الدرس : 1 - سورة الحاقة - تفسير الآيات 1-8

1997-06-27

 عاقبة المكذبين
 الحمد لله رب العلمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة المؤمنون... مع الدرس الأول من سورة الحاقة.

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿ الْحَاقَّةُ (1) مَا الْحَاقَّةُ (2) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (3) كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ (4) فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (5) وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (6) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (7) فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (8) وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ (9) فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً (10) ﴾

 أيها الإخوة الكرام... ورد في بعض التفاسير: أنه من قرأ إحدى عشرة آية من سورة الحاقة أُجِيَر من فتنة الدجَّال، وأن من قرأها كانت له نوراً يوم القيامة.
 الحاقَّة: القيامة، وإن أخطر شيءٍ في حياة الإنسان هو هذا اليوم الذي يُحاسب فيه عن كلِّ أعماله، فيُعطى حقَّه كاملاً.
 أسباب تسمية يوم القيامة بالحاقة:
 وقد سُمِّيَ هذا اليوم بالحاقَّة لأسبابٍ كثيرة:
 1- السبب الأول:
 سمي يوم القيامة بالحاقة لأن الأمور تَحِقُّ في هذا اليوم ؛ أي: تستقر، فهناك أشياء باطلة و كاذبة ومزوَّرة وطاغية، فكل شيءٍ في هذا اليوم يعود إلى وضعه الطبيعي، ويستقرّ على حجمه الطبيعي و قيمته الحقيقية ؛ فهناك من يعلو، وهناك من يخفض، و هناك من يَقْوى، و هناك من يضعف، و هناك من يغتني، و هناك من يفتقر، فتستقر حركة الناس التي كانت في الحياة الدنيا استقراراً دقيقاً، و كل إنسانٍ منهم يُعطى حجمه الحقيقي، و يٌقيِّم عمله تقييماً صحيحاً، و سُمِّيَت الحاقة لأن الأمور تَحِقُّ فيها، أي تستقر..
لقد ضربت ُّمرَّةً لكم مثلاً فقلت: هناك كرةٌ في بعض جوانب جدرانها قطعةٌ من الرصاص، فمهما دحرجت هذه الكرة لا تستقر إلا إذا كانت قطعة الرصاص في الأسفل، لأن هذا هو الوضع الطبيعي، والإنسان كذلك قد يعلو بغير حق، و قد يغتني و يَقْوَى بغير حق، كما قد يضعُف من دون سبب، وقد يفتقر لأنه أطاع الله عزَّ وجل، فالدنيا دار ابتلاء، و عمل وامتحان و تكليف، و ربنا عزَّ وجل يقول:

 

﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾

 

(سورة الإسراء: آية " 21 " )

 قد تجد إنساناً في الدنيا يملك ألوف الملايين، وقد تجد مائة مليون إنسان لا يملكون درهماً واحداً، كما قد تجد في الدنيا إنساناً قوياً جداً، يستطيع بحركةٍ وإشارةٍ منه أن يفدي آلافاً مؤلَّفة، وقد تجد إنساناً ضعيفاً لا يستطيع أن يغضّ بصره أو أن يحدَّ النظر في شيء، ففي الدنيا يوجد القوي و الضعيف، و الغني و الفقير، و الوسيم و الدميم، والصحيح والمريض، وذلك لأن الحظوظ موزَّعة توزيع ابتلاء..

﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾

 أيها الأخ الكريم... أنت ممتحنٌ في الدنيا، وأنت ممتحنٌ مرَّتين ؛ والامتحان الأول هو فيما أعطاك، والثاني هو فيما سلب منك، فأنت ممتحنٌ إذا كنت قوياً، وممتحنٌ إذا كنت ضعيفاً، و ممتحنً إذا كنت غنياً، وممتحنٌ إذا كنت فقيراً..

﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً ﴾

 الفرق بين مراتب الدنيا ومراتب الآخرة:
 و في الدنيا مراتب الدنيا لا تعني شيئاً، فقد لا يكون الغني القوي الصحيح مكرَّماً عند الله، وقد يكون الفقير المريض الضعيف هو الولي المكرَّم، فمراتب الدنيا لا تعني شيئاً وهي مؤقَّتة، وقد تعني عكس ظاهرها، بينما تعني مراتب الآخرة كل شيء، وهي مستقرَّة، الحاقة ؛ أي: يَحِقُّ في هذا اليوم الحق، فقد يكون الإنسان غنياً في الدنيا، لكن الغنى في الجنة يكون باستحقاقٍ وجدارة مع رضا الله عزَّ وجل، وإذا كان في الدار الآخرة محروماً فهذا الحرمان هو استحقاقٍ دقيق ناتج عدلٍ مطلق، فمراتب الدنيا لا تعني شيئاً إذاً، وهي مؤقتةُ، وقد تعني عكسَ ظاهرها ؛ بينما مراتب الآخرة تعني كل شيء، وهي متوافقةٌ مع عمل صاحبها، كما أنها أبديةٌ لا نهاية لها، لذلك كان السعيد من تحرَّك إلى مراتب الآخرة، و طَمِحَ إلى مقعد صدقٍ عند مَليكٍ مقتدر، و طمح إلى الغنى بعد العرض على الله، كما قال سيدنا علي رضي الله عنه: " الغنى والفقر بعد العرض على الله ".
 فأول معنى من معاني الحاقَّة هو: اليوم الذي تحقُّ فيه الأمور ؛ أي تستقر على وضعها الطبيعي و تُعطى حجمها الحقيقي وقيمتها الحقيقية، فالحق حق والباطل باطل، والخير خير والشر شر، و المعروف معروف، والمنكر منكر ؛ أما في عالم الدنيا فقد يغدو المنكر معروفاً، وقد يغدو المعروف منكراً، و قد يًصدَّق الكاذب وقد يُكذَّب الصادق، وقد يخوَّن الأمين وقد يؤتمن الخائن، كما قد تكون المَراتب ليست وفق أعمال اجتهادهم أصحابها بل وفق نفوذهم وانتمائهم، هكذا هي أمور الدنيا، أما أمور الآخرة فهي مستقرة على وضعها الصحيح و قيمتها الصحيحة وحجمها الصحيح، لذلك هنيئاً لمن كان متفوِّقاً بمقياس الآخرة، والويل لمن ظنَّ التفوق بمقياس الدنيا، لأن الدنيا تذهب من بين يدي الإنسان في ثانيةٍ واحدة، فكل ما جمَّعه الإنسان في عمرٍ مديد يخسره في ثانيةٍ واحدة إذا توقَّف قلبه، أو تجلَّط دمه، فإذا حدث ذلك انتهى، أما المؤمن فتراه ينطلق إلى حياةٍ أبديةٍ كلُّها خيرٌ وهناء.. فقد سميت الحاقة حاقةًً لأن الأمور تَحِقُّ فيها، أي تستقر على وضعها الطبيعي، و تأخذ حجمها الحقيقي و تُعْطَى حجمها الصحيح و تُقَيَّم تقيماً مطلقاً، فرب الكائنات هو الذي يحكم، و رب الوجود هو الذي يفصل، و خالق الأكوان هو الذي يعطي أو يمنع..
 2- السبب الثاني:
 قيل: سُمِّيَت الحاقَّة حاقَّةً لأنها محققة الوقوع، فما من حدثٍ في حياة الإنسان أشد واقعيةً وتحقُقاً من هذا اليوم، فإذا ضربنا الجامعة مثلاً وسألنا: ما أخطر يومٍ في الجامعة ؟ إنه يوم الامتحان، فإن لم تنجح في هذا اليوم فلا قيمة لكل هذا العام الدراسي، و لا قيمة لكل الدوام، و لا قيمة للمصاريف التي دفعتها ولا الكُتب التي اقتنيتها ولا الدروس التي حضرتها، ولا الوظائف التي أَدَّيْتَها، لأن الامتحان حسم كل ذلك وأنهاه، فأخطر يومٍ في العام الدراسي هو يوم الامتحان، وما من يومٍ محقق الوقوع كيوم الامتحان، فأي طالبٍ غفل عن هذا اليوم فهو أحمق..
سُئِلَ مرَّةً أحد الطلاب الذين نالوا الدرجة الأولى على طُلاَّب القطر: بم نلت هذه الدرجة العالية ؟ فأجاب إجابةً أعجبتني، قال: لأن يوم الامتحان ما غاب عن ذهني ولا ساعةً واحدة طوال العام الدراسي. وكل واحد من المؤمنين إذا جعل هذا اليوم (الحاقة) أمام عينيه وأدخله في كل حساباته ؛ في تجارته، و بيعه، و شرائه، و حديثه، و نظره، وسمعه، و بطشه، و سيره، و شؤون بيته، و شؤون عمله، و شؤون أفراحه و أتراحه، إذا أَدْخَلْتَ هذا اليوم المحقق الوقوع، و الذي يكون فيه الحساب دقيقاً والعمل مقيَّماً فقد نجحت وفزت، أما إذا غفلت عن هذا اليوم المصيري فقد وقعت في خطلٍ وخطأٍ كبيرين.

﴿ الْحَاقَّةُ ﴾

 فالأمور تَحِقُّ فيها، أي: تستقر على وضعها الصحيح،و تقيمها الدقيق و حجمها الحقيقي، وذلك بميزان خالق السماوات والأرض.
 والسبب الثاني لهذه التسمية هو أن هذا اليوم مُحَقُّق الوقوع، فلا يمكن إلا أن يقع، لأنه حتمي الوقوع، فالإنسان أحياناً يتوقَّع أن هذا الشيء قد يقع أو لا يقع، وهو في شكٍ منه، فَسَمَّى الله يوم القيامة:

﴿ الْحَاقَّةُ ﴾

 لأنها محققة الوقوع..

﴿ وَأَنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا ﴾

( سورة الحج: آية " 7 " )

﴿ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾

( سورة الحجر )

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93) ﴾

( سورة الحجر )

﴿ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾

( سورة الصافات )

 من العاقل الذكي الفائز الفالح الناجح المتفوِّق ؟ إنه ذلك الذي أدخل هذا اليوم في دقائق حياته ؛ في نظرته و كلمته و حركته و سكنته، و منعه و عطائه و ابتسامته و عبوسه وغضبه و رضاه و عمله في بيته و تجارته وكسبه للمال و إنفاقه له..

﴿ الْحَاقَّةُ ﴾

 فالحساب فيه دقيق، وأعمال الإنسان ستُعْرَض عليه بكل تفاصيلها ؛ صغيرها وكبيرها..

﴿ مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾

( سورة الكهف )

 السبب الثالث:
 سُمِّيَ هذا اليوم ( يوم القيامة ) بالحاقَّة لأن هذا اليوم يُعْطَى فيه كلّ صاحب حقٍ حَقَّه، فكم من مظلومٍ في عالم الدنيا، و كم من خاسرٍ يستحق أن يكون رابحاً، و كم من رابحٍ يستحق أن يكون خاسراً، و كم من قويٍ ينبغي أن يكون ضعيفاً، وكم من ضعيفٍ ينبغي أن يكون قوياً، و كم من متطاولٍ حقه أن يُتطاول عليه، فالدنيا دار ابتلاء..
 " إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء، ومنزل ترحٍ لا منزل فرحٍ فمن عرفها لم يفرح لرخاء، ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى، وجعل الآخرة دار عقبة، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضاً، فيأخذ ليعطي ويبتلي ليجزي ".
 و سُمِّيَ يوم القيامة بالحاقَّة لأن كل إنسانٍ يُعْطَى حقَّه كاملاً غير منقوص..

 

 

﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾

 

 

( سورة آل عمران: آية " 185 " )

﴿ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾

( سورة الفرقان )

﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾

( سورة الطور )

﴿ مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (19) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (20) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (21) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (22) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (23) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (24) ﴾

( سورة الحاقة )

 سُمِّيَ يوم القيامة بالحاقَّة لأنه في هذا اليوم يُعْطَى كل ذي حقٍ حقَّه كاملاً، فلا يُمكن لأحد أن يقول: أنا مظلوم، لم آخذ حقي، لقد هُضِمَ حقي، و لم يعرف الناس قيمتي، و لم يعطوني استحقاقي، فهذا يقال في الدنيا، أما الآخرة، فقد قال تعالى عنها:

﴿ وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾

( سورة يونس )

﴿ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾

( سورة الزمر )

 أيها الإخوة الكرام... هذا هو السبب الثالث لتسمية يوم القيامة بالحاقَّة ؛ لأن هذا اليوم يُعْطَى فيه كل ذي حقٍ حَقَّه.
 4- السبب الرابع:
 سمي يوم القيامة بيوم الحاقة لأنه يوم الغلبة للباطل، يقولون في اللُّغة: حاققته فحققته ؛ أي: غالبته فغلبته، فأعداء الدين الذين يُريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم فيقعون في الخندق الآخر، و يَسْعَوَن جاهدين في حياتهم الدنيا لإعلاء كلمة الباطل و إطفاء نور الله عزَّ وجل، هؤلاء سوف يُغلَبون..قال تعالى:

﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾

( سورة آل عمران )

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ﴾

(سورة الأنفال: آية " 36 " )

 في هذا اليوم يُقْهَرُ الباطل بكل فِرَقِه و جماعاته و قِواه، فقد تجد الباطل الآن قوياً جداً، كما قد تجد للباطل قِلاعاً و مكانة كبيرة في عالم الدُنيا، وقد يكون الباطل بيده مقاليد الأمور، فهناك من يدَّعي أن العالم كلُّه في قبضته، قال تعالى:

 

﴿ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾

 

(سورة يونس: آية " 24)

 فإذا رأيت للباطل جولةً، إذا رأيت لأهل الكفر والضلال قيمةً وقوةً، وهيمنةً، واستطالةً، وسيطرةً، وتحكُّماً، وتغطرساً، إن رأيت لهؤلاء شأناً في الحياة الدنيا يجب أن تعلم علم اليقين أنهم مغلوبون في يوم القيامة لأن هذا اليوم يملكُه الله وحده..

﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) ُ﴾

( سورة الفاتحة )

 حاققته فحققته ؛ أي: غالبته فغلبته، وسُمِّيَ هذا اليوم بالحاقة ؛ لأن الباطل في هذا اليوم يُدْحَر ويُغلَب، فقد يكون في الدنيا شأن للباطل..

 

﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾

 

( سورة الأنعام: آية " 94 " )

 إن هذه التجمُّعات في الدنيا لا قيمة لها في الآخرة، و هذا التعاضد على الباطل والتكاتف من أجل إطفاء نور الله سيتلاشى يوم القيامة والله وحده هو الذي يحكم بين الناس.
 والحاقَّة والحقَّة والحق: لغاتٌ ثلاث بمعنى واحد، فالحق هو الله، والآية الكريمة تقول:

 

﴿ مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ ﴾

 

( سورة الأحقاف: آية " 3 " )

 أي: إن الحق لابسَ خَلْقَ السماوات والأرض، وإن أردنا أن نعرف معنى الحق في هذه الآية، فإننا نعرفه بالقرآن الكريم نفسه، قال تعالى:

﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾

( سورة الأنبياء )

 فالحق يتناقض مع اللَّعِبْ، وقد خلق الله السماوات والأرض بالحق..

﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾

 و الحق نقيض اللَّعب..

﴿ مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ ﴾

 و الحق نقيض الباطل، فالباطل هو الشيء الزائل، والحق هو الشيء الثابت، والباطل اللِّعب والعبث، والحق هو الشيء الهادف، فالحق من خصائصه الثبوت والسمو، فإذا قلت: خلق الله السماوات والأرض بالحق ؛ أي: خُلِقت لتبقى من أجل الهدفٍ كبير، وقد كان خلق الإنسان بالحق ؛أي: إنه خُلِقَ ليسعد إلى أبد الآبدين، فالحق يعني الثبات والسمو، و هذا اليوم يُعْطَى كُلُّ ذي حقٍ حقَّه، ويعلم الذين كفروا أي منقلبٍ ينقلبون، و في هذا اليوم يعرف الإنسان الشارد أن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق جميعاً ليُسْعِدَهُم و يرحمهم..

﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾

( سورة هود: آية " 119 " )

 خيارك مع الإيمان خيار وقت فقط !!
 أيها الإخوة... هناك نقطة دقيقة جداً: وهي أن خيارك مع الإيمان ليس خيار قَبولٍ أو رفض، فهناك أشياء كثيرة خيارك معها خيار قَبولٍ أو رَفْض، فقد يُعرض عليك بيت فترفضه لصغر مساحته أو وضاعة مكانه أو بعده عن الشمس، وقد يُعرض عليك عمل فترفضه لأن الراتب قليل، وقد تُعرض عليك تجارة فترفضها لأن فيها مُخاطَرَة، فهناك أشياء كثيرة خيارك معها خيار قبول أو رفض، غير أن خيارك مع الحق هو خيار وقت فقط، فلابدَّ من أن تؤمن بما جاء به الأنبياء شئت أم أَبَيْت، ولكن يكون هذا الإيمان قد يكون بعد فوات الأوان ن في الوقت غير المناسب، و بعد أن تخسر الآخرة، فالخيار مع الإيمان خيار وقتٍ لا خيار قبولٍ أو رفضٍ، فلذلك:

﴿ الْحَاقَّةُ﴾

 هذا اليوم الذي يقوم فيه الناس لرب العالمين..

﴿ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾

( سورة الفجر )

﴿ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾

( سورة الزمر: آية " 56 " )

﴿ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً ﴾

( سورة الفرقان: آية " 27 " )

﴿ يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَاناً خَلِيلاً (28) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي ﴾

( سورة الفرقان )

 فنحن خيارنا مع الإيمان خيار وقت فقط، فإن آمنا في الوقت المناسب سَعِدنا ونجحنا، وإن آمنا بعد فوات الأوان خِبْنا وخسرنا.

﴿ الْحَاقَّةُ ﴾

 فالحاقة إذاً لها أربعة معاني..

﴿ الْحَاقَّةُ ﴾

 ما: اسم استفهام ؛ أي:ما هي الحاقَّة ؟ و هذا أسلوبٌ قرآنيٌّ معجز للفت النظر إلى خطورتها و قيمتها و هَوْلِها، وإلى العدل المُطْلَق الذي يكون فيها، لأن أخطر أيام الإنسان هو هذا اليوم الذي يقف فيه بين يدي الله عزَّ وجل ليُحَاسب عن كل أعماله..

﴿ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾

( سورة الصافات )

 ورد في الأثر:

(( أن الأغنياء يُحشرون أربع فرقٍ يوم القيامة ؛ فريقٌ جمع المال من حلال وأنفقه في حرام فيقال: خذوه إلى النار.. حسابه سريع.. وفريقٌ جمع المال من حرام وأنفقه في حلال فيقال: خذوه إلى النار.. حسابه سريع.. وفريقٌ جمع المال من حرامٍ وأنفقه في حرام.. حسابه أسرع.. فيقال: خذوه إلى النار.. بقي الفريق الرابع الذي جمع المال من حلال وأنفقه في حلال هذا يقال له: قفوه فاسألوه هل تاه بماله على عباد الله؟ هل قصَّر في أداء فريضةٍ أو صلاة ؟ هل قال جيرانه من حوله: يا رب لقد أغنيته بين أظهرنا فقصَّر في حَقِّنا ؟ فيقول عليه الصلاة والسلام: تركته ومازال يُسأل ويُسأل ))

 الحاقة أخطر يوم في حياتنا، ففي الدنيا لك أن تقول ما شئت، و لك أن تدَّعي ما شئت، و لك أن تستعلي على خلق الله، و لك أن تبذِّر المال، و لك أن تجمع المال من أي طريقٍ شئت، و لك أن تنفقه في الحلال والحرام، و لك أن تقول كلاماً غير صحيح، لكن هذا اليوم تَحِقُّ فيه الحقائق، وتستقر فيه الأمور، ويُعطى كل ذي حقٍ حقه هو محقق الوقوع، وهو اليوم الذي لا شك فيه..

﴿ مَا الْحَاقَّةُ ﴾

 أسلوب للتهويل، والتعظيم، وبيان خطورة هذا اليوم..

﴿ مَا الْحَاقَّةُ ﴾

 هل أنبأك أحدٌ عنها ؟ هل عَرَفْتَ خطورتها ؟ هل عرفت مصير الناس فيها ؟ هل عرفت أنها يوم الفصل، أنه يوم العدل، أنه يوم الدين، أنها يوم الدينونة ؟ ثم قال:

﴿ ا وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ ﴾

 

قال العلماء:

﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ ﴾

 أي: لأن أحداً لم يُعْلِمْكَ من قبل ما الحاقة، و ذلك من أجل أن يكون هذا المعنى قوياً في نفوسنا.
 الفرق بين (أدراك )، و( يدريك ):
 ما قال العلماء: لقد قال الله تعالى:

﴿ وَمَا أَدْرَاكَ ﴾

 أي: إن الله لم يعلم النبي عنها لكن سيعلمه، وقد الآن أعلمه عن الحاقة عن طريق هذه الآيات، أما إذا قال: وما يدريك، أي أنه لن يُعْلِمَهُ، لأن هذا من شأن الله عزَّ وجل..

﴿ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾

( سورة الشورى: آية " 17 " )

 إذا قرأت القرآن ورأيت فيه (وما أدراك )، فاعلم الله عزَّ وجل سيخبر نبيه بذلك، أما إذا قرأت في القرآن قوله تعالى:

﴿ وَمَا يُدْرِيكَ﴾

 فاعلم أن الله عزَّ وجل لن يخبر نبيه بذلك، وأن هذا من شأن الله وحده، لذلك قال العلماء: " حينما قال الله عزَّ وجل:

﴿ وَمَا أَدْرَاكَ ﴾

 

 فالمعنى هنا أن النبي صلى الله عليه وسلم يدري وصفها ولكن لم يعاينها ". وشتَّان ما بين الوصف والمعاينة، فليس الخبر كالعيان، و قد تقول: لا دخان بلا نار، وتكون بذلك قد استعملت العقل، واستنبطت استنباطاً يقينياً أنه لا دخان بلا نار، فلو رأيت دخاناً علمت أن وراء الجدار نار، وقد تأتي خلف الجدار وترى النار بعينك، فتكون بذلك قد دخلت في علم اليقين، وقد تقترب من النار فتشعر بوهْجِها، أما حينما تضع يدك فوقها فهذا يكون شيئاً آخر، لأن هذا العيان، و ليس الخبر كالعيان، و الله سبحانه وتعالى أخبر النبي عن هذه الحاقَة ولكن النبي لم يعاينها، ونحن في حياتنا نعرف أن وصف الألم شيء وأن تذوق الألم شيءٌ آخر، وأن وصف الفقر شيء وأن تذوق الفقر شيءٌ آخر..

﴿ وَمَا أَدْرَاكَ ﴾

 أي لم تعاينها، فليس الخبر كالعيان، ومهما وصفنا يوم القيامة وصفاً دقيقاً فإننا لا نكون كمن يعاينها، فقد تقرأ أحياناً عن زلزال، أو عن طائرةً سقطت فمات جميع ركاَّبها، فلو كان هناك إنسان في طائرة فاضطربت وشعر أن هناك خطراً ما، ثم اضطربت واضطرب طاقم الطائرة، و صار هناك إنذار، فإن قلب الإنسان عندئذ يكاد ينخلع، فإذا احترقت في الجو وأتيح لإنسان أن ينجو، ثم قيل له: صف ماذا حدث، فهذا الوصف شيء وقراءتك الخبر عن طائرةً سقطت ومات جميع ركابها هو شيءٌ آخر، فالخبر شيء والمعاينة شيء، فهذا اليوم ينسى فيه الإنسان كل شيء، و قد تقع عين الأم على ابنها يوم القيامة فتقول: يا بني جعلت لك في الدنيا صدري سقاءً، وحجري وطاءً، وبطني وعاءً فهل من صدقةٍ يعود علي خيرها اليوم ؟ يقول لها ابنها: ليتني أستطيع ذلك يا أماه إنما أشكو مما أنتِ منه تشكين..

﴿ فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾

( سورة المؤمنون )

﴿ فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (6) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (7) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (8) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (9) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (10) نَارٌ حَامِيَةٌ (11) ﴾

( سورة القارعة )

 قال بعض العلماء: " بلغني أن كل شيءٍ في القرآن.. وما أدراك.. قد أدراه إياه وعلَّمه ". إذا قال الله:

﴿ وَمَا أَدْرَاكَ ﴾

 لقد أدرى ربنا نبيَّه وعلّمه، وكل شيءٍ في القرآن جاء بلفظ.. وما يدريك.. فهو مما لم يعلمه ولن يعلمه، أي: إن مضمون (وما يدريك) متعلقٌ بذات الله، فهو من شأن الله عزَّ وجل، أما الذي قال الله عنه:

﴿ وَمَا أَدْرَاكَ ﴾

 أي أن الله جلَّ جلاله أدرى نبيَّه بعد ذلك، وقال أحد العلماء أيضاً: " كل شيءٍ قال الله فيه: وما أدراك فإنه أخبر نبيه به، وكل شيءٍ قال الله فيه: وما يدريك فإنه لن يخبر نبيه به "..

﴿ الْحَاقَّةُ (1) مَا الْحَاقَّةُ (2) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (3) كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ (4) ﴾

 بها أي أنظر إلى هؤلاء الذين كذَّبوا بهذا اليوم ما مصيرهم ؟ الآن يوجد درس عملي..
 معاني القارعة:

﴿ الْحَاقَّةُ (1) مَا الْحَاقَّةُ (2) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (3) كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ (4) ﴾

 القارعة من أسماء يوم القيامة، وسميت بالقارعة لأنها تَقْرَعُ الناس بأهوالها، وتقول العرب: نعوذ بالله من قوارع فلان ونوازعه وقوارص لسانه، وتقول: العبد يقرَع بالعصا، أي: بالضرب القاسي، و الخبر المفزع، و الشيء الصاعق هي القارعة.. فقد تقرأ أخباراً كثيرة في الصحف عن عالم التجارة فلا تعيرها اهتماماً، أما الخبر الذي يقول إن كل المستودعات أو إن كل هذا المال صودر احترقت أو إن كل التجارة أخفقت فهو ليس بخبر عادي، فالتاجر قد يقف أمام هذا الخبر وقد يضرب التاجر جبهته بعد سماعه، كما أنه قد يقع مغمياً عليه، و قد يُصاب بجلطة، فتوجد أخبار في الدنيا صاعقة.. والدنيا مؤقتة، أما الخبر الذي يشيب له الولدان فهو: القارعة، فال تعالى:

﴿ كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ ﴾

 سميت القارعة قارعةً لأنها تقرع الناس بأهوالها، وقيل إن قوارع القرآن هي الآيات التي يقرأها الإنسان إذا فزع من الجنّ أو الإنس ؛ كآية الكُرسي، و سورة الفَلَق، وسورة النَّاس، فإذا خاف الإنسان قرأها لتهدأ نفسه، وبعضهم قال: " القارعة مأخوذةٌ من القُرْعَة أي القرعة ترفع قوماً وتخفض آخرين، تعطي وتمنع ". أي يوجد في الآخرة ميزان آخر، وهذا معنى قوله تعالى:

﴿ إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (1) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (2) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (3) ﴾

( سورة الواقعة )

 إنك قد تجد إنساناً في أعلى درجات الغنى، لكنه يوم القيامة مع الفقراء المحرومين، وقد تجد إنساناً فقيراً جداً في الدنيا، و هو يوم القيامة مع الأغنياء المرموقين..

﴿ خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾

 من هنا قال عليه الصلاة والسلام:

 

(( ألا يا رب نفسٍ طاعمةٍ ناعمةٍ في الدنيا جائعةٍ عاريةٍ يوم القيامة، ألا يا ربَُّ نفسٍ جائعةٍ عاريةٍ في الدنيا طاعمةٍ ناعمةٍ يوم القيامة، ألا يا ربَّ مكرمٍ لنفسه وهو لها مهين، ألا يا ربَّ مهينٍ لنفسه وهو لها مكرم))

 و هذه القارعة..

 

﴿ خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾

 من القُرعة، فقد تسحب قرعة فإذا بها ينالها فلاناً ويخسرها فلاناً.
 يوجد معنى آخر: القارعة هي العذاب الذي ينزل في الدنيا، فثمود في بعض معاني هذه الآية كذَّبت بالقارعة ؛أي: كذَّبت بوعيد الأنبياء..

﴿ وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً﴾

( سورة الجن )

﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾

( سورة البقرة: آية " 279 " )

 فالذين يتعاملون بالربا كذَّبوا هذه الآية، ولم يعبؤوا بوعيد الله عزَّ وجل.
 إذاً يمكن أن تكون القارعة يوم القيامة لأنها تقرع الناس بأهوالها، ويمكن أن تكون القارعة العذاب الذي تَوَعَّد الله به العصاة في الدنيا، وهناك من الناس من هو عاص منحرف متلبِّس بالمال الحرام، تذكِّره بوعيد الله فلا يأبه بل يسخر، فهذا يمكنك أن تقول له:

﴿ كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ ﴾

 أي كذَّبوا بالعذاب الذي نزل بهم في الدنيا..

﴿ اكَذَّبَتْ ثَمُودُ ﴾

 ثمود هم قوم صالح، وعادٌ قوم هود..
الطاغية:

﴿ افَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ ﴾

( سورة الحاقة )

 أي بالفعلة الطاغية، أو بالصيحة الطاغية المجاوزة للحد، وما هي إلا صيحة واحدة جعلتهم صَرعى كهشيمٍ المحتظر، و الآية تقول:

﴿ إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾

( سورة يس )

 فلو أنك لو وجدت حشرة صغيرة جداً حجمها أقل من حجم النملة فإنك لا تحتاج معها إلا إلى ضربةٍ واحدة، و لا تحتاج ضربتين، و مهما كان الإنسان قوياً فهو ضعيفٌ ضعيفٌ ضعيف أمام عظمة الله عزَّ وجل..

 

((أنا ملك الملوك ومالك الملوك، قلوب الملوك بيدي، فإن العباد أطاعوني حوّلت قلوب ملوكهم عليهم بالرأفة والرحمة، وإن هم عصوني حولتها عليهم بالسخطة والنقمة، فلا تشغلوا أنفسكم بسَبِّ الملوك وادعوا لهم بالصلاح فإن صلاحهم بصلاحكم ))

 إذاً:

 

﴿ فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾

 أي: بفعل الله، بفعلة الله الطاغية التي طغت عليهم فسحقتهم، أو بالصيحة الطاغية، ومعنى الطاغية ؛ أي: المجاوزة للحد الطبيعي.. فالشام شهدت عشرات الزلازل في هذا العام ؛ منها ثلاث درجات على مقياس ريختر ومنها أربع، أما لو كانت سبع درجات لأصبحت الأرض أثراً بعد عين..

﴿ قَاعاً صَفْصَفاً (106) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجاً وَلَا أَمْتاً (107)﴾

( سورة طه )

 فهناك حد، و سرعة الرياح الطبيعية مائة وخمسون كيلو متر، فماذا يحدث لو أصبحت سبعمائة ؟ إنك لن تجد بيتاً قائماً، ولو كان الصقيع عشرين درجة تحت الصفر فإنك لن تجد ثمرة في الصيف تأكلها..

﴿ فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ﴾

( سورة القلم )

﴿ فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ ﴾

 أي: بعقاب تجاوز الحد الطبيعي ؛ فهناك برد مقبول، و رياح مقبولة، و زلزال مقبول ؛ يبلغ درجتين أو ثلاث، أما إذا بلغ سبعاً أو ثمانية لكان هذا دماراً كاملاً، و هناك رياح عاتية مقبولة، أما إذا جاوزت الحد لكان الدمار الكامل، وهناك صقيع مقبول، أما إن أصبحت درجة الحرارة سبعين تحت الصفر لكان هذا دماراً كاملاً..

﴿ فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ ﴾

 

 أي: بالصيحة المجاوزة للحد، والآية المؤكِّدة لهذا المعنى هي:

﴿ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾

( سورة القمر )

 أي كانوا كالهشيم وهو شيء مُبَعْثَر، وقالوا: الطاغية: الصاعقة، وقال مجاهد وهو أحد العلماء:

﴿ فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ ﴾

 أي: بسبب طغيانهم ومجاوزتهم للحد ". وقال بعضهم: " بطغيانهم وكفرهم " وقال بعضهم الآخر:

﴿ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ ﴾

 " أي بعاقر الناقة " و عاقر الناقة واحد فما ذنب الباقين ؟ قال: لأنهم أقرّوا ذلك وشجّعوه على عمله، وأيَّدوه بفعلته فاستحقّوا جميعاً الهلاك..

﴿ وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ ﴾

( سورة الحاقة )

 الريح الصرصر:
 هي الريح الباردة التي تُحرِق ببردها، فإذا أمسك الإنسان أداة معدنية حرارتها عشرين تحت الصفر فإن جلده يلصق بها، وتحترق يده من شدة البرد، فاليد تحترق من شدة الحر ومن شدة البرد، و قد تسقط بعض أعضاء الإنسان في بعض المناطق القطبية، فريحٍ صرصرٍ ؛أي: باردةٍ تُحْرِقُ الناس، وكلمة صرصرٍ مأخوذةٍ من الصَر وهو البرد الشديد، أو ريحٍ ذات الصوت الشديد، والرياح إذا هبَّت عاتيةً لها صوتٌ مخيف..

﴿ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ ﴾

 أو شديدة السموم، عاتية ؛ أي: عتت على خُزَّانها فلم تطعهم.. وهذا معنى جديد.. تفلّتت؛ أي: تفلَّتت من السيطرة، كأن الملك موكلٌ بهذه الريح، فقد تتفلَّت هذه الريح أحياناً من سيطرة الملك، و ورد في الحديث الشريف أنَّه:

(( ما أرسل الله من نسمةٍ من ريحٍ إلا بمكيالٍ، ولا قطرةٍ من ماءٍ إلا بمكيالٍ إلا يوم عادٍ ويوم نوحٍ، فإن الماء يوم نوحٍ طغى على الخُزَّان فلم يكون لهم عليه سبيل ))

 ثم قرأ قوله تعالى:

﴿ إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾

( سورة الحاقة )

 والريح لمَّا كان يوم عادٍ عتت على الخُزَّان فلم عليها سبيل، ثم قرأ:

﴿ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (6) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ ﴾

 أي أرسلها وسلَّطها، والتسخير استعمال الشيء بالاقتدار..

﴿ سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً ﴾

 متتابعة..

﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾

( سورة البروج )

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (2) ﴾

( سورة الحج )

 أنتم تقرؤون عن بعض المصائب التي وقعت في بعض البلاد، فيقال: هناك إعصار دمَّر ما قيمته ثلاثين مليار دولار، وهناك صقيع أتلف مئات الملايين من المحاصيل، و نحن في حياتنا الدنيا نسمع أخباراً كثيرة عن مصائب، وكوارث، وزلازل، وأشياء ينخلع لها القلب ونحن لم نزل في الدنيا قبل الآخرة، الآية الكريمة:

﴿ وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (6) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً ﴾

 أي: متتابعة، فإذا طالت موجة الحر لبعض الوقت فإن الناس يضجرون، وإذا كالت موجة البرد طالت يضجر الناس أيضاً، فهناك مشكلات لا يحتملها الناس إن استمرت..
حسوماً...

﴿ سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾

 معنى حسوماً ؛ أي: متتابعات، ومعنى حسوماً ؛ أي: حسمتهم و استأصلتهم من شأفتهم.. وانتهوا.. فهناك معالجة، و تأديب، و مصيبة، و قصم، قال تعالى:

﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾

 فالإنسان في قبضة الله دائماً وكأنه مربوطٌ بحبلٌ مرخى، و في أية لحظة يُشَد الحبل فإذا هو في قبضة الله، يقال: حُسِمَ الأمر ؛أي: انتهى، فإذا ارتكب إنسان جريمة فأُعدِم فإن إعدامه حسم، أما إن سُجِنَ فقط فهناك أمل في أن يخرج، وذلك بإصدار العفو عنه، وهناك أمل أن يهرب مادام مسجوناً، أما إذا أُعدِم فقد انتهى الأمر ؛ أي: حُسِمَ..

﴿ سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً ﴾

 الحسمُ هو الاستئصال، ويسمى السيف حُسَاماً لأنك به تستأصل المشكلة، فإذا ضربته بالسيف فقطعت رأسه انتهى الأمر، ولذلك سمِّي الحُسام حساماً، وحسمتهم ؛أي: قطعتهم وأذهبتهم، و لم أُبق منهم أحدا ً، و الحُسُوم: الشُؤم، فهذه الرياح تحسم الخير عن أهلها، فقد تجد أحياناً بعض الرياح التي تتلفت كل المحاصيل، كما أن هناك صقيعاً يحرق كل الثمار، و الحسم الشؤم أيضاً، وفي آيةٍ أخرى قال تعالى:

﴿ فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾

( سورة فصلت: آية " 16 " )

 من هنا قال النبي عليه الصلاة والسلام:

 

((اللهمَّ إنا نعوذ بك من فجأة نقمتك، وتحول عافيتك، وجميع سخطك))

 فجأةً ينصبّ العذاب صبّاً، فيفقد الإنسان بصره، ويفقد حركته، وعند الله مصائب لا تُعَدُ ولا تُحصى.. نسأل الله السلامة " لكن عافيتك أوسع لنا يا رب "، فالإنسان لا ينبغي أن يصل له إلى طريقٍ مسدود، وقد كنت أضرب هذا المثل:
 إذا ارتكب إنسان جريمة قتل فحُكِم بالإعدام، و صُدِّق الحكم، و سيق إلى حبل المشنقة، وهو على حبل المشنقة فقد وصل إلى طريقٍ مسدود، فإن أراد أن يبكي فليبكِ لأنه لابدَّ من أن يُشنَق، و إن أراد أن يضحك فليضحك، و إن أراد أن يستعطف فليستعطف، و إن أراد أن يبقى جلداً فليبق جَلداً، فأي شيءٍ يفعله لابدَّ من الشنق بعده، فهذا الحسم، والبطولة أن تبقي لك مع الله صلة، و ترجع إليه، وتستغفره، و تتوب إليه، و تصطلح معه ؛ لا أن تركب رأسك و تبالغ في الطغيان لأن الله عزَّ وجل جبَّار..

 

﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾

 وحسوماً ؛ أي: رياحاً أفنتهم عن آخرهم، حسوماً: استأصلتهم من شأفتهم، والله عزَّ وجل يوجد عنده عذاب استئصال وهلاك..

﴿ فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى ﴾

 والآن قد تسمع في بعض الأخبار عن خمسمائة ألف قتيل في جنوب أفريقيا خلال يومين، و مائة ألف في مقبرة جماعية.. وهذا الشيء يتكرر..

﴿ فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾

 صرعى جمع صريع ؛ أي: موتى من الريح..

﴿ فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾

 لا يوجد أحد، هل ترى لهم من فرقةٍ باقية ؟ من نفسٍ باقية ؟ هل ترى لهم من بقية ؟ من بقاء ؟ كانوا سبع ليالٍ وثمانية أيام أحياء في عذاب الله من الريح، فلما أمسوا في اليوم الثامن ماتوا، فاحتملتهم الريح فألقتهم في البحر، فأصبحوا لا يُرى إلا مساكنهم، والآن توجد قنبلة حديثة جداً إن ألقيت على مدينة لا تؤذي بناءً، ولا طريقاً، ولا جسراً بل تقتل الإنسان فقط وهي القنبلة (النيترونية ).
أيها الإخوة... لابدَّ من الصُلح مع الله، و لابدَّ من طاعته، و لابدَّ من معرفته قبل فوات الأوان.