الترغيب والترهيب - الدرس : 097 - كتاب البيوع وغيرها - الترغيب في كلمات يقولهن المديون والمهموم والمكروب والمأسور

1997-11-09

 االحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

كلمات يقولهن المديون والمهموم والمكروب والمأسور:

 كلمات يقولهن المديون، والمهموم، والمكروب، والمأسور:

((عنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ مُكَاتَبًا جَاءَهُ فَقَالَ إِنِّي قَدْ عَجَزْتُ عَنْ كِتَابَتِي فَأَعِنِّي قَالَ أَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ عَلَّمَنِيهِنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ كَانَ عَلَيْكَ مِثْلُ جَبَلِ صِيرٍ دَيْنًا أَدَّاهُ اللَّهُ عَنْكَ قَالَ قُلْ اللَّهُمَّ اكْفِنِي بِحَلَالِكَ عَنْ حَرَامِكَ وَأَغْنِنِي بِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ ))

[ الترمذي عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

  المكاتب هو العبد الذي يريد أن يجعل نفسه طليقاً، فيعمل ويؤدي أجرة عمله إلى سيده من أجل أن يعطيه ثمنه ليعتقه، هذا اسمه مكاتب.
 سيدنا علي سمع من النبي عليه الصلاة والسلام هذا الدعاء، الدعاء للمديون والمكروب والمأسور

(( اللَّهُمَّ اكْفِنِي بِحَلَالِكَ عَنْ حَرَامِكَ وَأَغْنِنِي بِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ ))

 هذا الدعاء مشهور.

 

(( دخل النبي عليه الصلاة والسلام المسجد فإذا هو برجل من الأنصار يقال له أبو أمامة جالساً فيه قال يا أبا أمامة مالي أراك جالساً في المسجد في غير وقت الصلاة قال هموم لزمتني وديون يا رسول الله قال ألا أعلمك كلاماً إذا قلته أذهب الله عز وجل همك وقضى عنك دينك فقال بلى يا رسول الله قال قل إذا أصبحت وإذا أمسيت اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن وأعوذ بك من العجز والكسل وأعوذ بك من الجبن والبخل وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال قال فقلت ذلك فأذهب الله همي وقضى عني ديني ))

[أبو داود عَنْ أبي سعيد الخدري رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

 

 

من دعا وقلبه لاه وساه عن ذكر الله لن يقطف من ثمار دعائه شيئاً:

 

 لكن لي تعليق بسيط، هذه الأدعية المأثورة عن النبي عليه الصلاة والسلام يرددها الناس دائماً، وفي بعض الحالات أو في أغلب الحالات لا يفرج كربهم، ولا يقضى دينهم، الإنسان إذا دعا بهذه الأدعية وقلبه لاه وساه عن ذكر الله، لا يقطف ثمار هذه الأدعية، كل شيء اسمه دعاء يحتاج إلى قلب حاضر، وإلى نفس خاشعة، وإلى إخلاص شديد، فهذه الأدعية المختارة تحتاج إلى عبد يدعو بها بإخلاص، يدعو بها وهو واثق أن الله عز وجل على كل شيء قدير، وهو واثق أن الله يجيبه، وهو واثق أنها حق من عند النبي عليه الصلاة والسلام.
 وإذا دعوت ربك ولست موقناً بالإجابة قد لا يفرج كربك، يجب أن تدعوه وأنت موقن بالإجابة، أن تدعوه بقلب خاشع، أن تدعوه بقلب حاضر.

على كل إنسان أن يستعيذ بالله من:

 

1 ـ الهم و الحزن:

(( أعوذ بك من الهم والحزن ))

  ورد في بعض الأحاديث: "من قصر بالعمل ابتلاه الله بالهم ".
 الهم أحد أنواع المصائب، بالظاهر لا يوجد شيء، صحته جيدة، دخله، بيته، أولاده، كله كامل، لكنه مهموم، هذا الهم أحد أنواع المصائب الخفية، وأحياناً الله عز وجل يؤدب الصالحين بالهم، الصالح كرامته غالية على الله، قد لا يصيبه بمصيبة ظاهرة تفضحه أمام الناس، لكن قد يصيبه بهم، والهم أحياناً تأديب للمشرك شرك خفي، فالإنسان إن وجد في عقيدته ضعف، من ضعف عقيدته أشرك، خاف من جهة، فعندما خاف من هذه الجهة خوفه منها تأديب من الله عز وجل نظير شركه الخفي، الخوف ليس له مبرر، الأمر بيد الله عز وجل، وأنت مع الله، لضعف في التوحيد صار في خوف، هذا الخوف تأديب من الله، أو عقاب على ضعف التوحيد، أو على الشرك الخفي.

 

2 ـ العجز و الكسل:

 

(( وأعوذ بك من العجز والكسل ))

  المشكلة الثانية: إما أن هذا الشيء تعجز عنه، أو تكسل عن أن تفعله، إما أنه فوق طاقتك، أو أنه ضمن طاقتك لكن لا تملك الإرادة القوية لتحقيقه، هذه مصيبة، الإنسان أحياناً يخفق في حياته، لا ينجح في عمله، لا ينجح في زواجه، لا ينجح في تربية أولاده، إما أن هذا الشي كان فوق طاقته، أو أنه ضمن طاقته لكن عجز عن فعله.

 

3 ـ الجبن و البخل:

 

(( وأعوذ بك من الجبن والبخل ))

  البخيل والجبان واحد، لأنه تهيب أن يفعل هذا الشيء، البخيل تهيب أن ينفق مخافة الفقر، والشيطان دائماً يعد بالفقر، والجبان خاف أن يقتحم الأخطار لأنه ظن أنه قد يفقد حياته، فالجبان يلتقي مع البخيل في أن كليهما تهيب أن يفعل شيئاً قيماً.

 

4 ـ غلبة الدين وقهر الرجال:

 

(( وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال ))

  والإنسان يكون ملء السمع والبصر، فجأة يصبح تحت قهر الدين، والله يستدر، أي يورط الإنسان توريطاً تأديبياً، يكون منحرفاً، متمكناً، معتزاً بماله، يشتري صفقة يراها رابحة، ويراها مغنية، ثم يقدر الله له أن يعلن إفلاسه من هذه الصفقة، عليه دفع و لا يوجد بيع، هذه مشكلة كبيرة مع الله لا يوجد ذكي، أذكى التجار أحياناً يفلس، لأن الإنسان يتحرك برؤيا فإذا أراد ربك إنفاذ أمر أخذ من كل ذي لب لبه، يسحب منه الرؤيا الصحيحة

(( أعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال))

من أراد الله تأديبه سلط عليه من لا يرحمه:

 الإنسان أحياناً يأتيه مصاب من الله عز وجل مباشرة، هو صعب لكنه مقبول من الله مباشرة، مرض، أما إنسان يذله، المصاب مضاعف لأن الإنسان لئيم.
 " والله، والله مرتين، لحفر بئرين بإبرتين، وكنس أرض الحجاز بريشتين، ونقل بحرين زاخرين بمنخلين، وغسل عبدين أسودين حتى يصيرا أبيضين أهون عليّ من طلب حاجة من لئيم لوفاء دين".
 فقهر الرجال صعب، أنا أرى أن من أشد أنواع المصائب أن يقهرك إنسان، أن يذلك إنسان، والعياذ بالله يكون الإنسان مرضه على درجة عالية من الخطورة حتى استدعى أن يذله إنسان، وقد يكون أدنى منه بكثير، علماً، وخلقاً، وأصالةً، وفهماً، وذكاءً، غلبة الرجال، والإنسان يجب أن يعتقد أن الله عز وجل هو الذي يسلط لقوله تعالى:

﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ ﴾

( سورة النساء الآية 90 )

  أحياناً يسلط على الذي يعرفه من لا يعرفه، يسلط على من يعرفه وهو مقصر في طاعته، يسلط عليه من لا يعرفه فيكل له العذاب ألواناً، الإنسان لا يصل مع الله إلى طريق مسدود، لا يصل مع الله إلى مرض خطير يستدعي أن يقهرك إنسان، المؤمن باستقامته، وبطلبه للعلم منور لا يصل إلى هذه المآزق، أما الإنسان إذا أخطأ، وانقطع عن العلم، وتورط، وأكل مالاً حراماً، كشف أمره، سيق إلى التحقيق، أحياناً يعذب أثناء التحقيق عذاباً أليماً، بالأساس هو عندما كان مقطوعاً عن الله، وغفل عن الله، كان أعمى أغراه المال فأخذه، فلما أراد الله تأديبه سلط عليه من لا يرحمه.

 

ضرورة العلم:

 

 لماذا العلم ضروري ؟ العلم حارس، لا يوجد إنسان طالب علم، لا يوجد إنسان يحضر دروس العلم إلا وقد نور الله قلبه، يمكن ألا تجد في الجامع كأس شاي، ضيافة، أبداً، لكن أعظم ضيافة أن الله يقذف النور في قلبك، أعظم ضيافة من الله في بيته أن الله يلقي النور في قلبك، فأنت على بينة تعرف ما ينبغي وما لا ينبغي، ما يجب وما لا يجب، ما يجوز وما لا يجوز، وفي الأعم الأغلب إذا الإنسان أطاع الله عز وجل اسمع الآية:

﴿ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ ﴾

( سورة المائدة الآية 16 )

 السلام له طرق، فعندما أحسن اختيار زوجته، وعاملها بالإحسان، عاش بسعادة زوجية، وعندما أحسن تربية أولاده، و عطف عليهم، كانوا له عوناً، وعندما أحسن بكسب ماله بارك الله بماله، وعندما طبق السنة بصحته تمتع بصحته، الإنسان المستقيم الله يهديه سبل السلام، يهديه الطرائق التي تؤدي إلى راحته، أي من المستحيل أن إنساناً طالب علم يحضر مجالس العلم أن يصل إلى متاهات القهر، إلى متاهات الذل، إلى متاهات أن الله يتخلى عنه، تجده مسدداً من الله، له من الله حافظ و رشيد، رؤيته صحيحة ينطق بالحق، عنده حكمة، هذا كله من ضيافة الله عز وجل في المسجد، ألم يقل: " إنّ بيوتي في الأرض المساجد، وإن زوّارها هم عمّارها، فطُوبى لِعَبْد تطهّر في بيته ثمّ زارني، وحُقّ على المزور أن يُكْرم الزائر ".

 

الإنسان المستقيم يهديه الله سبل السلام و يبعده عن متاهات القهر و الذل:

 

 إكرام الله لك في المسجد أنه يلقي النور في قلبك، تجده متوازناً، هل من المعقول إنسان هجر الصلاة وإنسان لزم الصلاة أن يتساووا عند الله بالدنيا ؟ هل من المعقول أن يكون تارك الصلاة حكيماً وهذا أحمق ؟ بالعكس الذي يصلي مسدد، رشيد، له من الله حافظ، والذي ينقطع عن الله عز وجل أحمق أعمى، كل الورطات بالأمن الجنائي يقولون كلمة: في كل جريمة ابحث عن المرأة، الأصح من ذلك في كل مشكلة ابحث عن المعصية، فمن نور الله قلبه سلك سلوكاً مستقيماً متوازناً.
 أولاً: من الصعب أن يصل إلى متاهات القهر.
 ثانياً: الله يحفظه، لو فرضنا أن الإنسان قد يتورط وهو بريء، هذا ناج منه المؤمن، أعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال.

من خاف الله في الدنيا أمن يوم القيامة ومن أمن في الدنيا خاف يوم القيامة:

 كلمة دقيقة أقولها لكم: مستحيل إنسان يخاف من الله فيما بينه وبين الله والله عز وجل يخوفه من إنسان، مثلاً بالتجارة دخل إلى عندك زبون، طلب بضاعة، أنت خفت من الله أن تغشه، فبينت له، ونصحته، وبعته بسعر معتدل، قال لك: انصحني، فاخترت له أحسن شيء عندك وبسعر معتدل، ما دام أنت فيما بينك وبين الله خفت من أن تؤذي أحد عباده لا يمكن أن يخوفك من موظف تموين، أما عندما يأتي زبون و تلبسه أسوأ بضاعة بأغلى سعر، وتعد نفسك شاطراً وهكذا البيع، وهذه شطارة، يأتي إنسان يجعلك ترجف، يطلب هويتك، يعمل لك ضبطاً.
 احفظوا هذه القاعدة: تخاف منه ويخوفك من غيره مستحيل، مادمت خفت منه يرفع لك شأنك، يرفع لك رأسك، يعزك، لأنك خفت منه، وعندما لا تخاف منه يخوفك من غيره، مستحيل أن يجمع الله عز وجل خوفين وأمنين، إن خفته في الدنيا لا تخافه في الآخرة، وإن أمنته في الدنيا خفته في الآخرة، وكل إنسان الأمور مضبوطة جداً.

(( دَعَوَاتُ الْمَكْرُوبِ اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ أَرْجُو فَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ وَأَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ ))

[ أحمد عَنْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

الدعاء مخ العبادة:

(( مَنْ لَزِمَ الِاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا،وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ))

[ أبي داود وابن ماجه والمستدرك للحاكم عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ]

  أيها الأخوة، هذا الدعاء من عند المعصوم، من عند الذي لا ينطق عن الهوى، البارحة أحد أخوانا يقدم فحصاً بالطب، و الأستاذ صعب جداً، يتلذذ بإيذاء الطلاب، قال: قبل أن يدخل دعا الله فقال: يا رب لين قلبه، وألهمه أن يسألني سؤالاً أنا متمكن منه، فإذا بالأستاذ على خلاف عادته، لأنه دعا الله بإخلاص، فأول ما دخل ابتسم بوجهه، و أعطاه سؤالاً كان قد قرأه بإتقان قبل دقيقتين، فأعطاه علامة تامة، ما الثمن ؟ لأنه وثق بالله، قال: يا رب لين قلبه، وألهمه أن يسألني سؤالاً أنا متمكن منه، إنسان معه دعاء يفرط به ! معه دعاء ينسى الله عز وجل ! أنت بالدعاء أقوى إنسان على الإطلاق، لأنك تستعين بقدرة الله، تستعين بحكمة الله، تستعين بغنى الله عز وجل، اللهم ألهمنا الصواب كلما وجدت مشكلة، وأحياناً المشكلة هدفها أن تتقرب منه، يخلق لك مشكلة حتى يسمع صوتك، حتى تدعوه، فإذا أنت لا تريد مشكلة ادعه من دون مشكلة، يقربك والدعاء مخ العبادة، وهو قمة العبادة.