الدرس : 3 - سورة القلم - تفسير الآيات 4-9

1997-05-23

 الالتزام بمنهج الله وضرورة البعد عن مداهنة الكافرين
 الحمد لله رب العلمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الكرام... مع الدرس الثالث من سورة القلم، ومع الآية الرابعة وهي قوله تعالى:

﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾

 بين الفطرة والكسب:
 أيها الإخوة الكرام... هناك نقطةٌ دقيقةٌ جداً في موضوع ثناء الله عزَّ وجل على نبيِّه الكريم بأنه ذو خلقٍ عظيم لم تذكر في الدرس الماضي وهي: أن الإنسان لا يتقرَّب إلى الله إلا بما هو كسبي، أما ما هو فطري فلا يتقرب به إلى الله عزَّ وجل فمثلاً: لقد أودع الله في قلب كل أم محبَّة أبنائها، فالأمَّهات جميعاً في الأعمّ الأغلب يحببن أولادهُن، لكن الرحمة
التي تتقرّب بها إلى الله هي الرحمةٌ العامّة ؛وهي أن ترحم جميع الخلق، أن ترحم كل الأولاد وكل الناس الذين من حولك، فالشيء الفطري لا يمكن أن تتقرَّب به إلى الله لأنه من عند الله فلو أن هناك مخلوقَاً مثلاً يرى ثمانية أضعاف الإنسان،فهل يعقل أن يكون هذا المخلوق أقرب إلى الله من الإنسان ؟ إن الله هو الذي أعطاه هذه القدرة على الرؤية، ولو أن هناك مخلوقاً له قدرة على الشم تفوق قدرة شمّ الإنسان بمليون ضعف، فهل يعدّ هذا أقرب إلى الله ؟ لا لقد أردت من هذين المثلين أن أَنْفُذَ إلى السؤال الآتي: لماذا حين أراد ربنا جلَّ جلاله أن يثني على النبي عليه الصلاة والسلام لم يثن على علمه، ولا على اجتهاده، ولا على خطابته ولا على قيادته، ولكنه أثنى على خُلُقه ؟
الخُلُق أيها الإخوة بتعريفٍ جامعٍ مانع هو ضبط الذَّات، وأي أمرٍ إلهي يحتاج إلى الصبر، فالصلاة تحتاج إلى صبر لأن الاستلقاء (أريح) أكثر راحةً للجسم من الصلاة، فصلاة الفجر قبل الشمس تحتاج إلى صبر، و الصوم أيضاً يحتاج إلى صبر، و الحج يحتاج إلى صبر، كما أن غضّ البصر و ضبط اللسان و الأذن يحتاج إلى صبر، و البيع والشراء كذلك، فوقوع البيع والشراء وفق منهج الله عزَّ وجل تماماً أمر يحتاج إلى صبر، و أن يكون احتفالك وفق منهج الله أمر يحتاج إلى صبر، فأساس الأخلاق ضبط الذَّات، وأساس ضعف الأخلاق التفلّت من الضبط، فالضبط شيء كسبي، أي أن الله عزَّ وجل أودع في الإنسان الشهوات، فهذا الإنسان حينما يخاف مقام ربّه ينهى نفسه عن شهواتها، فهذا شيء كسبي يُرقّي الإنسان ويقربه من الله، و هذا هو الخُلُق، فبالخُلُق نرقى إلى الله، أما الذي أُوتي قدرات معينة فتفوّق بها، فالتفوّق بهذه القدرات لا يقرّبه إلى الله.
 والله عزَّ وجل وزّع القدرات بين الناس بشكل عجيب، فهناك إنسان يملك ذاكرة قوية جداً، و إنسان يملك قوة محاكمة قوية جداً، و إنسان يملك طلاقة لسان كبيرة جداً،وإنسان يملك قوة شخصية،وإنسان يملك قوة إقناع، إنسان يملك ذكاءً اجتماعياً، فهذه القدرات العامّة والخاصَّة التي أودعها الله في الإنسان إذا تفوَّق بها لا يرقى بها عند الله لأنها ليست من كسبه إنما هي هبةٌ من الله عزَّ وجل، فالله قد أعطى الفيل حجماً كبيراً، و أعطى الطاووس منظراً جميلاً، و أعطى الكلب حاسّة شمّ عالية جداً، و أعطى الصقر رؤية قوية جداً تبلغ ثمانية أضعاف رؤية الإنسان، و أعطى كل حيوان شيئاً، فهذا الشيء الفطري الوهبي، لا يرقى به إلى الله.
 أما الشيء الكسبي فهو الذي يرقيك عند الله عز وجل، وإن من أعلى أنواع الكسب ضبط الذَّات، فعلى الإنسان أن يضبط ذاته، فقد أُودِع في الإنسان مثلاً حُبُّ المرأة، فغضَّ البصر ضبطٌ للذَّات، و أوُدِعَ فيه حُبُّ الفضول، فضبط اللسان عن قِصَصِ الناس وعن سقطاتهم يحتاج إلى جهد، و من هنا كان التكليف، و التكليف ذو كلفة، فأنت بحاجة إلى كلفة، تتكلَّفُها من أجل أن تصل إلى الله عزَّ وجل، فلذلك يجب أن نأخذ من هذه الآية حقيقةً خطيرة وهي أن القدرات التي أودعها الله فيك، والتي تزهو بها على الناس أحياناً، أو تتفوَّق بها لا تقرّبك إلى الله عزَّ وجل، ولكن ضبط الذَّات الناتج عن شعور بأن الله عظيم، وأن طاعته واجبة، وأنه ينبغي عليك أن تنهى نفسك عن الهوى، هو الذي يقربك من الله، لذلك كان غضّ البصر، وضبط اللسان، وحُسُن الخُلقِ، والمسامحة والعفو، والسخاء والكرم هو الذي يرقى بك إلى الله عزَّ وجل، فحينما أراد الله أن يثني على النبي صلى الله عليه وسلمَّ ما أثنى على كونه أعظم خطيبٍ في العالم، ولا على أنه أعظم قائدٍ في العالم، ولا على أنه يملك ذاكرةً مدهشة، رغم أنه عليه السلام قد حفظ القرآن الكريم من أول مرَّةٍ أُنزِل، عليه، فمن يملك هذا ؟ فهناك قدرات عالية جداً أعطاها الله للنبي عليه الصلاة والسلام، أما حينما أراد مَدْحه مدَحه بأخلاقه.
 وبالمقابل فلو أن الإنسان تفوَّق في علمٍ شرعي ولم يكن ذا خلقٍ حسن فإنه لا يرقى عند الله على الرغم من أنه أتقن علماً من علوم الشريعة و تفوق فيه حتى أصبح مرجعاً، فإن لم يكن ذا خلُقٍ عظيم فإنه لا يرقى عند الله عزَّ وجل.
 فعندما سأل النجاشي سيدنا جعفر عن حقيقة الإسلام قال سيدنا جعفر: " كنَّا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل المتيتة، ونأتي الفواحش، ونسيء الجوار، ونقطع الرحم حتى بعث الله فينا رجلاً نعرف أمانته، وصدقه، وعفافه، ونسبه فدعانا إلى الله لنعبده ونوحِّده، ونخلع ما كان يعبد آباؤنا من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكفّ عن المحارم والدماء ".
 فالإسلام ذو مضمونٍ أخلاقي، بل إن أحد العلماء الكبار يقول: " الإيمان حُسنُ الخلق فمن زاد عليك في الخُلُق زاد عليك في الإيمان ". والخُلُق هو ضبط للذَّات، وقد وصف النبي الكريم عليه الصلاة والسلام الإيمان في بعض الأحاديث الجامعة المانعة التي فقال:

 

(( الإيمان الصبر والسماحة ))

 فذكر الصبر، و معنى هذا أنك في دار التكلّيف، والتكاليف كلّها في الأصل تتناقض مع الطبع وتتوافق مع الفطرة، وهذا كلام دقيق، فالطبع أقرب إلى الجسد، والفطرة أقرب إلى النفس، وأوضح مثل على ذلك أنه عندما ينام الإنسان الساعة الثانية ليلاً ويستمع إلى أذان الفجر في الساعة الرابعة يكون أمامه فراشٌ وثير، ونومٌ لذيذ، لكن المنادي يناديه لصلاة الفجر، فلو أن الإنسان استجاب لنداء جسده وبقي نائماً واستيقظ الساعة التاسعة، لشعر بانقباضٍ شديد. وسبب هذا الانقباض أن جسده مُرتاح لكن التكليف الذي تركه أزعج نفسه، أما حينما يزعج جسده ويستيقظ ويصلي ثم ينام فإن نفسه ترتاح، إذاً فالتكاليف تتناقض مع الطبع، والطبع مرتبط بالجسم، والتكاليف تتوافق مع الفطرة، والفطرة مرتبطة بالنفس.
 فيا أيها الإخوة الأكارم... عندما قال النبي عليه الصلاة والسلام:

 

 

(( بني الإسلام على خمس ))

 عنى بكلامه أن الإسلام شيء، والخمس شيء آخر، فالخمس هي أركان الإسلام: شهادة أن لا إله إلا الله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، و هذه أعمدة، أما الإسلام فهو بناء أخلاقي قائم على الصدق الأخلاقي، أما الصدق المبني على الذكاء وانتزاع إعجاب الآخرين فليس هذا هو المراد، فإنسان لا يصلي مثلاً لكنه لا يكذب و لا يغشّ الناس، هو ذو أخلاق ناتجة من ذكاء ومَصلحة، فمصلحته تقتضي أن لا يكذب، و ليست هذه الأخلاق هي التي أرادها الله عزَّ وجل، لكن الأخلاق التي أرادها الله عزَّ وجل هي أخلاقٌ اشتُقَّت من اتصالك بالله، كالصدق الأصيل الذي لا تبتغي به إلا وجه الله، و الأمانة المذهلة التي لا تبتغي بها إلا وجه الله أيضاً، فالصدق، والأمانة، والإخلاص، والعدل، والإنصاف، هذه كلها هي القيم الأخلاقية التي اشتققتها من خلال اتصالك بالله و هي التي أرادها الله، أما التي تمارسها انطلاقاً من مصلحتك الدنيوية لتنتزع بها إعجاب الآخرين فلا ترقى بك عند الله عزَّ وجل أبداً، فأخلاق المصلحة أخلاقٌ تنتهي مع الدنيا، أما أخلاق العبادة فتنفعك إلى أبد الآبدين.
 الدين حسن الخلق:
 إخواننا الكرام... إن الدين هو حسن الخُلُق، و إنَّ أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم أخلاقاً، إنَّ أفضل المسلمين إسلاماً أحسنهم أخلاقاً، و أفضل شيءٍ ترقى به عند الله هو حُسُن الخُلُق، والنبي عليه الصلاة والسلام وصفه الله عزَّ وجل بأنه ذو خُلُقٍ عظيم، فالحقيقة التي سأُلخِصُها الآن هي أنّ القدرات الوهبية الفطرية التي أودعها الله فيك ووهبك إيَّاها لا تقرّبك إلى الله مهما تفوَّقت بها على الناس، أما الذي يقرّبك إلى الله فهو ضبط الذَّات، و ضبط الذَّات يعني الأخلاق، فالأخلاق تعني أنك إذا أردت وجه الله و رضاه والقرب منه ضحيت بحظوظ نفسك، فلا بدَّ لك من أن تضحي بشيء من أجل شيء وهذه سُنَّة الله في خلقه، فهذه الدنيا خضرةٌ نضرة إن ضحيت بها من أجل أن ترضي الله عزَّ وجل نلت رضاه، فلذلك جاء الحديث الشريف:

 

 

(( ثلاثٌ من كنَّ فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما))

 أي أن يكون تنفيذ أمر الله، وتنفيذ أمر رسوله أحبَّ إليه من الدنيا وما فيها، فأحياناً قد يتعارض النصَّ القرآني والنبوي مع مصلحتك، فقد يكون الإنسان مثلاً يسكن بيتاً فخماً جداً على قانون الإيجار القديم و أجرته في الشهر مائة ليرة والقانون في صالحه، فهو محميٌّ من أن يُخالف، لكن أحياناً يرى أن القرب من الله عزَّ وجل أثمن عنده من هذا البيت فيضحي به ويُقدّمه لصاحبه من دون أن يأخذ شيئاً ليرقى عند الله عزَّ وجل، فمعنى أن يكون الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما، أي من الدنيا وما فيها، فحينما تؤثر طاعة الله و تطبيق سنة رسول الله على حظٍّ من حظوظ الدنيا، و تؤثر أن تكون مع الله على أن تكون الدنيا بحوزتك فإنك عندئذٍ تذوق حلاوة الإيمان، والله عزَّ وجل إذا أذاقك حلاوة القُرب منه أنساك الدنيا وما فيها..

 

 

فليتك تحلو والحياة مريرةٌ
وليتك ترضى والأنامُ غضاب
ويا ليت الذي بيني وبينك عامرٌ
وبيني وبين العالمينَ خرابُ
وليت شرابي من ودادك سائغٌ
وشربي من ماء الفرات سرابُ
أقول لعذَّالي مدى الدهر أقصروا
فكل الذي يهوى سواه يعاب
* * *

 هذا القرب من الله لا يعلمه إلا من ذاقه فذاق حلاوة الإيمان

 

 

(( ثلاثٌ من كنَّ فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما ))

 والحقيقة أنه لن يُفتَح لك باب السماء و لن تذوق حلاوة الإيمان إلا إذا استوى عندك التبْرُ والتراب.. لقد سأل رجل النبي الكريم صلى الله عليه وسلم: لمن هذا الوادي ؟ وكان وادياً من الغنم، فقال: "هو لك"، قال: أتهزأ بي ؟ قال: " لا والله هو لك "، فقال: أشهد أنك رسول الله تعطي عطاء من لا يخشى الفقر.. فإن قدَّمت المال لإنسان لتقرَّبه إلى الله كنت أنت الرابح الأكبر، وأحياناً قد تضحي بالدنيا من أجل هداية إنسان، والله عزَّ وجل لا يضيع أجر من أحسن عملاً.
 أيها الإخوة..إن قضية الأخلاق من أهم القضايا، فبالأخلاق تستطيع أن تجذب الناس إليك، فلماذا يخرج الناس من دين الله أفواجاً ؟ لأن هناك شخص يصلي ويكذب، يصلي ويأخذ ما ليس له، يصلي ويحتال على الناس، يصلي وينغمس في ملذَّاته ويغطيها بفتاوى ضعيفة، فهذا الإنسان الذي ليس أخلاقياً، لا يرقى عند الله ولا يستطيع أن يجذب الناس إليه ولو أدى العبادات كلها كما جاءت، أما حينما تؤثر طاعة الله على حظوظ نفسك لتكون أخلاقياً إلى أعلى درجة عندئذٍ يسمح الله لك أن تكون باباً له، و لا يسمح الله لك أن تكون باباً له حتى تدع ما لا بأس به حذراً مما به بأس.
 لذلك -أيها الإخوة- عندما مدح ربنا عزَّ وجل نبيه صلى الله عليه وسلَّم بأنه(( ذو خُلُقٍ عظيم)) فمعنى ذلك أن الخُلُقَ العظيم هو الذي يقرّبك إلى الله عزَّ وجل.
 وهناك شيءٌ آخر أود ذكره: وهو أنه حينما سئلت السيدة عائشة عن خُلُق رسول الله صلى الله عليه وسلَّم قالت: كان خلقه القرآن، إنه حلم ما بعد حلم، و لطف ما بعده لطف، ووفاء ما بعده وفاء، و تواضع ما بعده تواضع، و إنصاف ما بعده إنصاف.. قال عليه السلام:

 

(( إنما أهلك بني إسرائيل أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أنَّ فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها))

 هذا عدل ما بعده عدل، و رحمةٌ ما بعدها رحمة.. لقد كان يصلي بأصحابه صلاة الفجر فسمع بكاء طفلٍ صغير ينادي أمَّه ببكائه فقرأ الإخلاص وسلَّم، رحمةً بهذا الصغير.
 وقد كان أصحابه أيضاً ذوي قلوبٌ مفعمة بالرحمة و العدل و الإخلاص و الحُب، أما الآن فإنك تجد ملياراً ومائتي مليون يصلّون، والمساجد عامرة والحمد لله، والأعداد غفيرة، وكل المساجد تحتاج إلى توسعة والحمد لله، لكن أين نصر الله ؟ أين وعد الله عزَّ وجل.

 

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي﴾

 

(سورة النور55)

 فأين الاستخلاف ؟ وأين التمكين ؟ وأين التطمين ؟ والسبب ما جاء في قوله تعالى:

 

﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً﴾

 

(سورة مريم)

 تأديب الله عز وجل لعباده المؤمنين:
 أيها الإخوة الكرام... سئل عليه الصلاة والسلام: ما هذا الخُلُق العظيم ؟ فقال عليه الصلاة والسلام:

(( أدَّبني ربي فأحسَن تأديبي ))

 دققوا في إجابته، بماذا أجاب ؟ إن هناك خُلُقاً أساسه التفكير، فإذا كان الإنسان ذكياً جداً انتزع إعجاب الناس بصدقه و أمانته، وحقق مصالحه بإنصافه، فهذا الخُلُق هو خلق المصلحة، و خلق الذكاء لا يرقى بك إلى الله.
 فهذا هو تأديب الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والمؤمن أيها الإخوة له في النبي أسوةٌ حسنة، فالله هو من يؤدّبه، فأحياناً قد يتكلّم المؤمن كلمة فيها شطط فيحجبه الله.. قال له: يا رب لقد عصيتك فلم تعاقبني، فوقع في قلبه أن يا عبدي قد عاقبتك ولم تدر، ألم أحرمك لذَّة مناجاتي ؟.. فالله أحياناً يحجب، فإذا كان الإنسان غالياً على الله فكيف يؤدّبه ؟ معاذ الله أن يفضحه، معاذ الله أن يشمت به أعداءه، إنه يحجبه عنه، وهذا أحد أنواع التأديب (الحجاب)، يحجبك عنه فتبحث عن السبب، فلذلك قال:

(( أدَّبني ربي فأحسن تأديبي))

 أحياناً قد يتكلم الإنسان كلمة تكون سبباً في حجابه.. لقد ذكر لي أخ كريم أنه تكلَّم كلمة ينبغي أن لا يقولها فكانت السبب في فشله، و قد كان متفوقاً جداً في عمله، لقد قال: إن تصليح هذه الآلة يكلّف ساعة ساعتين، فمضى أول يوم و ثاني يوم ثم ثالث يوم ورابع يوم حتى مضى ثمانية أيام بالتمام والكمال والطريق أمامه مسدود، ثم راجع نفسه قائلاً: أين الخلل ؟ لقد تكلّم كلمة كان ينبغي أن لا يقولها مع صاحب المعمل فتاب منها، واعتذر إلى الله وأغلب الظن أنه تصدَّق، و في اليوم التالي حُلَّت القضية في ربع ساعة، فهذا من تأديب الله عز وجل، فالإنسان قد يتكلّم كلمة فيحجبه الله بها، أو يعامله معاملة خاصَّة.. فما هذا الأدب ؟ قال:

(( أدَّبني ربي فأحسن تأديبي ))

 إخواننا الكرام... إذا كان ربنا عزَّ وجل قد تولانا بالتأديب فهذا من فضل الله علينا، فمعنى ذلك أنه مازال فينا خير، فإذا أدب الله إنساناً فهذا يعني أن هذا الإنسان لازال فيه خير فالله لا يغضب عليه، وإذا أحب الله الإنسان أدَّبه ؛ و حاسبه على الكلمة وعلى النظرة، وعلى الهمسة وعلى الخاطر، وكلّما أخطأ حجبه، ومعنى ذلك أن هذا الإنسان لديه إمكانيات عاليةٌ جداً، وقد تولاَّه الله بالتربية والعناية، أما حينما يشرد الإنسان عن الله شرود البعير عندئذِ:

 

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾

 

(سورة الأنعام44)

 فكرة ثالثة:

﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾

 استمداد الأخلاق من القرآن:
 وصفت السيدة عائشة خُلُق النبي عليه الصلاة والسلام فقالت:

 

((كان خُلُقه القرآن ))

 و معنى ذلك أنَّ هذا الكتاب الذي بين أيدينا لو تلوناه حقَّ تلاوته، ووقفنا عند أوامره و نواهيه، وعند آدابه لتخلَّقنا به، فسيدنا يوسف عندما التقى بأخوته - انظروا إلى هذا الأدب - قال:

 

﴿ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾

(سورة يوسف100)

 أيهما أخطر بربكم كونه في السجن وقد كانت حياته مضمونة فيه وطعامه وشرابه مضموناً كذلك ؟ أم كونه في الجُبّ وهو عرضةٌ للموت والهلاك جوعاً وعطشاً ؟ فلم لم يذكر الجُب ؟؟..

﴿ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾

 قيل: لم يذكر الجُب مع أنه أخطر لئلا يذكِّرَهُم بفعلتهم و خطيئتهم فيحمّر وجوههم، وهذا أدب من أدب الأنبياء، لذلك إذا قرأت القرآن واستوعبت أوامره ونواهيه و حلاله وحرامه، واستوعبت قصصه وعبره ومواعظه، واستوعبت قصص الأنبياء من قبل النبي صلى الله عليه وسلم، لتخلَّقت بأخلاق القرآن، والنبي عليه الصلاة والسلام بتعريفٍ جامعٍ مانع قالت عنه السيدة عائشة:

(( كان خُلُقه القرآن ))

 والقرآن بين أيدينا..

﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) ﴾

(سورة المؤمنون)

 أليس هذا من الخُلُق ؟

﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (8) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (9) ﴾

(سورة المؤمنون)

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾

(سورة البقرة)

 لو تتبعت مكارم الأخلاق في القرآن لوجدت العجب العُجاب، فلذلك إن أردت أن تتقرَّب إلى الله فإن التقرب إليه يكون بالخُلُق العظيم، وتطبيق آيات القرآن الكريم سبيلٌ لك إلى هذا الخُلُق العظيم..

﴿ وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ (3) وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4) فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (5) ﴾

 السين للاستقبال..

﴿ فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾

  أنواع الأدلة ( عقلي، شهود، معاينة ):
 ما معنى ذلك ؟ معنى ذلك أنك إذا كنت أمام وعد، فإن هذا الوعد له أدلّة، و من هذه الأدلة الدليل العقلي و الشهود، فأنت إذا رأيت جداراً ورأيت خلف الجدار دخاناً فالدماغ البشري يجري محاكمة، فيقول: لا دخان بلا نار، إذاً هناك نار وراء الجدار، و هذا يسمى استدلالاً عقلياً، أما حينما تذهب إلى خلف الجدار وترى بعينك النار فهذا يسمى شهوداً، أما إذا اقتربت من النار ولمست يدك وهجها فهذا اسمه معاينة، فأي إنسان حينما يرى الشيء بحواسّه الخمس يؤمن به، وهذا شيء بديهي، فكل البشر قاطبةً من دون استثناء حينما يأتيهم ملك الموت ينتقلون إلى عالم الشهود، لذلك فإن كل الحقائق التي جاء بها الأنبياء سيؤمن بها الناس جميعاً، مؤمنهم وكافرهم وملحدهم، وسيكون إيمانهم جميعاً سواء فالقضية إذاً قضية وقت..

 

﴿ فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾

 

(سورة ق22)

 معنى ذلك أن هناك غيبٌ وشهود، فالغيب أن تستنبط الحقائق من أدلّتها، أما الشهود فهو أن تُعاين هذه الحقائق، و النبي عليه الصلاة والسلام حينما قال الله له:

﴿ مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (2) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ (3) وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4) فَسَتُبْصِرُ ﴾

 فنتائج إيمانك و إقبالك وأخلاقك و صدقك واتصالك بالله ملموسة في الدنيا..

 

﴿ وَيُبْصِرُونَ﴾

 

 كذلك حال نتائج انحرافهم وكفرهم، وعصيانهم وتفلُّتهم، فمعنى ذلك أن هناك نتائج في الدنيا، فالنبي عليه الصلاة والسلام رفعه الله إلى أعلى عليّين، بينما أعداؤه الكفرة كانوا في أسفل السافلين في الدنيا، فحينما قتِلوا في بدر خاطبهم النبي واحداً إثر الآخر:

(( يا فلان، يا فلان، لقد وجدت ما وعدني ربي حقاً فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟ لقد كذبتموني وصدّقني الناس،أخرجتموني وآواني الناس، خذلتموني ونصرني الناس، قالوا:أتخاطب قوما ًجيّفوا؟ قال: ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ))

 كلمة:

﴿ فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾

 معنى ذلك أننا في عالم له آخرة.. فهناك قرآن، و الله ذكر الآخرة في القرآن الكريم، فهناك كونٌ عظيم ينطق بوجود الله ووحدانيته وكماله، و من لوازم الإيمان بالله أنه لن يدع خلقه بلا حساب، فلابدَّ من يومٍ آخر، وهناك دليل عقلي ودليل نقلي على اليوم الآخر، أما الإنسان فحينما يموت ويرى اليوم الآخر رأي العين فإن إيمانه صار حتمياً، لكن هذا الإيمان لا فضل له به، و ليس له قيمة إطلاقاً، لقد صار إيماناً حسياً، لذلك قال الله عزَّ وجل:

﴿ فَسَتُبْصِرُ ﴾

 يا محمد في الدنيا كيف أن الله سينصُرُك، وسيُعلي قدرك، وسيخذل عدوّك ؛ ويا أيها الكفرة المشركون ستبصرون دناءة أخلاقكم، وسُقم تفكيركم، وانحراف سلوكم، وكيف أنكم في أسفل سافلين..

﴿ فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (5) بِأَيِّيكُمُ الْمَفْتُونُ (6) ﴾

 فمن هو الذي فُتِن في الدنيا وكان ضحيةً لها أنتم أم النبي ؟ النبي ليس بمجنون !
 أحياناً يكون الإنسان بين أصدقاؤه قبل أن يعرف الله، فإذا عرف الله واستقام على أمره نشأ بينه وبينهم نوع من المجادلات ؛ يقال له: أنت على حق، لا نحن على حق، لا أنت غلطان، و نحن لسنا على غلط... ثم تدور الأيام، فهذا الذي استقام على أمر الله وأخلص له وأطاعه، يرفع الله شأنه ويُعلي قدره، بينما هذا الذي انحرف وشرد عن طريق الحق يضعه الله عزَّ وجل، فتجده خامل الذكر، بعيداً عن الأعمال الطيبة، مهموماً بمشكلات كبيرة جداً تسحقه، فهناك إذاً نتائج في الدنيا قبل الآخرة، لذلك:

﴿ فَسَتُبْصِرُ ﴾

 يا محمد نتائج عملك..

﴿ وَيُبْصِرُونَ ﴾

 مثال بسيط:
 إذا كنت راكباً دراجة، والدراجة مريحة جداً في الانحدار، وهناك طريق صاعد، وهذا الطريق الصاعد ترابي فيه صخور وأكمات وغبار، والحر شديد، والطريق النازل معبَّد وعلى جوانبه حدائق، وكنت راكباً دراجة فأي الطريقين تختار ؟ بالطبع ستختار الهابط لكن لو كُتِبَت لك لوحة عند مفترق الطرق تقول:إن هذا الطريق الهابط ينتهي بحفرةٍ سحيقةٍ ما لها من قرار فيها وحوشٌ مفترسة وجائعة لم تأكل شيئاً من سبعة أيام، وإن نهاية هذا الطريق إلى هذه الحفرة، وعلى الطريق الصاعد لوحةٌ أخرى تقول: هذا الطريق الوعر الصعب ينتهي بقصرٍ منيف وهو لمن يصل إليه، فالحقيقة هي أنك لم تر الوحوش الكاسرة ولم تر القصر المنيف لكنك رأيت اللوحة، وإذا أردت دليلاً أقوى فهناك منظار، فأصبح لديك لوحة ومنظار، فما مثل الكافر هنا ؟ إن مثله كمثل الذي لم يقرأ اللوحة ولم يستخدم المنظار وآثر الطريق السهل، فلما وصل إلى آخره رأى الحفرة السحيقة والوحوش الكاسرة فآمن الآن ولكنه متى ؟ بعد فوات الأوان، فهذا الإيمان لا قيمة له، لأن هذا الإيمان شهودي لمن شهد الحقيقة، ولكن جاء هذا الشهود بعد فوات الأوان، والذي وصل إلى القصر المنيف أيقن أن هذه اللوحة صحيحة، وأن المنظار سليم، وأنه كان موفَّقاً في اختياره، وقد نسي هذا التعب فوراً، من هنا قال عليه الصلاة والسلام:

((إن عمل الجنة حزْنٌ بربوةٍ وعمل النار سهلٌ بسهوةٍ))

﴿ فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (5) بِأَيِّيكُمُ الْمَفْتُونُ (6) ﴾

 فالذي قرأ اللوحة واستخدم المنظار، ورأى ملامح الجنة، وملامح الحفرة السحيقة، واختار الطريق الصعب هو المؤمن، فقد تجد المؤمن في آخر الزمان ذا دخل قليل جداً، وقد يكون هناك أناس حوله معهم أموال لا تُحصى ولكنهم لا يعبؤون بمصدر رزقهم، حرام هو أم حلال، لأنهم منحرفون، و هذا المؤمن ليس له غير زوجته، أما هؤلاء فهم يذهبون
 كل يوم إلى النوادي والملاهي مع النساء، فيبدو للإنسان أن هذا المؤمن قد اختار اختياراً صعباً، فقد اختار طاعة الله و رضوانه، اختار الجنة على ما بينه وبينها من أمدٍ بعيد، والذي اختار الشهوات العاجلة نسي الآخرة وعاش لحظته، وإذا نظرت الآن رأيت أن أكثر الناس يعيشون لحظتهم، فهم يأتون بأي شيء مستحدث دون أن يأبهوا لمخاطره، كالمستقبل الفضائي مثلاً، يقولون: (نحن نريد أن نعيش وقتنا، نريد أن نفهم ماذا يوجد في العالم، فقط نريد أن نرى الصلاة في الكعبة.. )، هذا ما يدَّعيه الناس اليوم وينسون أنهم يتابعون أشياء بذيئة لا تُذكر ولا تُتصور حتى الساعة الخامسة فجراً، فأين صلاتهم ؟ أين ذكرهم ؟ أين تلاوة القرآن ؟ أين علاقتهم بزوجتهم ؟ لقد انهارت لأنهم خرجوا عن منهج الله عزَّ وجل
فلذلك كانت العبرة أن تقرأ اللوحة وأن تستفيد منها، أو أن تستخدم المنظار، أما إذا أعرضت
عن اللوحة المرشدة والمنظار الذي يُريك الحقائق وعشت لحظتك التي تقول إن الطريق النازل أهون والصاعد أصعب كان في ذلك هلاكك، والآن ينام أكثر الناس كيفما يشاؤون، ويتكلَّمون ما يريدون، لا يوجد عندهم ضابط، يغتابون، ينمون، يوقعون البلاء بين الناس وهم في ذلك مرتاحون، لا توجد لديهم مشكلة، يرتكبون كل الموبقات وبراءة الأطفال في عيونهم ويقولون لك: لم نفعل شيئاً، فهذا الذي يعيش لحظته هو المقصود في الآية:

﴿ فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (5) بِأَيِّيكُمُ الْمَفْتُونُ (6) ﴾

 بأيكم قالوا: إن الباء زائدة.. تبصر ويبصرون أيكم المفتون.. أو في أيكم الفتون، من هو الذي وقع ضحية عمله وسوء فهمه ؟ لكن:

﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾

(سورة القلم)

 الحكم على العباد بيد الله وحده:
 إن تقييم الخلق من حيث صلاحُه وسوءُه من اختصاص الخالق، أما نحن فنحكم بالظاهر والله يتولى السرائر، فإذا رأيت شخصاً يصلي في المسجد، و لم تسمع عنه معصية ًو لم تر منه شيئاً خلاف الشرع فإنك تحكم بصلاحه، ولا تزكّيه على الله بل إني تقول: أنا أراه صالحاً والله أعلم ولا أزكّي على الله أحداً، هذا هو الموقف الإيماني الأديب، لقد قالت امرأة في حضرة النبي صلى الله عليه وسلم لرجل متوفَّى جاء النبي ليودِّعه: هنيئاً لك أبا السائب لقد أكرمك الله، فلو أن النبي عيله الصلاة والسلام سكت لكان كلامُها صحيحاً، لكنه قال:

(( ومن أدراكِ أن الله أكرمه ؟ قولي أرجو الله أن يكرمه، وأنا نبيٌ مرسل لا أدري ما يُفعَل بي ولا بكم ))

 إذاً ليس من شأن العبد أن يعرف المستقبل على وجه اليقين، إنه بذلك يصير إلهاً، لكن من شأن العبد أن يرجو رحمة الله وأن يخشى عذابه، أما أن يقول لك: أنا من أهل الجنة، فمن قال لك ذلك ؟ نحن في عقيدتنا عشرة رجال بشَّرهم النبي بالجنة على وجه اليقين ومن سوى هؤلاء فنحن نرجو لهم دخول الجنة، قال لها:

((قولي أرجو الله أن يكرمه))

 أما حينما قالت: لقد أكرمك الله، قال عليه الصلاة والسلام:

(( ومن أدراكِ أن الله أكرمه))

 هذا تألّ ٍعلى الله، لذلك:

﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾

 الله وحده هو الذي يعلم على الوجه الصحيح، وعلى الوجه اليقيني من هو على الهدى ومن كان في ضلالٍ مبين، أما نحن فلنا دلائل ظاهرة، فإذا رأينا إنساناً يشرب نقول له:هذه معصية لعله يتوب، وله أن يتوب، وإذا تابَ تاب الله عليه، فنحن نحكم أن هذه معصية، أما أن تحكم على المستقبل فإن هذا ليس من شأن الإنسان.
 فسيدنا خالد خاض عدة حروب ضد رسول الله ؛ بدراً، وأحداً، والخندق، وجاء إسلامه متأخِّراً، ولما أسلم قال له النبي الكريم:

((عجبت لك يا خالد أرى لك فكراً ))

 وسيدنا خالد سمَّاه النبي سيف الله المسلول، وخاض مائة معركةٍ أو زهاءها، وما في بدنه موضعٌ إلا وفيه ضربةٌ بسيف أو طعنةٌ برمح، فالذي يحكم على سيدنا خالد يوم كان يحارب النبي فحكمه غلط، لقد خُتم له بأعلى درجات الإيمان، وكان سيدنا خالد أحد كبار الصحابة مع أنه أسلم متأخّراً.
 فأنا أحكم فقط على أن هذه معصية، وأن هذه طاعة، أما المستقبل فلا يعلمه إلا الله، لذلك إذا زكَّيت قل: أعلمه صالحاً ولا أزكي على الله أحداً..

﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾

 وهذه الآية لها معنى آخر: أي ؛ إذا كنت أيها الإنسان عند الله مهتدياً فلو أن الناس جميعاً اتهموك بالضلال فلا تعبأ بذلك، و الآن يوجد الآن خمسة آلاف مليون من البشر، فلو أن خمسة آلاف مليون اتهموك بالضلال وأنت عند الله من المهتدين، فأنت مهتدٍ ورب الكعبة ولا تعبأ بأقوالهم جميعاً، لا تعبأ بأقوال الناس، فهؤلاء الشاردون عن الله عزَّ وجل تقييّمهم باطل، تقييمهم لا يقدم ولا يؤخّر، لذلك:

﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾

 من عرف نفسه ما ضرَّته مقالة الناس به..

﴿ فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ ﴾

 فاستنباطناً من هذه الآية الكريمة أنه لا ينبغي لك أن تستشير إنساناً شارداً في شأن حياتك، ولا في شأن تربية أولادك، ولا في شأن تزويج بناتك..

﴿ فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (8) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (9) ﴾

 المداهنة:
 فالمداهنة هي التليين، يقال لك: هذه مواقف متصلّبة و جريئة و يقينية، أما المداهنة فهي تليّن هذه المواقف، فلو أنك داهنت الكافر قليلاً لداهنك قليلاً، ولو أنك سرت معه إلى نصف الطريق لسار معك إلى نصف الطريق، ويصبح بينكما مصالح، أما الآن فتسمى المداهنة تقريباً وتوفيقاً، فعلى الرغم من وجود تناقضات جذرية، فإذا أردنا أن نوفِّق أو أن نقارب بين المتناقضات فمعنى ذلك أننا نُلغي أفكارنا، فهناك جهة تؤمن بكذا، وجهة تؤمن بكذا، فكيف نوفِّق بينهما ؟

﴿ وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾

 أيها الإخوة... الإسلام حق، والحق لا يحتاج إلى مداهنة، والحق لا يُستحيا به، والحق لا يُخشى البحث فيه، والحق هو الله، والله مع الحق، والحق لا يحتاج إلى أن تكذب له، ولا أن تكذب عليه، و لا يحتاج إلى أن تقلل من خصومه، ولا أن تبالغ فيه، الحق حق، و الحق أقوى من أن تبالغ فيه، وهو أقوى من أن تكذب عليه أو أن تستحيي منه، الحق حق، والحق لا يتجزَّأ، فنحن لا نستطيع أن نقول: إن هذه الجزئية من الإسلام يمكن أن نتساهل فيها، لأن الإسلام منهج كامل بتفاصيله وجزئياته، فإذا ألغينا جزئيةً فإن هذه الجزئية ستساهم في تقويض البناء كلّه، فتصور أن هناك بالوناً منفوخاً، وهو كبير قليلاً وسنقوم بتصغيره فنحضر دبوساً، ونثقبه قليلاً لكي نصغره فإذا فعلنا ذلك انتهى كله، فالحق لا يقبل أنصاف الحلول، الحق حق، لذلك:

﴿ وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾

 الفرق بين المداهنة والمداراة:
 توجد نقطة دقيقة وهي المداهنة والمداراة، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال:

((بعثت بمداراة الناس ))

 فأنت مأمور أن تداري، ومحظورٌ عليك أن تداهن، و المداراة على حساب الدنيا، أما المداهنة فهي على حساب الدين، فالمدارة أن تبذل الدنيا من أجل الدين، أما المداهنة فهي أن تبذل الدين من أجل الدنيا، فأحياناً يقبل إنسان بمعصية أو يقبل بترك طاعة حتى يرضي الطرف الآخر فهذه مداهنة، وحينما تقبل بهذا سوف تُنقض عُرى الإسلام عروةً عروة، فإذا أنت قبلت بترك طاعة الله أو قبلت أن تعصي الله مداهنةً للطرف الآخر فتأكَّد أنك سوف تتخلى عن دينك حلقةً حلقة إلى أن تغدو بلا دين، فلذلك لا يوجد أنصاف حلول في الحق، وحينما اختلط المسلمون بغيرهم وداهنوا انتهى دين بعضهم، وصارت عباداته جوفاء لا تقدم ولا تؤخر، فإذا أصبحت حياتنا وتجارتنا، وبيعنا وشراؤنا، ونزهاتنا، وأماكن إقامتنا، وأحزاننا وفقاً للتقاليد الغربية فنحن عندئذ نكون قد انتهينا..

﴿ وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾

 فإذا كان هناك عرس مختلط، النساء فيه بأبهى زينة كاسيات عاريات، وعلى البطاقة الطيِّبون للطيبات فهذه مداهنة..

﴿ وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾

 أما المؤمن فيُداري، يبذل شيئاً من ماله و شيئاً من وقته و شيئاً من إمكاناته من أجل هداية الناس، وهذه مداراة، فنحن مأمورون بالمداراة، منهيون عن المداهنة، والمداهنة ينتقض بها الدين عروةٌ عروة بالتدريج، فإذا لم نصل اليوم، فإننا غداً لن نصوم، ثم نأكل الربا بعد ذلك، ثم نستحل ما حرَّم الله، ولن تجد بعد ذلك فرقاً بين المسلمٍ وغير المسلم يقال لك: المسلم وغير المسلم، كلاهما يأكل الحرام، وكلاهما نساؤه كاسياتٌ عاريات، وكلاهما يتعامل بالربا، وكلاهما يبتعد عن طاعات الله عزَّ وجل، فما هذا الانتماء الشكلي؟ هذا انتماء تعصب لا قيمة له إطلاقاً..

﴿ فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (8) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (9) ﴾

 ضرورة التزام الجماعة المؤمنة:
 أيها الإخوة... صار من الواجب أن يُقال: لابدَّ لنا من مجتمع إسلامي نظيف، لابدَّ من أن تكون مع جماعةٍ مؤمنة، فإذا كان الإنسان يعيش مع غير المؤمنين فإن ذلك يشكل أمامه صعوبات كبيرة جداً، ولو أن إنساناً مؤمناً شارك إنساناً غير مؤمن فإن ذلك قد يدفعه إلى مزالق خطيرة جداً، فتنشأ عن ذلك صعوبات لا تنتهي، فلو أنك صاحبت إنساناً غير مؤمن مثلاً فإنك عندما تدخل إلى بيته تأتيك زوجته وتقدِّم لك الضيافة، ثم يدعوك إلى مشاهدة فيلم ما، فإذا خرج الإنسان عن نقائه وصفائه وصار لديه اختلاط مع الطرف الآخر، وصار هناك مداهنة انتهى دينه، " فدينك دينك إنه لحمك ودمك، خذ عن الذين استقاموا ولا تأخذ عن الذين مالوا "..
 مرَّةً في بعض المساجد كنت أُلقي درساً، فقام أحدهم في أثناء الدرس.. وهذا على غير المألوف.. قال لي: يا أستاذ نحن نستمع إلى الدرس فنشعر براحة كبيرة، فإذا ذهبنا إلى البيت نسينا كل هذا وعشنا حياتنا السابقة فما الحل ؟ قالها بحرقة وقالها وهو صادق، وخالف بها التقليد العام، فمن غير المعقول أن يقطع إنسان الدرس ويتكلَّم(مداخلة) فألهمني الله عز وجل جواباً موجزاً فقلت له: (غيَّر الطَقْم )، إذا عندك أصدقاء متفلتين، غير مؤمنين، تسهر معهم، تلعب النرد معهم، حديثهم عن النساء، يدعونك إلى مشاهدة التلفاز، فهؤلاء يبعدونك عن دين الله..
 ذهب رجل إلى الحج وكان يشرب الخمر، فعاد من الحج وهو تائب، سهر مع أصدقائه القدامى فدعوه إلى شرب الخمر، وهو تاجر من تجَّار حلب، فامتنع، فقال له صديقه: كم كلفتك الحجة خمسين ألف ؟ هذه خمسين ألف واشرب، ثم أعد الحج، فشرب، فلابدَّ من أن تتخلى عن أصدقاءك القدامى الذين تداهنهم ويداهنوك..

﴿ وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾

 لابدَّ من أن تنتقي إخوةً مؤمنين.