دورات للطلاب الأجانب - دورة عام 1999 - سيرة الصحابة : 10 - الصحابي أبو عبيدة بن الجراح .

1999-07-12

كان وضيء الوجه، بهي الطلعة، نحيل الجسم، وكان جم التواضع، شديد الحياء، لكنه كان إذا جدَّ الجِدُّ يغدو وكأنه الليث عادياً.

 

ذلك هو أمين أمة محمد: أبو عبيدة بن الجراح.

ـ عاش أبو عبيدة تجربة المسلمين القاسية في مكة منذ بدايتها إلى نهايتها، وعانى مع المسلمين السابقين من عنفها وضراوتها، فثبت للابتلاء، وصدق الله ورسوله في كل موقف.

ـ لكن محنة أبي عبيدة يوم بدر فاقت خيال المتخيلين:

انطلق أبو عبيدة يوم بدر يصول بين الصفوف صولة من لا يهاب الموت، فهابه المشركون... لكن رجلاً واحداً منهم جعل يبرز لأبي عبيدة في كل اتجاه، فكان أبو عبيدة يتحاشى لقاءه... ولكن الرجل لجَّ في الهجوم، وسد على أبي عبيدة الطرق، فلما ضاق به ذرعاً ضرب رأسه بالسيف ضربة فلقت هامته، وخرَّ صريعاً، وقد يتصدع رأسك إذا عرفت أن الرجل الصريع هو والد أبي عبيدة، فأنزل الله عز وجل في شأنه قرآناً، قال تعالى:

﴿لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْأَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَاللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (22)﴾

[سورة المجادلة]


ـ لقد شهد أبو عبيدة مع رسول الله المشاهد كلها منذ صحبه إلى أن مات، ثم بويع بعد ذلك لأبي بكر الصديق، فكان أبو عبيدة خير نصيح له في الحق، ثم جاء من بعده الفاروق فدان له أبو عبيدة بالطاعة، ولم يعصه في أمر إلا مرة واحدة.. لقد وقع ذلك حين كان أبو عبيدة في بلاد الشام، يقود جيوش المسلمين من نصرٍ إلى نصر، حتى فتح الله عليه بلاد الشام كلها... عند ذلك دهم بلاد الشام طاعون ما عرف الناس مثله قط، فجعل يحصد الناس حصداً... فما كان من عمر بن الخطاب إلا أن وجه رسالة لأبي عبيدة يقول فيها: إذا أتاك كتابي ليلاً فإني أعزم عليك ألا تصبح حتى تأتيني.. فما أخذ أبو عبيدة كتاب الفاروق قال له في رسالة بعثها إليه:
يا أمير المؤمنين إني قد عرفت حاجتك إلي، وإني في جند من المسلمين ولا أجد نفسي رغبة عن الذي يصيبهم... ولا أريد فراقهم حتى يقضي الله فيهم وفيَّ أمراً، فإذا أتاك كتابي هذا فحللني من عزمك وائذن لي بالبقاء.
فلما قرأ عمر الكتاب بكى حتى فاضت عيناه، فقال له مَن عنده لشدة ما رأوا من بكائه أمات أبو عبيدة يا أمير المؤمنين ؟.
فقال لا ولكنه قريب من الموت... ولم يكذب ظن الفاروق إذ ما لبث أبو عبيدة أن أصيب بالطاعون، فلما حضرته الوفاة أوصى جنده فقال: أقيموا الصلاة، وصوموا رمضان، وتصدقوا، وحجوا، واعتمروا، وتواصوا، وانصحوا لأمرائكم ولا تغشوهم، ولا تلهكم الدنيا فإن المرء لو عُمِّر ألف حول ما كان له بد عن أن يصير إلى مصرعي هذا الذي ترون.
والسلام عليكم ورحمة الله.
ثم التفت إلى معاذ وقال: يا معاذ صل بالناس... ثم فاضت روحه الطاهرة.
فقام معاذ وقال:
أيها الناس إنكم قد فجعتم برجل ـ والله ـ ما أعلم أني رأيت رجلاً أبر صدراً، ولا أشد حباً للعاقبة، ولا أنصح للعامة منه، فترحموا عليه يرحمكم الله.