من نور الإيمان - الحلقة : 2 - التوحيد والعبادة.

2005-10-24

مقدمة :

المذيع :
 أيها الأخوة والأخوات ؛ السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته ، في هذا اللقاء الطيب إن شاء الله الذي نلتقي من خلاله مع حضراتكم ، يسعدنا أن نستضيف فضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي ، أستاذ مادة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة ، في كلية الشريعة وأصول الدين ، أيضاً خطيب جامع النابلسي بدمشق ، سماحة الشيخ السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته .
الدكتور راتب :
 وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته أستاذ جمال .
المذيع :
 سماحة الشيخ ، الله عز وجل إله واحد ، خالق كل شيء ، رب كل شيء ، له الخلق والأمر وإليه المصير ، في السماء إله واحد ، وفي الأرض إله واحد ، كيف نتحدث في هذه اللحظات المباركات من شهر رمضان المبارك عن الله سبحانه الذي يملأ القلب دائماً ؟

الدين توحيد وعبادة :

الدكتور راتب :
 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .
 أستاذ جمال قيل : ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد ، والتوحيد هو لب الإسلام ، بل هو محور رسالات السماء ، قال تعالى :

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الأنبياء: 25 ]

 يمكن أن نضغط الدين كله في كلمتين : توحيد وعبادة ، والتوحيد نهاية العلم ، والعبادة نهاية العمل ، إله واحد ؛ خالق كل شيء ، رب كل شيء ، له الخلق والأمر ، وإليه المصير ، في السماء إله ، وفي الأرض إله ، فعّال لما يريد :

﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾

[ سورة هود: 123 ]

 ووحده الجدير أن يعبد فلا يجحد ، و أن يشكر فلا يكفر ، وأن يطاع فلا يعصى .
 روى الشيخان في البخاري ومسلم عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال : كنتُ رِدْيفَ النبي صلى الله عليه وسلم فقال لي : يا معاذَ ، ما حقُّ الله على العباد وما حقُّ العباد على الله ؟ قلت : الله ورسوله أعلم - وهذا من أدبه الجم - قال عليه الصلاة والسلام : حقَّ الله على العباد أن يعبدوه ، لأن العبادة هي علة وجودهم :

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الذاريات: 56]

(( ما حقُّ العباد على الله إذا هم عبدوه ؟ قلتُ: الله ورسوله أعلم ، قال : حقُّ العباد على الله ألا يعذِّبهم ))

[البخاري ومسلم والترمذي عن معاذ بن جبل]

لوازم التوحيد :

 أيها الأخوة المستمعون ؛ تحدثت عن تعريف التوحيد ، وهأنذا أنتقل إلى لوازم التوحيد.
 من لوازم التوحيد ألا يتخذ الإنسان من دون الله رباً يعظمه كما يعظم الله :

﴿ قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾

[ سورة الأنعام : 164]

 فلو اعتقد أن جهة غير الله يمكن أن تعطي أو أن تمنع ، يمكن أن تخفض أو أن ترفع ، يمكن أن تعز أو تذل - مستقلة عن إرادة الله - فقد أشرك :

﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

[ سورة آل عمران : 26]

 ومن لوازم التوحيد أيضاً ألا يتخذ الإنسان من دون الله ولياً ، يحبه كحب الله :

﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾

[ سورة الأنعام : 14]

﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وأ بْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ ﴾

[ سورة فصلت : 30-32]

 أستاذ جمال ، جزاك الله خيراً على هذه الندوات ،ـ ومن لوازم التوحيد أيضاً ألا يتخذ الإنسان من دون الله حكماً ، يطيعه كما يطيع الله :

﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً﴾

[ سورة الأنعام : 114]

﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُبِيناً﴾

[ سورة الأحزاب : 36]

المذيع :
 فضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي الحديث جميل وشيق حول عبادة الله سبحانه وتعالى ، من ثمار الإيمان وثمار التوحيد هناك ثمار يانعة تعود في الواقع على الإنسان الذي هو المبتغى دائماً ؟

ثمار التوحيد :

الدكتور راتب :
 في الحقيقة أن التوحيد له تعريف ؛ وقد سبق أن عرفته ، وله لوازم وقد تحدثت عنها ملياً ، بقي كما تفضلتم ما ثمار التوحيد ؟
 من ثمار التوحيد اليانعة أن التوحيد هو في الواقع تحرير للإنسان من كل عبودية ، إلا لربه الواحد الديان ، الذي خلقه فسواه وكرمه ، التوحيد تحرير لعقله من الخرافات والأوهام ، التوحيد تحرير لضميره من الخضوع والذل والاستسلام ، التوحيد تحرير لحياته من تسلط الأرباب والمتألهين ، ومن ثمار التوحيد اليانعة أيضاً أن التوحيد يعين على تكوين الشخصية المتزنة التي توضحت في الحياة وجهتها ، وتوحدت غايتها ، وتحدد طريقها ، فليس لها إلا إله واحد تتجه إليه في الخلوة والجلوة ، وتدعوه في السراء والضراء ، وتعمل على ما يرضيه في الصغيرة والكبيرة ، ففي القرآن :

﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾

[ سورة يوسف : 39]

 وفي آية أخرى :

﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة الزمر : 29]

 وأضيف ومن ثمار التوحيد أيضاً يملأ نفس صاحبه أمناً وطمأنينة ، فلا تستبد بها المخاوف التي تتسلط على أهل الشرك ، فقد سد الموحد منافذ الخوف التي يفتحها الناس على أنفسهم ، الخوف على الرزق ، والخوف على الأجل ، والخوف على النفس ، والخوف على الأهل والأولاد ، والخوف من الأنس ، والخوف من الجن ، والخوف من الموت ، والخوف مما بعد الموت .
المذيع :
 إذاً دكتور محمد راتب النابلسي من ثمار التوحيد أنه يعود نفعاً على الأخ المؤمن ، المسلم ، الموحد ، الذي عشق ربه ، الذي عشق الله سبحانه وتعالى ، هذا ينعكس على بناء نفسية الإنسان ، ثم على بناء مجتمعه ؟

انعكاس ثمار التوحيد على نفسية الإنسان ثم على بناء مجتمعه :

الدكتور راتب :
 هو صحة نفسية ، أي المؤمن الصادق الموحد لا يخاف إلا الله ، ولا يخشى إلا الله ، ولا يرجو غير الله ، لهذا تراه آمناً إذا خاف الناس ، مطمئناً إذا قلق الناس ، هادئاً إذا اضطرب الناس :

﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾

[ سورة الأنعام : 81-82]

 قال تعالى :

﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴾

[ سورة الشعراء : 213]

 أحد أكبر أسباب العذاب النفسي الشرك بالله .
 ومن ثمار التوحيد اليانعة أيضاً أن التوحيد مصدر لقوة النفس إذ يمنح التوحيد صاحبه قوة نفسية هائلة ، حيث تمتلئ نفسه من الرجاء بالله تعالى ، والثقة به ، والتوكل عليه ، والرضا بقضائه ، والصبر على بلائه ، و الاستغناء به عن خلقه ، هو راسخ كالجبل لا تزحزحه الحوادث ، ولا تزعزعه الكوارث :

﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴾

[ سورة الشعراء : 213]

﴿فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾

[ سورة هود : 55-56]

 ومن ثمار التوحيد أيضاً أن التوحيد أساس الأخوة الإنسانية ، والمساواة البشرية ، لأن الأخوة والمساواة لا تتحققان في حياة الناس ، إذا كان بعضهم أرباباً لبعض ، أما إن كان الناس جميعاً عباداً لله ، والله فوق الخلق ، هو الخالق ، والمربي ، والمسير ، والرازق ، هو الحكم، إليه المصير عندئذ تتحقق المساواة بين الناس ، ويأتلف بعضهم لبعض ، وهذه بعض ثمار التوحيد ، وقد قيل : ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد ، وقيل أيضاً : نهاية العلم التوحيد ، ونهاية العمل التقوى ، والتوحيد هو لب الإسلام ، بل هو محور رسالات السماء . قال تعالى :

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الأنبياء : 25]

 يمكن أن نضغط الدين كله في كلمتين : توحيد وعبادة ، والتوحيد نهاية العلم ، والعبادة نهاية العمل ، إله واحد ، خالق كل شيء ، رب كل شيء له الخلق والأمر وإليه المصير، في السماء إله ، وفي الأرض إله .
المذيع :
 فضيلة الشيخ الدكتور راتب النابلسي ، أنت أستاذ مادة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة ، في كليات الشريعة وأصول الدين ، ماذا وكيف نتحدث عن آيات الله عز وجل في الآفاق؟ كنتم قد تحدثتم في حلقات سابقة عن تكوين الإنسان ، كيف نتحدث عن آيات الله سبحانه وتعالى في الآفاق ؟

آيات الله سبحانه وتعالى في الآفاق :

الدكتور راتب :
 جزاك الله خيراً على هذه الندوة .
 في القرآن الكريم آية يقول الله فيها :

﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا ﴾

[ سورة فاطر : 41]

 إن الأرض تدور حول الشمس في مسار إهليلجي - أي بيضوي - ومعلوم أن المسار الإهليلجي له قطران ؛ قطر أكبر ، وقطر أصغر ، فسرعة الأرض - كما تحدثت في حلقة سابقة -ـ ثلاثون كيلومتراً في الثانية ، فحينما تتجه الأرض إلى القطر الأصغر تقل المسافة بينها وبين الشمس ، ومعلوم أن قانون الجاذبية يتعلق بالكتلة ، وبمربع المسافة بين الكتلتين ، فكلما قلت المسافة بين كتلتين ازداد جذب الكتلة الأكبر إلى الكتلة الأصغر ، إذاً هناك احتمال كبير أن ترتطم الأرض بالشمس ، وأن تتبخر في ثانية واحدة ، لأن الشمس حرارتها على سطحها ستة آلاف درجة ، أما في مركزها فعشرون مليون درجة فالأرض يمكن أن تتبخر في ثانية واحدة، ما الذي يمنع انجذاب الأرض إلى الشمس وانتهاء الحياة على سطحها ؟ لأن المسافة قلّت في أثناء دورانها حول الشمس . الله جل جلاله يرفع سرعة الأرض بحيث ينشأ عن هذه السرعة الجديدة قوة نابذة جديدة تكافئ القوة الجاذبة الجديدة فتبقى في مسارها :

﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا ﴾

[ سورة فاطر : 41]

 تتابع الأرض سيرها ، فإذا وصلت إلى القطر الأكبر ، ما معنى وصلت إلى القطر الأكبر؟ أن المسافة بينها وبين الشمس زادت ، ومع ازدياد المسافة تضعف الجاذبية ، فهناك احتمال كبير أن تتفلت الأرض من مسارها حول الشمس ، وتمشي في الفضاء الخارجي ، عندئذ تصبح حرارتها مئتين وسبعين تحت الصفر ، وتنتهي الحياة أيضاً ، فإذا قال الله عز وجل :

﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا ﴾

[ سورة فاطر : 41]

 الزوال الأول انحرافها عن مسارها ، أما الزوال الثاني فتلاشيها ، إذا وصلت إلى الشمس تبخرت في ثانية ، وإذا ابتعدت عن مسارها حول الشمس تجمدت وانتهت الحياة من على سطحها .

خاتمة وتوديع :

المذيع :
 إذاً أهم شيء في هذه الدنيا أن نعرف الله عز وجل .
 سماحة الشيخ دكتور محمد راتب النابلسي أستاذ مادة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة ، في كليات الشريعة وأصول الدين نشكركم الشكر الجزيل على هذا الفيض المعطاء ، العلم الثر ، أهلا وسهلاً بك ، و السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته .
الدكتور راتب :
 وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته .