الدرس : 38 - سورة التوبة - تفسير الآيات 51 - 52 ، المكافأة من جنس العمل، النصر أو الشهادة كلاهما حسن.

2011-02-04

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

الإله العظيم يطمئن المؤمنين و يتوعدهم بالسلامة و السعادة :

 أيها الأخوة الكرام، مع الدرس الثامن والثلاثين من دروس سورة التوبة، ومع الآية الواحدة والخمسين وهي قوله تعالى:

﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾

 أيها الأخوة، صدقوا ولا أبالغ أن في القرآن الكريم آيات، لو لم يكن في القرآن الكريم إلا هذه الآيات لكفت، هذه الآية وهي كلام خالق السماوات والأرض، كلام رب العالمين، كلام من بيده كل شيء، بيده رزقك، بيده سلامتك، بيده صحتك، بيده أهلك، بيده أولادك، بيده من حولك، بيده من فوقك، بيده من دونك، بيده أجهزتك، هذا الإله العظيم يطمئن المؤمنين، يقول للنبي عليه الصلاة والسلام أن قل لهم:
 

﴿ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا ﴾

 فرق كبير بين أن نقول: كتب الله علينا، وبين أن نقول:
 

﴿ إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا ﴾

 لنا لها معنى، وعلينا لها معنى آخر، يغلب على لنا الخير فقط،
 

﴿ لَنْ يُصِيبَنَا ﴾

 في المستقبل إلا الخير في كل شيء، والدليل:
 

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا ﴾

 في المستقبل:
 

﴿ وَلَا تَحْزَنُوا ﴾

[ سورة فصلت الآية: 30]

 على الماضي، إذا مرت معك هذه الآية اعلم علم اليقين أنها تغطي الماضي والمستقبل، تغطي الوقت كله.
 

﴿ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا ﴾

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا ﴾

 بالمستقبل،
 

﴿ وَلَا تَحْزَنُوا ﴾

 على الماضي.

 لذلك سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام سأل معاذ بن جبل:
 

(( أتدري ما حقُّ الله على العباد؟ فقلتُ: الله ورسوله أعلم، قال: فإن حقَّه عليهم: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، قال: فتدري ما حقُّهم على الله إذا فعلوا ذلك؟ قلت: الله ورسوله أعلم قال: أن لا يعذِّبَهم ))

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن معاذ بن جبل]

 هل تدري وأنت تسلك طريق الإيمان، وأنت تخاف من الواحد الديان، وأنت تتقصى رضاء الله عز وجل، وأنت تخاف أن تعصيه، هل تدري أنك ضمنت السلامة والسعادة والاستمرار؟ الاستمرار في الآخرة، والسلامة في الدنيا، والسعادة في الدنيا.

 

من يصطلح مع الله عز وجل لن يصيبه إلا الخير :

﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا ﴾

 لن عند علماء العربية تفيد تأبيد النفي، أي إلى الأبد لن يصيبنا إلا الخير.

﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا ﴾

 من خير، فأنت حينما تختار تصطلح مع الله.

(( إذا رجع العبد العاصي إلى الله نادى منادٍ في السماوات والأرض أن هنئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله))

[ورد في الأثر]

 والله أيها الأخوة لا أرى أن كلمة هنيئاً تصح إلا إذا عرفت الله، إلا إذا أطعته، إلا إذا ابتغيت رضوانه.

 أيها الأخوة، هذه الآية من الآيات التي تملأ قلب المؤمن أمناً وطمأنينة، وتملأ قلب المؤمن ثقة بالله عز وجل، وثقة بالمستقبل:
 

﴿ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا ﴾

آيات من القرآن الكريم تبين الفرق بين المسلم و الكافر :

 إليكم بعض الآيات الداعمة:

﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ﴾

[ سورة السجدة]

﴿ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾

[ سورة القلم]

﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴾

[ سورة القصص]

نعمة الأمن من أدق خصائص الإيمان :

 أيها الأخوة، أنا لا أتمنى أن مؤمناً مستقيماً، يسعى إلى مرضاة الله، يخشى أن يعصيه، يتقرب إليه، أن هذا المؤمن يأتي إلى قلبه خوف، من أدق خصائص الإيمان نعمة الأمن، والآية:

﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾

[ سورة الأنعام]

 فهل تصدقون أن الله سبحانه وتعالى أنشأ لك حقاً عليه؟ والله مرة في كتاب الجامع الصغير وهو كتاب أحاديث، إلا أن هذا الكتاب رتب ترتيباً هجائياً، مثلاً حق الأخ على أخيه، حق الزوج على زوجته، حق الزوجة على زوجها، حق المسلم على المسلم، كلمة حق مع بعضهم كلهم، على أول كلمة بالحديث، وعلى الأبجدية، الحاء بعدها القاف، هناك حديث واحد تقرأه يقشعر جلدك، وهذا الحديث خاص بالشباب، حق المسلم على الله، أن يعينه إذا طلب العفاف، شاب في ريعان الشباب، وشهوته في أوجها، ويخاف من الله، وضبط نفسه، غض بصره عن محاسن النساء، والنساء مبذولات في الطريق، كل ما عند المرأة من مفاتن ظاهرة في الطريق، فإذا غض بصره، وابتغى رضوان الله عز وجل له مكافأة كبيرة، ما هذه المكافأة؟ المكافأة من جنس العمل، هو غض بصره عن امرأة لا تحل له، أنا أرى ولا أتألى على الله أن حق هذا الشاب على الله أن يرزقه امرأة تسره إن نظر إليها، وتحفظه إذا غاب عنها، وتطيعه إن أمرها.
 

(( ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه))

[ الجامع الصغير عن ابن عمر ]

من كان مع الله كان الله معه :

 تعليقي:

﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا ﴾

 أنت مع من؟ مع جهة بشرية؟ يكون لك قريب بأعلى منصب، تطلب منه شيئاً يعتذر، هذه فوق صلاحياتي، أو يعدك ثم يخلف، لم يتمكن من تنفيذها، أنت مع من؟ أنت مع الله، مع خالق الكون، مع من بيده كل شيء، مع من بيده إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون، أنت معه؟

 لذلك قالوا: المعية معيتان، معية عامة، ومعية خاصة، المعية العامة:
 

﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾

[ سورة الحديد الآية: 4]

 هذه المعية العامة، لكن المعية الخاصة.
 

﴿ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة الأنفال]

﴿ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴾

[ سورة البقرة]

﴿ مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾

[ سورة التوبة]

 ما هذه المعية الخاصة؟ قال: هذه المعية معية النصر، والحفظ، والعون، والتوفيق، إذا كان الله معك أنت بتوفيق الله، وبحفظ الله، وبعون الله، وبرعاية الله، إذا كان الله فمن عليك؟ وإذا كان عليك فمن معك؟

 

الله عز وجل يدافع عن المؤمن وهو لا يدري :

 إذاً هذه الآية:

﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا ﴾

 السبب أنها جاءت بعد قوله تعالى:

﴿ إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ ﴾

[ سورة التوبة]

 ردّ عليهم يا محمد،
 

﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا ﴾

 من خير، من تكريم، من توفيق، من رزق، من محبة، من سكينة.
 

﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ﴾

 أحياناً الإنسان يقويه إنسان قوي، قوي له نفوذ بالبلد، ومسموع الكلمة، وأمره نافذ، وغني ميسور، وكفل يتيماً، هل يجوع هذا اليتيم؟ هل يعرى؟ هل ينال أحد منه؟ يقول لك: أنا فلان يدافع عني، وحتى الإنسان لو وكل محامياً لامعاً بقضية ينام مطمئناً، يقول: المحامي فلان سيدافع عني ، فإذا كان خالق السماوات والأرض هو الذي يدافع عنك، والدليل:
 

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾

[ سورة الحج الآية: 38]

 الله يدافع عنك وأنت لا تدري.
 

(( لا يذكرني عبد في نفسه إلا ذكرته في ملأ من ملائكتي، ولا يذكرني في ملأ إلا ذكرته في الرفيق الأعلى ))

[ الطبرانى عن معاذ بن أنس]

من كان في طاعة الله وفقه الله و حفظه و أكرمه :

 أيها الأخوة، هذه الآية يجب أن تكون في قلوبكم، وفي عقولكم، وفي خواطركم:

﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا ﴾

 أنت مع من؟ تصوَر تصوراً غير معقول، أن طفلاً والده ملك، أو طفلاً والده قائد الجيش، وهناك عريف هدده، فصار يبكي من شدة خوفه، معنى هذا أنه غبي، لأنه لم يعرف من هو والده، أقل رتبة بالجيش عريف، هذا العريف هدد هذا الطفل، أو هذا العنصر، وهذا العنصر والده قائد الجيش، فإذا خاف حقيقة يكون أحمقاً لا يعرف الله عز وجل.

 أنا أريد أن يكون لك ثقة بالله، ثقة بمحبته لك، ثقة بنصره، ثقة بحفظه، أنت مع خالق السماوات والأرض، ولست مع جهة أرضية قد تنساك أحياناً، رواية لا تعد في الصحاح: سيدنا نوح قبل أن يأتي الطوفان جاءته امرأة ورجته ألا ينساها من تأمين مكان في السفينة، جاء الطوفان، وهو على السفينة وفي الأمواج الكبيرة تذكر هذه المرأة، ونسي أن يدعوها إلى السفينة، فتألم أشد الألم، فلما انتهى الطوفان، واستوت السفينة على الجودي، جاءت هذه المرأة و قالت له: يا نوح متى الطوفان؟ إن نسي سيدنا نوح فالله لا ينسى.

 إذا كنت مع الله كان الله معك، إن كنت في طاعته يوفقك، يحفظك، يكرمك.
 

﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا ﴾

 احفظوا هذه
 

﴿ لَنَا ﴾

 لن: تفيد تأبيد المستقبل، نفي مؤبد:
 

﴿ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾

الاستقامة على أمر الله تولد الأمن و الطمأنينة :

 أخواننا الكرام، إن أردت حالة لا يتمتع بها إلا المؤمن هي نعمة الأمن فاستقم على أمر الله، والله عز وجل يقول:

﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾

 وفي اللغة العربية فرق كبير بين أولئك الأمن، أو
 

﴿ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ ﴾

 إذا قدمت الخبر على المبتدأ الذي هو شبه جملة معنى ذلك أن التركيب فيه قصر وحصر، الأمن لهم ولغيرهم، أما
 

﴿َ لَهُمُ الْأَمْنُ ﴾

 وحدهم.
 

﴿ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾

[ سورة الفاتحة]

 حصر، ما نعبد إياك، ونعبد غيرك، عندما تقدم شبه الجملة في التركيب الاسمي الجملة تعطي معنى القصر والحصر،
 

﴿ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾

﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾

 إذا كان الله عز وجل وليك، هل تخشى من أحد؟، هل تخاف أحداً؟ إذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان عليك فمن معك؟.

 

أطع أمرنا نرفع لأجلك حجبنـا  فإنا منحنا بالرضا من أحبنــا
ولذ بحمانا واحتمِ بجنابنـــا  لنـحميك مما فيه أشرار خلقنا
* * *
وعن ذكرنا لا يشغلنك شاغـل  وأخلص لنا تلقى المسرة و الهنا
وسلم إلينا الأمر في كلِّ ما يكن  فما القرب والإبعاد إلا بأمرنــا
* * *

المؤمن الذي اصطلح مع الله واستقام على أمره يرى إكراماً وتوفيقاً ما بعده توفيق :

 أيها الأخوة، هذه الآية يجب أن تكون في أذهانكم دائماً، وفي قلبكم، وهي بشارة كبيرة لمن استقام على أمر الله:

﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾

 صدقوا ولا أبالغ أنت حينما تصطلح مع الله، وتستقيم على أمره، والله ترى العجب العجاب، ترى لطف الله، ترى رحمة الله، ترى عناية الله، ترى توفيق الله، ترى نصر الله، ترى إكرام الله، حينما تصطلح مع الله، وتستقيم على أمره، والله ترى أشياء لا تصدق، وهذه لكل مؤمن اصطلح مع الله، واستقام على أمره، يرى إكراماً ما بعده إكرام، وتوفيقاً ما بعده توفيق، وتيسيراً ما بعده تيسير، وراحة نفسية ما بعدها راحة، وسعادة، وسكينة، ورضا، وتألقاً، وثقة بالله عز وجل:
 

﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ﴾

﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ ﴾

[ سورة البقرة الآية: 257]

 للتقريب: أحياناً يكون الأب قوياً، وأخلاقياً، وديّناً، وعنده ابن، هذا الابن لا يمكن أن ينطق ببنت شفة، بكلمة بذيئة، التربية عالية جداً، مجتهد، وأنيق، وأحياناً يكون الابن انعكاساً لوالده، فإذا كان الله عز وجل
 

﴿ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾

 أي هو وليهم بشؤونهم، ببيتهم، بأسرتهم، بمن حولهم، بعملهم، باختصاصهم، بصحتهم،
 

﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ﴾

على الإنسان أن يأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء ثم يتوكل على الله وكأنها ليست بشيء :

 

﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾

 لكن التوكل يحتاج إلى شيئين، إلى استقامة، وإلى هدف، من ادعى أنه توكل على الله ولم يأخذ بالأسباب هذا التوكل مرفوض، ومن أخذ بالأسباب واعتمد عليها ولم يتوكل على الله هذا الأخذ بالأسباب مرفوض، والواقع أن العالم الغربي أخذ بالأسباب من أعلى درجة، واعتمد عليها، وألهها، ونسي الله، والعالم الإسلامي المتخلف لم يأخذ بها أصلاً، العالم الغربي وقع بالشرك والعالم الإسلامي وقع في المعصية، الصواب ينبغي أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، وأن تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء.

 للتقريب: عندك سفرة إلى مدينة في الشمال بمركبتك، تراجع المركبة، تراجع المحرك، تراجع كل شيء فيها مراجعة دقيقة، ومع كل هذه المراجعة أنت موقن يقيناً قطعياً أن المسلم هو الله، إذً أخذت بالأسباب راجعت المركبة، ثم توكلت على الله، أما لو أنك توكلت ولم تأخذ بالأسباب فهذا التوكل مرفوض.

 سيدنا عمر رأى أناساً في الحج يتكففون الناس قال: من أنتم؟ قالوا: نحن المتوكلون، قال: كذبتم، المتوكل من ألقى حبة في الأرض ثم توكل على الله.

 ملخص الملخص ينبغي أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء.

 هذا كله في قوله تعالى:
 

﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ﴾

 لأن الله يقول:
 

﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾

﴿ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾

 التوكل أن تأخذ بالأسباب أولاً، ثم تتوجه إلى الله ثانياً، إحدى الحالتين سهلة، لا تأخذ بالأسباب كحال المسلمين اليوم، والله سينصرنا إن شاء الله، فإن لم نأخذ بالأسباب - بأسباب القوة - إن لم يحب بعضنا بعضاً، إن لم نتفانَ في خدمة هذه الأمة، هناك أشياء يجب أن نأخذ بها أولاً حتى يُسمع دعاؤنا، إن لم نأخذ بالأسباب لا نحقق ما نتمنى، وإذا أخذنا بها، واعتمدنا عليها، لا نحقق ما نتمنى، وأوضح شاهد النبي عليه الصلاة والسلام أخذ بالأسباب في الهجرة، ما من ثغرة إلا أغلقها، ما من جزئية إلا حققها، وبعد أن أخذ بكل هذه الأسباب، ووصل المشركون إلى غار ثور، قال الصديق:
 

(( لو أن أحدهم نظر إِلى قَدَمْيه أبْصَرَنَا تحت قدميه. فقال: يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما ؟))

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أنس بن مالك]

 هذا درس بليغ يحتاجه المسلمون، أن نأخذ بالأسباب، أنت طالب تدرس وبعد الدراسة يا رب أنت الموفق، أنت تاجر تشتري صفقة بدراسة جيدة، النوعية، المظهر، الأسعار، المنافسة، وبعد ذلك يا رب تجبر، كل إنسان يأخذ بالأسباب بدقة بالغة، ويعتمد على الله لا عليها، يكون قد حقق شرطي النجاح في كل شيء، هذا كلام لكل أخ موجود، للطالب، للتاجر، للموظف، للمزارع، خذ بالأسباب ثم توكل على رب الأرباب:
 

﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾

التوكل و التواكل :

 شيء قليل أن يكون الله عز وجل مولاك؟ يدافع عنك، يحميك، يوفقك، ينصرك، والثمن سهل، الثمن طاعته فقط.
 أحياناً هناك ملك بالظاهر بيده كل شيء، لكن مستحيل أن تصل إليه، لكن الله ليس بينك وبينه حجاب إطلاقاً، تقول: يا رب! يقول لك: لبيك يا عبدي، يا ربي تبت إليك، يا عبدي وأنا قبلت، الصلحة بلمحة، والأمر بيدك، لذلك الآية الأولى:

﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾

 إذاً يجب أن نفرق بين التوكل وبين التواكل، التوكل أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، أما التواكل فإما أن تأخذ بالأسباب ثم تعتمد عليها، أو ألا تأخذ بالأسباب وتتوهم أنك تعتمد على الله، وكلا الطريقين خاطئ:
 

﴿ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾

﴿ قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ ﴾

[ سورة التوبة]

 ماذا ينتظر المؤمن؟ إما استشهاد في سبيل الله- الشهيد إلى الجنة- أو انتصار، الاستشهاد حسنى، والانتصار حسنى:
 

﴿ قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ ﴾

 شيء رائع جداً، فالمؤمن إن أصيب -لا سمح الله- بمرض عضال أنهى حياته، إلى أين يذهب؟ إلى الجنة بإذن الله.
 

﴿ وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (158) ﴾

[ سورة آل عمران]

 إذا ألقينا القبض على إنسان وسقناه إلى أمه، الأم كلها رحمة.

 

الخلق كلهم عند الله سواسية ليس بينه وبينهم قرابة إلا طاعتهم له :

 أيها الأخوة، يجب أن تثق بالله، وإذا كنت في طاعته يجب أن تثق بنصر الله، يجب أن تثق بتوفيق الله، يجب أن تثق بهذا النصر الدقيق جداً.
 سيدنا سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، هو في الحقيقة خال رسول الله، وما كان النبي يداعب أحداً إلا خاله، إذا دخل سعد يقول: هذا خالي أروني خالاً مثل خالي، وما فدى النبي أحداً إلا سعد بن أبي وقاص، قال:

((ارْمِ، فداك أبي وأمِّي ))

[ أخرجه البخاري ومسلم عن سعد بن أبي وقاص]

 و عندما توفي النبي عليه الصلاة والسلام، لسيدنا عمر كلمة رائعة جداً، قال: يا سعد لا يغرنك أنه قد قيل خال رسول الله، فالخلق كلهم عند الله سواسية، ليس بينه وبينهم قرابة إلا طاعتهم له، لذلك:
 

﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾

[ سورة الحجرات الآية: 13]

 للتقريب: نحن أمة عربية، أبو لهب أحد صناديد قريش، وعربي قح، ومن أرومة عربية، وأصيل:
 

﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ﴾

[ سورة المسد]

 هل نفعته عروبته؟ سلمان الفارسي ليس عربياً، من بلاد فارس.
 

((سلمان منا أهل البيت ))

[أخرجه الحاكم عن مصعب بن عبد الله الزبيري ]

 صهيب رومي من بلاد الروم، هذا الدين، سيدنا الصديق رأى بلالاً يُعذب، بلال حبشي يعذبه سيده صفوان بن أمية، فاشتراه منه بمئة دينار، بعد أن اشتراه منه، صفوان أراد أن يهين بلالاً، قال: والله لو دفعت به درهماً لبعتكه، ليس مئة درهم، ولا مئة دينار، أبيعه بدرهم، لأنه لا قيمة له عندي، فردّ عليه سيدنا الصديق، قال له: والله لو طلبت به مئة ألف لأعطيتك، الشاهد: بعد أن اشتراه وأطلقه لوجه الله، وضع الصديق يده تحت إبط بلال، وقال: هذا أخي حقاً، وما ذكر الصحابة الصديق إلا وذكروا معه بلالاً، يقولون: هو سيدنا وأعتق سيدنا، سيد الصحابة هو سيدنا، وأعتق سيدنا، هذا الدين لا يوجد به تفرقة:
 

﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾

الأمة لا ترقى إلا عندما تعتمد على مقياسي العلم والعمل :

 لذلك الأمة حينما تعتمد مقياسي العلم والعمل ترقى، إذا اعتمدت مقاييس انتمائية لا ترقى، هناك مقاييس موضوعية؛ العلم والعمل، أنت مدير دائرة، يوجد عندك وظيفة حساسة جداً، وهناك إنسان كفء لها، ويحمل أعلى شهادة، إذا عينت هذا الإنسان الكفء تحقق نتائج كبيرة جداً، تنفع الأمة، لك قريب شبه جاهل، عينته بهذا المنصب مكان الخبير و هو ليس كفئاً، أنت ماذا فعلت؟ أنت اعتمدت مقياساً انتمائياً، و ابتعدت عن المقياس الموضوعي.

 لذلك مثل هذا المجتمع لا يتماسك، ولا يرقى، أية أمة تعتمد مقياساً موضوعياً لا انتمائياً ترقى، وأية أمة تعتمد مقياساً انتمائياً لا موضوعياً لا ترقى.

 لذلك اشتراه، ووضع يده تحت إبطه، وقال: هذا أخي حقاً.

 في بعض الراويات أن أبا سفيان أراد أن يدخل على عمر بن الخطاب، يبدو أن عنده أعمالاً كثيرة جداً، وقف ببابه مدة طويلة- وأبو سفيان زعيم قريش من ألمع الأسماء- وعندما دخل عليه عاتبه قال له: زعيم قريش يقف ببابك طويلاً وصهيب وبلال يدخلان ويخرجان بلا استئذان؟ قال له: أنت مثلهما؟ هناك فرق كبير جداً.

 أنا ألح على المقاييس الموضوعية لا الانتمائية، حينما تعتمد مقياساً انتمائياً هذا المقياس يمشي بالأمة إلى طريق الهلاك.
 

﴿ قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ ﴾

 أي أنت أيها المؤمن ماذا ينتظرك؟ توفيق الله بالدنيا، صحة طيبة إن شاء الله، زوجة صالحة، أولاد أبرار، مكانة اجتماعية، سمعة طيبة، مات للجنة، ماذا يوجد أمامك؟ إنسان مات مؤمناً، مات مستقيماً، مات تائباً، مات مصطلحاً مع الله، إن عاشَ عاش سعيداً، وإن ماتَ مات حميداً:
 

﴿ قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ ﴾

﴿ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾

[ سورة القصص]

من ينهض بأمته فالله عز وجل سينصره لا محالة :

 أخواننا الكرام، كي تستبشروا، الله عز وجل قال: -وكلام الله وأنا أقول زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين- قال:

﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾

[ سورة آل عمران الآية: 12]

 الله أعطاك النتيجة،
 

﴿سَتُغْلَبُونَ﴾

 أعطاك النتيجة الحتمية،
 

﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ ﴾

 فأنت إذا نهضت بأمتك يجب أن تعتقد يقيناً أن الله سينصرك، أنا أتمنى أن يكون انتماء الإنسان للمجموع، أنت من أمة تحتاج إلى خبراء، إذا ابتغيت بدراستك خدمة هذه الأمة فأنت في جهاد، إذا ابتغيت من كل شيء خدمة هذه الأمة فأنت في جهاد، أحياناً تختار اختصاصاً نادراً، أنا سافرت إلى بلاد بعيدة وجدت بولاية واحدة خمسة آلاف طبيب من بلد عربي واحد، خمسة آلاف طبيب معهم بورد من بلد عربي واحد بولاية واحدة، بولاية واحدة بأمريكا فيها خمسة آلاف طبيب من دولة عربية في أمس الحاجة إلى هؤلاء الأطباء، بلاد غنية جميلة، فيها ميزات كثيرة جداً، فآثر البقاء في هذه البلاد على العودة إلى بلده.

 مرة لمحت طبيباً يحمل شهادة بورد، ويجري عملية في مستشفى وطني متواضع جداً، هذا جاء إلى بلده كي يخدم أمته، أنا والله العبد الفقير شجعت الأخوان المؤمنين المتفوقين على الدراسة في بلاد الغرب، ودرسوا، عندي يقين بالمئة مليون لابد من أن يرجعوا جميعاً إلى بلادهم، لماذا؟ لخدمة أمتهم، لماذا؟ لأنهم يحملون رسالة، هناك رسالة يحملها، بلاده نامية وفيها متاعب كثيرة، لكن هو يحمل رسالة، يعود لبلده، ويخدم بعلمه المتفوق أمته، بين إنسان حامل رسالة وبين إنسان مرتزق مسافة كبيرة جداً.

 قصة من أربعين سنة تمّ إعدام عالم كبير، ظروف استثنائية صعبة فجاؤوا له بشيخ ليلقنه الشهادة، قال له: أنت أيها الملقن ترتزق بـ لا إله إلا الله، أما أنا فأموت من أجلها.

 فرق كبير بين إنسان يحمل رسالة وإنسان يرتزق ببعض الأفكار الدينية.

 يا أيها الأخوة، عندما تحمل رسالة تكون أسعد الناس، وإن لم تقل: أنا أسعد الناس، أسعد من في الأرض إلا أن يكون أحد أتقى مني فهناك مشكلة بعلاقتك بالله عز وجل.

 أيها الأخوة، آيات اليوم:
 

﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ * قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ ﴾