الترغيب والترهيب - الدرس : 095 - كتاب البيوع وغيرها - ترغيب التجار في الصدق وترهيبهم من الكذب والحلف وإن كانوا صادقين -2

1997-11-03

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

الضيق المادي سبب أكثر أنواع الانحرافات:

  أيها الأخوة الكرام، الصورة المشرقة للتجار ذكرتها البارحة، يقول عليه الصلاة والسلام:

 

(( التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء ))

 

[ رواه الترمذي عن أبي سعيد الخدري]

  لكن الصورة الأخرى القاتمة المخيفة ذكرها النبي عليه الصلاة والسلام فقال:

 

(( عن رفاعة بن رافع رضي الله عنه أنه خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المصلى فرأى الناس يتبايعون فقال يا معشر التجار فاستجابوا لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ورفعوا أعناقهم وأبصارهم إليه فقال: إن التجار يبعثون يوم القيامة فجارا، إلا من اتقى اللَّه وبر وصدق ))

 

[أخرجه الترمذي عن رفاعة بن رافع]

  المال مغري، والمال محبب، والتاجر يغفل عن الله عز وجل، فيجعل همه جمع المال، ولو من طريق غير مشروع، ولو بالكذب والدجل، ولو بالاحتكار، ولو بإيذاء المسلمين، يرفع الأسعار، وينسى أن رفع الأسعار يدمر أسراً بأكملها، رفع الأسعار يسبب انهيار الأسر، الإنسان قبل أن يرفع الأسعار عليه أن يعد للمليون، كلما رفع السعر ضيق على المسلمين، وأكثر أنواع الانحرافات سببها الضيق المادي.
 وسيدنا علي قال: "كاد الفقر أن يكون كفراً".

 

على التاجر أن يدع مصلحته الشخصية و يعبأ بحال المسلمين:

 التاجر يدع مصلحته الشخصية فوق كل اعتبار، ولا يعبأ بحال المسلمين، ولا بتأمين حاجاتهم، هذا فاجر، والفاجر أكبر من العاصي أي وقح، أي رفع عنه جلباب الحياء، نزع عنه القناع، صار وحشاً كاسراً، العوام يقولون: الإنسان إذا زاد ماله قسا قلبه هو ينفق بغير حساب، ويعطي النذر اليسير.
 حدثني أخ يعمل في مؤسسة خاصة ـ القصة قبل خمس أو ست سنوات ـ يعطي هذا الموظف ألفي ليرة في الشهر، يقسم بالله ينفق صاحب المؤسسة في اليوم أربعة آلاف، فلما اعترض قال له: يكفيك هذا المبلغ، وينفق الأربعة آلاف على يد هذا الموظف، يعطيه قائمة كل يوم، دخل كبير ويعطيه ألفين.
 فالإنسان يقسو قلبه قسوة شديدة، يبحث عن زيادة الربح، ويقنن، ويقنن إلى درجة أنه يحرم من حوله، هذا فاجر، هذا يحشر يوق القيامة مع الفجار، إلا من اتقى الله عز وجل، لأن الإنسان أحياناً يبدأ بداية صحيحة، وهو في داخل المعمعة المال يجذبه ويغريه، فيضيق الإنفاق، ويكبر الربح، وربحه وهمي، رزقك الذي تنتفع به فقط، وما سوى ذلك كسب تحاسب عليه ولا تنتفع به، وهناك من الناس من عاش فقيراً ليموت غنياً.

الحلف حنث أو ندم:

  وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال عليه الصلاة والسلام:

(( إنما الحلف ـيعني اليمين ـحنث أو ندم ))

[أخرجه ابن ماجه وأبو يعلى والإمام أحمد عن عبد الله بن عمر ]

 إذا الإنسان حلف أمام حالة، إما أنه سيندم لأنه اتخذ قراراً خاطئاً، أو سيحنث سيخالف يمينه ويقع بالإثم.

 

(( إنما الحلف حنث أو ندم ))

  إما أن يخرق يمينه فيحنث، وإما أن يندم فيحرم، فالإنسان يعود نفسه ألا يحلف، يقول: سأفعل كذا، فإن بدا له ألا يفعل كذا، لا يوجد عليه شيء، أما أن يقول: والله ثم والله ثم والله لن أزور فلاناً، ثم بدا أن يزوره لسبب قاهر وقع في الحنث، وإذا لم يزره تعطلت مصالحه و وقع في الندم.
 يقول عليه الصلاة والسلام:

 

 

(( إنما الحلف حنث أو ندم ))

  ربنا عز وجل قال:

 

 

﴿ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ ﴾

 

( سورة المائدة الآية: 89 )

  لا تحلف لشيء تافه، لا تحلف لشيء طارئ، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:

 

(( ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إِليهم و لا يزكيهم ولهم عذاب أليم ))

 

[ مسلم عن أبي ذر ]

أشد أنواع العذاب يوم القيامة أن تكون محجوباً عن الله تعالى:

 الحقيقة يوم القيامة أشد أنواع العذاب أن تكون محجوباً عن الله.

﴿ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ﴾

( سورة المطففين )

  تؤكد بعض الأحاديث أن المؤمنين ينظرون إلى وجه الله تعالى في الجنة كما يرون القمر ليلة البدر، فيغيبون خمسين ألف عام من نشوة النظرة.

 

﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾

 

( سورة القيامة )

  كل جمال الأرض، وكل جمال الكون مسحة من جمال الله.
 هناك جمال بشري، يقولون: الجمال البشري سيد الجمال كله، هناك جمال نباتات، انظر إلى الورود، جمال أخاذ، ألوان، ورائحة، وتناسق، انظر إلى الأماكن الجميلة، والجبال الخضراء، و الوديان، والبحر الأزرق الصافي، انظر إلى الأطفال قطعة من الجمال، كل جمال الكون مسحة من جمال الله عز وجل، وأنت في الجنة مسموح لك أن تسعد بجمال الله عز وجل، لأن الله جميل

﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ ﴾

متألقة

﴿ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾

توزيع الحظوظ في الدنيا توزيع ابتلاء و في الآخرة توزيع جزاء:

 أشد الناس حمقاً هو الذي يستعجل الملذات في الدنيا، ويضيع الآخرة، الآخرة يجب أن تدخل في حساباتنا اليومية، كل شيء لم يتح لك في الدنيا، وتركته لوجه الله سيأتيك يوم القيامة في أعلى درجة، لأن هناك تسوية الحسابات، الله خلق الناس متفاوتين، منح إنساناً جمالاً أخاذاً، وجعل إنساناً دميماً لحكمة بالغة، أعطى إنساناً صفات للجمال عالية جداً وحرم إنساناً آخر، هذه الدنيا دار ابتلاء، والحظوظ موزعة في الدنيا توزيع ابتلاء، وسوف توزع في الآخرة توزيع جزاء.
 فلذلك:

(( ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إِليهم ولا يزكيهم، ولهم عذاب قال فقرأها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات فقلتُ خابوا وخَسِرُوا مَنْ هُم يا رسول الله قال المُسْبِلُ إزاره والمنّان والمنفِّقُ سِلْعَتَهُ بالحلف الكاذب ))

[ مسلم عن أبي ذر ]

 فالمتكبر يرتدي ثياباً فاخرة ليزهو بها على الناس.

 

من زاد علمه زاد افتقاره إلى الله وزاد تواضعه:

 

((المُسْبِلُ إزاره والمنّان ))

  يطعم ويمنن، يقول له: لحم أكتافك من خيري، لولاي ما كنت صرت إنساناً، كنت وراء البقر، وراء الناس، هذا المنان، هذا المنان نسي الواحد الديان، نسي فضل الله عز وجل، نسي أنه مفتقر لفضل الله عز وجل، فالإنسان كلما زاد علمه زاد افتقاره إلى الله، وزاد تواضعه:

 

(( المُسْبِلُ والمنّان والمنفِّقُ سِلْعَتَهُ بالحلف الكاذب ))

 

[ مسلم عن أبي ذر ]

  يحلف أيماناً مغلظة أن رأسمالها أكثر، و لم يعد يأتي منها، و عليك أن تلحق حالك، كله كذب، يبيع سلعته بالحلف الكاذب.
 الحقيقة التاجر بين أن يكون فاجراً، وبين أن يكون داعية، بين أن يحشر مع النبيين والصديقين والشهداء، وبين أن يكون عند الله مع الفجار، والتجارة هي هي، إذا كان فيها صدق، وأمانة، وإخلاص، وعدم كذب، وعدم مدح.

 

من نجا من عذاب أهل الدنيا بكذبه وقع في مسؤولية أمام الله عز وجل يوم القيامة:

 

 وعن أبي سعيد رضي الله عنه قال:

(( مر أعرابيٌ بشاة فقلت تبيعها بثلاثة دراهم ؟ فقال: لا والله، ثم باعها فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال باع آخرته بدنياه ))

[أخرجه ابن حبان عن أبي سعيد ]

  من علامات آخر الزمان أن الإنسان يصبح مؤمناً ويمسي كافراً، يمسي مؤمناً ويصبح كافراً، عمره سبع و ستون سنة، أحضر الصحن وترك الصلاة مباشرة، جاء بهذا الصحن وسهر الليالي إلى الفجر، وترك الصلاة، فمن تركها فقد كفر.
 بعد سبع و ستين سنة صلاة ترك الصلاة، يصبح مؤمناً، ويمسي كافراً، يمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل، كم إنسان يحلف يميناً على المصحف بقصر العدل كاذباً ؟ والله ألوف، يمين ؟ قال: جاء الفرج، نحلف، وكأنه لا يوجد آخرة، ولا يوجد إله سيحاسب، يضع يده على كتاب الله ويحلف أيماناً مغلظة أنه ما أخذ منه شيئاً، وليس له بذمته شيء، طبعاً هذا اسمه يمين حاسم، تنتهي الدعوة بهذه الطريقة، وينجو من عذاب أهل الدنيا، لكنه وقع في مسؤولية أمام الله عز وجل.

 

(( مر أعرابي بشاة فقلت تبيعها بثلاثة دراهم فقال لا والله ثم باعها فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال باع آخرته بدنياه ))

 

[ ابن حبان عن أبي سعيد ]

حضور مجلس العلم ينور القلب و يزود الإنسان بمنهج صحيح:

 الذي أريد أن أقوله لكم: حضور مجلس العلم ينور القلب، يعطيك مقاييساً صحيحة، يعطيك منهجاً، تجد إنساناً يتحرك حركة كلها معاصٍ، وكلها عدوان، وكلها ظلم، وكلها قهر.
 سمعت عن جهة ترتكب الظلم كل يوم، مؤسسة خيرية لكن انحرفت عن مسارها، فهطلت المطر خلال عشر دقائق كانت خسارتها أربعين مليوناً، الله كبير، قال: الفاتورة تقدر بمئة وخمسين ألفاً، فقالوا له: اخصم لنا خمسة آلاف، فقال لهم: هذه مجموعة أموال من الصدقات فلم يخصم لهم أبداً، و الأسعار تقدر بعشرة أضعاف وهم فقراء، بعشر دقائق خسروا أربعين مليوناً، شيء مخيف، ربنا عز وجل إذا حاسب أدهش حسابه:

﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ﴾

( سورة البروج )

التجارة كسب مشروع و هي في الوقت نفسه مزلق خطر:

 أردت من هذا الدرس أن التجارة مزلق أيضاً كما هي كسب مشروع.

(( إن أطيب الكسب كسب التجار الذين إذا حدثوا لم يكذبوا وإذا ائتمنوا لم يخونوا وإذا وعدوا لم يخلفوا وإذا اشتروا لم يذموا وإذا باعوا لم يمدحوا وإذا كان عليهم لم يمطلوا وإذا كان لهم لم يعسروا ))

[ الأصفهاني و البيهقي عن معاذ]

  هؤلاء التجار الأحباب، أما الفجار يبيعون دينهم بعرض من الدنيا قليل، هذا غير الغش، الغش من المعاصي الكبيرة، وقد تقوم على الغش، تغيير المواصفات، تغيير المواد الأولية، إعلان كاذب عن خصائص بضاعة ليست فيها، يعطونها مظهراً مغرياً وهي في الحقيقة سيئة جداً.

 

الشراكة المبنية على الوفاء والإخلاص و الصدق يوفقها الله عز وجل:

 

 آخر حديث: عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال عليه الصلاة والسلام:

(( أنا ثالِثُ الشَّريكيْن ما لم يَخُنْ أحدُهما صاحِبَه فإذا خانه خرَجْتُ من بينِهما ))

[ أبو داود عن أبي هريرة]

  أي الشراكة مبنية على الوفاء، وعلى الإخلاص، وعلى الصدق، فإذا خان أحد الشريكين خرج من بينهما ربنا جلّ جلاله.
 سألت عن إنسان عنده معمل رائج جداً، فإذا هو معمل منافس، قال لي: لم أتأثر أبداً، فسألته عن السبب ؟ فقال لي: المعمل النافس فيه خيانة بين الشركاء، كل شريك يشتري مادة أولية ويرفع سعرها على شركائه، يأخذ ربحاً خارجياً، فالشركة تنهار، ومثل هذه الشركة يخرج الله من بين الشركاء، لا يوفقها، الشراكة ليس فيها حل وسط، أخلص الله توفق، لا يوجد إخلاص لا يوجد توفيق.

 

(( أنا ثالِثُ الشَّريكيْن ما لم يَخُنْ أحدُهما صاحِبَه فإذا خانه خرَجْتُ من بينِهما ))

 

[ أبو داود عن أبي هريرة]

  قد يُفهم من الخيانة أخذ مبلغ خاص، إذا أخذ مبلغاً خاصاً هذه سرقة، أما الخيانة أنه يطمع شريكه بالبقاء معه، وهو يفكر بأن يدعه خارج الشركة، أي لا يوجد نية التأبيد، هناك نية التوقيت، نية الاستغلال، نية تعلم الخبرة، ثم لفظه خارج الشركة، هذا نوع من الخيانة.