الدرس : 7 - سورة الجن - تفسير الآيات 20 - 23

1997-10-31

 توحيد الله سبحانه
 الحمد لله رب العلمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الكرام... مع الدرس السابع من سورة الجن ومع الآية العشرين، وهي قوله تعالى:

﴿ قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً ﴾

( سورة الجن )

 أيها الإخوة... إذا كان الحديث في الدرس السابق عن مقام العبودية، فالحديث اليوم عن التوحيد..
 قل: أي: قل يا محمد لهم، إنما: أداة قصر.. و لو أن الله عزَّ وجل قال: قل أدعو ربي فقط لما كان هناك مانع من يدعو رسول الله غير الله، لكن الله عزَّ وجل قال:

﴿ قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي ﴾

( سورة الجن: آية " 20 " )

 أي: أدعو ربي وحده، وهذا هو التوحيد.
 إن التوحيد لا يقبل الشرك، فيجب عليك أن تدعو الله وحده، ومعنى تدعوه ؛ أي: تصلِّي له و تعمل من أجله، و أن يكون القلب متعلقاً به وحده.

﴿ قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي ﴾

( سورة الجن: آية " 20 " )

 ضرورة توحيد الله:
 أيها الإخوة.. إن القضية بسيطة جداً، فإذا دخلت إلى دائرة كبيرة فيها ألف موظف وكانت مشكلتك لا تُحَل إلا مع مدير هذه الدائرة، فلا يمكن لأي إنسان عاقل أن يبذل ماء وجهه لغير مدير الدائرة العام، لأن هذا مضيعةٌ للوقت، ففيه جهدٌ ضائع وعملٌ أخرق،وطريقٌ مسدود، فإذا دعا الإنسان غير الله كان الطريق أمامه مسدوداً، لأن هذا الذي تدعوه ضعيفٌ مثلك، لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، فهو لا يملك لك نفعاً ولا ضراً من باب أولى، لأنه لا يملك لنفسه، فهو ضعيف عاجز، و وجوده غير ذاتي، بل إن وجوده كان بسبب إمداد الله له، فلو أن الله قطع عنه الإمداد ثانيةً لأصبح جثةً هامدة، فكيف تعلِّق الآمال على إنسان يستمد وجوده من غيره، أما الله جلَّ جلاله فهو واحدٌ أحد فردٌ صمد، ووجوده ذاتي، و لا يتعلَّق على وجود غيره، أما البشر فكل مكتسباتهم متعلقة ببقائهم أحياء، فهي متعلقة بنبض قلوبهم، و سيولة دمائهم، و سلامة أعضائهم، وعقولهم التي في رؤوسهم، فالإنسان يستمد وجوده من عوامل كثيرة جداً، فإذا تعطَّل أي عاملٍ أُلْغِيَ وجوده، لذلك قال تعالى:

﴿ قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي ﴾

( سورة الجن: آية " 20 " )

 إن التوحيد نهاية العلم، وكلما تعمَّق إيمانك ازداد توحيدك، وكلما ازداد توحيدك ازداد إخلاصك، فعليك أن توقن أن أحداً -غير الله-لن ينفعك ولن يضُرَّك، وأن الإنسان إذا ابتغى أمراً بمعصيةٍ كان أبعد مما رجا وأقرب مما اتقى، وأنه إذا عبد غير الله عزَّ وجل كان الله له بالمرصاد، فلا بدَّ من أن يخَيِّب ظنه و يحبط عمله، و يريه هذا الشريك الضعيف اللئيم.
 الإيمان الحقيقي:
 أيها الإخوة... إن بطولتنا لا تكون في أن نُقِر أن الله خالق السماوات والأرض، ولكن بطولتنا في الإيمان أن نوقن أن الله بيده كلُّ شيء، و أنْ ليس في الكون إلا الله، و هذا هو التوحيد.

﴿ قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي ﴾

 ليس المقصود من التوحيد هذه الكلمات التي تقولُها، فالمسلمون جميعاً يدعون الله بلسانهم، فهم في الصلاة يدعون الله عزَّ وجل، و في الدعاء يدعون الله عزَّ وجل أيضاً، وفي الاستغفار يستغفرون الله عزَّ وجل، ولكن المشكلة أن الناحية العملية ليست كالناحية النظرية، فالإنسان يدعو الله بلسانه ويُعَلِّق الآمال ويتكئ على غير الله، ويعتمد على ماله، يقول لك: الدراهم مراهم، وهذه كلمةٌ إبليسيَّة، فهناك مليار مشكلة لا تَحُلُّها الدراهم، إنه يعتمد على ماله و أولاده و مركزه و صحته ويدعو ربه بلسانه، فعليك أن تشعر أن كل شيءٍ تتمتع به إنما هو من فضل الله عزَّ وجل، وفي أية لحظةٍ يسلبه منك..
 ما بين غمضة عينٍ وانتباهتها  يغيِّر الله من حالٍ إلى حال
 فقد ترى الإنسان ملء السمع والبصر، فإذا بخثرة دم في الدماغ تجعله مشلولاً، فعلى الإنسان ألا يعتمد على صحته ولا على قوته ولا على ماله.
 لقد كان هناك رجل مثقف ثقافة عالية يجلس مع أصدقائه، فقال: أنا موتي بعيد، فسأله صديقه: لماذا ؟ قال له: لأن وزني خفيف، وأكلي قليل، وأمشي، ولا أدخِّن، ولا (أُحَمِّلها) [أي: لا أكترث للضغوط]، وليس عندي شدة نفسية.
 لقد كان كلامه صحيحاً بمجمله، فالشدة النفسية و النهم في الأكل و بطء الحركة والتدخين أشياء قاتلة، وقد قال هذا الكلام يوم السبت في سهرة مع أصدقائه، فما جاء يوم السبت الذي وليه إلا وهو تحت الأرض، فلا تعتمد إلا على الله، فالمال قد يذهب في ثانية واحدة، فقد تكون من أغنى الأغنياء فإذا أنت من أفقر الفقراء.
 لقد زارني رجل فقال لي: أنا كنت أملك عدداً كبيراً من الدونمات، وإني لا أذكر العدد، فهو كبير جداً، فقد يكون مائتان وخمسون دنماً، وقد كان هذا الرجل يقيم كل يوم في بيته مضافة و يدعو الضيوف، أما الآن فهو يبحث عن عمل ناطور في براتب ثلاثة آلاف ليرة في الشهر، فالله عزَّ وجل يُعطي ويدهش، ويأخذ ويدهش، فلا تعتمد على صحتك ولا على مالك، ولا على أعوانك، ولا على أقرب الناس إليك، ولا على أبعد الناس منك، ولا على أقوى الناس، ولا على أضعف الناس.

﴿ قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي ﴾

 علِّق أملك بالله، وثق بالله وحده، و اتكل عليه وحده، و ارجُ الله وحده، هذا هو التوحيد الحقيقي، إن التوحيد سهل جداً في الكلام، فإدراكه سهل، وشرحه سهل، أما في الأزمات فهو ليس كذلك، فقد تأتيك أزمة، فتبحث عن إنسان يحميك ويُعطيك و يقيك، لا.. لا تفعل ذلك، فقد كان عليه الصلاة والسلام إذا حزبه أمرٌ بادر إلى الصلاة، والله عزَّ وجل متكَفِّل أن يُرِيَك من آياته.
 عَوِّد نفسك في الأزمات و الأوقات الحرجة أن ترجو الله وحده وأن تعلِّق عليه الآمال، وأن تصطلح معه، وأن تتذلل بين يديه، وأن تُمَرِّغَ جبهتك في أعتابه.

﴿ قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي ﴾

 لا تكن مُجَيِّراً لصالح إنسان، و لا تكن محسوباً على جهةٍ أرضيةٍ أبداً، و لا تعط طاقتك وجهدك ووقتك وعمرك لغير الله عزَّ وجل، فغير الله ليس أهلاً لأن تعطيه طاقتك و جهدك وذكاءك و علمك، فأنت لله، ولا يليق بك كإنسان إلا أن تكون في خدمة الله عزَّ وجلَّ، فلا تكن محسوباً على جهةٍ أرضية، و هذه نصيحةٌ لله عزَّ وجل، لأن ذلك لا يليق بك، فإن كنت محسوباً على جهةٍ أرضية دعوتها ولم تدع الله عزَّ وجل، و رجوتها ولم ترجُ الله عزَّ وجل، و خفت بطشها ولم تخف بطش الله عزَّ وجل، وأنت لله، فإذا كان الماء للتراب، والتراب للنبات، والنبات للحيوان، والحيوان للإنسان، فلمن الإنسان ؟ إنه لله الواحد الديَّان.
 إن الإنسان يوجد في حياته ضيق و أزمات ومشكلات، فعليه أن يعتمد على الله وحده ويدعوه، و معنى يدعوه هنا ؛ أي: يصلي له، والصلاة دعاء، فصلّ لله، و ادعوه بلسانك في أي جلسة تجلسها، ولا تدعُ زيداً أو عبيداً، ولا فلاناً ولا علاَّناً، ولا جهةً، بل ادع الله عزَّ وجل، يقول تعالى في الحديث القدسي:

((ما ذكرني عبدي في سره إلا ذكرته في نفسي، ولا ذكرني في ملأٍ من خلقي إلا ذكرته في ملأٍ خيرٌ منه ))

 إنما: أداة قصر، أي: أنا أدعو الله وحده ولا أدعو أحداً سواه.
 والنبي عليه الصلاة والسلام علَّمنا أنه ما من مخلوقٍ على وجه الأرض أقرب إلى مخلوقٍ كقرب رسول الله صلى الله عليه وسلّم من سيدنا الصديق، ومع ذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام:

 

((خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ عَاصِباً رَأْسَهُ بِخِرْقَةٍ فَقَعَدَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ مِنَ النَّاسِ أَحَدٌ أَمَنَّ عَلَيَّ فِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ مِنْ أَبِي بكْرِ بْنِ أَبِي قُحَافَةَ وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنَ النَّاسِ خَلِيلا لاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلا وَلَكِنْ خُلَّةُ الإِسْلامِ أَفْضَلُ سُدُّوا عَنِّي كُلَّ خَوْخَةٍ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ غَيْرَ خَوْخَةِ أَبِي بَكْرٍ))

 

( من صحيح البخاري عن ابن عباس )

 و قد قال سيدنا الصديق بعد موت النبي عليه الصلاة والسلام:

(( من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حيٌ لا يموت ))

 فديننا دين توحيد، لا دين أشخاص و جهات و شرك..
 توسيع للمعنى..

﴿ قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي ﴾

 عليك هنا أن توسِّع المعنى، فمعنى أدعو الله ؛ أي: أصلي له و أخافه و أرجوه وحده، فكلُّ أملي معقودٌ على رحمته، و كلُّ خوفي منه، و كل رجائي له، فأنا أرجو ما عنده، وأخشى عذابه، وأتهيب جفوته، وأرجو نواله، و هذا هو الإيمان، فالعلاقة مع الله يجب أن تكون غنية و مفعمة بالحب و الاتصال و الإخلاص.

﴿ قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي ﴾

 أي: أدعو ربي وحده ولا أدعو أحداً سواه، و إذا جرِّبت أن تعتمد على غير الله فإن الله جلَّ جلاله يؤَدِّبُك رحمةً بك وعطفاً عليك، فتراه يخيب ظنَّك بفلان، وقد يكون هذا الإنسان بغير هذه الصفات، لكن الله يلهمه أن يتخلى عنك في أحرج الأوقات، و هذا عقاب من الله، لأنك اتكلت عليه، وعقدت الآمال عليه، واطمأننت إلى وعده، فيجب عليك أن تطمئن لوعد الله وحده، كما يجب أن تستجير بالله وحده، وأن تستعين بالله وحده، و أن تقبل على الله وحده، و أن ترجو الله وحده، و أن تكون متعلِّقاً بالله وحده.

﴿ قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً ﴾

( سورة الجن )

 فالإيمان بالله وحده سهل نظرياً، أما عملياً فهو صعب و يحتاج إلى جهد كبير.

﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾

( سورة يوسف )

 إن أكثر الناس يعتمدون على بعضهم، ويتخذ بعضهم بعضاً شركاء، فلا يقول لك أحدهم: أنا أعبد فلان، ولكن قلبه مُفْعَمٌ بمحبته، و رجاءه معلقٌ به، فتراه يرتعد خوفاً من وعيده، وهذا شرك، لأنه في هذه الحالة يعامله كإله.
 قانون العناية الإلهية:
 كلما تذلل الإنسان لله رفعه الله، و كلما اعتمد على الله وحده دافع عنه وحَفِظَه، فالقضية تحتاج إلى إيمان عميق و إرادة قوية.
 فقد يكون هناك ضيق في الدخل في حياتنا اليومية مثلاً، وقد يُفتح لك باب فيه دخل كبير لكن هذا الباب لا يرضي الله، فماذا يفعل المؤمن ؟ إنه يؤثر ما عند الله على الشيءٍ الذي لا يرضيه، و بعد حين الله جلَّ جلاله يفتح له باباً واسعاً، و هذا الباب الواسع يُفتح بعد حين، ولو أنه فتحه مباشرةً لما دفع ثمن الطاعة، و الله عزَّ وجل قال:

﴿ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾

( سورة التوبة: آية " 28 " )

 والمشركون الآن يشكلون ما يسمَّى صناعة سياحية، فينفقون أموالاً طائلة، ويروِّجون السلع في البلد، و يستأجرون البيوت، و ينفقون أموالهم على الطعام والشراب وعلى أشياء أخرى، فمن نتائج السياحة الرائجة دخل كبير، و ربنا عزَّ وجل قال:

﴿ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾

( سورة التوبة: آية " 28 " )

 في الآية شيء دقيق جداً، فأنت حينما تلتزم مبدئياً بطاعة الله عزَّ وجل قد يقل دخلك، لأنك قد ترفض هذا العمل وهذا المشروع وهذه الصفقة وهذه التجارة لما فيها من شبهات، وحينما ترفضها كلَّها يقلُّ دخلك، فإذا قل الدخل كان معنى ذلك أنك لم تدفع ثمن هذه الطاعة وثمن هذا الإيثار، فعلم الله منك صدقاً وإصراراً على طاعته وتضحيةً في سبيله، ثم يأتي الفرج القريب، فيأتيك رزقٌ من حيث لا تحتسب، لأنك كنت خاضعاً لقانون مستنبط من حركة الحياة، فبعد أن علّم الله صدقك واستقامتك، وخوفك من الله، وحرصك على طاعتِهِ، أخضعك إلى قانون آخر، وهو قانون العناية الإلهية المباشرة، وهناك آلاف القصص على ذلك.
 أيها الأخ الكريم... تصوَّر تصوُّراً فقط أنه ليس هناك وجود للقرآن والسنة، وأن هذه الحياة تجري، فلو كان عندك نفسٌ طويل وتحليلٌ دقيق وتتبعت كيف يعامل الله خلقه، لاستنبطت من معاملة الله لخلّقه قواعد وقوانين مطابقة للشرع تماماً، فالمستقيم ينصره الله عزَّ وجل، والمنحرف يخذله، والذي يجمع المال الحرام يدمِّره، والذي يجمع المال الحلال يبارك الله له فيه، والذي يكون في خدمة الناس يكون الله في حاجاته، فييسِّرها له، فهناك قوانين، فإما أن تأخذ بهذه القوانين مركزة من كتاب الله، وإما أن تستنبطها من حركة الحياة، ولكن الشقي كل الشقي هو الذي يعرفها بعد فوات الأوان، وهذه هي المشكلة.
 وأقول لكم دائماً: إن خيار الإنسان مع الإيمان خيار وقت لا خيار قبول أو رفض، فالحقائق التي جاء بها الأنبياء سيعرفها كلُّ الناس عند الموت، حتى الكُفَّار و الملحدون والفُجَّار والعُصاة، فكلُّ المخلوقات سيعرفون الحقيقة بعد الموت.

﴿ فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾

( سورة ق )

 لكنك إما أن تعرفها وتنتفع بها، وإما أن تعرفها وتكون معرفتها حسرةً على القلب، والمعرفة بعد الموت تكون مع الحسرة، أما المعرفة مع الانتفاع فتكون قبل الموت.
 إننا يا إخواننا الكرام - وأنا معكم - مدعوُّون إلى الله عزَّ وجل، والله عزَّ وجل يريدنا جميعاً.

﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً﴾

( سورة النساء )

 الله عزَّ وجل يريدنا أن نكون على منهجه، كي يسعدنا بطاعته.

﴿ قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً ﴾

( سورة الجن )

 أي: لا أشرك به أحداً كبيراً ولا صغيراً ولا قريباً ولا بعيداً ولا قوياً ولا ضعيفاً.
 وقد يتعلَّق الإنسان بابنه تعلُّقاً غير طبيعي، فهناك إنسان توفِّي ابنه فكفر بالله وترك الصلاة، فيجب عليك أن تكون متعلقاً بالله..
 إن النبي عليه الصلاة والسلام مات ابنه إبراهيم فدمعت عينه، فقالوا: أتبكي !! قال:

 

((إن القلب ليحزن، وإن العين لتدمع، ولا نقول إلا ما يرضي الرب، وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون))

 إن هذا كلام رائع و متوازن، لأنه كلام فيه توحيد.
 ضعف التوحيد هو أصل المعصية:
 أقول لكم كلاماً دقيقاً أيها الإخوة: والله الذي لا إله إلا هو ما من معصيةٍ أو نفاقٍ أو تقصير إلا وهو مصحوب بضعف توحيد، فحينما يرجو الإنسان أمراً بمعصيةٍ يرى أن هذه المعصية من وراءها خير، و هذا غلط شديد، فلا يوجد مع المعاصي إلا شرور، و لا يوجد مع الطاعات إلا بركات وخيرات.

 

 

((من ابتغى أمراً بمعصية كان أبعد مما رجا و أقرب مما اتقى))

 

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾

( سورة الأنفال: آية " 36 " )

﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾

( سورة آل عمران )

 سبب عدم نجاح الدعوة هو ضعف الإخلاص:
 إخواننا الكرام...

 

﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي ﴾

 إذا دعا الإنسان إلى الله فإن دعوته تكون في عبادته و حركته، وقد قال العلماء: إن هذين المعنيين منطويان في هذه الكلمة.

﴿ قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي ﴾

 إن الصلاة دعاء، فقَولي: أنا أدعو الله في صلاتي ؛ أي: أنا أصلي له وحده، أو أدعو إليه و لا أدعو لسواه، فكم من إنسان مُجَنَّد لأن يدعو إلى غير الله عزَّ وجل، فهناك من يختار الأذكياء و أصحاب الحجة القوية لتكون دعوتهم إلى جهةٍ أرضيةٍ، فالمؤمن يدعو لله عزَّ وجل، الله عزَّ وجل يقول:

﴿ إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾

( سورة غافر: آية " 51 " )

 هناك رأي دقيق جداً يقول: إن الإنسان إذا دعا إلى الله ولم ينجح في دعوته كان السببَ في عدم نجاحه ضعفُ إخلاصه وضعف توحيده، فقد يخاف، أو يرى الوقت أثمن من أن ينفقه في الدعوة إلى الله مثلاً، فإذا دعا الإنسان إلى الله، ثم عَزَا إخفاقه إلى الله عزَّ وجل، فإنه يكون قد ردَّ القرآن الكريم، وردُّ أي آيةٍ من كتاب الله كفر، فقد قال تعالى:

﴿ إِنَّا لَنَنْصُرُ ﴾

( سورة غافر: آية " 51 " )

 إنا: حرف مشبَّه بالفعل يفيد التوكيد، واللام: لام التأكيد، فهناك توكيدان، لننصر: فعل مضارع، والفعل المضارع مستمر، فالنصر مستمر، ونصر الرسل شيء بديهي طبعاً لكن الله تعالى لم يقف عند الرسل وحسب بل قال:

﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا ﴾

( سورة غافر: آية " 51 " )

 وقوله: سننصرهم في الآخرة أمر بديهي، لكنه قال: سننصرهم في الحياة الدنيا وفي الآخرة، فهذه آية جامعة مانعة.

﴿ إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾

 فإذا دعوت الله عزَّ وجل أو دعوت إلى الله، ولم تَقْطِف الثمار ثم عزوت ذلك إلى الله كان هذا نوعاً من التكذيب، وتكذيب القرآن الكريم كفر..

﴿ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾

( سورة الصافات )

 إخواننا الكرام.. إن زوال الكون أهون على الله من ألا تحُقَقُّ هذه الآية، قال تعالى:

﴿ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾

 فإن لم تَغْلِب فأنت لست جندياً لله عزَّ وجل، وهذا يكون بسبب شرك فيك، لأنك في هذه الحالة تكون جندياً لجهةٍ أرضية، فلو كنت جندياً لله فلا يمكن أن تُغْلَب أبداً.

﴿ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾

 فإذا لم ينصر الله عزَّ وجل الإنسان، فعلى الإنسان أن يراجع نفسه ليتحقق من جنديته لله عزَّ وجل، و إن أعلى مقام يصلّه إنسان هو أن يكون جندياً للحق ولا شيء سواه..
قال تعالى:

﴿ قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي ﴾

 أي: أدعوه في عبادتي، وأدعوه بلساني، وأدعو له الخلق، فأنا أدعوه وأرجوه وأصلي
له..
 أنواع الشرك:

﴿ وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً ﴾

 أيها الإخوة، إن الشرك نوعان ؛ جليٌ وخفي.
 1- الشرك الجلي: كأن تقول: بوذا إله، وهذا في الهند والصين، وليس في بلادنا والحمد لله..

((إن الشيطان يئس أن يعبد في أرضكم ))

 فالشرك الجلي ليس له وجود في العالم الإسلامي والحمد لله رب العالمين، بل إن الذي يقال في العالم الإسلامي هو الله لا إله إلا الله محمد رسول الله، و هذا مفروغ منه، و نحن والحمد لله ناجون من الشرك الجلِيِّ بعد الدعوة الإسلامية

(( إن الشيطان يئس أن يعبد في أرضكم ))

 ولكنه رضي بالشرك الخفيّ.
 2- الشرك الخفي: وهو أن تعتمد على غير الله، و أن ترجو غير الله، و أن تخاف من غير الله، و أن تُخْلِصَ لغير الله، و أن تُعَلِّقَ الأمل على غير الله، و أن تدعو غير الله، وأن تَهَابَ غير الله، و هذا هو الشرك، لذلك قال تعالى:

﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾

( سورة يوسف )

 أي: مشركون به شركاً خفياً، و الله عزَّ وجل يربِّي الإنسان، فكلما تعلَّق بجهةٍ أرضيةٍ نبهه وخَيَّبَ ظَنَّه فيعود.
 و كما قلت في الدرس الماضي، إن الصحابة الكرام وفيهم رسول الله رأوا تَجَمُّعاً كبيراً جداً ما سبق له مثيل في الجزيرة، فقد كان هناك عشرة آلاف سيفٍ مؤمن، فقال بعضهم في نفسه: لن نُغَلَبَ من قِلَّة، فقال تعالى:

﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾

( سورة التوبة )

 فهناك شرك جلي نحن والحمد لله ناجون منه، أما الشرك الخفي فهو المشكلة، و من هنا قال عليه الصلاة والسلام:

 

((أخوف ما أخاف على أمتي الشرك الخفي، أما إني لست أقول أنكم تعبدون صنماً ولا حجراً ولكن شهوةٌ خفية وأعمالٌ لغير الله ))

 

﴿ وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً ﴾

 أحداً: جاءت نكرة والتنكير هنا تنكير شمول، أي: أن أشرك به أي أحد ؛ صغيراً كان أم كبيراً، قريباً أو بعيداً، قوياً أو ضعيفاً.

﴿ وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً ﴾

( سورة الجن )

 مهمة الرسول البلاغ وليس الهداية:

﴿ قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلَا رَشَداً ﴾

( سورة الجن )

 إن الضر يقابله النفع، والرشد يقابله الغيّ، وهذا من بلاغة القرآن الكريم، أي: لا أملك لكم ضراً ولا نفعاً، ولا غياً ولا رشداً، فهناك أربع معانِ بكلمتين، فالهداية باختيار الإنسان، و النبي مبلِّغ، فقد تلقى محاضرة بليغة جداً على مجموعة من الناس، فيستجيب بعضهم ولا يستجيب البعض الآخر، السبب هو أن الإنسان مخير، فأنا لا أملك أن أهديكم ولكني أملك أن أبلغكم، ولا يستطيع مخلوق أن يخلق الهدى في نفس الآخرين، و هذا شيء مستحيل.
 قال تعالى:

﴿ لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾

( سورة البقرة: آية " 272 " )

﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ﴾

( سورة القصص: آية " 56 " )

﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (104) ﴾

( سورة الأنعام )

﴿ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ (22) ﴾

( سورة الغاشية )

 النبي هو الذي أوتي المعجزات، و أوتي الكمال الإنساني الكامل، و أوتي المنطق، والفصاحة، فهو قمَّة البشر، ومع ذلك إنه لا يستطيع أن يهدي الإنسان لكنه يُبَلِّغ، وما على الرسول إلا البلاغ المبين.

﴿ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ (22) ﴾

 قال تعالى:

﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾

﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾

﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (41) ﴾

﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (104) ﴾

 قل لا أملك لكم ؛ أي: أنا لا أملك أن أخلق الهدى فيكم، ولكني أملك أن أدعوكم و أُرْشِدَكُم وأبَيَّن لكم فقط.

 

﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلَا رَشَداً ﴾

 إني لا أملك الهدى ولا أملك الضلال، فالضلال باختياركم والهدى باختياركم.

﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾


( سورة الكهف: آية " 29 " )

﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾

( سورة الإنسان )

 كما أنني لا أملك لكم ضراً ولا نفعاً، وهذا أمر عجيب، فالنبي عليه الصلاة والسلام أقبل الناس عليه وافتدوه بأرواحهم، وهو يقول لهم صباح مساء: لا أملك لكم شيئاً، إن هذا هو التوحيد، فيجب عليك أن تبيِّن للناس أنك ضعيفٌ مثلهم، و أنك لا تملك لهم شيئاً، لا نفعاً ولا ضراً، و كل إنسان يدَّعي أنه يملك النفع أو الضُر، أو يملك الهدى أو الضلال، هو إنسان مشرك ودجَّال، فيجب علي عندما أدعوك أن أحاول أن أبين لك وأقنعك وآتيك بالدلائل و الحجج و البراهين، فإذا اهتديت واستجبت كان هذا من عندك و باختيارك، وهو أمر من صنع قرارك، فأنا أدعوك وأنت قد تستجيب وقد لا تستجيب، والنبي صلى الله عليه وسلم -على علو مقامه وعلى عظمة دعوة وعلى فصاحة لسانه وعلى أخلاقه الكريمة - استجاب له البعض و حاربه البعض، أليس كذلك ؟.

﴿ قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلَا رَشَداً ﴾

( سورة الجن )

 إن دعوتك الصحيحة تكون في ألا تُعَلِّق الناس بشخصك، بل علّقهم بالله عزَّ وجل، فهناك من الناس من يسلطون الأضواء على أشخاصهم، أما في الدعوة إلى الله فعليك أن تعلّق الناس بالله عزَّ وجل لأنه معهم أينما كانوا، و أينما ذهبوا، وهو معهم في حِلِّهم وترحالهم، في خلوتهم وجلوتهم، في سرِّهم وعلانيتهم، في بيتهم ومع الناس، فلذلك قال:

﴿ لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلَا رَشَداً ﴾

 وكل من يقول خلاف ذلك هو مشرك، فيجب على الإنسان أن يعلّن براءته من كل هذه الأفعال، فإذا كان النبي عليه الصلاة والسلام - وهو سيد الخلق وحبيب الحق الذي أوتي المعجزات ونزل عليه القرآن - لا يملك لنا ضراً ولا نفعاً ولا غياً ولا رشداً، فمن باب أولى أن لا يملك ذلك أحدٌ بعده إطلاقاً، إلا أن واجب الداعية أن يبين، ومهمتك تنحصر في أن تحاكم وتناقش، ولك أن تستجيب بعد ذلك أو لا تستجيب، لأن هذا أصبح شأنُك وهذا قرارك.

﴿ وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45) قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ(46)﴾

( سورة هود )

 فهذا سيدنا نوح -على عِظَمِ مقامه – لم يستطع أن يقنع ابنه بأن يركب معه، فقال له:

﴿ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (42) قَالَ سَآَوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ(43)﴾

( سورة هود )

﴿ قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً (20) قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلَا رَشَداً (21) ﴾

( سورة الجن )

 والداعية الصادق يبين للناس.

﴿ لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلَا رَشَداً ﴾

 إن الهدى يكون باختيارك، وعدم الهدى يكون باختيارك أيضاً، كما أن نفعك يتأتى من طاعتك، وضركْ يتأتى من معصيتك، فسعادتك بيدك، وشقاءك بيدك، و توفيقك بيدك، فقد قال تعالى:

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (10) ﴾

( سورة الليل )

 فالتوفيق بيَدَّك، والتعسير بيدك، والهداية بيدك.

﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾

( سورة البقرة: آية " 148 " )

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾

( سورة الأنفال: آية " 24 " )

 و الاستجابة بيدك وعدم الاستجابة بيدك، والنفع من طاعتك، والضر من معصيتك.

﴿ قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلَا رَشَداً (21) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً(22)﴾

( سورة الجن )

 فالنبي عليه الصلاة والسلام وهو في أعلى درجة بالعبودية، قال:

(( إذا شاء الله عزَّ وجل بي شيئاً فلن يستطيع أحدٌ في الأرض أن يجيرني من الله أبداً ))

﴿ مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ ﴾

( سورة فاطر: آية " 2 " )

﴿ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلَا مَرَدَّ لَهُ ﴾

( سورة الرعد: آية " 11 " )

﴿ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (47) ﴾

( سورة الحاقة )

 يجب عليك أن تؤمن دائماً أنك في قبضة الله، فلو كان أهل الدنيا كلّهم معك، ولم يكن الله معك فإنك لن تستفيد شيئاً، ولو أن أهل الدنيا كلهم ضدّك، وكان الله معك فإنك لا تعبأ بهم جميعاً، فإذا كان الله معك فمن عليك، وإذا كان عليك فمن معك، وهذا هو التوحيد، فأنت في قبضته و حفظه وتوفيقه، و أقول لكم دائماً وأبداً: إن هناك معية خاصة ومعية عامة، فالمعية العامة، يكون الله تعالى فيها مع البشر كلّهم ؛ مع الكفار و الفُجَّار و المؤمنين، الصادقين منهم و الكاذبين، وهو معهم بعلّمه، لكنه مع المؤمنين بتوفيقه و تأْييِّدِه و حفظه و نصره، فالحفظ والنصر والتأييِّد من المعية الخاصة، والمعية الخاصة لها ثمن، فقد قال الله تعالى:

﴿ وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً﴾

( سورة المائدة: آية " 12 " )

 هذا هو الدين.. فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم -وهو سيد الخلق وحبيب الحق- يقول:

﴿ قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ ﴾

( سورة الجن: آية " 22 " )

 فماذا نقول عن الذين يبيعون الجنة بالصكوك ؟ هل هذه الدعوة الصحيحة ؟؟ إن نبي هذه الأمة يقول:

﴿ قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً ﴾

 هناك رجل اشترى النار، فاستغرب الذي باعه إياها، لكنه اشتراها وبلّغ الناس أنه اشترى جهنم ولن يدخل إليها أحداً بعد ذلك، فخفَّ الطلب على سوق الجنة، فاضطر ذلك البائع أن يشتريها منه مرة ثانية، إن هذه سخافات وأفكار مضحكة.

﴿ قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً (22) إِلَّا بَلَاغاً مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ ﴾

( سورة الجن: آية " 22، 23 " )

 إن مهمة النبي صلى الله عليه وسلم هي إبلاغ الناس وأداء الرسالة، فإذا وقف الإنسان أمام مقام النبي في العمرة أو الحج يقول: أشهد أنك بَلَّغْتَ الرسالة وأدَّيْتَ الأمانة، ونصحت الأمة وكشفت الغُمَّة، وجاهدت في الله حق الجهاد، وهديت العبادة إلى سبيل الرشاد.

﴿ إِلَّا بَلَاغاً مِنَ اللَّهِ ﴾

 فالنبي لا يملك الضر ولا النفع ولا الهدى ولا الغَي ؛ أي: الضلال، ولا يملك أن يحمي نفسه من الله، ولا أن يجير أحداً، لأنه ضعيف، و مهمته التبليغ، كما أنه له مهمة أخرى جاءت بها آيات أخرى، وهي مهمة القدوة، قال تعالى:

﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾

( سورة الأحزاب: آية " 21 " )

 إن مهمته أن يبلِّغ بلسانه وأن يعمل عملاً موافقاً لرسالته، فالإنسان لا يقنع بالكلام وحده، بل إنه يقنع بالكلام المُطَبَّق، فالنبي عليه الصلاة والسلام مبلغٌ بلسانه و قدوةٌ بعمله، وهذه مهمة الأنبياء، فينبغي أن تكون مهمة الدعاة من بعدهم على شاكلتها، فعلى المبلّغ أن يكون مُطَبِّقاً، و هو لا يملك لك ضراً ولا نفعاً ولا غياً ولا رشداً، ولا أحد يحميه من الله عزَّ وجل.

﴿ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ﴾

( سورة الجن )

 وفي درسٍ قادمٍ إن شاء الله نعيد شرح هذه الآيات.