الترغيب والترهيب - الدرس : 105 - كتاب النكاح وما يتعلق به - الترهيب من ترجيح إحدى الزوجات وترك العدل بينهم

1997-11-29

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

العدل بين الزوجات:

(( من كانت عنده امرأتان فلم يعدل بينهما جاء يوم القيامة وشقه ساقط ))

[ الترمذي و الحاكم عن أبي هريرة ]

  المسلمون ضغطوا الدين إلى خمسة فروض ؛ صوم، وصلاة، وحج، وزكاة، بينما الدين عشرات ألوف الأحكام، هذا الدين لن تقطف ثماره إلا إذا طبقته كله، فهذا أمر من الكبائر، ألا تعدل بين زوجتيك من الكبائر، وكم من إنسان تزوج امرأتين ؛ الأولى معززة مكرمة، في أفخم بيت، أطيب معاملة، أحسن إنفاق، والثانية مهملة لا في الوقت، ولا في الإنفاق، ولا في المسكن، فالظلم ظلمات يوم القيامة، التعدد مباح وليس واجباً إلا أن أحد أكبر شروطه العدل، ما كلفك بالعدل المطلق، العدل المطلق لن يستطيعه أحد، أن تعدل بالميل، كلفك بالعدل التام، الإنفاق، والمبيت، والمسكن:

 

(( من كانت عنده امرأتان فلم يعدل بينهما جاء يوم القيامة وشقه ساقط ))

 

[ الترمذي و الحاكم عن أبي هريرة ]

  وكان النبي عليه الصلاة والسلام يقسم، ويعدل، ويقول:

 

(( اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك ))

 

[ أحمد و أبو داود عن عائشة]

  الشيء الذي لا تملكه ربنا عز وجل يسامحك فيه، أما الشيء الذي تملكه ينبغي أن تقيمه، هذا عن العدل بين الزوجات، لكن أعداء المسلمين يتوهمون أن التعدد عندنا مشكلة، وجدت في الإحصاءات أن كل مئة زوج خمسة منهم عنده زوجتان، وكل ألف زوج زوج واحد عنده ثلاث زوجات، وكل خمسة آلاف زوج ثلاثة منهم عنده أربع زوجات، فمشكلة محدودة جداً، لكن الإسلام جعل التعدد صمام أمان، عندك امرأة لا تنجب الأولى أن تطلقها، أن تدعها في الطريق ؟ لا أبقها وتزوج امرأة ثانية، عندك امرأة مريضة أبقها وتزوج امرأة ثانية، عندك رغبة أكثر من الوضع الطبيعي لئلا تقع عينك على حرام تزوج امرأة ثانية، في الحروب، في حالات ضرورية سمح الشرع للإنسان بالتعدد، أما حينما سمح له ألزمه بالعدل.

 

الإنفاق المعتدل:

 

 الآن:

(( دِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي رَقَبَةٍ وَدِينَارٌ تَصَدَّقْتَ بِهِ عَلَى مِسْكِينٍ وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ أَعْظَمُهَا أَجْرًا الَّذِي أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ))

[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

  لكن المشكلة أن النصوص أحياناً تفهم على غير ما أراد صاحبها، ما أراد الإنفاق التبذيري إنفاق الزهو، إنفاق الكبر، الإنفاق الضروري، الابن بحاجة إلى معطف، بحاجة إلى قسط جامعة، بحاجة إلى أدوات، فحينما يلبي الأب حاجات أهله كلها فقد فعل شيئاً عظيماً لأن هؤلاء الأولاد أولاده، و لأن الناس أنت لهم وغيرك لهم أما أولادك من لهم غيرك ؟ هم الذين ألزمك الله بهم، هم الذين أناطهم الله بك، هم الذين جعلك الله قيّماً عليهم، هم الذين أكرمك الله برزق من أجلهم، فإذا حرمتهم وأعطيت غيرهم فقد وقعت في إثم كبير، أما قد نفهم هذا الحديث فهماً آخر، إنفاق بذخ في شراء الطعام، واللباس، والنزهات، هذا لا يجوز يجب أن تنفق الإنفاق المعتدل:

﴿ وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً ﴾

( سورة الإسراء )

الدرهم الذي تنفقه على أهلك لجلبهم ولتمتين العلاقة معهم يفوق كل الدراهم الأخرى:

 من صفات المؤمن:

﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (67) ﴾

( سورة الفرقان)

  فالإنسان حينما يلبي حاجات أولاده وزوجته المعقولة، والمعتدلة، والطبيعية، بالمعروف فهذا الدرهم الذي أنفقته على أهلك لجلبهم، ولتمتين العلاقة معهم، ولربطهم بك، هذا درهم يفوق كل هذه الدراهم، لأنك حققت الهدف من هذه الأسرة، لذلك أبغض أب عند أهله البخيل، الأب البخيل مبغوض، وأنا أذكر دائماً هذا المثل ولا أنطلق فيه من فراغ ؛ قد يأتي طبيب لمعالجة الأب، الأولاد يسعدون إذا قال لهم: مرضه خطير، ويتألمون أشد الألم إذا قال لهم: القضية بسيطة، هم لا يريدونها بسيطة، ينتظرون موته، أما الأب الكريم يسعدون بحياته، إذا كنت كريماً أولادك يسعدون بوجودك، وإن لم تكن كذلك يسعدون بموتك، فبين أن تكون بين أناس يتمنون بقاءك وبين أناس يتمنون موتك ؟ هذا هو الفرق بين البخيل والكريم.

 

الإنسان حينما يسعد في بيته يعطي أكبر عطاء خارج البيت:

 

 أنا لا أدعو إلى الإنفاق التبذيري، لا أدعو إلى إغراق الزوجة بلباس كي تزهو على مثيلاتها، لا أدعو إلى إعطاء الزوجة الحلي التي تزهو بها على مثيلاتها، هذا إنفاق تبذيري، أما الحاجات الأساسية لا بدّ من توافرها ولو لم تكن قانعاً بها، أحياناً الطفل تملأ سعادته، تملأ حياته، لعبة و الأب ليس قانعاً بها، دراجة أحياناً، فحينما تدخل الفرح على قلوب أولادك لك عند الله أجر كبير، بل إن في الجنة داراً اسمها دار الفرح، يدخلها من أدخل الفرحة على قلوب الصغار.

(( دِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي رَقَبَةٍ وَدِينَارٌ تَصَدَّقْتَ بِهِ عَلَى مِسْكِينٍ وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ أَعْظَمُهَا أَجْرًا الَّذِي أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ))

[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

  أعظم شيء أسرة متماسكة، أولاد مشدودون إلى أبيهم، زوجة تقدس زوجها، هذا يحتاج إلى إنفاق، يحتاج إلى إدارة، يحتاج إلى ضبط، يحتاج إلى اهتمام، يحتاج إلى وقت، الذي لا يسعد في بيته لا يسعد خارج البيت، أنا أدعو إلى أن تكون بيوت المسلمين عامرة بالسعادة، والسعادة لا تحتاج إلى مظاهر فخمة، قد تسكن أصغر بيت، أما هناك ود، هناك حب، هناك وئام، هناك عدل، هناك تفاهم، هناك تعاون، هناك تضامن، هذا يحتاج إلى جهد، يحتاج إلى علم، وإلى خلق، وإلى مبادئ، وإلى عبادات، وإلى أن يكون الله معكم في البيت، بيت فيه صلوات، فيه ذكر، فيه قرآن، لا يوجد فيه معاصٍ، ولا آثام، ولا انحرافات، البيت الطاهر فيه جو طاهر، فلذلك الإنسان حينما يسعد في بيته يعطي أكبر عطاء خارج البيت، لا ينجح الإنسان في عمله إلا إذا كان في بيته مرتاحاً، راحة البيت تأتي من إقامة الإسلام في البيت، إن أقمت الإسلام في البيت سعدت به.

 

الأبوة المثالية والبنوة المثالية والزواج المثالي طريق إلى الجنة:

 

 الحديث الآخر يقول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( الْمُسْلِمُ إِذَا أَنَفْقَ نَفَقَةً عَلَى أَهْلِهِ وَهُوَ يَحْتَسِبُهَا فَهِيَ لَهُ صَدَقَةٌ ))

[متفق عليه عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأنصاري]

  ما معنى يحتسبها ؟ هو أنفق النفقة وهو يعلم علم اليقين أنه بهذه النفقة يجلب أهله إليه، يقربهم من الحق، يمتن العلاقة بينه وبينهم، يحتسبها هكذا، ليس إنفاقاً عشوائياً، يعلم تماماً حينما اشترى هذه الحاجة لابنته أو لابنه أنه أنفقها من أجل أن يشده إليه:

 

(( يَحْتَسِبُهَا فَهِيَ لَهُ صَدَقَةٌ ))

  الإنفاق الداخلي صدقة، إن أنفقت على أهلك، مثلاً هناك أكلة يحبونها فاشتريتها لهم، لبيت رغباتهم في طعام فسعدوا بهذا الطعام، المؤمن يأكل بشهوة أهله، حينما يحرص الأب على أن يطعم أولاده ما يحبون فقد يجهد، ويتعب كثيراً، وقد يسهر أحياناً، وقد يكون له عمل إضافي من أجل أن يجعل هذه الأسرة سعيدة، هذا عمل مقدس، وهذا العمل يوصلك إلى الجنة، الأبوة المثالية، والبنوة المثالية، والزواج المثالي، طريق إلى الجنة.

 

 

(( الْمُسْلِمُ إِذَا أَنَفْقَ نَفَقَةً عَلَى أَهْلِهِ وَهُوَ يَحْتَسِبُهَا فَهِيَ لَهُ صَدَقَةٌ))

 

[متفق عليه عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأنصاري]

  الإسلام دعم الأسرة، قوى بنيانها، جعل فيما بين أفراد الأسرة علاقة طيبة أساسها الإنفاق والإكرام:

 

(( مَا أَطْعَمْتَ نَفْسَكَ فَهُوَ لَكَ صَدَقَةٌ وَمَا أَطْعَمْتَ وَلَدَكَ فَهُوَ لَكَ صَدَقَةٌ وَمَا أَطْعَمْتَ زَوْجَكَ فَهُوَ لَكَ صَدَقَةٌ وَمَا أَطْعَمْتَ خَادِمَكَ فَهُوَ لَكَ صَدَقَةٌ))

 

[أحمد عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ ]

العمل عبادة و هو من لوازم اليد العليا:

 نحن عندنا مشكلة مثلاً يسمع مسلم أن العمل عبادة، يشتغل عشرين ساعة، وينسى أن يصلي، وينسى أن يحضر درس علم، ويقول لك: العمل عبادة، لا، ليس هذا القصد، بعد أن تؤدي واجباتك الدينية كلها، وتحقق وجودك الديني، وتطلب العلم، وتعلم العلم، لك أن تعمل والعمل عبادة، يأتي إنسان ثان يقول لك: الأحاديث صحيحة، كل دخله على أولاده بعمل معقول وغير معقول، وبذخ، وإنفاق، وعلو في الأرض، وثياب فخمة جداً، وثلاثين بنطالاً لابنه، وخمسين فستاناً لزوجته، وتباه، واستقبالات، وسفر، وتفلت من الدين كله، يقول لك هكذا قال النبي عليه الصلاة والسلام، ما قصد ذلك، هذا إنفاق تبذيري مقترن بمعاصٍ، نحن نتحدث عن مؤمن ملتزم، منضبط، وقاف عند حدود الله، إذا أكرم أهله إكرامه لهم صدقة عند الله، لأنه متن العلاقات بينه وبين أسرته:

(( مَا أَطْعَمْتَ نَفْسَكَ فَهُوَ لَكَ صَدَقَةٌ وَمَا أَطْعَمْتَ وَلَدَكَ فَهُوَ لَكَ صَدَقَةٌ وَمَا أَطْعَمْتَ زَوْجَكَ فَهُوَ لَكَ صَدَقَةٌ وَمَا أَطْعَمْتَ خَادِمَكَ فَهُوَ لَكَ صَدَقَةٌ))

[أحمد عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ ]

(( يَدُ الْمُعْطِي الْعُلْيَا وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ أُمَّكَ وَأَبَاكَ وَأُخْتَكَ وَأَخَاكَ ثُمَّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ مُخْتَصَرٌ))

[ النسائي عَنْ طَارِقٍ الْمُحَارِبِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ]

  تسلسل طبيعي، اليد العليا خير من اليد السفلى، تحتاج إذاً إلى أن تعمل من أجل أن تكون اليد العليا، إذاً ينبغي أن تعمل، العمل من لوازم اليد العليا، فالعمل مقدس في الإسلام، والعمل عبادة، لكن بشرط أن يكون العمل مشروعاً، والأساليب مشروعة، والنية أن تكتفي أن تطعم نفسك، وأولادك، وأن تنفق على المسلمين، وألا يشغلك عن فريضة، ولا عن واجب، ولا عن طلب علم، الآن أصبح العمل عبادة:

(( يَدُ الْمُعْطِي الْعُلْيَا وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ أُمَّكَ وَأَبَاكَ وَأُخْتَكَ وَأَخَاكَ ثُمَّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ مُخْتَصَرٌ))

[ النسائي عَنْ طَارِقٍ الْمُحَارِبِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ]

  والله رجل أعرفه يملك الملايين، وأمه ليس في بيتها تمديدات ماء، فتحمل الماء من الطريق إلى البيت، فأقامت عليه دعوى نفقة، هناك حالات بقصر العدل مخيفة، لو سألت القضاة على الدعاوى بين الأقرباء، بين الأم وابنها، وبين الأخ وأخيه، وبين الأب وابنه، القلوب قاسية جداً، فالقلب يقسو بالبعد عن الله، أما في القرب من الله الإنسان يعطي الآخرين.

 

تسلسل الصدقة:

 

(( تَصَدَّقُوا قَالَ رَجُلٌ عِنْدِي دِينَارٌ قَالَ تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى نَفْسِكَ قَالَ عِنْدِي دِينَارٌ آخَرُ قَالَ تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى زَوْجِكَ قَالَ عِنْدِي دِينَارٌ آخَرُ قَالَ تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى وَلَدِكَ قَالَ عِنْدِي دِينَارٌ آخَرُ قَالَ: تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى خَادِمِكَ قَالَ: عِنْدِي دِينَارٌ آخَرُ قَالَ أَنْتَ أَبْصَرُ))

[ النسائي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ]

  تسلسل ؛ نفسك، وزوجتك، وأولادك، وخادمك، الباقي أنت أبصر به، بالمقابل يمكن أن أُسأل برمضان وبعد رمضان كمية كبيرة من الأسئلة، يريد أن يدفع الزكاة ضمن البيت، ممنوع أن يدفع قرشاً للخارج، ابنتي لا يوجد عندها براد هل يمكن أن أشتري لها براد من أموال الزكاة ؟ ابنه عليه ديون، لا يترك قرشاً يخرج إلى الخارج، هو حلّ مشاكله الشخصية، حلّ مشاكل أسرته عن طريق الزكاة، أيضاً هذا لا يجوز، الواحد مكلف بأهله، أما يدخل الزكاة بهذا الموضوع ! يجعل زكاة ماله كلها تنصب على أقرب الناس إليه، معنى هذا حلّ مشاكله، و كأنه لم يدفع الزكاة، هذا أيضاً من الانحرافات المقابلة، أحاديث دقيقة، إنسان لا يدفع قرشاً لإنسان غريب ! مع أن العلماء أكمل شيء بالزكاة أن تكون لثمانية مصارف معاً، وكل مصرف ثلاثة أشخاص، فالإنسان إذا كانت زكاته كبيرة ينبغي أن يدفعها لأربع وعشرين جهة، أما أن يجعل كل زكاته لأقربائه.

 

(( أول ما يوضع في ميزان العبد نفقته على أهله )).

 

[ الجامع الصغير عن جابر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ]