الدرس : 3 - سورة الحاقة - تفسير الآيات 37-52

1997-07-11

القرآن كلام الله
الحمد لله رب العلمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام... مع الدرس الثالث والأخير من سورة الحاقَّة، ومع الآيات الأخيرة التي تبدأ بقوله تعالى:

﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (38) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (39) ﴾

أيها الإخوة... القرآن الكريم آياته محكمة، فحينما قال الله عزَّ وجل:

﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (19) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (20) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (21) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (22) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (23) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ(24)﴾

( سورة المعارج )

اللهمَّ اجعلنا من هؤلاء..

﴿ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (25) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (26) يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (27) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (28) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (29) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (30) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (31) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ (32) إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (33) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (34) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (35) وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (36) لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ(37)﴾

كيف السبيل إلى دخول الجنة ؟ كيف السبيل إلى أن نكون من هؤلاء الأوائل الذين أوتوا كتابهم بيمينهم ؟ الذين هم..

﴿ َ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (21) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (22) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (23)﴾

هؤلاء الذين يتنعَّمون بما أسلفوا في الأيام الخالية، كيف نكون من هؤلاء ؟ ربنا جلَّ جلاله في آخر هذه السورة رَسَمَ لنا الطريق، يقول الله عزَّ وجل:
المرئيات وغير المرئيات:

﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (38) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (39)﴾

ما معنى لا أقسم ؟ إن هذه كأس الماء ترونها جميعاً، فهل يحتاج إلى أن أُقسِم على أنها كأس ماء ؟ الشيء البديهي المُسَلَّم به الواضح كالشمس لا يحتاج إلى قسم، فالمُسَلَّمات التي تتفق مع الفطرة لا تحتاج إلى قسَم، هل تحتاجون إلى أن أُقسِم لكم أن الأب أكبر من الابن ؟ من منّا يُصدّق أن الابن أكبر من الأب من حيث السن ؟ مستحيل لأن الفرع يكون دائماً أصغر من الأصل، والجزء أصغر من الكل، هذه مسلَّمات، فلو أن إنساناً أقسم لكم أن عُمُرَ الأب أكبر من عمر الابن لكان هذا القسَم لا معنى لأن هذه الحقيقة تُدرك بالفطرة، ولو أنك سألت أهل الأرض جميعا ً: من هو الأكبر الأب أم الابن ؟ لقيل لك: الأب.. و توجد حالات نادرة و قضايا اجتماعية أخرى، هذه موضوع آخر..
سئِل سيدنا العبَّاس: أيهما أكبر أنت أم رسول الله ؟ فقال: " هو أكبر مني، وأنا ولدت قبله "، هذا أدب رفيع جداً، أما من حيث العمر الزمني ؛ من حيث عدد السنوات التي يعيشها الإنسان فليس منّا واحدٌ يصدّق أن عمر الابن أكبر من عمر الأب، هذه الحقيقة البديهيَّة الواضحة الناصعة البسيطة التي يُدرٍكها الإنسان بالفطرة التي تنطوي تحت المُسَلَّمات لا تحتاج إلى قسَم، و هذا معنى قول الله عزَّ وجل:

﴿ فَلَا أُقْسِمُ ﴾

أي أن هذه الحقيقة لشدة وضوحها ونصاعتها وبديهيتها، وانسجامها مع فطرة الإنسان لا تحتاج إلى قسَم..

﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (38) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (39)﴾

هذه الآية فيها لفتة علمية عميقة جداً..
نجوم السماء:
لو نظرنا مثلاً إلى السماء، فماذا نرى ؟ قرأت مرَّةً أن بعض المراصد المتواضعة تستطيع أن تعدّ عشرة آلاف نجمة، أما الحقيقة التي عرفها العلماء اليوم، والتي لا تُرى بالعين هي أن في الكون قريب من مليون مليون مجرّة، وفي المجرّة الواحدة قريب من مليون مليون نجم، أي مليون مليون (× )مليون مليون، أي: واحد أمامه اثنا عشر صفراً (×) واحد أمامه اثنا عشر صفراً، والعملية ضرب وليس جمع، فالناتج هو عدد النجوم التي توصَّل إليه العلماء بالمراصد العملاقة، أما هذه العين التي في رؤوسنا في إحدى الليالي التي غاب فيها القمر، فلو نظرنا بها إلى السماء لا نستطيع أن نعد أكثر من عشرة آلاف نجمة، فعشرة آلاف النجمة هذه هي مما نبصر، والمليون مليون (×) مليون مليون نجم مما لا نبصر، فكأن الذي لا نبصره أعظم بكثير من الذي نبصره، فالله سبحانه وتعالى أشار إشارةً إلى أن في الكون حقائق لا أحد يُبصرها..

﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ ﴾

محدودية الحواس نعمة كبرى:
رأيت قرصاً عليه كثيرة، ما يقرب من مائة واثنين وستين مليون معلومة، و ثمن كتبه مائتا ألف ليرة سورية، وهو قرص صغير، فانظر إلى المعلومات فهل تستطيع بعينك أن تنظر إلى هذه المعلومات ؟ مستحيل، فالحواسّ محدودة، و محدوديتها هذه نعمةٌ كبرى، فأحدنا الآن يُمسك بكأس ماء فيراه صافياً، فتتوق نفسه إلى شربه، أما لو وضعت هذا الماء تحت مجهر لرأيت فيه من الكائنات الحيَّة والبكتريا ما تعاف نفسك أن تشربه، فلا تشربه أبداً، لكن الحواسّ محدودة، فقد تنظر إلى ابنك الصغير ذي الجلد المتألِّق الأملس، ولكنك لو وضعت هذا الجلد تحت مكبّر مجهري إلكتروني لوجدت أخاديد، وجبالاً وتلالاً وودياناً على خدِّه، فمن نعمة الله عزَّ وجل أن الحواس التي أودعها الله فينا حواسّ محدودة، و أحياناً تُجْرَحُ يدك قليلاً فإذا أكلت طعاماً حامضاً تشعر بألم لأن الأعصاب الحسَّاسة في الطبقة الثانية من الجلد، و لو أنها مكشوفة لأصبحت حياة الإنسان جحيماً لا يُطاق، من هنا قال الله عزَّ وجل:

﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾

( سورة القمر )

فالحواس محدودة، و هذه العين لها عَتَبَة ودنيا، وعتبة قصوى، لذلك توجد أشعة فوق الحمراء وتحت البنفسجية لا نراها نحن، فالحواس إذاً لها عتبات، فالعين لها عتبة رؤية، والأذن لها عتبة استماع، وكل شيءٍ له حدود، فحواسُّنا محدودة، وعدم الرؤية لا يدل على عدم الوجود، وأكبر حماقةٍ ارتكبها الإنسان في مطلع عصر النهضة أنه أصبح حسِّياً لا يؤمن إلا بما يرى..
وقد سأل معلمٌ طلاَّبه: هل ترون الله ؟ قالوا: لا، قال: إذاً هو غير موجود، فقال له أحد الطُلاَّب: هل نرى عقلك يا أستاذ ؟ قال: لا، فقال له: إذاً أنت ليس لك عقل. ليس كل شيءٍ لا يُرى لا يوجد، وعدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود، و هذه حقيقةٌ مهمةٌ جداً وهي محور الدرس..

﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (38) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (39)﴾

البحار..
لو أنك وقفت على ساحل بحر ماذا ترى ؟ إنك ترى مياهاً زرقاء، فلو أن إنسان غاص إلى أعماق البحر لرأى العجب العُجاب ؛ من الجزر المرجانية،و النباتات البحرية والطحالب، و مليون نوع من السمك، وقد ورد في الموسوعة العلمية أن الحقيقة الثابتة أن في البحر مليون نوع من السمك، فماذا رأيت من البحر ؟ و باطن البحر مما لا نبصر.
الحقيقة تقول: أن الذي لا نبصره أكبر بكثير إذا قيس إلى الذي نبصره، بل إن الذي نبصره لا شيء إطلاقاً أمام الذي لا نُبصره، فربنا عزَّ وجل يشير إلى هذه الحقيقة.
الأحياء الدقيقة:
مرَّة رأيت في مجلّة علمية مكعَّبأً من التراب.. وفي داخل هذا المتر المكعب من التراب ما يزيد عن عشرة آلاف مخلوق، من البكتيريات والحشرات و ديدان التربة، و هذه لا تراها، فأنت ترى حقلاً، لكنك لا تعلم كم حيواناً يعيش تحت التراب ؟ هذا مما لا تُبصر، ونحن نتحدث هنا عن الحشرات والأشياء التي يمكن أن نراها، أما التي لا تراه الأعين فهو أكبر بكثير.
الزغابات المعوية و شعر الرأس:
من منّا رأى أن أمعاءه الدقيقة فيها زُغابات تتبدل كل ثمانية وأربعين ساعة ؟ عمر الخلية في زُغابة الأمعاء ثمانيةٌ وأربعون ساعة، تتبدَّل كل يومين، أي منذ أن ولدت إلى الآن كل يومين يوجد تبدل في خلايا الأمعاء الدقيقة التي تمتص، وهذا الشعر الذي في رأسك من منّا يصدق أن لكل شعرةٍ وريداً، وشرياناً، وعصباً، وعضلةً، وغدّةً دهنيةً، وغدّةً صبغية ؟
خلايا الدماغ والعصب البصري:
من منّا يصدق أن في رأسه مائة وأربعين مليار خلية استنادية في الدماغ لم تُعرف وظيفتها بعد ؟ من منّا يصدق أن في شبكية الدماغ مائة وثلاثين مليون عصيّة ومخروط ؟ وأن العصب البصري قد يصل إلى تسعمائة ألف عصب، وهذه الخطوط لا تتداخل، فقد تتصل أحياناً بإنسان فتسمع مكالمة ثانية، فمن أين جاءت هذه المكالمة الثانية؟ من تداخل هذه الخطوط، أما تسعمائة ألف عصب فلا يمكن أن تتداخل فيما بينها، وهي تنقل الصورة إلى الدماغ حيث الإدراك، فأنت وحدك كونٌ كامل، فالحديث عن العين لا ينتهي بأشهر، والحديث عن الدماغ لا ينتهي بأشهر، و الحديث عن أعضاء النُطق كذلك، فكل حرفٍ تنطق به تسهم في تكوينه سبعة عشر عضلة، فكم حركة عضلية يحتاجها إلقاء كلمة خلال ساعة حتى لتصنع هذه الحروف ؟ وكم حرفاً صنع كلمة ؟ وكم كلمة صنعت جملة ؟ وكم جملة صنعت محاضرة ؟

﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (38) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (39)﴾

الحوينات والنسج:
في اللقاء الزوجي الواحد هناك خمسمائة مليون حوين هل تراها أنت ؟ هل بإمكانك أن تعدَّها واحدةً واحدة ؟ كل حوين له رأس، وله عنق، وله ذيل، وكائن حيّ فيه مكونات، وفيه مليون معلومة مورِّثة، أين هذا كلّه؟ و الآن توجد مجاهر إلكترونية تكبّر بعض النسج أربعمائة ألف مرَّة، و الشيء الذي يُرى بالصور لا يُصدَّق، توجد صور للسان، و صور لشبكية العين، و صور لأعضاء الأذن، و صور لجدار المعدة، و صور للأمعاء، وصور لخلايا الكبد، و صور للجلد، و صور للخلية العظمية، فأنت ترى عظماً أملس ولكن هل تصدّق أنَّ عظمك إسفنجي ؟ لأنه لو كان أَصَمّ لأصبح وزنك الضعف، ومعنى أن يكون وزنك الضعف هو أنك تحتاج إلى قلب مضاعَف، و تحتاج إلى طاقة مضاعَفة، فيجب أن تأكل الضعف، أما العظم المخلخل فهو أمتن، لأن المُفَرَّغ أمتن، و عنق الفخذ يحمل خمسمائة كيلو، وعظم الفخذ له عنق لكي يكون الإنسان منظره جميل، فيكون من الوسط أعرض من الصَدر ومن الأرجل، ولهذا يوجد عنق لعظم الفخذ، هذا العنق يحمل خمسمائة كيلو، فهل تبصر خلية العظم كيف تكون ؟
عظمة الكون:
الآن طبعاً يوجد تقدّم علمي مذهل ؛ فقد وصلوا إلى الفضاء، و تراهم يقولون: غزونا الفضاء.. تأدَّبوا مع الله، الفضاء الذي غزوتموه سابقاً يبعد عن الأرض ثانية ضوئية واحدة.. و القمر يبعد عن الأرض ثانية ضوئية واحدة..، وقد حَطَّت مركبة على كوكب المريخ، لكن الأرض، والمريخ، والزهرة، وعطارد، والمشتري، وكل هذه المجموعة الشمسية أقصى قطرٍ لها هو ثلاثة عشر ساعة، و القمر ثانية ضوئية، ولكن هذه المجرّة التي تبعد عنّا ثلاثمائة ألف بليون سنة ضوئية لا يمكن لك أن تراها، فهي ثلاثمائة ألف بليون، وقبل عامٍ ونصف أذاعت إحدى محطَّات الأخبار العالمية خبراً عن اكتشاف مجرّةٍ من خلال مرصدٍ عملاق رُكِّب على مركبةٍ فضائية أُرسلت إلى المشتري، وبقيت تسير في الفضاء الخارجي ست سنوات، وإلى جانب المشتري التقط هذا المرصد العملاق صورة مجرّة تبعد عن الأرض ثلاثمائة ألف بليون سنة ضوئية، فهل ترى أنت هذه المجرَّة ؟ إنَّ أقرب نجمٍ ملتهبٍ إلى الأرض يبعد عنّا أربع سنوات ضوئية، و لو أردت أن تصل إليه فإنك تحتاج إلى خمسين مليون سنة، و الأربع سنوات ضوئية تحتاج إلى أن تصل إليها خمسين مليون سنة، فهذا الإله العظيم الذي يقول لك:

﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (38) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (39)﴾

فهل من الممكن أن تكتشف الخلية الإنسانية، ولتكن هذه الخلية الحوين المنوي، أو خلية من الثدي التي تستخدم في الاستنساخ، إنَّ هذه الخلية يوجد عليها أكثر من مليون معلومة مبرمجة ؟ وكل معلومة لها علاقة بتكوينك، فيوجد مورّث للطول، و مورّث للون، ومورث للشعر، وموَرِّث للمرض الفلاني، ومورث للسرطان، و كل مورث عبارة عن أمر مبرمج معقَّد جداً، العلم الأول الآن في علم الطب هو الهندسة الوراثية، فهم يريدون أن يعرفوا سرّ تكوين الإنسان، لماذا هذا الإنسان يتحمَّل بعض الجراثيم وهذا لا يتحمّل ؟
أيها الإخوة... هذه الآية الكريمة:

﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (38) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (39)﴾

ماذا ترى في الجو ؟ في أحد السنين كانت الحرارة في المملكة العربية السعودية أثناء أداء فريضة الحج ست وخمسين، ونحن في الطائرة قالوا: نحن على ارتفاع أربعين ألف قدم والحرارة خمسين تحت الصفر، أما على الأرض فهي ستة وخمسين فوق الصفر، فيوجد فرق مائة درجة، فهل ترى ذلك أنت ؟ الآن توجد طائرات ومركبات فضائية ومراصد، و مجاهر الإلكترونية ترى هذه الخلايا ؛ وهذه الكريات الحمراء و البيضاء، فهل تعلم أنه في كل ثانية يولِّد نقي العظام اثنين ونصف كرية حمراء ؟ وأنه في كل ثانية تموت اثنان ونصف مليون كريَّة حمراء ؟ وأن هناك مرضاً عضالاً يوقف هذه المعامل عن تصنيع الكريَّات واسمه فقر الدم اللامصنع ؟ و هذا المرض لا يوجد له الآن شفاء..

﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (38) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (39)﴾

ومن يحرك هذا الطفل حينما يبلغ التسعة أشهر، فيقلبه رأساً على عقب ؟ قيل: هو أمر هرموني، لكن هل رأيت أنت هذا الأمر ؟ ومن الذي يوسّع عظم الحوض في المرأة؟ قيل: أمر هرموني ثان، و من الذي يجعل الرحم يتقلّص تقلصاتٍ لطيفة متزامنة متقاربة ؟ أمر هرموني ثالث، هذا شيء لا يُصدّق، لأن آلية الولادة من آيات الله الدّالة على عظمته.

﴿ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾

( سورة عبس )

أنا لا أتكلّم الآيات بشكل مُنَظّم، قال تعالى:

﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (38) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (39)﴾

الذي لا نبصره من حيث الكم يساوي ملايين ملايين ملايين الأضعاف عن الذي نبصر، ومن حيث التعقيد أقول: إن الأشياء التي تراها بسيطة أما الأشياء التي لا تراها فهي معقَّدة جداً.
تضيق الأوعية الدموية عند إرادة الوقوف:
الإنسان أحياناً قد يكون مُضَّجعاً فيستيقظ من فراشه وهو لا يشعر بشيء، فهذا الدم يكون موزّعاً على طول جسمك وأنت مضَّجع، فإذا وقف الإنسان فجأةً وجب أن ينساق الدم إلى الأسفل وذلك بحسب قانون الجاذبية، و معنى ذلك الإنسان يصاب بإغماء مباشر فوري، فحينما تنوي أن تستيقظ يكون هناك أمر يأمر كل الأوعية الدموية بالتضَيُّق ليبقى الدم في الرأس، والإنسان مع التقدّم بالسن تضعف عنده هذه الآلية، فيُنصح أنه إذا استيقظ ينبغي أن لا يقوم فجأةً، فهل ترى أنت هذه العوامل التي تؤثّر في الأوعية فتجعلها ضيِّقة ؟
الغدة النخامية:
فأنت حينما ترى - لا سمح الله - أفعى في بستان وتُدرٍك أنها أفعى، فإنك تجري في جسمك عمليَّات معقَّدة جداً جداً وأنت لا تشعر، ويكون ذلك خلال ثوان، فهذه العين تنطبع على شبكيتها صورة الأفعى، فتنقل هذه الأفعى إدراكاً إلى الدماغ، و الدماغ ملك الجهاز العصبي، يتصل فوراً بملكة اسمها الغُدَّة النخامية وهي ملكة الجهاز الهرموني، وهذه الملكة من أخطر غدد الإنسان ؛ لأنها لو اضطربت لأصبحت حياة الإنسان جحيماً لا يُطاق، أما وزنها "الكبير جداً" فهو نصف غرام، لكنها رغم ضآلة وزنها تفرز اثني عشر هرمون، فأحد الهرمونات ينظِّم السوائل في الإنسان، و لو أن هذا الهرمون لم يُفرَز فإن الإنسان يجب أن يقضي كل وقته جانب صنبور الماء والمرحاض، فسيشرب عشرين تنكة ماء في اليوم وسيطرحها، و هذا الهرمون ينظّم توازن السوائل، فهل ترى أنت هذا الهرمون ؟ و هل ترى الغُدّة النخامية كلَّها ؟ إن رئيس الجهاز العصبي هو الدماغ، وهو يتصل برئيسة الجهاز الهرموني وهي الغدة النخامية المحترمة، فهناك خطر تصرفي، فهذه الملكة تعطي أمراً لغدتي الكظر اللتين هما فوق الكليتين، والكظر توجد عنده أجهزة و آلات، فيُصدِر خمس أوامر فورية هرمونية لا عصبية، منها أمر إلى الأوعية الدموية بتضييق لمعتها، فالخائف يصفرّ لونه فوراً، لأن الخائف بحاجة إلى الدم للعضلات لا إلى المنظر الوردي الجميل، لأنه الآن خائف فعليه أن ينجو بجلده.
1- الأمر الأول: هرموني هو تضييق الأوعية الدموية في جسم الإنسان ولا سيَّما المحيطية، فالخائف يصفر.
2- الأمر الثاني: فهو إلى القلب حيث يرتفع النبض إلى مائة وثمانين نبضة،فالخائف يحتاج إلى تدفُّق دم سريع لا إلى سير بطيء، فعلى قدر النبضات تكون سرعة الدم، فالنبضات ثمانية نبضة فيمشي الدم بهذا الشكل، أما في مائة وثمانين نبضة فغن يسير الدم سريعاً.
3- الأمر الثالث: إلى الرئتين كي يتناسب وجيب الرئتين مع ضربات القلب.
4- الأمر الرابع: إلى الكبد وهو طرح كمِّية سُكَّر إضافيةٍ في الدم، و توجد الآن مشكلة جديدة طارئة، فيحتاج الإنسان إلى غذاء استثنائي.
الأوامر معقَّدة جداً ؛ إلى الرئتين، و القلب، والجلد، و الكبد، فالكبد يجوز أن يكون فيه صدام مباشر، ويصير فيه جرح..فيذهب أمر إلى الكبد بمضاعفة هرمون التجلُّط لكي لا ينزف الدم كلَّه، فخلال ثوان يصبح هناك إحساس و إدراك وأنت لا تدري، كما يحدث اتصال بين رئيسي الجهازين، فالغدة النخامية أعطت أمراً موحَّداً للكظر، والكظر أعطى خمسة أوامر وأنت لا تشعر، فالخائف يضطرب قلبه، ويزداد وجيب رئتيه، ويصفر لونه، فلو فحصت سكر دمه لرأيته مرتفعاً، فهل ترون هذا أنتم ؟ أبداً.
جهاز في الدماغ لمعرفة اتجاه الصوت:
هناك جهاز في الدماغ يكشف تفاضل وصول الصوتين للدماغ، وعن طريقه تعرف جهة الصوت والفرق بين الصوتين، فلو صرخنا وراء إنسان وكنا على جهة على اليمين فإن الصوت يصل للإذن اليمنى قبل اليسرى بواحد على ألف وستمائة جزء من الثانية، و هذا الجهاز يكشف التفاضل فيعرف جهة الصوت، فهل عرفت أنت ذلك ؟
فيا أيها الإخوة... والله لا أريد أن أُطيل عليكم بالأمثلة، و لو أننا أمضينا في تفسير هذه الآية سنوات وسنوات فلن تنتهي، وهذا كله يدور حول ما لا نبصره، فالأحمق هو الذي يقول: أنا لا أؤمن بشيءٍ إلا إذا رأيته:
وفي كل شيءٍ له آيةٌ.. تدل على أنه واحدٌ
العضلات الهدبية:
و توجد الآن بديهيات في العلم، فعينك مثلاً لها عدسة، والعدسة لها مِحْرَق، والشبكية هي المحرَق، فلكي يقع الخيال على المحرق يوجد لدينا احتمالان: إما أن نغيِّر حركة المحرَق، أو أن نغير احتداب العدسة، فالمحرق ثابت، وبعد الشبكية عن العدسة ثابت، وما بقي هو تحريك العدسة، فإما أن نزيد في احتدابها أو نقلِّص، فمن المسؤول عن ذلك ؟ إنها عضلات هدبية بسيطة جداً، والله لو أن هذه العضلات تحمل دكتوراه في الفيزياء لما استطاعت أن تقيس المسافة وتضغط ضغطاً يتناسب مع وقوع الخيال على الشبكية، و عملية المطابقة هذه من أعقد عمليات العين..

﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (38) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (39)﴾

فالذي لا نبصره أضعافُ أضعافِ الذي نبصره، وعظمة الذي لا نبصره أضعاف أضعاف الذي نبصره، فماذا ترى بعينك ؟ إنك ترى أن الشمس شرقت من الشرق وغربت من الغرب، والحقيقة هي عكس ذلك، فنحن ندور حولها، و ندور حول أنفسنا دورةً كل يوم، لذلك يجب على الإنسان أن يعلم الحقيقة كيفما تحرَّك ؛ فكأس الماء الذي تشربه، والطعام الذي تتناوله، والبيت الذي تسكنه، و الطاقة التي تستخدمها (الكهرباء) من خلقها؟ الله جلَّ جلاله، وقد ترى شجرة فماذا تبصر ؟ إنك تراها في الشتاء حطباً و خشباً فقط، أما في الربيع فهي تزهر، ثم تورق، ثم تثمر، وهذا الذي رأيته.
ورقة الشجر:
أيها الإخوة.. لقد قرأت في موسوعة علمية مترجمة عن النباتات كلمة عن ورقة الشجر أذهلتني، قال: إن أعظم معملٍ صنعه الإنسان حتى الآن يبدو تافهاً أمام الورقة، فما هذه الورقة ؟ إنها تستقبل النُسُغْ الصاعد، وهو عبارة عن ماء محلول فيه أملاح ثماني عشر معدن تقريباً ؛ الفوسفات، والآزوت، والكالسيوم.. إلخ، وهذه هي الأسمدة التي يضعونها الآن في التُربة، وهي أملاح معادن وليست معادن، إنها أملاح معادن قابلة للذوبان، تذوب هذه في الماء ويصعد الماء بخاصّية شعريةٍ معقَّدةٍ جداً.
فهل عند الإنسان سائل يُحْقَن فيكون حديداً تارةً، وإسفنجاً تارةً، وعصيراً تشربه تارةً؟ هل يوجد عندك شيء هكذا ؟ هذا السائل الواحد يعطيك مادة صلبة، ومادة رخوية، ومادة إسفنجية، ومادة غذائية ؟ هذا غير معقول، والنُسُغُ الصاعد وهو يصعد قد يرجع، لكن قيل: إن النبات يحتوي على دَسَّمات، والدسَّمات شيء لا يُصدّق، ونحن أيضاً توجد عندنا دسَّمات، فإذا وقفت خمس ساعات لصعد الدم من الأسفل إلى الأعلى خلاف الجاذبية، إنه يصعد بدفع القلب لكن ما الذي يمنعه من أن يرجع ؟ توجد دسَّمات في الأوردة ( ثلاث وريقات كل فترة ) عندما يأتي النبض تفتح، وعندما ينتهي النبض تغلق، فلا يرجع الدم، وحينما تتعطّل يصاب الإنسان بمرض الدوالي، وهو ينتج عن تعطّل الدسَّمات الصاعدة، وهناك دسَّمات مشابهة في النبات، فالماء الذي يصعد لا يرجع، وذلك عن طريق دسَّمات، أما النسغ النازل فهو لخطورته الوعاء مُحَصَّن بحلزون لكي لا يضغط نمو النبات على لمعته، فهل ترى أنت هذا ؟ وأذكر لكم أن عندنا شجرة حملت هذه السنة فقط والحمد لله، وأكلنا منها، فهل تعرف أن الشجرة معمل صامت ؟ هي معمل صامت ينقِّي لك الجو، فيأخذ فضلاتك الغازية ويعطيك ما تحتاجه من أكسجين، هل تعلم ذلك ؟ الإنسان حينما يمشي في غابة صنوبر يشعر بانتعاش لأنها تُعْطِي الأكسجين بأكبر كمِّية وتأخذ غاز الفحم، فهل أنت تبصر ذلك ؟
الحليب:
عندنا بقرة تعطي أربعين كيلو في اليوم الحمد لله، فهل تعلم كيف يتحول الدم إلى حليب من بين فرثٍ ودمٍ ؟ إن بعض إخواننا المهندسين الزراعين اطّلع على بحث جميل وأطلعني عليه، أن كلمة (فرْث) تعني الفضلات السائلة، فتوجد فضلات غازية هي الزفير، و توجد فضلات سائلة وهي حمض البول الموجود في الدم، وتوجد فضلات صلبة وهي الغائط، فهذه الخلية.. خلية الحليب.. تختار من الدم ما تحتاج ؛ من البروتين و الشحوم والفيتامينات و المعادن، من أجل أن تصنع لك حليباً كامل الدسم، يعدُّ غذاءً كاملاً، يمكن أن تقيم عليه حياتك، و حتى هذه الساعة لا يعلم أحدٌ كيف تعمل هذه الخلية الثديية في البقرة، هي خلية توجد فوقها شبكة أوعية كأنها تنتقي من الدم ما تحتاج، فهي كالعقل، وفي الحليب ثلاثة بالمائة بوتاسيوم، وأربعة بالمائة من الفيتامين الفلاني، و فيه بروتين و شحوم، وسكَّريات، وهو مادة غذائية كاملة، وهناك شيء آخر يقول: أن أربعمائة حجم من دم يساوي حجم حليب واحد، فكل كيلو حليب تشتريه قد ساهم بصنعه أربعمائة لتر دم من البقرة، وهذا الضرع الكبير مقسّم بجدارين متعاكسين من الداخل، فلو أن هناك أربعة إخوة لهم بقرة واحدة فإن كل حلمة من البقرة تُعْطي ربع الكمية بالتمام والكمال، و هي بقرة ساكتة تأكل الحشيش فتعطيك الحليب، فتأكل منه الجبنة، واللبن، والسمن، والقشطة، ومشتقات الألبان، والبوظة في الصيف، و الأرز بحليب في الشتاء، والشمندور، وأشياء لا تعدُّ ولا تحصى من هذا اللبن السائغ للشاربين..

﴿ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خَالِصاً سَائِغاً لِلشَّارِبِينَ ﴾

( سورة النحل: آية " 66 " )

هل ترى ذلك ؟ فهذا الذي لا تراه هو أعظم بمليار مرّة من الذي تراه، فربنا نبّهنا فقال:

﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (38) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (39)﴾

ديدان التربة:
مرَّة اطلعت على مقالة بمجلة مترجمة يقول كاتب هذه المقالة: يمكن أن يُلغى وجود الإنسان [وهو المخلوق الأول ]، فلو فني البشر قاطبةً لكانت الحياة مستمرة، كما لو فني الحيوان بأكمله فإن الحياة مستمرة، إلا أن في التربة ديداناً لو ألغيت لتوقف الحياة، فهل تصدق ذلك ؟ إن الدود في التربة يقوم بعمل يعجز عنه العلماء، فهو يأكل التراب ويعطيه تراباً صالحاً لإنبات النبات، وهذه الديدان إذا أُبيدت انتهت حياة الإنسان من على الأرض لأن التراب لا ينبت، والحيوان يموت، والإنسان يموت بعدها، وهذا لا تراه أنت.
والله هذا الكلام لم يكن مُحَضَّراً، ولكنه خواطر آنية حول هذه الآية، أما لو كان هناك دراسات منهجية في عالم النبات و الحيوان و الأسماك و الفضاء و التربة لرأيت العَجَب العُجاب، وتوجد كل حقيقة لا يصدّقها العقل.
جهاز المناعة:
أنت لا تعرف ما معنى جهاز المناعة، بل إنك تقول: الحمد لله الصحة طيِّبة، والصحة طيّبة لأنه يوجد جهاز مناعة، هذا جهاز المناعة هو عبارة عن جيش يفوق أرقى جيش في العالم، له قيادة، له أسلحة.. وهو يمثل سلاح الطيران، وسلاح المدرَّعات، وسلاح الإشارة، فيوجد فيه سلاح الاستطلاع، فإذا دخل إلى جسم الإنسان جرثومة أعطت القيادة المركزية أمراً لسلاح الاستطلاع، فينطلق سريعاً إلى هذا الجرثوم، لا يقاتله ولكنه يأخذ معلومات فقط، عن تركيبه أو عن شفرته الكيماوية ويعود بها إلى معامل الأسلحة، ففي العقد اللمفاوية توجد معامل أسلحة، ويسلِّم هذا العنصر شفرة هذا الجرثوم وتنتهي مهمته، لأن هناك تنسيقاً، و توجد قيادة حكيمة، فالعنصر الذي في العقد اللمفاوية مهمَّته أن يُصَنِّع مصلاً مضاداً لهذا الجرثوم، فيصنّعه فوراً، وتنتهي مهمَّته هنا، و توجد خلايا ثالثة وهي خلايا مقاتلة.. هؤلاء سلاح المشاة.. يحملون هذا السلاح وينتقلون إلى هذا الجرثوم، ويقاتلونه حتى يقتلوه وتنتهي مهمتهم، و هناك سلاح الخدمات.. سلاح الهندسة.. وهو يأتي لينظف أرض المعركة من الجثث، ويوجد سلاح (كوماندوز) وهذا أعلى شيء، وعنده قدرات عالية جداً، فمن الممكن أن يكتشف شذوذ خلية قبل أن تشذ فيقضي عليها، ولولا هذا السلاح لكان السرطان يعمّ البشر كلّهم، و هذه الخلية تكتشف الشذوذ قبل أن يبدأ وتقضي عليه، أما الشيء الذي لا يصدَّق هو أن هذا الجيش العرمرم الذي في الجسم له قيادته خارج الجسم، و كل جهاز له قيادة، فالعَصَب له الدماغ، والهرمونات لها الغدة النخامية، والدوران له القلب، إلا هذا الجهاز، فقيادته من خارج الجسم، ويقول مؤلف كتابٍ حول هذا الجهاز: ولا نعلم من أين يأخذ أوامره، فيكفي أن ترتفع قدراته القتالية حتى تُلغى كل الأمراض، فإذا تضعضع هذا الجهاز فإن أقل مرض يقضي على الإنسان، قال: إن الحُب، والطمأنينة، والشعور بالأمن يرفع قدرة هذا الجهاز ؛ وإن الخوف والقلق، والحقد والبغض يضعفان هذا الجهاز.
والآن فسّر.. لماذا يصاب الناس بأمراضٍ عضالة ؟ إنه من الشرك، الشرك يعطي خوف، وقلق، واضطراب، والتوحيد أساسه الثقة بالله عزَّ وجل، فالعالم الآن لا يعنيه إلا هذا الجهاز.. جهاز المناعة المكتسب.. فما الذي يضعفه ويدمّره ؟ إنه الانحراف الجنسي.
فقد قرأت قبل شهر -ولم أصدِّق ما قرأت - لقد قرأت عن وزير الصحة البريطاني عقد مؤتمراً صحفياً وهو يحمل دكتوراه في العلوم الإنسانية، قال في المؤتمر: أنا شاذ جنسياً، والله هذا شيء غريب في مؤتمر صحفي ! فهذا الإنسان في آخر الزمان

(( كيف بكم إذا أصبح المعرف منكراً والمنكر معروفاً ؟ كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف ))

كيف بكم ؟

﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (38) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (39)﴾

إن كل هذا الكون المرئي وغير المرئي، وكل ما فيه من مجرّات و كازارات، ومذنَّبات، و كواكب، ونجوم، و أقمار، و سُحُب، والأرض بجبالها، وصحاريها، وبحارها، وأنهارها، وأسماكها، وأطيارها، ونباتاتها، و الإنسان.. فكل ما في الكون يدلُّ على أن هذا القرآن كلام الله، و هذا جواب القسم..

﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (38) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (39) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (40) ﴾

القرآن من عند الله:
إن الرسول ليس مُبْتَدِع، وهذا القرآن ليس من عنده..

﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾

( سورة المائدة: آية " 67 " )

(إنما أنا مُتَّبِع)، وقد قال العلماء: " إما أن هذا الرسول هو سيدنا جبريل، أو هو محمدٌ عليه الصلاة والسلام ". و كلاهما جائز..

﴿ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ ﴾

وهذا القرآن ليس شعراً، ولا نثراً، ولا قصَّةً، هذا كلام الله، فمن الغباء أن توازن بينه وبين الشعر، أو بينه وبين القصة، أو بينه وبين النَثْر، إنه كلام الله..

﴿ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ﴾

فليس من العقل أن ينكر الإنسان شيئاً لم يدرسه، ولا بحث فيه، ولا درس جوانبه، ولا تعمَّق بفهمه، فهل سمعت عن إنسان طرق عليه ساعي البريد وأعطاه رسالةً فجاء الذي تسلَّمها فمزَّقها ولم يقرأها ؟ هذا مستحيل، وهناك من الناس من لا يعظّم هذا الكتاب دون أن يقرأه أو يتعمّق فيه أو يفهم أحكامه، هذا القرآن هو كلام رب العالمين، فكل الكتب في الأرض بكفَّة، وهذا القرآن بكفة أخرى، و الآن يُطبع في اليوم الواحد من كتب في العالم وباللغة الإنكليزية فقط ما لا يستطيع الإنسان أن يقرأه في مائتي عام.. فكم من كتاب في الأرض ؟ وكل هذه الكتب بجميع اللغات في كفَّة وهذا كلام الله في كفَّة ثانية، هذا كلام الله.
قصة:
دخل مُغَنِّ إلى مكتبة في إيطاليا فلفت نظره القرآن الكريم باللغة الأجنبية، فسأل صاحب المكتبة: مَنْ مؤلِّف هذا الكتاب ؟ قال له: الله. فسخر من هذا الكلام واشتراه لينقض هذه الدعوى التي ادّعاها صاحب المكتبة، قرأه فآمن، وأسلم، وترك الغناء، وأنفق ثروته كلَّها في شراء اسطواناته وإتلافها لعل الله يغفر له ذلك، ففي بدء الهداية قيل له: هذا الكتاب ألَّفه خالق الكون، و أشار إلى السماء، ففضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه، فكم هي المسافة بين خالق الكون وبين إنسان حقير ؟ إنها نفس المسافة التي تكون بين كتاب ألَّفه إنسان شاعر أو كاتب أو مفكِّر، وبين كتاب الله، و لا يؤلمني إلا أن يُعدَّ كتاب الله كأي كتاب، هذا قرآن.. هذا كتاب الخالق !

﴿ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾

( سورة فصلت: آية " 42 " )

وهو كتاب من عند الله فيه الحق المُطْلَق، ولا يوجد فيه خطأ أبداً، فما من كتابٍ قرأته إلا وجدت فيه ثغرات بعد حين، وقد قرأت كتاب الله كتاب كثيراً فما وجدت فيه ثغرة واحدة، وهو من أعظم الكتب الدينية، وقد قرأت كتاباً ذكر فيه المؤلف أن الإنسان عندما يأكل يصعد بخار الطعام إلى الدماغ، فكأن الجسم مُفَرَّغ، والمعدة صحن وضع فيه الطعام الحار وبخار هذا الطعام صعد إلى الدماغ، وهذا شيء مضحك لأنه كلام بشر، فهل وجدتم حقيقةً في الأرض تُصادم آيةً قرآنية ؟ هذا مستحيل لأنه كلام خالق الكون.
طبعاً أيها الإخوة...

﴿ فَلَا أُقْسِمُ ﴾

هي عند علماء التفسير بحكم أقسم، بمعنى أن الله عزَّ وجل حينما قال:

﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (38) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (39) ﴾

فجواب هذا القسَم المَنْفي هو:

﴿ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾

أي أن الكون كلّه في كفَّة وكلام الله في كفَّة، والدليل:

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾

( سورة الأنعام: آية " 1 " )

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾

( سورة الكهف: آية " 1 " )

فالله عزَّ وجل خلق الكون ونوَّره بالقرآن الكريم، إذاً:

﴿ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (40) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ (41) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ (42) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ(43)﴾

أحياناً يكون للإنسان دعوى بالقضاء، فيصدر اجتهاد محكمة النقض بخمس كلمات فيقول: لقد ارتحت.. لأن هذا الاجتهاد يغطي دعواي، و دعواي ناجحة.. فكلمة قالها إنسان من اجتهاد بسيط قد لا يؤخذ به يشعرك بالطمأنينة، وربنا عزَّ وجل يطمئن المؤمن في ستمائة صفحة، و يعد المؤمن بجنةٍ عرضها السماوات والأرض، أفلا ينبغي أن نطمئن ؟

﴿ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾

(سورة ابراهيم: آية " 27 " )

والقرآن الكريم..

﴿ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾

وعد الله عزَّ وجل المؤمن بحياة طيّبة، وهو وعد قطعي، كما وعد المعرض بمعيشة ضنك، فلابدَّ من أن يحيا هذه الحياة، ووعد المستقيم بالرزق الوفير، ووعد الخائن بالمَحْق، فأي شيءٍ وعد الله به محقق الوقوع، وأي شيءٍ أَوْعَد الله به محقق الوقوع ما لم يَتُب صاحبه..

﴿ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ ﴾

( سورة المعارج )

لو أن النبي عليه الصلاة والسلام تكلَّم كلمة لم يقلها الله عزَّ وجل، قال:

﴿ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46)﴾

الوتين: هو عرق في القلب إذا انقطع يموت الإنسان..

﴿ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ﴾

أي: أهلكناه..

﴿ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (47) ﴾

أي أن النبي عليه الصلاة والسلام اسمه أمين وحي السماء، فلا توجد كلمة أوحى الله إليها به إلا وذكرها، فهناك أمانة مطلقة، فالله عزَّ وجل يوحي إليه وهو الرقيب عليه..

﴿ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ ﴾

تقوَّل ؛ أي: قال عنَّا قولاً لم نقله..

﴿ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ﴾

بطشنا به..

﴿ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (47) ﴾

لأن كل إنسان في قبضة الله..

﴿ وَإِنَّهُ ﴾

القرآن الكريم..

﴿ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ﴾

لأن الإنسان مفطور على الكمال، فإذا توافقت فطرته مع كتاب الله شعر براحة كبيرة.
أنواع التكذيب:

﴿ وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (48) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (49) ﴾

إما تكذيب قولي، أو اعتقادي، أو سلوكي، فالإنسان عندما يخالف نص القرآن الكريم يكون فعله هذا أحد أنواع التكذيب، لكن التكذيب العملي هذا خطير جداً..
حسرة الكافرين:

﴿ وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾

( سورة المعارج )

و الحسرة لا تكون الآن، لكنها تكون حينما يكتشف أن هذا القرآن الذي أهمله، واتخذه وراء ظهره، وأعرض عنه، ولم يتله آناء الليل وأطراف النهار، ولم يأخذ بأحكامه، ولا بحلاله ولا بحرامه، ولا التصور الذي جاء به القرآن للكون، والحياة، والإنسان، وأنه سبب هلاكه عندئذ تأتيه الحسرة..

﴿ وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾

 

فمثلاً: إذا باع إنسان بيته وهو لا يملك غيره، وباعه بعملة صعبة، ومعه جهاز في جيبه لكشف الزيف في العملة ولكن لم يستخدمه، ثم اكتشف أن الثمن كلّه عملة مزورة ألا يُصْعَق ؟ لكن لماذا يتضاعف ندمه ؟ لأن معه جهاز كشف الزَيف ولكن لم يستخدمه، فالله عزَّ وجل أعطانا منهج وأعطانا عقل، فلا استخدم الإنسان عقله ولا استخدم المنهج..

﴿ وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (50) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (51) ﴾

كل ما فيه حق يقين، وخيار الإنسان مع الإيمان خيار وقت فقط، لأنه لابدَّ من أن يؤمن ولكن بعد فوات الأوان حينما يأتيه ملك الموت..

﴿ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾

( سورة المعارج )

سبحان الله العظيم.