الندوة : 13 - حلاوة الإيمان

2003-11-04

 الحمد لله رب العالمين و أفضل الصلاة و أتم التسليم على حبيب الله رب العالمين، أهلاً و مرحباً بسماحة الشيخ محمد راتب النابلسي، دكتور أنت خطيب و مدرس في مساجد دمشق و ما حولها أيضاً أستاذ مادة الإعجاز العلمي في جامعة الأزهر فرع دمشق، و أنت تحاضر في كلية التربية في جامعة دمشق، دكتور لقاؤكم جميل و رائع دائماً نستزيد و نضفي شيئاً جديداً للقلب لما للإيمان من حلاوة، كيف نتحدث بداية عن حلاوة الإيمان التي دائماً نعتز بها و هي الملاذ و الخلاص للأخ المؤمن أينما كان ؟
 الدكتور راتب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أستاذ جمال هذا الموضوع فيه حديث شريف صحيح يعد أصلاً في هذا الباب، هذا الحديث:

(( عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ ))

[ البخاري، مسلم، الترمذي، النسائي، ابن ماجه، أحمد ]

 وصف أحد العلماء هذا الحديث بأنه حديث عظيم و هو أصل من أصول الدين، فحقائق الإيمان شيء و حلاوة الإيمان شيء آخر.
حقائق الإيمان يكتسبها الإنسان من خلال المدارسة و حلاوة الإيمان تتأتى للمؤمن من خلال المجاهدة، حقائق الإيمان إن لم يعمل بها تستقر في الذاكرة و لا تسمو بالإنسان و لا تسعده بينما حلاوة الإيمان ثمرة يانعة من ثمرات مجاهدة النفس و الهوى، تنبع من القلب و تستقر به، و تسمو بالإنسان و تسعده، و لا يشد الإنسان إلى الدين من خلال حقائق الإيمان وحدها بل من خلال حلاوة الإيمان، التي تدفعه إلى بذل الغالي و الرخيص و النفس و النفيس.
 حقائق الإيمان أن تطلع على خارطة لقصر منيف بينما حلاوة الإيمان أن تسكن ذلك القصر، حقائق الإيمان أن تتلفظ بكلمة ألف مليون، بينما حلاوة الإيمان أن تمتلكها.
 إن حقائق الإيمان يدركها الإنسان بالعقل فيقنع بها و قد تغلبه نفسه فيخالفها، حلاوة الإيمان يتذوقها القلب فتجعله كالمرجل تدفعه إلى أجل الأعمال و أعظم البطولات، فالمريض يجد طعم العسل مراً و الصحيح يذوق حلاوته على ما هي عليه، و كلما نقصت الصحة نقصاً ما نقص تذوق الحلاوة بقدر ذلك، و كذلك الإنسان يذوق حلاوة الإيمان بقدر طاعته للواحد الديان.
 المذيع: فضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي كيف عبر الإسلام و كيف عبرت النبوة عن هذه الحالة المتميزة التي تتحدث عنها؟
 الدكتور راتب: الحقيقة في الحديث ملمح رائع هو أن النبي عليه الصلاة والسلام عبر عن هذه الحالة بالحلاوة لأنها أظهر اللذائذ المحسوسة، أما قوله صلى الله عليه و سلم:

((أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا ))

 فهو الثمن، أن يكون الله أي أمره و نهيه من خلال كتابه، و رسوله من خلال سنته القولية و العملية و الإقرارية، أحب إليه مما سواهما و إنما قال مما سواهما ولم يقل ممن سواهما ليعم من يعقل و من لا يعقل.
 المذيع: دكتور كيف نصل إلى هذه الحالة، أنا كإنسان كيف أستطيع أن أصل إلى حلاوة الإيمان التي تتفضل و تتحدث عنها ؟
 الدكتور راتب: لا تستطيع أن تسكن هذا القصر المنيف إلا إذا دفعت ثمنه.
 المذيع: فما هو الثمن ؟
 الدكتور راتب: الثمن أن يكون الله في قرآنه و النبي في سنته عند التعارض أي عند تعارض النص الشرعي مع مصلحتك المادية الموهومة أحب إليك من أي شيء في الدنيا، فحينما تؤثر الحكم الشرعي و أمر الله و نهيه أو أمر النبي و نهيه حينما تؤثر هذا على مصالحك الموهومة سمح لك أن تذوق عندئذ حلاوة الإيمان.
 أي بشكل مختصر أن يكون الله و رسوله أحب إليه مما سواهما من حظوظه و من مصالحه لأن الشرع الحنيف لا يأمر و لا ينهى إلا لما فيه صلاح عاجل أو خلاص آجل، و العقل يقتضي اتباع تعليمات الصانع حتى يصبح هوى المؤمن تبعاً لما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام.
 المراد أستاذ جمال بالحب: أحب إليه هنا الحب العقلي الذي هو إيثار لما يقتضيه العقل السليم، و إن كان على خلاف هوى النفس، أنت قد لا تحب أكلة تحبها جداً لكن تؤذي بعض الأجهزة تكرهها عقلاً و تحب أكلة خفيفة عقلاً فهناك حب عقلي و حب نفسي، فهنا المحبة يعني بها النبي المحبة العقلية، قد تقوم لعبادة و فيها جهد لكن هذه العبادة لها ثمار طيبة كالحج مثلاً، فالمرء إذا تأمل أن المنعم الحقيقي هو الله تعالى و أنه لا مانح و لا مانع في الحقيقة سواه و أن ما عداه وسائط و أن النبي عليه الصلاة والسلام هو الذي يبين له مراد ربه، اقتضى ذلك أن يتوجه بكليته نحوه فلا يحب إلا ما يحب، و لا يحب من يحب إلا من أجله، و أن يتيقن أن جملة ما وعد و أوعد حق يقيناً، و يخيل إليه الموعود كالواقع فتغدو عنده مجالس الذكر رياضاً من رياض الجنة، محبة الله على قسمين فرض و ندب، فالفرض هو المحبة التي تبعث على امتثال أوامره و اجتناب نواهيه و الرضا بقدره، فمن وقع في معصية من فعل محرم أو ترك لواجب فلضعف محبته لله، حيث قدم هوى نفسه المحرم أو آثر الراحة أو استرسل في المباحات و استكثر منها و قدمها على طاعة الله فأورثته الغفلة و حملته على رجاء ساذج و ظن موهوم، و المحبة المندوبة هي التي تدعوه إلى أن يواظب على النوافل و يتجنب الوقوع في الشبهات و كذلك محبة النبي الكريم على قسمين كما تقدم تعني ألا يتلقى شيئاً من المأمورات و المنهيات إلا من مشكاة النبوة و ألا يسلك إلا طريقته و يرضى بما شرعه حتى لا يجد في نفسه حرجاً مما قضاه و يتخلق بأخلاقه في الجود و الإيثار و الحلم و التواضع و غيرها، فمن جاهد نفسه على ذلك وجد حلاوة الإيمان، و تتفاوت مراتب المؤمنين بحسب ذلك الالتزام و تلك الحلاوة.
 المذيع: كيف نختتم حديثنا دكتور محمد راتب النابلسي هناك دائماً حلاوة الإيمان نجدها على إنسان ما، الأعمال التي يقوم بها هذا الإنسان حتى تترجم إلى واقع ؟
 الدكتور راتب: الحقيقة تترجم حلاوة الإيمان بالإقبال على الطاعات، و تحمل المشاق في المجاهدات، و إيثار ذلك على أعراف الدنيا، باحث مسلم عرف بنتاجه العلمي على المستويين العربي و الدولي و هو أستاذ جامعي له وزنه، و اختصاصه بعلم فزلجة النبات و قد اشتهر بتجاربه العلمية الرائدة و له تجربة فريدة التي قد لا تصدق إلا ن الواقع أثبتها و أكدها قوله تعالى:

 

﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً (44)﴾

 

[ سورة الإسراء: الآية 44]

 يقول هذا الباحث النباتات كما الأجرام السماوية و كما مخلوقات الله الأخرى تشعر و تسمع و تستجيب سلباً أو إيجاباً لما حولها من مؤثرات خارجية هذا ملخص البحث.
 المذيع: في الواقع لا يسعنا دكتور محمد راتب النابلسي إلا أن نشكركم الشكر الجزيل على هذا الكلام الطيب و الرائع الذي يستنبط دائماً من كلام الله عز وجل و هدي النبي الأعظم صلى الله عليه و سلم، نشكركم السلام عليكم و رحمة الله و بركاته.
و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته.