الدرس : 2 - سورة القلم - تفسير الآية 4

1997-05-16

﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾

 الحمد لله رب العلمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الكرام... مع الدرس الثاني من دروس تفسير سورة القلم، ومع الآية الثالثة وهي قوله تعالى:

﴿ مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (2) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ (3) ﴾

( سورة القلم )

 نعمة ربك:
 قال بعض المفسرين:

﴿ مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ ﴾

 هي: نعمة النبوة، ونعمة الرسالة و نعمة الهدى و نعمة القرآن، فإذا أراد المؤمن أن يقيس على هذا المعنى كانت هدايته إلى الله عزَّ وجل من أَجَلِّ النِعَمْ، فهناك نعمة الوجود (نعمة الإيجاد )، ونعمة الإمداد، لكن نعمة الهُدى والرشاد من أجلِّ النعم على الإطلاق، فنعمة الوجود تستمتع بها ما دُمت موجوداً في هذه الدنيا، ونعمة الإمداد تستمتع بها ما دمت موجوداً أيضاً، لكن نعمة الهدى هذه تستمر إلى أبد الآبدين، لذلك كانت نعمة الهدى أجل نعمةٍ على الإطلاق، فالله عزَّ وجل قد أنعم على نبيِّه الكريم بنعمة النبوة ونعمة الرسالة، ونعمة القرآن الكريم فإذا وصلتك هذه الرسالة وآمنت بها واستوعبتها و التزمتها، وسعدت بها، فهذه نعمةٌ من أَجَلِّ النعم، لذلك قال تعالى:

﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾

( سورة الأحزاب )

 يقول الإمام علي رضي الله عنه: " فلينظر ناظرٌ بعقله، هل أكرم الله محمداً أم أهانه حينما ذوى عنه الدنيا ؟ فمن قال: أهانه فقد كذب، ومن قال أكرمه فقد أهان غيره حيث أعطاه الدنيا ".
 الهدى تمام النعمة:
 و النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا أراد أن يصلي قيام الليل لم تتسع غُرفته الصغيرة جداً لصلاته ونوم زوجته، فهو لم يؤتَ من الدنيا شيئاً، لقد جاء إلى الدنيا وغادرها ولم يترك شيئاً، لكن أَجَلَّ نعمةٍ على الإطلاق أنعم الله بها عليه أنه قد عرف الله، وكان نبياً و رسولاً وأوتي القرآن، لذلك فإن كل إنسانٍ اهتدى كان في صحيفته إلى يوم القيامة، لقد أرسله الله رحمةً للعالمين، فهو نعمةٌ مزجاة ورحمةٌ مهداة، فإذا أردت أن تفهم هذه الآية فهماً شخصياً و أن تطبِّقها على نفسك، فاعلم بأن الله قد أكرمك بأنَّك تعبد خالق السماوات والأرض، فهناك شعوبٌ تعبد البقر، وهناك شعوبٌ تعبد النار، وهناك شعوبٌ تعبد الأعضاء الجنسية، وهناك شعوبٌ تعبد الجرذان..
 نعمة الهدى أيها الإخوة هي أجل نعمةٍ على الإطلاق، قد لا يبدو لك حجم هذه النعمة وأنت في الدنيا، فهناك أناسٌ كثيرون كلُّهم يأكل ويشرب ويتحرك ويعمل، ويشتري البيت، ويتزوج، وينجب، أما حينما يقوم الناس لرب العالمين ويمتاز المجرمون عن المؤمنين، وتكون أنت في صف المؤمنين، عندئذٍ تعرف معنى نعمة الهدى، لذلك قالوا: ( إن تمام النعمة الهدى)، فإذا أردنا أن نفهم ذلك بشكل توضيحي نقول: إذا فرضنا أنّ الصحة هي صفر إلى جانب الواحد، والزوجة صفر آخر إلى جانب الواحد (صار المجموع مائة )، والأولاد صفر ثالث، والدخل الكافي صفر رابع، والصحة صفر خامس، والمكانة صفر سادس، فالهدى هو الواحد، فإذا ألغيتَ الواحد فلن تجد شيئاً أبداً..
 يا رب ماذا فقد من وجدك؟ إنه لم يفقد شيئاً، وماذا وجد من فقدك ؟ لم يجد شيئاً، و هذه الفكرة أيها الإخوة فكرة دقيقةٌ وخطيرة، فحينما تشعر أنك تملك أَجَلَّ نعمةٍ على الإطلاق ؛ - نعمة الهدى ونعمة الالتزام - اهتديت إلى الله، والتزمت شرعه، وما فاتك شيءٌ من الدنيا، ولم تأسَ على ما فات، يقال عن سيدنا الصديق رضي الله عنه أنه ما ندم على شيءٍ فاته من الدنيا قط، فالإنسان أحياناً قد يفوته البيت المناسب و بيته صغير، وقد تفوته الزوجة التي كان يتمنى أن تكون له، وقد يفوته الأولاد النُجَباء، وقد يفوته الدخل الكبير كذلك، فيبقى طيلة حياته نادباً حظه، لكن المؤمن الحق حينما يعرف الله عزَّ وجل لا يندم على شيءٍ فاته من الدنيا قط، فحينما تعرف الله حق المعرفة لا تندم على شيءٍ فاتك من الدنيا قط، تقول الآية الكريمة:

﴿ مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ﴾

( سورة القلم )

 إلا أن أهل الدنيا يقيسون الناس بالمادة، بالمال، بمُتَعِ الحياة الدنيا، بالبيت، بالمركبة، وإنّ من علامات آخر الزمان أن يكون قيمة الرجل متاعُه، أي أنه يستمد مكانته من موقع بيته، ومن مساحة بيته، ومن تزيينات بيته، ومن أثاث بيته، ومن نوع مركبته، ومن رقمٍ يضاف إلى نوع مركبته، فيستمد مكانته فقط من متاعه، بينما قيمة الرجل الحقيقية هي ما يُحْسِنُهُ، إذاُ:

﴿ مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ﴾

 من عرف الله وعرف منهجه ومكَّنَهُ الله من طاعته لا ينبغي أن يندم على شيءٍ فاته من الدنيا، فكل ما في الدنيا عرضٌ زائل يأكل منه البر والفاجر، والآخرة وعدٌ صادق يحكم فيه ملكٌ عادل، و كل ما في الدنيا إلى زوال ويبقى الواحد الديَّان، يبقى الواحد القهَّار، تبقى الجنة بنعيمها، و النار بعذابها.

﴿ مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ﴾

 مقام النبي عليه الصلاة والسلام:
 أيها الإخوة.. إني أريد أن أقرِّب هذه الآية إلى الواقع، فالآية تخاطب النبي عليه الصلاة والسلام ؛ أي: لقد قالوا عنك إنك مجنون لكنك سيد الخلق وسيد ولد آدم، وأنت الرابح الأول و الناجح الأعظم وأنت المفلح المتفوِّق.

﴿ مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ ﴾

 وقد منحك الله النبوة.

﴿ مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ ﴾

 

 وقد جعلك الله رسولاً، و أقول لكم هذا الكلام الدقيق، إن الله يعطي المال لمن يحب ولمن لا يحب، فقد أعطاه لقارون وأعطاه لعبد الرحمن بن العوف، و الله يعطي المُلك لمن يحب ولمن لا يحب، فقد أعطاه لسليمان وأعطاه لفرعون، لكن العلم والحكمة لا يعطيهما إلا لمن يحب..

﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾

( سورة القصص )

 فإذا كان أحدكم أيها الإخوة على شيءٍ من الهُدى و معرفة الله و طاعته، وكان يرجو رحمته ويخشى عذابه و يعمل للجنة، فينبغي ألا يندم على شيءٍ فاته من الدنيا، لأن الدنيا تنطوي بكل ما فيها، و الإنسان حينما يموت ماذا تنفعه مساحة بيته ؟ أو موقع بيته ؟ أو حجم دخله ؟ أو مستوى زوجته ؟ أو مكانته الاجتماعية ؟ كله انتهى، و لا يبقى إلا العمل الصالح.

﴿ ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (1) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (2) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ (3) وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)﴾

( سورة القلم )

 الممنون:الأجر المنقطع، مِن (مَنّ)َ بمعنى: قطع، و الآن دققوا أيها الإخوة: الدنيا كل ما فيها لا يعَدُّ عطاءً لأنه منقطع، فمهما كنت متعتعاً بصحةٍ عالية، فإن الموت سينهي صحة الصحيح، و مهما كنت متمتعاً بدخلٍ كبير، فإن الموت سينهي المال، و مهما كنت متمتعاً بمكانةٍ علية فإن الموت سينهي هذه المكانة، ومهما كنت متمتعاً بأسرةٍ راقية فإن الموت سينهي هذه الأسرة، إذاً فعطاء الدنيا ممنونٌ أي مقطوع، لكن عطاء الآخرة غير مقطوع..

﴿ وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ ﴾

 و الإنسان مفطور على حب وجوده وسلامة وجوده و كمال وجوده واستمرار وجوده، فكل عطاءٍ في الدنيا ينهيه الموت، لكن عطاء الآخرة عطاءٌ أبديٌ سرمدي، لذلك لا يليق بك ولا بعقلك الراجح أن تسمِّي عطاء الدنيا عطاء، فالعطاء الحقيقي عطاء الآخرة.

﴿ مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (2) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ (3) ﴾

 فكفار قريش نعيمهم ممنون مقطوع، انتهى بهم عند الموت، و النبي عليه الصلاة والسلام رأى قتلى بدرٍ من كفار قريش فخاطبهم بأسمائهم واحداً وَاحداً فقال لهم:

(( يا فلان، يا فلان، يا فلان، يا فلان.. بأسمائهم.. هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً ؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقاً، لقد كذبتموني وصدقني الناس، وأخرجتموني وآواني الناس، وخذلتموني ونصرني الناس، قالوا: أتخاطب قوماً جَيَّفوا يا رسول الله ؟! قال: ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ))

 بطولتك عند هذه الساعة التي لابدَّ منها، فإما أن تكون من الفائزين، وإما أن يكون الإنسان الضَّال من الخاسرين.
 الآن الآية التي إن قرأتها مائة ألف مرة لا تشبع منها:

﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾

( سورة القلم )

 أولاً ربنا جلَّ جلاله هو ذاتٌ كاملة في أسمائه الحسنى وصفاته الفضلى فهو رحيمٌ، كريمٌ، عدلٌ، غفورٌ، قويٌ، عزيزٌ، لطيفٌ، فلا يستطيع مخلوقٌ أن يتقرَّب إليه ويسعد بقربه إلا بالكمال، لذلك كان دين الله دين الكمال و دين الرحمة و دين العدل و دين المصلحة العامة و دين الإنصاف، فالله جلَّ جلاله ذاتٌ كاملة، ولا يتقرب إليه المتقربون إلا بكمالٍ هو وسيلتهم إليه، و أحكام الشريعة كلُّها عدلٌ و رحمةٌ و إنصافٌ و لطفٌ، فقد قال أحد العلماء: ( الشريعة عدلٌ كلها، رحمةٌ كلها، مصلحةٌ كلها )، فكل قضيةٍ خرجت من العدل إلى الجَوْر، ومن المصلحة إلى المفسدة، ومن الرحمة إلى القسوة فليست من الشريعة و لو أدخلت عليها ألف تأويلٍ وتأويل، فلو قرأت الفقه في أبوابه كلها و دققت في كل مسائله ؛ العامة والخاصة، الشخصية، والاجتماعية، والنفسية، والتعبدِّية، لوجدت أن كل هذه الأحكام ترشدك إلى الموقف الكامل، الموقف العدل، الموقف المنصف، الموقف الرحيم، الموقف اللطيف، إذاً فمنهج الله عزَّ وجل قائمٌ على الخُلُق، والنبي عليه الصلاة والسلام لو لم يكن في أعلى درجة أخلاقية، لما قنعت أنت بهذا المنهج، فالمنهج بشكل نظري لا يقنع إلا أن يجسد بسلوك، فلذلك كان للأنبياء مهمتان: مهمةٌ بيانية ومهمةٌ قيادية، فالمهمة البيانية أن يبيِّن لك ما تفعل وما لا تفعل، لكن مهمة القدوة هي أن يكون كاملاً، لذلك يقول الله تعالى:

﴿ وَإِنَّكَ ﴾

 يا محمد، و(إن): حرفٌ مشبهٌ بالفعل يفيد التوكيد..

﴿ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾

 و(اللام) لام التوكيد أيضاً، فاللام الواقعة في جواب إن هي لام التوكيد، (على ): تفيد الاستعلاء، أي أن النبي عليه الصلاة والسلام ليس ذا خُلًقٍ، بل هو على خلقٍ وشتانَ بين المعنيين، إذا قلت: النبي على خلقٍ أي متمكنٌ من مكارم الأخلاق، و الإنسان أحياناً قد يقع في صراع بين أخذٍ ورد، وإقدامٍ وإحجام، وإنفاذٍ ومنعٍ، ثم ينتصر على نفسه بعد شق النفس، هذا ذو خُلُق، لكن الذي (على خلقٍ عظيم) هو في أعماق الكمالات لأنه متمكنٌ من أخلاقه فلا يحتاج إلى أن يشعر بالصراع مع نفسه.
 بيان الشيء إما وصفي أو كمي:
 أيها الإخوة... أريد أن أضع بين أيديكم الحقيقة التالية: إن الشيء إما أن يبيَّن وصفياً أو كَمِّياً، فقد يقول لك أحدهم: أنا معي مائة ليرة، فكلمة مائة ليرة هذه هي مبلغ كمي، أما إذا قال لك أحدهم: أنا معي مبلغ كبير، فهذا بيان وصفي، فهناك بيان كمي و بيان وصفي، و قد يقول لك قائل: بيتي كبير و يقول لك آخر: بيتي مساحته ثلاثمائة متر، فثلاثمائة متر بيان كَمِّي، أما ( كبير ) فهي بيان وصفي، و ربنا عزَّ وجل وصف النبي صلى الله عليه وسلم بأنه على خلقٍ عظيم، فكلمة (عظيم) هل هي كَمِّية أم وصفية ؟ هي وصفية.
 الآن نقطة ثانية: لو أن طفلاً صغيراً قال لك: أنا معي مبلغٌ كبير، فبكم تقيم هذا المبلغ ؟ طفل عمره ثلاث سنوات قال لك: أنا معي مبلغ كبير، قد يكون مبلغه الكبير خمس ليرات، وقد يكون عشر ليرات.. أما إذا قال لك أحد أكبر أغنياء العالم: أنا معي مبلغ كبير، فهل تشبه كلمة الصغير كلمة الغني، فالصغير قال: أنا معي مبلغ كبير، وهذا الثري قال: أنا معي مبلغ كبير، كلمة كبير من الصغير كم، وكلمة كبير من الكبير كم كذلك، فالله العظيم الذي خزائن الكمالات و مكارم الأخلاق كلها من عنده يقول للنبي عليه الصلاة والسلام:

﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾

 فكم تبلغ أخلاق النبي ؟ فالعظيم يَصِفُ النبي بأنه ذو خلقٍ عظيم، و قد كان للنبي عليه الصلاة والسلام صفات أخرى كان من الممكن أن يمدحه بها، فقد كان خطيباً من الطراز الأول، وكان القائد الأول وكان السياسي الأول، وكان أعلم العلماء و أنزه القُضاة و أعظم المجتهدين وكان ذا ذاكرةٍ قوية، فقد حفظ القرآن الكريم من دفَّته إلى دفته وقد كان يتلى عليه مرةً واحدة، فكل الصفات التي يفتخر بها الناس كان عليه الصلاة والسلام قمةً فيها، فلماذا أهملها الله كلها، وحينما أراد أن يمدحه قال:

﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾

 لأن الإيمان هو الخُلُق، والذي يَفْضُِلُكَ في الخلق يفضلك في الإيمان..

﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾

 صور من أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم:
 وفاؤه للأنصار:
 النبي عليه الصلاة والسلام بعد غزوة حُنَيْن، وبعد توزيع الغنائم جاءه سعد بن عبادة فقال له: يا رسول الله إن قومي وجدوا عليك في أنفسهم، قال:

((يا سعد أين أنت منهم ))

 أي هل أنت معهم ؟ قال: ما أنا إلا من قومي، فقال عليه الصلاة والسلام:

((اجمع لي قومك))

 فجمعهم، وقام النبي عليه الصلاة والسلام فيهم خطيباً.. لكن قبل أن أتابع القصة أريد أن أسأل: متى كان هذا ؟ كان هذا بعد أن فتح النبي عليه الصلاة والسلام لمكة المكرمة التي ناصبته العداء عشرين عاماً، وبعد أن انتصر على هوازن في حنين و دانت له الجزيرة العربية من شمالها إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها، وصار النبي صلى الله عليه وسلم سيِّدَ الجزيرة كلها، وأصبحت بيده أقوى قوة، وجد عليه الأنصار في أنفسهم، قال:

((أين أنت منهم يا سعد ))

 قال له: ما أنا إلا من قومي، قال له:

((اجمع لي قومك))

 فماذا فعل النبي ؟ لقد كان من الممكن أن يُلغي وجودهم كما يفعل الأقوياء، هذا احتمال ممكن، وكان من الممكن أن يهدِرَ كرامتهم، و إذا قال: هم منافقون، انتهوا إلى الأبد، وكان من الممكن أن يهملهم، وكان من الممكن أن يعاتبهم لصالحه، فماذا فعل ؟ لقد وقف فيهم خطيباً..  ودققوا فيما سأقول.. وذكَّرَهُم بفضلهم عليه، فقال:

((يا معشر الأنصار أما إنكم لو شئتم لقلتم فلصدقتم ولصُدِّقتم، أتيتنا مكذباً فصدقناك، و مخذولاً فنصرناك، و عائلاً فأغنيناك))

 لو قلتم هذا لكنتم صادقين والناس يصدقونكم..

(( يا معشر الأنصار ألم تكونوا ضُلالاً فهداكم الله بي ))

 لم يقل: فهديتكم، فانظر إلى التواضع

(( ألم تكونوا ضلالاً فهداكم الله بي ؟ ألم تكونوا عالةً فأغناكم الله ؟ ألم تكونوا أعداء فألَّف بين قلوبكم، يا معشر الأنصار أوجدتم عليَّ في لعاعةٍ من الدنيا تألَّفت بها قوماً ليسلموا ووكلتكم إلى إسلامكم ؟ أما ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير وترجعوا أنتم برسول الله إلى رحالكم ؟ لو سلك الناس شعباً وسلك الأنصار شعباً لسلكت شِعب الأنصار، اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار ))

 قال: فبكوا حتى أخضلوا لحاهم.
 هذه وفاء للذين نصروه في بادئ الأمر فهو لم يتخلَّ عنهم، و لم ينسَ فضلهم عليه، أكان هذا رحمة أم حكمة أم حسن سياسة أم تواضع ؟

﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾

 رحمته بالأطفال:
 كان عليه الصلاة والسلام يصلِّي صلاة الفجر وكان يطيل القراءة فيها وهذا من السنة، فسمع بكاء طفلٍ صغير ينادي أمه ببكائه فقرأ الإخلاص وسلم، قال:

((سمعت طفلاً يبكي فرحمت أمه))

 

﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾

 تجاوزه عن المسيء:
 ارتكب أحد أصحابه وهو حاطب بن أبي بلتعة ما يسمى بالخيانةً العظمى في العُرف الحديث، فقد أرسل كتاباً إلى قريش قبيل فتح مكة قال فيه: " إن محمداً سيغزوكم فخذوا حذركم " فهذا كتاب سري يذهب من صحابيٍ اسمه حاطب بن أبي بلتعة إلى كفار قريش، أرسله مع امرأة وضعته في ضفيرة شعرها، فجاء النبيَ الوحيُ وأخبره بما حدث، فأرسل سيدنا علي إلى منتصف الطريق بين مكة والمدينة ليأخذ الكتاب من المرأة، وأخذه منها، وجاء به إلى النبي، فتحه وقرأه " من حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش: إن محمداً سيغزوكم فخذوا حذركم " فماذا قال سيدنا عمر ؟ قال: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال عليه الصلاة والسلام ؟ قال:

((لا يا عمر إنه شهد بدراً))

 فما هذا الوفاء و ما هذه الرحمة ؟ قال:

((يا حاطب ما حملك على ما فعلت

(( قال: والله يا رسول الله ما كفرت ولا ارتدت ولكني لصيقٌ في قريش ففعلت هذا لتكون لي عندهم يدٌ أحمي بها أهلي ومالي، فاغفر لي ذلك يا رسول، فماذا قال عليه الصلاة والسلام ؟ قال:

(( إني صدقته فصدقوه، ولا تقولوا فيه إلا خيراً ))

 لقد أنهضه من كبوته، فقد رأى البعض الذنب خيانةً عظمى فتمنى قتله، لكن النبي صلى الله عليه وسلم رأى صاحب الذنب، رأى منه زَلة قدم، ونكسةً طارئةً ألمَّت به، فأنهضه، وبعد حينٍ جعله مندوباً شخصياً له عند بعض الملوك وذلك لينسى زلته السابقة.
خلق جديد
 لقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يلهو مع الأطفال، فقال له أحدهم: تعال نلهُ، ولكنه حينما كان صغيراً دُعي إلى اللهو، فقال:

(( أنا لم أخلق لهذا))

 و حينما جاءته رسالة الهدى وحُمِّلَ أمانة التبليغ دعته زوجته السيدة خديجة لأخذ قسطٍ من الراحة، فقال لها:

((انقضى عهد النوم يا خديجة ))

 إنه شعور بثقل الرسالة وبعظم هذه المسؤولية.
 عفوه عن أهل مكة:
 لقد آذاه أهل مكة و أخرجوه منها، وائتمروا على قتله، ونكَّلوا بأصحابه وعذبوهم، وهجوه بأشعارهم، وناصبوه العداء عشرين عاماً، ولكنه لما فتح مكة وجد عشرة آلاف سيفٍ تنتظر كلمةً منه، و كان بإمكانه أن يلغي وجود كفار قريش جميعاً، لكنه قال:

(( ما تظنون أني فاعلٌ بكم؟ ))

 قالوا: أخٌ كريم وابن أخٍ كريم، قال:

(( اذهبوا فأنتم الطلقاء ))

 وحينما ذهب مكة فاتحاً كادت ذؤابة عمامته تلامس عنق بعيره تواضعاً لله عزَّ وجل.
 لقد ذهب إلى الطائف مشياً على قدميه مع سيدنا زيد وعلق على هدايتهم الآمال فإذا هم يردون دعوته ويسفهونها، ويكذبونه، ويسخرون منه، بل أغروا سفهاءهم بضربه، وسال الدم من قدمه الشريفة، وألجؤوه إلى حائط إلى بستان، وجاءه جبريل وقال: يا محمد، أمرني ربي أن أكون طوع إرادتك، فلو شئت لأطبقت عليهم الجبلين.. فقد مكَّنه الله من أن ينتقم منهم، وأن يلغي وجودهم.. لكنه قال:

(( لا يا أخي، اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون لعل الله يخرج من أصلابهم من يوحده ))

﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾

 صبره على أزواجه:
 جاء السيدةَ عائشة مرة طبقُ طعامٍ من السيدة صفية، فأصابتها الغيرة فأمسكت الطبق ورمته أرضاً من شدة غيرتها، فماذا بإمكان النبي أن يفعل ؟ لقد كان بإمكانه أن يفعل كل شيء، لكنه قال:

(( غضبت أمكم، غضبت أمكم))

 و كان إذا دخل بيته بَسَّاماً ضَحَّاكاً، وكان يقول:

((أكرموا النساء فوالله ما أكرمهن إلا كريم، ولا أهانهن إلا لئيم، يغلبن كل كريم ويغلبهن لئيم، وأنا أحب أن أكون كريماً مغلوباً من أن أكون لئيماً غالباً ))

﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾

 قال مرةً:

(( أوذيت في الله وما أوذي أحدٌ مثلي، وخفت وما خاف أحدٌ مثلي، ومضى علي ثلاثون يوماً لم يدخل جوفي إلا ما يواريه إبط بلال))

﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾

 دخل بيته مرةً فقال:

(( هل عندكم من طعام ))

 قالوا: لا، قال:

(( فإني صائم ))

 جوده عليه السلام:
 حينما أكرمه الله بالمال سأله واحدٌ من الناس: لمن هذا الوادي من الغنم ؟ قال:

((هو لك))

قال: أتهزأ بي ؟ قال:

((هو لك ))

 قال: اشهد أنك رسول الله، تعطي عطاء من لا يخشى الفقر.
 امتُحن بالنصر فكان كاملاً، و كان ذا خلقٍ عظيم، و امتُحن بالقهر في الطائف فكان ذا خلقٍ عظيم وقال:

(( إن لم يكن بك غضبٌ عليَّ فلا أبالي ولك العتبى حتى ترضى لكن عافيتك أوسع لي ))

 امتُحن بالفقر فكان ذا خلقٍ عظيم، امتُحن بإشاعةٍ طارت في أرجاء المدينة بأن السيدة عائشة وقعت في الفاحشة، فمن منا يتحمَّل هذا الخبر ؟ تأخر الوحي أربعين يوماً فماذا فعل ؟ كان صابراً.

﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾

 تأثيره على من حوله:
 جلس عمير بن وهب في مكة المكرمة مع صفوان بن أمية و قال: يا صفوان لولا ديون لزمتني ما أطيق سدادها، ولولا أولادٌ صغار أخشى عليهم العَنَتْ لذهبت إلى محمد وقتلته وأرحتكم منه، فقال صفوان: أولادك أولادي ما امتدت بهم الحياة، وديونك علي بلغت ما بلغت فامضِ لما أردت، فسقى سيفه سماً وحمله على عاتقه وتوجَّه تلقاء المدينة، وصلها رآه عمر فقال: هذا عدو الله عمير جاء يريد شراً، فقيَّده بحمالة سيفه وقاده إلى النبي، قال له:

((يا عمر فك قيده"، فك قيده، قال: "يا عمر ابتعد عنه "، فابتعد عنه، قال: "يا عمير إدنُ مني " فدنا منه، قال: "ما الذي جاء بك إلينا يا عمير ؟ " قال: جئت لأفديَ ابني، قال له: "وهذه السيف التي على عاتقك ؟" قال: قاتلها الله من سيوف وهل نفعتنا يوم بدر ؟ قال: " ألم تقل يا عمير لصفوان كذا وكذا وكذا ))

 فوقف وقال: أشهد أنك رسول الله، لأن هذا الذي جرى بيني وبين صفوان لا يعلمه أحدٌ إلا الله، وأسلم، يقول سيدنا عمر: دخل عمير على النبي الكريم والخنزير أحب إلي منه، وخرج من عنده وهو أحب إلي من بعض أبنائي، لا شك أن هناك شيئاً مؤثراً في النبي صلى الله عليه وسلم، فهذه قوة تأثير عجيبة، جعلت عميراً يتغير خلال دقائق، فهذه النورانية، وهذا الحُب الشديد، وهذه الصلة بالله عزَّ وجل، أعطته قوة تأثير مذهلة، جعلت عدواً يقف أمامه، يقول له: والله يا محمد دخلت عليك وما على وجه الأرض أحدٌ أبغض إلي منك، والآن ما على وجه الأرض أحدٌ أحب إلي منك، فما هذا السر ؟

﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾

 تفاضل المؤمنين بأخلاقهم:
 إخواننا الكرام... المؤمنون يتفاضلون فيما بينهم بخلقهم، دققوا في هذه المقولة التي قالها أحد العلماء: من زاد عليك في الخُلُق زاد عليك في الإيمان، والإيمان بلا خلق شيءٌ لا قيمة له على الإطلاق، هو ثقافة، عادات، تقاليد، فلكلور، الدين بلا خُلُق يفقد قيمته، لذلك ترى قلةً قليلةً من أصحاب رسول الله وصلت راياتهم إلى أطراف الدنيا، وترى كثرةً كثيرةً من المسلمين يعُدُّون مليار ومائتين مليون ليست كلمتهم هي العليا، وللكفار عليهم ألف سبيلٍ وسبيل.
 فمن منا يصدِّق أن سيدنا الصديق أرسل سيدنا خالداً إلى بلاد فارس على رأس جيشٍ قوامه ثلاثون ألفاً ليفتح بلاد فارس، فلما وصلها واجهه الفرس بجيشٍ قوامه مائة وعشرون ألفاً، فما كان من سيدنا خالد إلا أن أرسل رسولاً إلى الصدِّيق يطلب فيه المَدَد، فانتظر و انتظر، ثم جاءه المدد، فهل جاءه خمسون ألفاً ؟ ثلاثون ؟ لا، لقد جاءه رجل واحد، فسأله: من أنت ؟ قال أنا القعقاع بن عمرو، قال: فأين المدد ؟ قال له: أنا، قال له: معي كتاب، قال: افتح الكتاب... من عبد الله أبي بكرٍ إلى خالد بن الوليد أحمد الله إليك، لا تعجب يا خالد من القعقاع بن عمرو، والله الذي لا إله إلا هو إن جيشاً فيه القعقاع بن عمرو لا يمكن أن يهزمه أحد، وانتهت المعركة بالنصر، هكذا ربىَّ النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه.

﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾

 أيها الإخوة، نحن الآن بحاجة إلى خلق عظيم، لا إلى معلومات كثيرة وسلوك منحرف لا... فهذا الخلق هو الذي ينفعنا عند الله، هو الذي يكون سبباً لاستحقاقنا النصر من الله عزَّ وجل.

﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾

 لذلك جاءت الآية الكريمة.

﴿ ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (1) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (2) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ (3) وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)﴾

 قصته مع عدي بن حاتم:
 سيدنا عدي بن حاتم ملكٌ من ملوك الغساسنة، جاء إلى المدينة قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: "من الرجل ؟ " قال: عدي بن حاتم، فرحَّب بي أيما ترحيب وقام وانطلق بي إلى بيته، فهذا تكريمٌ له، ولم يكن عدي متأكداً من كون هذا الرجل ملكاً أم نبياً ؟ لأن أخته سفَّانة قالت له: إن كان نبياً تسعد به، وإن كان ملكاً تأخذ منه، لقد اتضح الآن أنه نبيٌ، ففي الطريق.. استوقفته امرأة طويلاً فوقف معها يكلمها في حاجتها، فقال: والله ما هذا بأمر ملك، فلما دخل بيته قذف إلي وسادةٍ من أدمٍ محشوةً ليفاً ليس عنده غيرها، قال:

(( اجلس عليها "، قلت: بل أنت، قال: " بل أنت "، فجلست عليها وجلس رسول الله على الأرض، قال:" إيهِ يا عدي بن حاتم ألم تكن ركوسياً " قلت: بلى، قال: "أو لم تسر بقومك بالمِرباع " قال: قلت: بلى، قال: فإن هذا لا يحل في دينك ))

 مناقشة دقيقة، أنت ركوسي، وتأخذ من قومك الربع، وهذا لا يحل لك في دينك، فكيف تفعل هذا ؟.. قال: فعلمت أنه نبيٌ مرسل يعلم ما يُجهل، قال:

(( إيهِ يا عدي بن حاتم لعله إنما يمنعك من دخولٍ في هذا الدين ما ترى من حاجته ))

 أي أن المسلمين فقراء..

(( وايم الله ليوشكنَّ المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه، ولعله يا عدي أن يمنعك من دخولٍ في هذا الدين ما ترى من كثرة عدوك، وايم الله ليوشك أن تسمع بالمرأة البابلية تحج هذا البيت على بعيرها لا تخاف، ولعله يمنعك من دخولٍ في هذا الدين ما ترى من ضعفهم، وايم الله ليوشكن أن تسمع بالقصور البابلية مفتحةً لهم ))

 وعاش عدي بن حاتم ورأى كل هذا بعينه.
 تواضعه الشديد:
 كان إذا دخل أعرابيٌ على النبي صلى الله عليه وسلم يقول: أيكم محمد ؟ ألم يكن له مقعد خاص ؟ لا، فقد كان يجلس مع أصحابه، و كان عليه الصلاة والسلام يجلس حيث ينتهي به المجلس.
 قراءة السيرة فرض عين:
 اقرؤوا سيرة النبي أيها الإخوة، اقرؤوها لأن قراءتها فرض عين، هل تصدِّقون ذلك؟؟ إن قراءة سيرة النبي فرض عين، طالبوني بالدليل إن شئتم، الدليل: أن هناك قاعدةً فقهية تقول: ما لا يتم الفرض إلا به فهو فرض، فالصلاة فرض، والوضوء فرض، لأن الصلاة لا تتم إلا به، و ما لا تتم السنة إلا به فهو سنة، لكن الله جلَّ جلاله حينما أمرنا قال:

 

﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾

( سورة الأحزاب: آية " 21 " )

 فكيف يكون النبي أسوةً حسنةً لك ؟ إن لم تعرف سيرته، إن لم تعرف أخلاقه، إن لم تعرف أخذه وعطاءه، إن لم تعرف رحمته، إن لم تعرف لطفه.
 لطفه عليه الصلاة والسلام:
 مرة كان في مجلس فصلى أصحابه الظهر ثم أكلوا لحم جزور، ثم دخل وقت العصر، ثم اشتموا رائحة لا ترضي، فمن الذي ينبغي أن يتوضأ ؟ هذا الذي انتقض وضوءه، فقدر النبي صلى الله عليه وسلم أنه سوف يخجل خجلاً شديداً، فقال:

(( كل من أكل لحم جزول فليتوضأ قالوا : كلنا أكلنا، قال:كلكم فليتوضأ ))

﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾

 قال عليه الصلاة والسلام:

(( لا تحمِّروا الوجوه))

 لا تخجل إنساناً، وهذا من خُلُقه العظيم، فيجب علينا أن نقرأ سيرة النبي كي نقلِّده، لأن الله عزَّ وجل لم يقبل دعوة محبته إلا باتباع سنة النبي عليه الصلاة والسلام.

﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ﴾

( سورة آل عمران: آية " 31 " )

 في بيته، في ثيابه، في طعامه، كان عليه الصلاة والسلام يأكل كما يأكل العبد، ويجلس كما يجلس العبد، قال:

(( لو دُعيت إلى كراعٍ بالغنيم لأجبت ))

 لو دعي إلى مؤدم خارج المدينة للبَّى الدعوة، دخل مرة إلى أحد أصحابه فقدم له خلاً وخبزاً، فقال عليه الصلاة والسلام:

(( نعم الإدام الخل ))

 ما عاب طعاماً قط في حياته ولم يمدحه، فهناك كثير من الأشخاص يتحدث عن الطعام بطرقة تجعلك تشتهيه، أما هو عليه الصلاة والسلام فما عاب طعاماً قط ولا مدحه، وما رُئي ماداً رجليه قط بين أصحابه وهو سيد الخلق.
 حلمه صلى الله عليه وسلم:
 وعده شخص فانتظره ثلاثة أيام، فلما رآه قال:

(( يا أخي لقد شققت علي ))

 أتعبتني، أما الآن فلو تأخر أحدهم عن الموعد ربع ساعة لقامت عليه الدنيا ولم تقعد، أما النبي عليه الصلاة والسلام فتأخَّر الرجل عليه ثلاثة أيام ما زاد عن أن قال:

(( لقد شققت علي يا أخي ))

 أما في بيته كان يركب الحسن والحسين على ظهره ويقول:

(( نعم الجمل جملكما ونعم الحِملان أنتما ))

﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾

 اقرؤوا سيرة النبي وقلِّدوه واقتفوا أثرها، واتبعوه كي نسعد في ديانا وأُخرانا.