إدراكه فإنه لا يخاف، و الدليل على ذلك أن الفلاح قد يأخذ ابنه الصغير الذي يبلغ من العمر ثلاث سنوات إلى الحصيدة، فيضعه بين سنابل القمح، فيمشي إلى جانب هذا الطفل الصغير ثعبان مخيف طوله خمسة أمتار، فلا يخاف هذا الطفل منه أبداً، بل إنه قد يضع يده عليه، فلماذا لا يخاف ؟ لأنه لا يدرك.
 فإذا كنت إنساناً عادياً فأعطاك إنسان أقوى منك تهديداً، فإن لم تفعل كان عليك ضريبة كذا، فتجد الناس قبل آخر السنة يتدافعون لدفع الضرائب، لماذا ؟ لأن الذي أو عدهم بدفع غرامةٍ كبيرة لا يرحمهم أحياناً، فقراره قطعي، فتجد الناس يتجمعون زُرافاتٍ ووحداناً، وذلك لأنهم صدقوا، يقول الله عزَّ وجل:

﴿ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ ﴾

( سورة الجن )

 هذا كلام من ؟ هذا كلام خالق الكون فقد تصدق إنسان مثلك لأنه أقوى منك فلا تحيد عن أمره قيد أنْمُلة، وتعتقد أنه إذا قال فعل، وهذا الشيء يدعو للعجب والأسف في آن واحد، فالناس قد ينضبطون مع إنسان، ولا ينضبطون مع الواحد الديَّان، فنراه ينضبط انضباطاً تاماً مع مخلوق لأنه أقوى منه فهو يظن أنه لن يتفلَّت من قبضته، فيُطَبِّق الأمر بحذافيره التامة و أدق تفصيلاته وذلك خوفاً من العقاب، فما بالك بهذا الإله العظيم ؟؟
 سعة الكون:
 إن مجرَّتُنا درب التبّانة تحوي تقريباً مليونَ مليون مجرة في الكون، و هذه معلومات قديمة، و مجرتنا هي مجرة متوسطة فيها نقطة واحد هي المجموعة الشمسية، فإذا كبَّرناها لرأينا أن في المجموعة الشمسية ثلاثة عشر ساعة ضوئية، و من شهر تقريباً قيل في الأخبار أنهم أرسلوا مركبة إلى المشتري، وهذه المركبة سوف تسير سبع سنوات إلى هذا الكوكب، بسرعة أربعين ألف ميل بالساعة ؛ أي: ستين ألف كيلو متر، و الطائرات النفاثة سرعتها 900 كيلو، فهي أسرع من طائرات الركاب بتسعمائة أو ثمانمائة أو سبعمائة أو ستمائة تقريباً، فسرعة الطائرة تتراوح بين ستمائة إلى تسعمائة، وأعلى شيء في السرعات هو تسعمائة، أي: أربعين ألف ميل بالساعة أو ستين ألف ميل بالساعة، وتستغرق سبع سنوات، أما نحن فلا زلنا في نقطة على درب التبابنة، والمشتري كوكب ليس ببعيد، فنبتون وبلوتو أبعد منه، وإن خالق هذا الكون يقول لك:

﴿ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ ﴾

( سورة الجن )

 فأنت تخاف من إنسان أقوى منك بقليل، وإذا أعطاك أمراً فإنك تنفذه بحذافيره، لكنك لا تخاف من خالق الأكوان !!
 التعامل مع الحقائق البيانية دليل العقل:

﴿حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ ﴾

( سورة الجن: آية " 24 " )

 هناك دائماً وعد ووعيد، وهناك تأويلٌ لهذا الوعد والوعيد، فالوعد يكون بالخير، أما الوعيد فهو العقاب، وبعد الوعد والوعيد هناك تنفيذ لهذا الوعد والوعيد، فالعقلاء يصدِّقون الوعد والوعيد، والأغبياء يخافون بأعينهم فقط، والحيوان يخاف بعينه، فلو أن دابةً مثلاً كانت تسير في طريق، وهذا الطريق سيغلق بعد عدة ساعات، فمهما أسمعتها أن الطريق مغلق فإنها تظل سائرة، أما إذا وجدت حفرة كبيرة فإنها تقف، أما الإنسان فإذا وجد الطريق مغلقاً فإنه لا يكمل الطريق، لأنه يتعامل مع الفكر،والكلام، فكل إنسان يتعامل مع الفكر والكلام والتنبيه والبيان إنسان عاقل، وكل إنسان لا يخاف إلا بعينه ليس بعاقل، فهناك من الناس من لا يقتنع أن الدخان مضر إلا حينما يصاب بالسرطان، فتجده يقول: (الله يلعنها)، فيجب عليك أن تصدِّق الأطباء قبل أن تصاب بمرض، تصدقهم أنت صحيحٌ معافى، وكل إنسان يتعامل مع الخطر مباشرةً هو إنسان معطل عقله، وكل إنسان يتعامل مع الحقائق البيانية هو إنسان ذكي وعاقل، وقد بلغ أرقى مستويات العقل.
 مثل:
 وقد ضربت مرة هذا مثل: إذا كان هناك راكب درَّاجة يدوية يسير في طريق، وهو يرى طبعاً أن الطريق الهابط مريح جداً له، وأن الطريق الصاعد متعب جداً، فلو وجد أمامه طريقاً نازلاً مُعَبَّداً و كان على أطرافه حدائق، و وجد طريقاً آخر صاعداً غير معبد وكلُّه آَكَام وحفر وغبار، وقد كتبت لوحة إلى جانبه تقول: ينتهي هذا الطريق الصاعد بقصر منيف فيه كل شيء، وينتهي هذا الطريق الهابط بحفرةٌ فيها وحوشٌ مفترسة، فهنا يُمتحن عقل الإنسان، فإذا كان عطَّل عقله فإنه يرى أن النزول أريح فهذا الإنسان معطَِّل عقله، لأنه يعيش لحظته فقط، وإن معظم الناس على هذه الشاكلة، فإذا رأى أحدهم امرأةً جميلةً ملأ عينيه منها، وإذا رأى دخلاً كبيراً مشبوهاً أخذه، وإذا رأى بيتاً اغتصبه وسكن فيه، فهو يعيش لحظته.
 أما العاقل فينظر إلى ساعة فراق الدنيا وهو في القبر، عندما يسأله الله لماذا طلقت زوجتك ؟ و لماذا أكلت هذا المال الحرام ؟ و لماذا ابتززت أموال الناس ؟ ولماذا كذبت عليهم ؟ لماذا احتلت عليهم ؟ فامتحن عقلك بتعاملك مع التحذير البياني، أما تعاملك مع الخطر الحقيقي الذي أمامك فلا يحتاج إلى عقل، فما هو العقل ؟ قال بعض من عرَّفه: هو أن تصل إلى الشيء قبل أن تصل إليه، فمتى يصلح أكثر الناس مدافئهم ؟ عند البرد -وأنا واحد منهم - لكن الإنسان أحياناً قد يهئ الأمور كلها وهو في شهر الصيف، فكل إنسان يتعامل مع الخطر حين وقوعه يكون ذا تفكير ضعيف.

﴿حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ ﴾

 فيقول: الآن جاءت المشكلة، جاءت المصيبة، جاء الوعيد.

﴿ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً ﴾

( سورة الجن )

 اعرف قبل فوات الأوان، و لا تعرف بعد فوات الأوان، وقد قال تعالى: سيعلمون، و يستنبط من هذه الآية أن خيارك مع الإيمان خيار وقت فقط، لا خيار قبول أو رفض، لأن أكفر كفار الأرض فرعون آمن عند الموت، فقال:

﴿ قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾

( سورة يونس )

 فالذي جاء به الأنبياء والرسل والدعاة الصادقون سوف نعرفه جميعاً حتماً عند الموت، لكن هذه المعرفة لا قيمة لها إطلاقاً بل تزيد الإنسان ندماً، فالمعرفة المفيدة تكون قبل فوات الأوان.
 فلو قدَّم أحد الأشخاص فحصاً وأخذ صفراً في الامتحان، فذهب إلى البيت وفتح الكتاب فعرف الجواب، فقدَّم طلباً يقول: نظراً لمعرفتي الجواب بعد الامتحان يرجى إدراج اسمي مع الناجحين، إن هذا كلام مضحك، لأن كل طالب رسب يعرف الجواب بعد الامتحان، لكن العبرة في أن تعرفه وأنت على مقعد الامتحان في الوقت المناسب، وهذه كلمة دقيقة.

﴿ حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً ﴾

( سورة الجن )

 سيعلمون، والآية الكريمة تقول:

﴿ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (3) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (4) ﴾

( سورة التكاثر )

 أي: تعلمون مرةً عند الموت، ومرة يوم القيامة، فهذه الحقائق التي تُلْقَى جاء بها الأنبياء وجاء بها الوحي العظيم، وسوف يعرفها أهل الأرض قاطبةً، كُفَّارُهُم و مُلْحِدوهُم وفُجَّارُهُم و فُسَّاقُهُم و عُصَاتُهُم.

﴿ فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾

( سورة ق: آية " 22 " )

﴿ حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً (24) قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً (25) عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً (26) ﴾

( سورة الجن )

 فلا يعلم الغيب إلا الله، وإن أيُّ إنسان يدَّعي علم الغيب هو دجالٌ وكذَّاب، يقول الله عزَّ وجل لنبيِّه وهو صفوته من خلقه: قل: لا أعلم الغيب، كما أنه قال:

﴿ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾

( سورة الأعراف: آية " 188 " )

 أما ما جاء به النبي من أشراط الساعة فهذا غيبٌ أطلعه الله عليه، فهو لا يعلم بذاته إلا أن يعلمه الله، قال تعالى:

﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ ﴾

( سورة الجن: آية " 26، 27 " )

 فلو تنبَّأ إنسان في السبعينات بما سيكون في الشرق من انهيار دول عظمى لوضع في مستشفى المجانين، لأن هذا كان غيباً وقتها، أما ما حصل بعد ذلك، فهو أن أكبر قوة انهارت، قال تعالى:

﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ ﴾

( سورة الجن: آية " 26، 27 " )

 فليس هناك وليٌ عند الله - مهما علا شأنه و أظهر من الكرامات - يعلم الغيب، فالاستثناء هنا للرسل فقط، قال تعالى:

﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ ً﴾

( سورة الجن: آية " 26، 27 " )

 أي أن الغيب الذي يطلع الله عليه بعض عباده يجب أن يكون رسولاً، أما ما سوى الرسول فلا يعلم الغيب، ومع ذلك قال الله تعالى عن هذا الرسول..

﴿ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً﴾

( سورة الجن: آية " 27 " )

 أي: معه ملائكةٌ يحفظون هذا الغيب، و لا يستطيع الجن أن يصلوا إلى هذا الغيب، فلا يستطيع الشيطان أو الجن مثلاً أن يسترقوا من النبي ما أوحى الله به إليه من علم الغيب.

﴿ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً﴾

 الرصد: الحراس، فالغيب محروسٌ من قبل الله عزَّ وجل، فإذا وضع أحدهم أسئلة فلن يستطيع أحد أن يأخذ منه الأسئلة، وأحياناً قد تُخَصُّ الأسئلة بإنسان ليضعها في الامتحانات العامة، فلا يستطيع أحد أن يستدرجه لأخذ هذا السؤال، وذلك ليعلم النبي عليه الصلاة والسلام أنه ليس رسولاً وحده.

﴿ لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ ﴾

( سورة الجن: آية " 28 " )

 إنه نبيٌ من الأنبياء، و هناك أنبياء بلَّغوا الرسالة وأدَّوا الأمانة.
 الإحصاء:

﴿ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً﴾

( سورة الجن )

 إن الإحصاء أعظم من العد، فإذا قلنا: كم أخ حاضر هنا ؟ فالجواب يكون مائة، وإذا قلنا: كم أخ متزوج ؟ و كم أخ غير متزوج ؟ كم أخ بيته بعيد ؟ وكم أخ مطبِّق ما يسمع ؟ فهذه الأسئلة تحتاج إلى إحصاء، فالعد سهل، أما الإحصاء فيحتاج إلى دراسات تفصيلية عميقة جداً، فربنا عزَّ وجل عدهم وأحصاهم.
 مسؤولية التبليغ:
 قال تعالى:

﴿ لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ ﴾

 إن هؤلاء الأنبياء أدَّوا الرسالة، و أقول لكم كلاماً دقيقاً وفيه مسؤولية كبيرة، إن كل واحد منكم سمع الحق قد صار مسؤولاً عند الله عزَّ وجل، لأن الله عزَّ وجل أخبرنا عن طريق النبي، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:

((بلِّغوا عني ولو آية))

 فإذا سمعت آية أو حديثاً أو درساً فتأثَّرت تأثراً بالغاً منه، فأهديت شريطاً لأخ صديق فلعلَّ هذا الشريط يكون سبب هدايته، فإذا تأثَّرت من درس فعممه، وإذا سمعت آية فسِّرها للناس، وإذا سمعت حديثاً بيِّنه للناس، وهذا أداء الرسالة، وكل واحد منا يجب أن يكون داعيةً إلى الله في حدود ما يعلم ومع من يعلم، فالحد الأدنى يكون في حدود ما يعلم، من الذي سمعه، ومع من يعرف، لا سيما نفسه، أما الدعاة الكبار فلهم دعوة عامة كبيرةً جداً، و أنت المستمع وطالب العلم مكلَّف بأن تنقل هذا العلم إلى أخصِّ الناس إليك، أي: أولادك و زوجتك، وأولاد عمك و أعمامك و أخوالك و من معك في العمل من زملاء مثلاً و جيرانك، فهؤلاء هم خاصة الناس، ولهذه الآية تفسيرات كثيرة، و أوجهها ؛ أي: ليعلم النبي أنه ليس وحده هو النبي، وليس وحده هو الرسول، وليس وحده هو المُبَلِّغ..

﴿ لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً﴾

 فالله عزَّ وجل عندما يحيط بالإنسان، يحيط بكلامه و نيَّته وهدفه البعيد و بواعثه الخَفِيَّة، فالله يعلم كل شيء، يعلم السر وأخفى، فهو يعلم جهرك، ويعلم سرك، ويعلم ما خَفِيَ عنك، و هذا شيء دقيق جداً، فهو: عَلِمَ ما كان وعَلِمَ ما يكون، وعَلِمَ ما لم يكن لو كان كيف كان يكون.