من نور الإيمان - الحلقة : 4 - الآيات الكونية في خلق الإنسان.

2005-10-26

مقدمة :

المذيع :
  أيها الأخوة والأخوات ؛ السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته ، في هذا اللقاء الطيب إن شاء الله الذي نلتقي من خلاله مع حضراتكم ، يسعدنا أن نستضيف سماحة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي ، أستاذ مادة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة ، في كليات الشريعة وأصول الدين ، أيضاً خطيب مسجد النابلسي بدمشق .
 سماحة الشيخ السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته .
الدكتور راتب :
 وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته أستاذ جمال .
المذيع :
 فضيلة الشيخ إذا سمحتم نتحدث اليوم عن آيات كونية لها علاقة بالإنسان ، ودائماً خلق الإنسان شيء فيه إبداع ، وعظمة ، وإعجاز ، كيف نتحدث بداية عن هذا الموضوع ؟ تفضلوا .

آيات الله طريق معرفته :

الدكتور راتب :
 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .
 أستاذ جمال ، أقرب الآيات الدالة على عظمة الله للإنسان جسمه ، الذي هو أقرب شيء إليه ، قال تعالى :

﴿ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴾

[ سورة الذاريات: 21 ]

 وقال تعالى :

﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾

[ سورة التين : 4 ]

 كما تفضلتم قبل قليل هناك آيات كونية ، وآيات تكوينية ، وآيات قرآنية ، و الحقيقة أن طرق معرفة الله عز وجل تنشعب إلى شعب ثلاث ؛ إما أن أعرفه عن طريق آياته الكونية أي خلقه ، وإما أن أعرفه عن طريق آياته التكوينية أي أفعاله ، وإما أن أعرفه عن طريق آياته القرآنية أي كلامه ، ونختص في هذا اللقاء الطيب بآياته الكونية المتعلقة بالإنسان .

أهمية جهاز المناعة المكتسب في حياة الإنسان :

 في الإنسان جهاز بالغ الدقة ، خطير الوظيفة ، هو جهاز المناعة المكتسب ، والحقيقة أستاذ جمال هذا الجهاز هو جيش بكل ما في هذه الكلمة من معنى ، هو خمس فرق ؛ الفرقة الأولى هي فرقة تصنيع السلاح .
 الحقيقة هذا الجهاز موجود في الدم ، بكريات الدم البيضاء ، فالفرقة الأولى فرقة استطلاع ، لأن الكريات البيضاء التي مهمتها الاستطلاع تقترب من الجرثوم الذي دخل إلى الجسم ، لا تقاتله ولا تناوشه لكنها تأخذ شيفرته الكيماوية ، مهمتها استخباراتية ، مهمتها استطلاع، تأخذ هذه الشيفرة ، وتنقلها إلى الفرقة الثانية في هذا الجيش ، وهي فرقة تصنيع السلاح، هذه الفرقة الثانية التي مهمتها تصنيع السلاح موجودة في العقد اللمفاوية ، فهذه الفرقة عندها ذاكرة تفوق حدّ الخيال ، بمعنى لو أن الكرية البيضاء أخذت شفرة جرثوم ، ونقلتها إلى مركز من مراكز تصنيع السلاح ، وصنعت هذه المراكز مصلاً مضاداً لهذا الجرثوم ، يحفظ هذا المصل في ذاكرتها ، فلو عاد الجرثوم بعد سبعين عاماً ملفه قائم ، والمادة تصنع فوراً ، من دون أن تحتاج إلى استطلاع جديد ، حينما يصنع هذا المصل المضاد للجرثوم تنتهي مهمة الفرقة الثانية التي هي فرقة تصنيع السلاح ، الآن الفرقة الثالثة فرقة المقاتلين ، كريات بيضاء مهمتها القتال ، تحمل هذا السلاح المضاد ، الفتاك ، وتتوجه إلى الجرثوم ، وتنشب معركة طويلة بين الجرثوم وبين الكريات المقاتلة ، تنتهي المعركة في أغلب الأحيان بانتصار الجيش الذي جهز الله به الإنسان ، بقي في الأرض جثث ، تأتي فرقة رابعة هي فرقة الخدمات ، نسميها نحن اليوم فرقة المهندسين ، فتنظف أرض المعركة من بقايا الجثث ، وتنتهي مهمتها بهذا ، لكن عالماً جليلاً من علماء الطب ، اكتشف في عام سبعة وستين فرقة خامسة هي فرقة المغاوير ، هذه الفرقة لها مهمات استثنائية ، تستطيع أن تكتشف الخلية السرطانية قبل وقت كبير من أن تفعّل فتلتهمها ، وقد قال العلماء : في كل إنسان ملايين الخلايا السرطانية ، لكن لكل خلية سرطانية قامع يمنع تفعيلها ، ما الذي يفك هذا القامع عنها ؟ قالوا : الشدة النفسية ، فالإنسان حينما تشتد عليه الأمور يضعف جهاز مناعته ، وإذا ضعف جهاز مناعته قويت هذه الخلايا السرطانية ، وفك عنها القامع ، لذلك ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد ، والتوحيد صحة بكل ما في هذه الكلمة من معنى ، التوحيد صحة ، فال تعالى :

﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴾

[ سورة الشعراء : 213 ]

 فالإنسان يعذب نفسه حينما يتوهم أن جهة في الأرض تستطيع أن تنال منه ، أو ترفعه ، أو تخفضه ، أو أن تعزه ، أو أن تذله ، فالذي يفك قامع الخلية السرطانية هو الشدة النفسية ، وقد ورد هذا في القرآن الكريم فقال تعالى :

﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ ﴾

[ سورة آل عمران : 119]

 فالغيظ مميت أحياناً .
المذيع :
 التوتر النفسي .
الدكتور راتب :
 نعم ، التوتر النفسي .
المذيع :
 الضغط النفسي .
الدكتور راتب :
 الضغط النفسي ، وحياتنا في العصر الحديث مفعمة بالضغوط النفسية ، وكلما ابتعد الإنسان عن هذه التعقيدات واقترب من فطرته كانت صحته أقوى .
المذيع :
 الحل ، سماحة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي ؟ الحل إذاً من خلال كلامكم هو نور الإيمان ، نور الإسلام الساطع ، الذي ما إن دخل القلب إلا جعله شيئاً مريحاً وشيئاً يعتز فيه الإنسان .

مهمات استثنائية لفرقة المغاوير في جسم الإنسان :

الدكتور راتب :
 هذه الفرقة الخامسة فرقة المغاوير لها مهمات استثنائية ، فهذه الفرقة تمنع الخلايا السرطانية من أن تفعل فعلها ، وقد تلتهمها في وقت مبكر ، والذي يفك القامع كما قلت قبل قليل البترول ؛ مواد البترول .
المذيع :
 أي الوقود .
الدكتور راتب :
 الوقود ، عندما ننظف محرك سيارة ولا ننظف أيدينا جيداً لابد من أن تصل هذه المواد إلى جهازنا الهضمي ، والبترول والبلاستيك يمكن أن يسبب أمراضاً خبيثة .
 البلاستيك كيف يسبب الأمراض ؟ المواد الحارة مع البلاستيك ، أو المواد الحامضية ، أو حينما أكشط بالسكين مادة غذائية حفظت في كيس نايلون ، فهذه المواد قد تصل إلى جهازي الهضمي ، طبعاً هذا أحدث بحث في قضايا السرطان ، البلاستيك ، والبترول ، والشدة النفسية ، والإشعاع الذرّي ، هذه أربع مواد تفك القامع ، لكن الفرقة الخامسة فرقة المغاوير مهمتها التهام الخلايا السرطانية التي فك قامعها في وقت مبكر .

تمتع جهاز المناعة المكتسب بخصائص مذهلة :

 جهاز المناعة المكتسب ؛ جهاز يتمتع بخصائص مذهلة ، من هذه الخصائص أن الكريات البيضاء تحتاج إلى إعداد- فرق مقاتلة - أو بالأصح الفرقة السادسة من الكريات البيضاء التي مهمتها القتال هذه تخضع لدورة ، هذه الدورة أين ؟ في غدة صغيرة جداً إلى جانب القلب اسمها : التيموس ، لا تزيد عن حبة العدس .
 بعد اختراع المجاهر الإلكترونية كبرت أربعمئة مرة ؛ فإذا هي مدرّج كالمدرّج الروماني ، وهذه الكريات البيضاء التي دخلت هذه المدرسة الحربية كي تتأهل لأداء مهمتها في جسم الإنسان جالسة على المدرّج وكأنها طلاب علم ، سماها الإنسان : الخلايا التّائية الهمجية لأنها تملك سلاحاً فتّاكاً ، ولا تعرف من هو العدو ، ولا من هو الصديق ، ففي دخولها إلى غدة التّيموس ، وبقائها سنتين ، تتدرّب على العناصر الصديقة ، والعناصر العدوّة ، شيء لا يصدق، تتعلم هذه الكريات عشرات الألوف من العناصر الصديقة فلا تقربها ، وتتعلم عدداً كبيراً من العناصر العدوّة المؤذية ، فمهمتها أن تلتهمها أو أن تقضي عليها ، لكن بعد مضي سنتين في هذه الكلية الحربية الحقيقة أستاذ جمال هذه الغدة التيموس الأطباء إلى عقد من الزمن كانوا يصرون على أن هذه الغدة ليس لها وظيفة إطلاقاً في جسم الإنسان ، وذلك لأنها تضمر بعد سنتين من نمو الطفل ، تضمر ضموراً كلياً وتتلاشى ، فلما رأى الأطباء أنها تضمر توهموا أنها لا وظيفة لها ، لكن ثبت الآن أنها تقوم بأخطر وظيفة في جسم الإنسان ، إنها تؤهل الفرقة الثالثة في جهاز المناعة المكتسب ، وهي فرقة القتال ، هذه الفرقة من دون أن تعرف من هو الصديق ، ومن هو العدو ، تؤذي كثيراً ، إذاً تدخل هذه الغدة التيموس كي تتعلم من هو الصديق ، ومن هو العدو ، وكأية جامعة ، وكأية مدرسة ، وكأية مؤسسة تعليمية ، لابد من امتحان ، فهذه الكريات التي قبعت في هذه الغدة سنتين ، وتعلمت دروساً بليغة بطريقة لا يعرفها أحد تخضع لامتحانين ، الامتحان الأول : تعطى هذه الكرية عنصراً صديقاً ، فإذا لم تقتله نجحت ، وإذا قتلته رسبت وتقتل، عقاب رسوبها أنها تقتل ، ثم تعطى بمخرج امتحاني آخر عنصراً عدواً فإذا قتلته تنجح ، وإن تركته ترسب فتقتل ، بالنتيجة هذا الكم من الكريات البيضاء التي مهمتها القتال تخضع لدورة مقدارها سنتين في هذه الغدة ، فإذا تخرجت انتهت مهمة المدرسة الحربية فتضمر ، الآن هؤلاء الخريجون من الكريات البيضاء مهمتهم تعليم الأجيال الصاعدة إلى نهاية الحياة ، وهكذا . . .
 لكن يوجد شيء يلفت النظر أنها بعد الستين تقريباً تضعف قدرتها على التعليم ، يصبح هناك شيء اسمه : الخرف المناعي ، بمعنى أن هذا العنصر المقاتل بدل أن يقاتل العدو يقاتل الصديق ، وكأن حرباً أهلية تجري في جسم الإنسان ، لذلك أحد أكبر الأمراض التهاب المفاصل الرخوي ، هذا المرض سببه حرب أهلية في الجسم البشري ، أي الكريات البيضاء المقاتلة التي تحمل سلاحاً فتاكاً ضعف تعليمها فهاجمت الصديق بدل العدو .

خاتمة وتوديع :

المذيع :
 سماحة الشيخ هذا الحديث الشيق فعلاً والعلمي والرائع إن دلّ على شيء إنما يدل على عظمة الله عز وجل في تكوين الإنسان .
 نشكركم سماحة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي على هذا اللقاء البديع فعلاً .
 أهلاً وسهلاً بك ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
الدكتور راتب :
 وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته .