الدرس : 6 - سورة الجن - تفسير الآية 19

1997-10-24

 العبودية لله عز وجل
 الحمد لله رب العلمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة المؤمنون... مع الدرس السادس من سورة الجن، ومع الآية الكريمة التاسعة عشرة، وهي قوله تعالى:

﴿ وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً ﴾

( سورة الجن )

 عبد الله هنا: رسول الله صلى الله عليه وسلم..
 العبودية منتهى الرقيّ:
 إن نهاية رقي الإنسان وتفوقه هي أن يصل إلى مرتبة العبودية لله عزَّ وجل، لأن الرب ربٌ والعبد عبدٌ، وإنك لا ترتقي إلا إذا كنت عبداً لله، لأن هذا هو مكانك الطبيعي، وهذه هويتك، وهذه خصائصك، فالذي يدَّعي الربوبية أو يتألَّه أو يتعاظم أو يتكبَّر يسقط من عين الله ومن عين الخلق، فليس هناك درجةٍ أعلى عند الله وعند الناس من أن تكون عبداً لله، وكلما ازددت لله خضوعاً زادك الله عزاً، و كلما ازددت لله طاعةً زادك رفعةً، وكلما ازددت لله انصياعا لأمره زادك قرباً، فما من مرتبةٍ وصلها بشرٌ على الإطلاق، كالمرتبة التي وصل إليها النبي عليه الصلاة والسلام..

﴿ فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾

( سورة النجم )

 إن سدرة المنتهى هي أعلى مقامٍ بلغه إنسان، يقول عليه الصلاة والسلام:

 

((سَلُوا لِيَ الْوَسِيلَةَ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لا تَنْبَغِي إِلا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ فَمَنْ سَأَلَ لِيَ الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ عَلَيْهِ الشَّفَاعَةُ))

 

( من مسند أحمد عن عمرو بن العاص )

 والوسيلة هي المرتبة التي تصل به إلى سدرة المنتهى، قال تعالى:

 

﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (16) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (17) ﴾

 

(سورة النجم)

 وقد قال الله عزَّ وجل:

﴿ فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾

( سورة النجم )

 فقد كان أعلى وصْف وُصِفَ به النبي عليه الصلاة والسلام أنه عبدٌ لله، لكن القضية هنا محيَّرة، لأنها تقول: إنك كلما ازددت خضوعاً زادك رفعةً، و كلما ازددت تواضعاً زادك مكانةً، و كلما ازددت انصياعا لله عزَّ وجل زادك رفعةً، ولكن الله عزَّ وجل قال:

﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (2) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (3) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4) ﴾

( سورة الشرح )

 إن الله عزَّ وجل لم يذكر مرة إلا ذكر معه النبي عليه الصلاة والسلام، فأنت تقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن سيدنا محمد رسول الله، و هل يعقل أن يقسم الله جلَّ جلاله بعمر إنسان ؟ لقد أقسم الله عز وجل بعمره الثمين، فقال:

﴿ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾

( سورة الحجر )

 وقد أثنى الله جلَّ جلاله على خُُلُقه العظيم، فقال:

﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾

( سورة القلم )

 إياك أن تتكبر..
 إن هذا تعليمٌ لنا، فإيَّاك أن تتكبر و تستعلي و تتطاول، و تدعي ما ليس لك، يقول الله عز وجل في الحديث القدسي:

 

((العظمة إزاري، والكبرياء رداءي، فمن نازعني منهما شيئاً أذقته عذابي ولا أبالي))

 فأنت تزداد رفعةً عند الله بخضوعك له، و تزداد مكانةً بعبوديتك له، و تزداد غنىً بافتقارك إليه، و تزداد قوةً بإعلان ضعفك أمامه، و تزداد علماً بإعلام جهلك أمامه:

 

 

مالي سوى فقري إليك  فبالافتقارِ إليك فقري أدفع
مالي سوى قرعي لبابك حيلةً  فإذا رُددْت فأي بابٍ أقرع

 إن المؤمن الصادق -أيها الإخوة- له علاقةٌ طيِّبة بالله، و علاقته بالله علاقة الخضوع، و إذا أعزَّ الله سبحانه وتعالى إنساناً سخَّر له أعداءه في خدمته، وإذا أذل إنساناً تنكَّر له أقرب الناس إليه، وإن مما يلفت النظر أن الله سبحانه وتعالى وصف النبي عليه الصلاة والسلام في أعلى وصفٍ بلغه الإنسان، فقال:

 

﴿ وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ ﴾

( سورة الجن: آية " 19 " )

 وقد وقف خطيبٌ أمام النبي عليه الصلاة والسلام فقال:

ما شاء الله وشئت، فقال:

((بئس الخطيب أنت، جعلتني لله نداً ؟! قل: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ))

 من أنا ؟؟ إن الأمر هنا عجيب، لأنك كلما ازددت خضوعاً، ومرَّغت وجهك في أعتابه زادك عزاً و رفعة، وحفظك وأيَّدك ونصرك وأكرمك ورفع ذكرك ودافع عنك، وكلما قلت: أنا ! تخلَّى عنك، وقد ذكرت من قبل كثيراً أن في حياة المؤمن يومين يتكرران كل يوم، وهما يوم بدرٍ ويومُ حنين، ففي يوم بدرٍ قال تعالى:

﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾

( سورة آل عمران: من الآية " 123 " )

 أي مفتقرون إلى الله.. أما في حنين فقال:

﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً﴾

(سورة التوبة: من الآية " 25 " )

 فحينما قالوا في حنين: لن نغلب من قلة تخلى الله عنهم، رغم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم، وهم الصحابة الكرام من خير خلق الله..

﴿ وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾

( سورة التوبة )

 ولكنهم حينما التجؤوا في بدر إلى الله وابتهلوا إليه نصرهم، وهم قلةٌ قليلة ضعيفةٌ ذليلة على كثرةً كثيرة مدججةٍ بأنواع السلاح، فماذا نستفيد من هذين اليومين ؟
 إنك مع الله بين حالين ؛ أن يتولاَّك، و أن يتخلَّى عنك، فإذا قلت: أنا !! لدي خبرات متراكمة وعلم و مال و نسب و مكانة ومركز مرموق و ذاكرة قوية وصحة جيدة، تخلى الله عنك، وإذا قلت: هذا من فضل ربي، وهذا بتوفيق الله و حفظه تيسيره تولاَّك الله، فأنت مخيَّر ؛ فإما أن تقول: أنا، فيتخلى الله عنك ويكلك إلى نفسك، وإما أن تقول: الله، فيتولاك بحفظه ورعايتك، و كلما اقتربت من أن تكون عبداً لله نلت كل مراتب هذه المكانة التي لا تُعَدُّ ولا تُحْصى.
 أنواع المعية الإلهية:
 1- المعية العامة: (معية العلم ):
 إن ربنا عزَّ وجل قال:

﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾

( سورة الحديد: آية " 4 " )

 فالمراد هنا أن الله مع كل الناس، كافرهم و مؤمنهم، طائعهم وفاسقهم.. مع القريب والبعيد، مع الملحد والمنكر، والكافر والفاجر، وهذه المعية تسمى معية العلم.
 2- المعية الخاصة: (معية التأييد ):
 قال الله تعالى:

 

﴿ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾

 

(سورة الأنفال )

﴿ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾

( سورة البقرة )

 فهذه معيةٌ خاصة، لأنها معية التوفيق، والتأييد، و النصر، و الحفظ، و المعية الخاصة لها ثمن، و الثمن يملكه كل واحدٌ منا، تقول الآية الكريمة:

﴿ وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً﴾

( سورة المائدة: آية " 12 " )

 إن هذا ثمن المعية.. أتُحِبُ أن يكون الله معك ناصراً و مؤيداً و حافظاً و ملهماً ومسدداً ومدافعاً ؟ إذا أردت ذلك فآمن به، واستقم على أمره، وأيِّد رسله، واعمل الصالحات لخدمة خلقه، ففي هذه الحالة يكون الله معك، وإذا كان الله معك فمن عليك ؟ لا أحد يجرؤ أن يكون عليك إذا كان الله معك، فإذا كان الإنسان في مجتمعاتنا مع أعلى رجل في البلاد فمن يستطيع أن يقف ضده ؟ لا أحد، فإذا كان هذا في مجتمع البشر، فكيف بالله عزَّ وجل وهو القوي العزيز، ألا تقرؤون في الدعاء: " سبحانك إنه لا يذِلُّ من واليت، ولا يُعَزُّ من عاديت ".

﴿ وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ ﴾

( سورة الجن: آية " 19 " )

 وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم -على علوِّ مقامه و عظم مكانته عند الله و شدة قربه وفنائه في سبيل الله - كان في الطائف يدعو أهلها إلى طاعة الله وعبادته، فردوه شر‍َّ رد و كذبوه وسخروا منه، وأغروا صبيانهم بإيذائه، فماذا دعا ؟؟ لقد قال:

(( يا رب إن لم يكن بك غضبٌ عليَّ فلا أبالي، لك العتبى حتى ترضى لكنَّ عافيتك أوسع لي ))

 فهذا هو مقام العبودية

(( إن لم يكن بك غضبٌ عليَّ فلا أبالي، لك العتبى حتى ترضى لكن عافيتك أوسع لي ))

 و حينما وجد الأنصار في أنفسهم عليه وجاءه سعد بن عبادة، وقال يا رسول الله: إن قوم وجدوا عليك في أنفسهم، قال:

(((لمَ ؟) قال: من أجل هذا الفيء الذي وزَّعته في الناس ولم تخصّهم منه، قال: (أين أنت من قومك ؟) قال: ما أنا إلا من قومي، فقال: ( اجمع لي قومك )، فلما جمعهم قال: (يا معشر الأنصار ما قالةٌ بلغتني عنكم، واجِدَةٌ وجدتموها علي في أنفسكم، من أجل لعاعةٍ تألفت بها قوماً ليسلموا ووكلتكم إلى إسلامكم ) ))

 والآن أريد منكم أن تدققوا: لقد كان عليه الصلاة والسلام أقوى رجل في الجزيرة العربية، فقد دانت له الجزيرة من أقصاها إلى أقصاها، وكان هذا بعد حنين، وفي ذاك الوقت لم يكن هناك مشكلة، فقد كان كل الناس خاضعين له، وقد قال:

 

(( أما إنكم لو شئتم لقلتم فلصدقتم، ولصُدقتم، أتيتنا مكذباً فصدَّقناك، و طريداً فأويناك، ومخذولاً فنصرناك ))

 فبماذا ذكَّرهم هنا ؟ لقد ذكرهم بفضلهم عليه، وهو أقوى رجل، لقد كان بإمكانه أن يلغي وجودهم، كما كان بإمكانه أن يهدر كرامتهم، و كان بإمكانه أن يهملهم أو أن يعاتبهم، فما الذي فعله ؟ لقد ذكَّرهم بفضله عليهم، فقال:

 

(( يا معشر الأنصار ألم تكونوا ضُلالاً فهداكم الله بي ))

 إنه هنا لم يقل: فهديتكم، أرأيتم إلى تواضعه صلى الله عليه وسلم و افتقاره لفضل الله

(( ألم تكونوا ضلالاً فهداكم الله بي، عالةً فأغناكم الله ؟ أعداء فألَّف بين قلوبكم، أما ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير وترجعوا أنتم برسول الله إلى رحالكم ))

 فقالوا: رضينا، وبكوا حتى أخضلوا لحاههم، قال:

(( اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار، وما سلك الناس شِعْبَاً وسلك الأنصار شعباً إلا سلكت شعب الأنصار))

 فما هذه العبودية لله عزَّ وجل ؟ إن المؤمن كلما تواضع لله و أعلن افتقاره إلى الله ازداد عند الله رفعةً، وهناك أربع كلماتٍ مهلكات، هي: (أنا) و(نحن) و(لي) و(عندي)، فهناك من يقول مثلاً:أنا ابن فلان ! أنا أحمل هذه الشهادة ! أنا أشغل هذا المنصب ! أنا أستطيع أن أفعل كذا وكذا ! لقد قال الشيطان:

﴿ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾

( سورة الأعراف )

 فأهلكه الله، و قال قوم بلقيس:

﴿ قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾

( سورة النمل: آية " 33 " )

 فأهلكهم الله عزَّ وجل، و قال قارون:

﴿ قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾

( سورة القصص: آية " 78 " )

 أي: على خبرات متراكمة أمتلكها..

﴿ فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾

( سورة القصص: آية " 81 " )

 و قال فرعون:

﴿ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ﴾

( سورة الزخرف: آية " 51 " )

 فأهلكه الله عزَّ وجل..
 ملخص الفكرة..
 إن ملخصَ ملخص هذا الكلام هو أنك بين أن تقول: الله ! فيتولاك الله، وبين أن تقول: أنا ! فيتخلى عنك، وقد يكون ذلك على علمك، و علو قدرك، وعِظَم شهاداتك، و تراكم خبراتك، و ضخامة مالك، لأن هذا كله ليس بشيء عند الله، فليس هناك ذكاء ولا غنى مع الله عز وجل، لأن الذي أعطاك يستطيع أن يأخذ كل ما أعطاك في يوم وليلةٍ فتصبح من الفقراء، كما أن الذي منحك نقطة دم قادر على أن يجمدها، و إن كل ما تملك من الدنيا منوط بسيولة دمك، فلو تجمد دمك في بعض العروق، كعروق الدماغ مثلاً وكان ذلك في مكان الذاكرة فإنك لن تعرف ابنك وهو أقرب الناس إليك، ثم يتوسَّط لك أقرب الناس إليك لتكون أحد نزلاء مستشفيات الأمراض العقلية، فنهاية الإنسان متوقفة على سيولة دمه، فإذا تجمد دمه انتهى، وإن استيقاظ الإنسان من النوم ومشيه لا بدَّ له من توافر آلاف الشروط، كما أن جهاز الهضم السليم الذي يبدأ من الفم إلى البلعوم إلى المرئ إلى المعدة، إلى البنكرياس، إلى الأمعاء إلى الصفراء، إلى الغدد الصمَّاء، إلى الأمعاء الدقيقة، ثم الأمعاء الغليظة، فالمستقيم، إن هذا الجهاز هو الذي يجعل الإنسان يجلس بين الناس طاهر الثياب عطر الرائحة، والمستقيم له آفات، فلو أصيب المستقيم بالشلل كان لا بدَّ للإنسان من أن يحمل قَذَرَه إلى جانبه، ولو أن كُلْيتي الإنسان توقفتا عن العمل كان لا بدَّ من أن يذهب كل أسبوع مرتين ليغسل دمه، و لو أن دسَّاماً تعطل في قلبه كان لا بدَّ له من إجراء عمليةٍ تساوي ثمن بيته، فكيف تقول: أنا ؟ من أنت؟! إنك تقف على قدميك برحمة الله، و تمشي على رجليك بلطف الله، و بحماية الله أنت مصان ومحفوظ، و كل هذا الكلام يدور حول قوله تعالى:

﴿ وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ ﴾

( سورة الجن: آية " 19 " )

 إنك لن تكون إنساناً كاملاً إلا إذا كنت عبداً لله، ولن تكون محطَّ عناية الله إلا إذا اعترفت له بالعبودية، لأن العبد عبدٌ والربُّ رب.
 القلوب منظر الرب:
 أيها الإخوة.. إن الله لا ينظر إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم، و القلب منظر الرب، فإيَّاك أن يرى الله فيه كبراً أو حقداً أو تَعَنُّتاً أو استعلاءً أو استكباراً أو تَمَيُّزاً على الخلق، لقد كان عليه الصلاة والسلام مرة مع أصحابه في سفر - وهو سيد الخلق وحبيب الحق - فأرادوا أن يعالجوا شاةً، فقال أحدهم: عليَّ ذبحها، وقال الثاني: عليها سلخها، وقال الثالث: عليها طبخها، فقال عليه الصلاة والسلام:

(( وعلي جمع الحطب ))

 فقالوا: نكفيك يا رسول الله قال:

(( أعلم أنكم تكفونني، ولكن الله يكره أن يرى عبده متميزاً على أقرانه ))

 كن مع إخوانك واحداً منهم، لا تستعلِ عليهم، و لا تكن فوقيَّ التصرفات، كن واحداً منهم، لقد كان سيدنا عمر وهو عملاق الإسلام، يقول: " أتمنى أن أخص عاملاً بعمل له صفتان: إذا كان أميراً على إخوانه بدا وكأنه واحدٌ منهم ".
 و هذا ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم، لقد كان يدخل الأعرابي والنبي صلى الله عليه وسلم بين أصحابه فلا يعرفه فيقول: أيُّكم محمد ؟ فلم يكن له كرسي خاص فخم، و ليس له ثياب خاصة من ذهب، بل إن كان الأعرابي كان يقول قال: أيكم محمد ؟ فيقول: أنا، وقد ورد في رواية ثانية أنه قال: أيكم محمد ؟ فقال له أحد الأصحاب: ذاك الوضيء ؛ أي: متألق الوجه، فهكذا عامل النبي عليه الصلاة والسلام الناس، و هذا الذي نريد أن يكون بين المسلمين، فليس في الإسلام طبقة رجال دين، قال تعالى:

﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) ﴾

( سورة يونس )

 هذه هي صفات الولي، وعلى هذا يجب أن يكون كلُّ واحدٌ منكم ولياً لله عزَّ وجل، لأنك إذا آمنت بالله واستقمت على أمره كنت ولياً له.
 المساواة في الإسلام:
 لقد ذكرت اليوم أن تفوقك في الدين لا يكون بحجم ثقافتك الدينية، ولا بحجم مشاعرك الجيَّاشة نحو الإسلام والمسلمين، ولا بحجم المظاهر التي تحيط نفسك بها، ولكن التفوق في الدين بحسب استقامتك على أمر الله، وطاعتك له..

﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾

( سورة الحجرات: آية " 13 " )

 وبحجم عملك الصالح الذي تفضَّل الله عليك وأجراه على يديك، والذي يعود نفعه على المسلمين بخاصة وعلى الإنسانية بعامة، فهذا هو التفوق الحقيقي، إنه التفوق في إيمانك و طاعتك و عملك الصالح.
 إن النبي صلى الله عليه وسلم ما داعب أحداً من أصحابه كما داعب سيدنا سعد بن أبي وقَّاص، فقد كان إذا رآه يقول:

((هذا خالي، أروني خالاً مثل خالي ))

 وقد كان هناك مودة بالغة بينهما، وما فدى النبي صلى الله عليه وسلم واحداً من أصحابه إلا سيدنا سعد حيث قال له:

(( ارم سعد فداك أبي وأمي ))

 فماذا قال له سيدنا عمر بعد موت النبي ؟ لقد قال له:

((يا سعدُ لا يَغُرَّنَك أنه قد قيل خال رسول الله، فالخلق كلهم عند الله سواء ليس بينه وبينهم قرابة إلا طاعتهم له ))

 فكلنا عند الله سواسية، و لا توجد طبقية في الإسلام، ولا يوجد انتماء، ولا يوجد فرق بين أبيض وأسود، فقد قال النبي عليه الصلاة والسلام:

(( اسمعوا وأطيعوا ولو تولَّى عليكم عبدٌ رأسه كالزبيبة ))

 وقد وقف أبو سفيان سيد قريش، بباب عمر ساعاتٍ طويلة فلم يؤذن له، وكان بلالٌ وصهيب يدخلان بلا استئذان، فلما دخل عليه عاتبه وقال: سيد قريش يقف ببابك الساعات الطوال وصهيبٌ وبلال يدخلان بلا استئذان ؟ قال له: يا أبا سفيان، أنت مثلهما ؟! أي: أين أنت منهما، فكل إنسان له عند الله مرتبة.
 فيا أيها الإخوة... توقفوا عند كلمة:

﴿ وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ ﴾

( سورة الجن: آية " 19 " )

 التواضع:
 إنك ترقى عند الله بقدر عبوديَّتك له، وتواضعك لعظمتك، و أُنْسك به، لقد صلى عليه الصلاة والسلام مرةً بأصحابه فأطال السجود، فقلق أصحابه، ثم علموا أن أحد أولاد ابنته - الحسن - ارتحل ظهره فكره أن يزعجه، فما هذا التواضع ؟
وقد كان عليه السلام في بيته كأنه واحدٌ في أهل البيت، فكان إذا دخل بيته بسَّاماً ضحَّاكاً، وكان يقول:

(( أكرموا النساء فوالله ما أكرمهن إلا كريم، ولا أهانهن إلا لئيم يغلبن كلَّ كريم، ويغلبهن لئيم، وأنا أحب أن أكون كريماً مغلوباً من أن أكون لئيماً غالباً ))

 فما هذه العبودية ؟ هذا التواضع ؟ لا يوجد في الإسلام كلمة أنا، بل هناك كلام علمي ؛ فالأمور في الإسلام تتم بفضل الله و توفيقه وبراعيته و معونته، فإذا أراد ربك إظهار فضله عليك، خلق الفضل ونسبه إليك، فالفعل فعله، وقد نُسِبَ هذا الفعل إليك تكريماً لك:

﴿ وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ ﴾

( سورة الجن: آية " 19 " )

 قيل: يدعوه ؛ أي يعبده، وقيل: يدعوه ؛ أي: يدعو إليه، والأصح أن نجمع بينه، فنقول: المعنى: يدعو إليه ويعبده.

 

﴿ وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ ﴾

 

( سورة الجن: آية " 19 " )

 أي: يدعو الناس إلى معرفته وطاعته ويعبده..
 معاني الآية:

﴿ وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً ﴾

( سورة الجن )

 إن لهذه الآية معان عدة..
 1- المعنى الأول:
 إن الجن الذين استمعوا إلى القرآن اجتمعوا بأعدادٍ كبيرةً جداً، وكان بعضهم فوق بعضٍ من شدة الازدحام، وقالوا: لقد سمعنا قرآناً عجباً، فهذا كلام رائع وهو منهج قويم، وفيه تفسير رائع للكون، كما أن فيه أمراً ونهياً لصالح الإنسان، و قد قال بعض العلماء: الشريعة عدل كلُّها، رحمةٌ كلها، مصلحةٌ كلها، حكمةٌ كلها، وقد اجتمع هؤلاء الجن إلى النبي عليه الصلاة والسلام وهو لا يعلم بوجودهم، إلا أن الله أخبره بهم، فتكاثفوا حوله وتجمَّعوا وازدحموا وتدافعوا إلى درجة أن بعضهم كان فوق بعض من شدة دهشتهم واستغرابهم وتعلُّقهم بهذا الكلام الرائع، فإذا كان الجن كذلك فكيف بنا نحن الإنسَ وقد أُنْزِلَ القرآن بلغتنا وكان إلينا في الأصل ؟! و ما بال هؤلاء الذين اتخذوا القرآن مهجورا ً؟؟

﴿ لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾

( سورة الحشر: آية " 21 " )

 إن هؤلاء الجن لما كانوا عند النبي استمعوا إلى القرآن يتلى عليهم، وقال تعالى:

﴿ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً ﴾

 فقد كان هناك كثافة واجتماع وتزاحم وتدافع، بل إن بعضهم كان فوق بعض لدهشتهم، وذلك لأن الحق مسعد، كما أنه يحل مشاكل الإنسان كلها، لأن الثقل الذي على الإنسان هو ثقل ظُلُمَات و ثقل معاصي و ثقل الشكوك بالله عزَّ وجل، أما حينما تتضح الحقيقة، ويصطلح الإنسان مع الله فلا يوجد مشكلة على الإطلاق، لأن الإنسان يؤمن حينئذ أن أمره كله بيد الله، وأن كمال الله عزَّ وجل مطلق، وقد كان عليه الصلاة والسلام إذا ألمَّت به نازلة أو مصيبة يقول:

(( لا إله إلا الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله العليم الحكيم، لا إله إلا هو رب العرش العظيم ))

 فلذلك اندهش الجن وعجبوا من هذا القرآن الذي تخشع له الجبال، قال تعالى:

﴿ لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾

( سورة الحشر: آية " 21 " )

 وهناك إنسان أجنبي اعتنق الإسلام بسبب إيمانه بآيةٌ واحدة في القرآن، وهي قوله تعالى:

﴿ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً﴾

( سورة النساء )

 إن الذي يراه الزوج من زوجته لا يستطيع الأبٌ ولا الأخٌ ولا القريب أن يراه منها، لذلك كان أغلظ ميثاق بين إنسانين ميثاق الزواج، كما أن الطلاق يهتزُّ له عرش الرحمن، إذاً.. هذا هو المعنى الأول.
 2- المعنى الثاني:
 لقد تعلق الصحابة الكرام بسيد الأنام و..

﴿ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً ﴾

 وبسبب تعلُّقهم بهذه الدعوة فهِم كفار قريش أن النبي عليه الصلاة والسلام سحرهم، وقد كان أحد الصحابة وهو سيدنا ربيعة يبقى على عتبة بيت النبي صلى الله عليه وسلم إذا آوى إلى فراشه، فأمره أن ينصرف فلم ينصرف، فلماذا كان الصحابة مشدودون إلى النبي صلى الله عليه وسلم ؟ إن سبب ذلك هو كماله.
 لقد كنت أقول دائماً: إن الأقوياء يملكون الرقاب بقوتهم، والأنبياء يملكون القلوب بكمالهم، وأريد أن أسألك: أنت مع من ؟ إنك إذا كنت مع أتباع الأنبياء ملكت القلوب بكمالك، وإذا كنت من أتباع الأقوياء أرهبت الناس بقوتك.
 وهناك شيء آخر ذكرته في درسٍ سابق ولا بأس من إعادته..
 إن هناك قانون يجعلك تتصل بالله، و بسبب هذا الاتصال تستقر في قلبك الرحمة، وهذه الرحمة تجسَّد باللين، و اللين يدعو الناس إلى أن يلتفوا من حولك، فهناك اتصال ورحمة و لين و التفاف، أما غير المؤمن فهو منقطع عن الله، فقلبه قاسٍ كالصخر، وإن الفظاظة والغلظة من لوازم القسوة، فينفضُّ الناس من حولك،فالقانون هو: أن تتصل بالله، فتستقر الرحمة في قلبك، و تلين في المعاملة، فيلتف الناس حولك، فإن انقطعت عنه قسا القلب، فتصبح فظاً غليظاً ينفض الناس من حولك، والآية الكريمة تقول:

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾

( سورة آل عمران: آية " 159 " )

 فبما رحمةٍ ؛ أي: بسبب رحمتك، لذلك قال الله تعالى:

﴿ وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً ﴾

( سورة الجن )

 3- المعنى الثالث: إن أهل الفسق والفجور دائماً متعلِّقون بالشهوات والأهواء والنزوات، فإذا جاءت دعوةٌ من السماء لتَحُدُّ من حركتهم وانطلاقهم إلى شهواتهم، عارضوها أشدَّ معارضة، وهذه حقيقةٌ ثابتة، فهناك معركةٌ أزليةٌ أبدية بين الكفر والإيمان، فأهل الكفر والفسوق دائماً وأبداً يعادون أهل الإيمان والتقوى، لأن الناس رجلان: برٌ تقي كريمٌ على الله، وفاجرٌ شقي هينٌ على الله، وقد جاء النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الدعوة وهو أكمل الناس خلقاً وخلقاً، ومنطقاً، وحكمةً، ورحمةً، وبلاغةً، وفصاحةً، ولكن..

﴿ وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً ﴾

( سورة الجن )

 أي: كاد الكفار يكونون عليه لبداً، وفي هذا إشارة دقيقة إلى أن الكفار يتعاونون على إطفاء نور الله عزَّ وجل، و يسهرون من أجل ذلك الليالي، فيجتمعون، و يأتمرون، ويخططون، وإن العالم كله بشرقه و غربه الآن يخطط ضد الإسلام، فهم يكيدون له، لأنهم أيقنوا أن لا سبيل إليهم لمواجهة هذا الدين، لأنه دين الله، وكلما اشَتدَتَّ الأزمات عليه ازداد تألُّقَاً، فأصبحوا كالذي يريد أن يطفئ النار بالزيت، كلما صبَّ عليها الزيت ازدادت توهُّجاً، فأيقنوا أن هناك طريقاً قذراً شيطانياً آخر، وهو تفجيره من داخِلِهِ، و اصطناع فئاتٍ لا تنتمي إلى الدين أبداً ترفع شعار الدين، وتسيء إلى الدين أبلغ إساءة، حتى يقتنع أهل الغرب والشرق أن المسلم مجرم، فهذه المذابح التي تجري في بعض البلاد المسلمون منها بُرَآء، لأنه لا يوجد إنسان فيه ذرة إيمان يفعل ذلك، والذين يفعلونها إنما هم مجرمون يوصفون بالمسلمين، وما هذا إلا من خطط تفجير الإسلام من داخله، فهناك كتب تؤلَّف ومذاهب تنتشر و عقائد زائغة تشاع بين الناس، و قد تأتي بشيءٍ جديد كأن تنكر الجن، وتنكر المعجزات، وتَدَّعي أن هناك نبياً بعد رسول الله، فخطة أعداء الدين الآن تفجيره من داخله، من خلال مؤلفاتٍ باطلة، و نظرياتٍ منحرفة، و جماعاتٍ فاسدة، قال تعالى:

﴿ وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً ﴾

( سورة الجن )

 في كل عصر من العصور هناك من أهل الدنيا من يحارب أهل الحق، فيجتمعون ويتعاونون ويتكاتفون، و في سورة بالأنفال آية تؤكِّد هذا المعنى تقول: إن المؤمنين بعضهم أولياء بعض، كما أن الكفار بعضهم أولياء بعض، فهم يتعاونون لإطفاء نور الله عزَّ وجل، فإن لم يتعاون المؤمنون ولم يتناصروا ويتناصحوا ويتضامنوا و ينسوا خلافاتهم تأججت الخلافات بينهم، و من يؤجج هذه الخلافات ؟ إنه الشيطان، إن الشيطان يأس أن يعبد في أرضكم، ولكنه رضي فيما دون ذلك، من التحريش بين المؤمنين.
 إن الشيطان له مهمة كبيرة جداً، ومن أكبر مهمَّاته أن يوقع بين المؤمنين العداوة والبغضاء، فكل إنسان يُعَادي مؤمناً ويتحرَّش به و يطعن بإيمانه و يطعن باستقامته و يشوِّه سمعته هو أداةٌ بيدي الشيطان، وهو يفعل هذا لصالح الشيطان.
 أخوة المؤمنين:

﴿ إِنَّمَا الْمُْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾

( سورة الحجرات: آية " 10 " )

 فالمؤمنون إخوة، فإذا لم تنتم إلى مجموع المؤمنين فلست مؤمناً، فلا تنتم إلى جماعةٍ صغيرة فأنت أكبر من ذلك ! أنت مسلم ! وكل مسلمٍ أخوك في الإسلام، أنت مؤمن ! وكل مؤمن أخوك في الإيمان ! أما أن تقول: نحن من جماعة كذا، أو من جامع كذا، و نحن وحدنا على حقٍ، فهذا كلامٌ سخيف مضحك يدعو إلى السخرية، يجب عليم أن تنتمي لمجموع المؤمنين، كما يجب أن يكون كل مؤمنٍ في بقاع الأرض أخاك في الإيمان، فما بال المسلمين على مستوى الحلقات يجعلون هذه الحلقة ضد هذه الحلقة، وهذه الجماعة ضد هذه الجماعة، وهذه الفئة ضد هذه الفئة، وهذا الجامع ضد هذا الجامع، إن هذا شيء مضحك يدعو إلى القرف، فما من يومٍ نحن في أمسِّ الحاجة إلى أن نجتمع فيه و نتعاون ونتكاتف و نتناصر كهذه الأيام، فالعالم كلُّه يخطط لإطفاء نور الله عزَّ وجل، و العالم كله يأتمر على الإسلام والمسلمين، فقد آن أوان الصحوة الدينية، وينبغي لها أن تُرَشَّد لا أن تبقى هوجاء موجهة توجيهاً ما أراده الله عزَّ وجل.

﴿ وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً ﴾

 فالمعنى الأول يتعلِّق بالجن لدهشتهم، والمعنى الثاني متعلق بالصحابة لاستفادتهم، والمعنى الثالث متعلق بأهل الكفر والعصيان، لأنهم تجمعوا وتكاتفوا، وتناصروا، وائتمروا لإطفاء نور الله عزَّ وجل.
 و المؤمن الصادق لا يتأثر لذلك، فمعارضةٍ الدين شيء مألوف طبيعي، وهكذا الحياة، و هكذا سنة الله في خلقه، فهناك مؤمنٌ وكافر، و المعركةٌ أبديةٌ سرمدية، فقد ورد في مناجاة سيدنا موسى: أن يا رب لا تبق لي عدواً، فقال جلَّ جلاله لنجيّه موسى: يا موسى هذه ليست لي، فهناك أُناس أعداءٌ لله عزَّ وجل، فعليك أن تقول: الله معي، ثم ذرهم في غيهم يعمهون.

﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾

(سورة آل عمران: آية " 12 " )

 ألا تكفي هذه الآية.

﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾

( سورة آل عمران )

 قال تعالى:

﴿ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾

( سورة الأعراف )

 و قال:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾

( سورة الأنفال: آية " 36 " )

 لقد كان درسنا عن هذه الآية الكريمة:

﴿ وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً ﴾

( سورة الجن )